اختلَف الفُقهاءُ فيما لو اشتُرِطَ جَميعُ الرِّبحِ لِلمُضاربِ.
فقال الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ والشافِعيَّةُ في مُقابلِ الأصَحِّ: لو شُرِطَ جَميعُ الرِّبحِ لِلمُضارِبِ فهو قَرضٌ، وإذا لَم يُمكِنْ تَصحيحُها مُضاربةً تُصحَّحُ قَرضًا؛ لأنَّه أتى بمَعنى القَرضِ، والعِبرةُ في العُقودِ بِمعانيها، وعلى هذا إذا شُرِط جَميعُ الرِّبحِ لِرَبِّ المالِ فهو إبضاعٌ؛ لِوُجودِ مَعنى الإبضاعِ.
قال الحَنابِلةُ: وإذا قال: «خُذْه فاتَّجِرْ به والرِّبحُ كلُّه لكَ»، فالمالُ المَدفوعُ قَرضٌ لا قِراضٌ؛ لأنَّ اللَّفظَ يَصلُحُ له، وقد قُرِن به حُكمُه، فانصرَف إليه كالتَّمليكِ، والرِّبحُ كلُّه لِلعاملِ، لا حَقَّ لِرَبِّ المالِ فيه، أي: الرِّبحِ، وإنَّما يَرجِعُ بمِثلِ ما دفَعه.
وليسا -أي: الإبضاعُ والقَرضُ- بشَركةٍ ولا مُضاربةٍ؛ لِعَدمِ تَحقُّقِ معناها فيهما.
فإنْ زاد رَبُّ المالِ مع قَولِه: «والرِّبحُ كلُّه لكَ ولا ضَمانَ عليكَ»،
[ ٨ / ٤١٩ ]
فهو قَرضٌ شُرِط فيه نَفيُ الضَّمانِ، فلا يَنتَفي؛ لأنَّه شَرطٌ فاسِدٌ لِمُنافاتِه مُقتَضى العَقدِ.
وقال الشافِعيَّةُ في الأصَحِّ: فلو قال: قارَضتُك على أنَّ الرِّبحَ كلَّه لي، أو كلَّه لك، فسَد العَقدُ، اعتِبارًا باللَّفظِ، ولأنَّه على خِلافِ مُقتَضى العَقدِ؛ فإنْ عمِل العامِلُ ورَبِح كان الرِّبحُ كلُّه لِرَبِّ المالِ؛ لأنَّه نَماءُ مالِه، ولِلعامِلِ أُجرةُ المِثلِ؛ لأنَّه عَمِل على عِوضٍ، ولَم يُسلَّمْ له، فكان له أُجرةُ المِثلِ (^١).
وقال المالِكيَّةُ: يَجوزُ اشتِراطُ رِبحِ القِراضِ كلِّه لِرَبِّ المالِ، أو لِلعاملِ أو لِغَيرِهما؛ لأنَّه مِنْ بابِ التَّبرُّعِ، ويَكونُ إطلاقُ القِراضِ عليه حينَئذٍ مَجازًا، ويَلزَمُهما الوَفاءُ بذلك إنْ كان المُشترَطُ له مُعيَّنًا، وقيلَ: ويُقضى به إنِ امتَنعَ المُلتزِمُ منهما، فإنْ لَم يَقبَلِ المُعيَّنُ فإنْ كان هناك عُرفٌ بقَدْرِ ما لِلعاملِ مِنَ الرِّبحِ في مِثلِ ذلك القِراضِ عُمِل به، وإلا فهل يُقسَمُ الرِّبحُ بينَهما بالسَّويَّةِ، أو يَكونُ كقِراضٍ وقَع بجُزءٍ مُبهَمٍ، وأمَّا إنْ كان لغَيرِ مُعَيَّنٍ كالفُقراءِ؛ فإنَّه يَجِبُ مِنْ غَيرِ قَضاءٍ.
ويَضمنُ العامِلُ المالَ إذا أخَذَه على أنَّ الرِّبحَ كلَّه له؛ لأنَّه حينَئِذٍ يُشبِهُ السَّلَفَ، اللَّهمَّ إلا أنْ يَنفيَ العامِلُ الضَّمانَ بأنْ يَقولَ عندَ أخْذِه المالَ: أنا
_________________
(١) «روضة الطالبين» (٣/ ٧٤٤، ٧٤٥)، و«البيان» (٧/ ١٩٥، ١٩٦)، و«مغني المحتاج» (٣/ ٣٤٦) و«النجم الوهاج» (٥/ ٢٦٦)، و«الديباج» (٢/ ٤٣٠، ٤٣١)، و«بدائع الصانع» (٦/ ٨٦)، و«مختصر اختلاف العلماء» (٤/ ٤٤، ٤٥)، و«كشاف القناع» (٣/ ٥٩٦)، و«شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٦٥، ٥٦٦).
[ ٨ / ٤٢٠ ]
لا ضَمانَ علَيَّ في المالِ إذا تَلِف، وكذلك لا ضَمانَ عليه إذا سُمِّيَ المالُ قِراضًا، أي: ولو شُرِط عليه الضَّمانُ، أي: ويَكونُ قِراضًا فاسِدًا.
فالضَّمانُ عليه مَشروطٌ بشَرطَيْن:
الأولُ: إنْ لَم يَنفِ الضَّمانَ عن نَفْسِه، أو لَم يَنفِه عنه رَبُّ المالِ؛ فإنْ نَفاه بأنْ قال: ولا ضَمانَ علَيَّ، أو قال له رَبُّه: ولا ضَمانَ عليكَ، لَم يَضمَنْ؛ لأنَّه زيادةُ مَعروفٍ.
والآخَرُ: ألَّا يُسمِّيَ ذلك قِراضًا؛ فإنْ قال له رَبُّ المالِ: «اعمَلْ في هذا المالِ على القِراضِ»، فلا ضَمانَ عليه في المَشهورِ، خِلافًا لِسَحنونٍ، ولو اشتَرط عليه الضَّمانَ، ولكنَّه مع اشتِراطِ الضَّمانِ يَكونُ قِراضًا فاسِدًا يُفسَخُ قبلَ العَملِ (^١).