قد يَختلِفُ رَبُّ المالِ والعاملُ في كَونِ رأسِ المالِ كان مُضاربةً أو قَرضًا، وهذا له حالتان:
الحالةُ الأُولى: أنْ يَختلِفا فيَقولَ العامِلُ: «كان قَرضًا»، ويَقولَ رَبُّ المالِ: «كان مُضاربةً»:
إذا اختلَف رَبُّ المالِ والعاملُ في كَونِ رأسِ المالِ كان مُضاربةً أو قَرضًا، كما إذا دفَع إلى رَجلٍ ألفًا يَتَّجِرُ فيه فرَبِح، فقال العامِلُ: «كان قَرضًا لي رِبحُه كلُّه»، وقال رَبُّ المالِ: «كان مُضاربةً، رِبحُه بينَنا»، فقد اختلَف الفُقهاءُ: هل القَولُ قَولُ رَبِّ المالِ أو قَولُ الآخَرِ الذي أخذَ المالَ.
فذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ القَولَ قَولُ رَبِّ المالِ؛ لأنَّ المُضارِبَ يَدَّعي عليه التَّمليكَ وهو مُنكِرٌ، ولأنَّه مِلكُه، فكان القَولُ قَولَه في صِفةِ خُروجِه عن يَدِه، ولأنَّ الإذنَ في التَّصرُّفِ مُستفادٌ مِنْ جِهةِ رَبِّ المالِ فالقَولُ قَولُه في بَيانِ الإذنِ والتَّسليطِ.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: فإذا حلَف قَسَّمنا الرِّبحَ بينَهما ويَحتمِلُ أنْ يَتحالَفا ويَكونَ لِلعامِلِ أكثَرُ الأمرَيْن مما شرَطه له مِنَ الرِّبحِ أو أجرُ مِثلِه؛ لأنَّه إنْ كان الأكثَرُ نَصيبَه مِنَ الرِّبحِ فرَبُّ المالِ مُعترَفٌ به وهو يَدَّعي الرِّبحَ كلَّه، وإنْ كان أجرُ مِثلِه أكثَرَ فالقَولُ قَولُه في عَملِه مع يَمينِه، كما أنَّ القَولَ قَولُ رَبِّ المالِ في رِبحِ مالِه؛ فإذا حلَف قَبلَ قَولِه بأنَّه ما عمِل بهذا الشَّرطِ؛ وإنَّما عمِل لغَرضٍ لَم يَسلَمْ له فيَكونُ له أجْرُ المِثلِ.
[ ٨ / ٥٧٥ ]
فإنْ أقاما البَيِّنةَ فالبَيِّنةُ بَيِّنةُ المُضارِبِ عندَ الحَنفيَّةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ؛ لأنَّها تُثبتُ التَّمليكَ، ولأنَّه لا تَنافيَ بَينَ البَيِّنتَيْن لِجَوازِ أنْ يَكونَ أعطاه بِضاعةً أو مُضاربةً ثم أقرَضَه.
وفي قَولٍ عندَ الحَنابِلةِ إنْ أقامَ كلٌّ منهما بَيِّنةً بدَعواه تَعارَضت البَيِّنتانِ وسَقَطتا ويُقسَّمُ الرِّبحُ بينَهما نِصفَيْن، نَصَّ عليه الإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ؛ لأنَّ الأصلَ بَقاءُ مِلكِ رَبِّ المالِ عليه وتَبعُ الرِّبحِ، لكنْ قد اعتَرَف بنِصفِ الرِّبحِ منه لِلعامِلِ فبَقيَ المُتبقِّي على الأصلِ (^١).
وذهَب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ إلى أنَّ القَولَ قَولُ العامِلِ بيَمينِه؛ لأنَّ رِبحَ المالِ هنا مُدَّعًى في الرِّبحِ فلا يُصدَّقُ، ويَكونُ الرِّبحُ جَميعُه لِلعامِلِ وبَدلُ القَرضِ في ذِمَّتِه ولا يُقبَلُ قَولُه في دَفعِ المالِ لِرَبِّه إلا ببَيِّنةٍ مُؤاخَذةٍ له بمُقتَضى دَعواه، ويَترتَّبُ عليه أحكامُ القَرضِ (^٢).
قال الشَّرْوانيُّ ﵀: واعلَمْ أنَّ هذا مُصوَّرٌ بالاختِلافِ مع بَقاءِ المالِ … فلو كان الاختِلافُ هنا بعدَ التَّلفِ فالآخِذُ مُقِرٌّ بالبَدلِ لِمُنكِرِه كما هو ظاهِرٌ، فلو أقاما بَيِّنتَيْن -أي فيما لو كان المالُ باقِيًا- اتَّجه تَقديمُ بَيِّنةِ الآخِذِ؛ لأنَّ معها زيادةَ عِلمٍ على قياسِ ما تَقدَّم (^٣).
_________________
(١) «المبسوط» (٢٢/ ٩٣)، و«بدائع الصانع» (٦/ ١١٠)، و«مختصر الوقاية» (٢/ ١٩٣)، و«مجمع الضمانات» (٢/ ٦٦١)، و«المغني» (٥/ ٤٦)، و«المبدع» (٥/ ٣٧)، و«كشاف القناع» (٣/ ٦١٣)، و«شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٨٧).
(٢) «التاج والإكليل» (٤/ ٤٣٧)، و«حاشية الدسوقي» (٥/ ٣١٢)، و«حواشي الشرواني» (٦/ ١٠٥).
(٣) «حواشي الشرواني» (٦/ ١٠٥).
[ ٨ / ٥٧٦ ]
الحالةُ الأُخرى: أنْ يَختَلِفا، فيَقولَ العامِلُ: «كان مُضاربةً»، ويَقولَ رَبُّ المالِ: «كان قَرضًا»:
إذا اختلَف رَبُّ المالِ والعامِلُ في كَونِ رأسِ المالِ كان مُضاربةً أو قَرضًا، كما إذا دفَع إلى رَجلٍ ألفًا فتَلِف أو ما شابَه، فقال العامِلُ: «كان مُضاربةً، وتَلِف، ولا شَيءَ لكَ عِندي»، وقال رَبُّ المالِ: «كان قَرضًا ويَجِبُ عليكَ رَدُّ مِثلِه».
فقال الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ وأشهَبُ مِنَ المالِكيَّةِ: القَولُ قَولُ العامِلِ؛ لأنَّهما اتَّفَقا على أنَّ الأخذَ كان بإذنِ رَبِّ المالِ، ورَبُّ المالِ يَدَّعي على المُضارِبِ الضَّمانَ وهو يُنْكِرُ فكان القَولُ قَولَه.
وإنْ أقامَ كلٌّ منهما بَيِّنةً فالبَيِّنةُ بَيِّنةُ رَبِّ المالِ عندَ الحَنفيَّةِ، وهو الصَّحيحُ عندَ الشافِعيَّةِ؛ لأنَّ المُدَّعَى عليه يَدَّعي سُقوطَ الضَّمانِ مع اعتِرافِه بقَبضِه، ولأنَّ معها زيادةَ عِلمٍ.
والوَجهُ الآخَرُ عندَ الشافِعيَّةِ: بَيِّنةُ العامِلِ أوْلى (^١).
وهذا الحُكمُ عندَ الحَنفيَّةِ فيما إذا عَمِل بالمالِ، أمَّا إذا لَم يَكُنْ عَمِل بالمالِ وضاعَ فالقَولُ قَولُ رَبِّ المالِ، قال السَّرخَسيُّ ﵀: ولو وُضِع في المالِ ثم قال العامِلُ: «دَفعتَه إلَيَّ مُضاربةً»، وقال رَبُّ المالِ: «دَفعتُه إليكَ
_________________
(١) «بدائع الصانع» (٦/ ١١٠)، و«مختصر الوقاية» (٢/ ١٩٣)، وابن عابدين (٨/ ٣٢١)، و«تحبير المختصر» (٤/ ٥٣٤)، و«البيان» (٧/ ٢٣٦)، و«روضة الطالبين» (٣/ ٧٦٦)، و«أسنى المطالب» (٢/ ٣٩٢)، و«النجم الوهاج» (٥/ ٢٨٥)، و«حواشي الشرواني» (٦/ ١٠٥)، و«حاشية عميرة على كنز الراغبين» (٣/ ١٤٤).
[ ٨ / ٥٧٧ ]
قَرضًا»، فالقَولُ قَولُ رِبِّ المالِ؛ لأنَّ الإذنَ مُستفادٌ مِنْ جِهتِه، فالقَولُ قَولُه في بَيانِ صِفتِه، ولأنَّ العاملَ يَزعُمُ أنَّه كان نائِبًا عن رَبِّ المالِ في العَملِ، ورَبُّ المالِ يُنْكِرُ ذلك، فالقَولُ قَولُه، وإنْ أقاما البَيِّنةَ فالبَيِّنةُ بَيِّنةُ رَبِّ المالِ أيضًا؛ لأنَّه يُثبِتُ ببَيِّنتِه سَببَ تَمليكِ المالِ منه بالفَرضِ ووُجوبِ الضَّمانِ دَينًا له في ذِمَّتِه، فكانت بَيِّنتُه أوْلَى بالقَبولِ، ولأنَّه لا تَنافيَ بينَ البَيِّنتَيْن فالقَرضُ يُردُّ على المُضاربةِ فيُجعَلُ كأنَّه دَفعَه إليه مُضاربةً ثم أقرَضه منه، ولا يُمكِنُ أنْ يُجعلَ على عَكسِ هذا؛ لأنَّ المُضاربةَ لا تَرِدُ على القَرضِ، والقَرضَ يَرِدُ على المُضاربةِ.
ولو لَم يَكُنْ عَمِل بالمالِ وضاعَ فالقَولُ قَولُ المُضارِبِ؛ لأنَّ رَبَّ المالِ يَدَّعي عليه سَببَ الضَّمانِ، والمُضارِبَ يُنكِرُ، وتَكونُ البَيِّنةُ بَيِّنةَ رَبِّ المالِ؛ لِإثباتِه الضَّمانَ دَينًا في ذِمَّةِ المُضارِبِ.
ثم الفَرقُ بينَ هذا والأولِ أنَّ في هذا الفَصلِ تَصادَقا على أنَّه قبَضها بإذنِ المالِكِ، وذلك غَيرُ مُوجِبٍ لِلضَّمانِ عليه، فبَقيَت دَعوى رَبِّ المالِ سَببَ الضَّمانِ، وفي الفَصلِ الأولِ عَملُ العامِلِ في مِلكِ الغَيرِ سَببٌ مُوجِبٌ لِلضَّمانِ، وقد ظهَر ذلك، فيَحتاجُ إلى سَبَبٍ مُسقِطٍ لِلضَّمانِ عن نَفْسِه، وهو كَونُه نائِبًا عن المالِكِ في عَملِه في المالِ مُضاربةً، ولا يَثبُتُ هذا المُسقَطُ إلا بالبَيِّنةِ، ولا يُقالُ: تَصادَقا أنَّ عَملَه حصَل بإذنِ رَبِّ المالِ وتَسليطِه، فلا يَكونُ سَببًا لِوُجوبِ الضَّمانِ عليه؛ لأنَّ رَبَّ المالِ يَزعُمُ أنَّه عَمِل لِنَفْسِه في مالِ نَفْسِه؛ فإذا لَم يَثبُتِ المِلكُ له لا يَكونُ هو عامِلًا بإذنِ رَبِّ المالِ،
[ ٨ / ٥٧٨ ]
كما أقَرَّ به، فيَبقى عامِلًا في المالِ بغَيرِ إذنِه، وذلك مُوجِبٌ لِلضَّمانِ عليه (^١).
وقال المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ: القَولُ قَولُ رَبِّ المالِ مع يَمينِه؛ لأنَّ العامِلَ قد أقَرَّ بأنَّ له قِبَلَه مالًا، ويَدَّعي أنَّه لا ضَمانَ عليه فيه، والأصلُ في القابِضِ لِمالِ غَيرِه الضَّمانُ، ولأنَّ الأصلَ تَصديقُ المالِكِ في كَيفيَّةِ خُروجِ مالِه مِنْ يَدِه.
فلو أقاما بَيِّنتَيْن، قُدِّمت بَيِّنةُ العامِلِ عندَ الحَنابِلةِ؛ لأنَّ معها زيادةَ عِلمٍ؛ لأنَّها ناقِلةٌ عن الأصلِ، ولأنَّه خارِجٌ (^٢).