لا خِلافَ بينَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ على جَوازِ أنْ يَدفعَ رَبُّ المالِ مالَه مُضاربةً لِأكثَرَ مِنْ واحِدٍ، إلا أنَّهم اختَلَفوا فيما لَهما مِنَ الرِّبحِ، هل
_________________
(١) «مواهب الجليل» (٧/ ٣٥٠، ٣٥١)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٢٩٨)، و«شرح مختصر خليل» (٦/ ٢١٦)، و«تحبير المختصر» (٤/ ٥٢٢)، و«منح الجليل» (٧/ ٣٥٥).
[ ٨ / ٥٣٠ ]
يُشترطُ أنْ يَكونَ بحَسَبِ عَمَلِهما أو يَجوزُ أنْ يَكونَ مُتفاضِلًا مع تَساوي العَملِ، ومُتساويًا مع تَفاضُلِ العَملِ؟
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى جَوازِ أنْ يَتساوَيا في العَملِ ويَتفاضَلا في الرِّبحِ، وأنْ يَتفاضَلا في العَملِ ويتساوَيا في الرِّبحِ.
قال الحَنفيَّةُ: إذا دفَع رَجلٌ إلى رَجلَيْن ألفَ دِرهَمٍ مُضارَبةً على أنَّ ما رزَق اللهُ ﷾ في ذلك مِنْ شَيءٍ فلأحَدِهما بعَينِه نِصفُ الرِّبحِ ولِلآخَرِ سُدسُ الرِّبحِ ولِرَبِّ المالِ ثُلثُ الرِّبحِ فهو جائِزٌ على ما اشتَرَطا؛ لأنَّ رَبَّ المالِ شرَط على كلِّ واحِدٍ مِنَ المُضاربَيْن جُزءًا مَعلومًا مِنَ الرِّبحِ وفاوَت بينَهما في الشَّرطِ لِتَفاوُتِهما في الهِدايةِ في التِّجارةِ المُربِحةِ، وذلك صَحيحٌ.
ولو دفَع رَجلانِ إلى رَجلَيْن ألفَ دِرهَمٍ مُضاربةً على أنَّ لِأحدِ المُضارِبَيْن بعَينِه مِنَ الرِّبحِ الثُّلثَ ولِلآخَرِ السُّدسَ وأنَّ ما بَقيَ مِنْ صاحبَيِ المالِ لِأحَدِهما ثُلثُه ولِلآخَرِ ثُلثاه، فعَمِلا ورَبِحا فنِصفُ الرِّبحِ لِلمُضاربَيْن على ما اشتَرَطا، ثُلثاه لِأحَدِهما ولِلآخَرِ ثُلثُه؛ لأنَّ الاستِحقاقَ لَهما بالشَّرطِ، وهكذا شرَط لَهما، والنِّصفُ الآخَرُ بينَ صاحبَيِ المالِ نَصفان؛ لأنَّ استِحقاقَهما باعتِبارِ رأسِ المالِ، وقد تَفاوَتا في ذلك، فاشتِراطُ الفَضلِ لِأحَدِهما فيما بَقيَ مِنْ غَيرِ أنْ يَكونَ له في نَصيبِ صاحِبِه مالٌ أو عَملٌ يَكونُ شَرطًا فاسِدًا.
[ ٨ / ٥٣١ ]
ولو دفَع إلى رَجُلَيْن ألفَ دِرهَمٍ مُضارَبةً على أنَّ لِأحَدِهما ثُلثَ الرِّبحِ ولِلآخَرِ مِئةَ دِرهَمٍ فثُلثُ الرِّبحِ لِلمُضارِبِ الذي شُرِط له ثُلثُ الرِّبحِ، وما بَقيَ مِنَ الرِّبحِ لِرَبِّ المالِ، وعليه أجْرُ المِثلِ لِلمُضارِبِ الآخَرِ فيما عَمِلَ؛ لأنَّ المُضاربةَ فيما بينَه وبينَه فاسِدةٌ باشتِراطِه له مِقدارًا مُسمًّى مِنَ المالِ، وهذا المُفسِدُ غَيرُ مُمكِنٍ فيما هو مِنْ صُلبِ العَقدِ بينَه وبينَ الذي شُرِط له ثُلثُ الرِّبحِ فاستحَقَّ هو ثُلثَ الرِّبحِ بالشَّرطِ؛ لِصِحَّةِ العَقدِ بينَهما؛ فإنْ لَم يَعمَلا به حتى أبضَعَ أحَدُهما المالَ مع صاحبِه فعَمِل به أيَّهما كان، فكذلك الجَوابُ؛ لأنَّا قد بَيَّنَّا أنَّ عَملَ أحَدِهما بإذنِ صاحِبِه كعَمَلِهما إذا كان العَقدُ صَحيحًا في حَقِّهما، أو فاسِدًا، فكذلك إذا كان صَحيحًا في حَقِّ أحَدِهما فاسِدًا في حَقِّ الآخَرِ.
والمُضارِبُ الذي شُرِط له مِئةُ دِرهَمٍ أجرُ مِثلِه في العَملِ بنِصفِ المالِ سَواءٌ كان هو العامِلَ أو كان صاحِبُه هو العاملَ؛ لأنَّ عَملَه في النِّصفِ لِصاحِبِه، وعَملَ صاحِبِه في النِّصفِ له، فيَكونُ كعَمَلِه بنَفْسِه.
وقالوا: ولو دفَع إلى رَجلَيْن مالًا مُضاربةً وأمَرَهما بأنْ يَعمَلا في ذلك برأيَيْهما فليس لِواحِدٍ منهما أنْ يَشتريَ ويَبيعَ إلا بأمْرِ صاحِبِه؛ لأنَّه رَضيَ وفَوَّض الأمرَ في العَملِ إلى رأيَيْهما، ورأيُ الواحِدِ لا يَكونُ كرأيَيِ المُثَنَّى.
فباعتبارِ هذه الزِّيادةِ لا يَنفُذُ تَصرُّفُ أحَدِهما وَحدَه، وفي الوَكيلَيْن الجَوابُ كذلك.
ولو دفَع إلى رَجلَيْن ألفَ دِرهَمٍ مُضاربةً فعَمِلا بها ورَبِحا رِبحًا فادَّعى
[ ٨ / ٥٣٢ ]
أحَدُهما أنَّه شرَط لهما نِصفَ الرِّبحِ وادَّعى الآخَرُ أنَّه شرَط لَهما الثُّلثَ، وادَّعى رَبُّ المالِ أنَّه شرَط لَهما مِئةَ دِرهَمٍ مِنَ الرِّبحِ فالقَولُ قَولُ رَبِّ المالِ؛ لأنَّ المُضارِبَ يَستحِقُّ الرِّبحَ على رَبِّ المالِ بالشَّرطِ فهُما يَدَّعيانِ عليه استِحقاقَ جُزءٍ مِنَ الرِّبحِ، ورَبُّ المالِ يُنْكِرُ ذلك، فالقَولُ قَولُه مع يَمينِه؛ فإنْ أقاما شاهدَيْن فشَهِد أحَدُهما بنِصفِ الرِّبحِ والآخَرُ بثُلُثِ الرِّبحِ ففي قياسِ قَولِ أبي حَنيفةَ لا تُقبلُ هذه الشَّهادةُ؛ لِاختِلافِ الشاهِدَيْن في المَشهودِ به لَفظًا، ويَكونُ لِلمُضاربَيْن أجرُ مِثلَيْهما فيما عَمِلا؛ لأنَّ رَبَّ المالِ أقَرَّ لهما بذلك، فيأخُذانِ ذلك منه مِنَ الوَجهِ الذي يَدَّعيانِه وعِندَهما الشَّهادةُ جائِزةٌ لِلمُضارِبِ الذي ادَّعى نِصفَ الرِّبحِ، ويَكونُ له مِنَ الرِّبحِ سُدسُه؛ لأنَّه مُدَّعٍ لِلأكثَرِ، فلا يَكونُ مُكذِّبًا أحَدَ شاهِدَيْه، ولكنَّ الشَّهادةَ تُقبَلُ له في مِقدارِ ما اتَّفَق الشاهِدانِ عليه مَعنًى، وهو سُدسُ الرِّبحِ، ولِلآخَرِ أجرُ مِثلِه؛ لأنَّه صارَ مُكذِّبًا أحَدَ شاهِدَيْه، وهو الذي شَهِد له بأكثَرَ مما ادَّعاه؛ فإذا بَطلَت شَهادَتُهما له كان له أجرُ مِثلِه كما أقَرَّ به رَبُّ المالِ (^١).
قال الشافِعيَّةُ: يَجوزُ أنْ يُقارِضَ المالِكُ الواحِدُ اثنَيْن، كزَيدٍ وعَمرٍو مُتفاضِلًا ومُتساويًا فيما شرَط لَهما مِنَ الرِّبحِ، ثم إذا قارَض الواحِدُ اثنَيْن وشرَط لَهما نِصفَ الرِّبحِ بالسَّويَّةِ جازَ، ولو شرَط لِأحدِهما نِصفَ الرِّبحِ ولِلآخَرِ رُبعَه، فإنْ أبهَمَ لَم يَجُزْ، وإنْ عَيَّن الثُّلثَ لِهذا والرُّبعَ لِهذا جازَ؛ لأنَّ عَقدَ الواحِدِ مع اثنَيْن كعَقدَيْن.
_________________
(١) «المبسوط» (٢٢/ ٣١، ٤٦، ١٨٦)، وابن عابدين (٨/ ٣٢٧)، و«الهندية» (٤/ ٢٩٦، ٢٩٧).
[ ٨ / ٥٣٣ ]
ويَجوزُ أنْ يُقارِضَ الاثنانِ عامِلًا واحِدًا؛ لأنَّ ذلك كعَقدٍ واحِدٍ، ثم إنْ تَساوَيا فيما شُرِط فذاك، وإنْ تَفاوَتا كأنْ شرَط أحَدُهما النِّصفَ والآخَرُ الرُّبعَ؛ فإنْ أبهَما لَم يَجُزْ، أو عَيَّنا جازَ إنْ عَلِم بقَدْرِ ما لِكلٍّ منهما، ويَكونُ الرِّبحُ بعدَ نَصيبِ العامِلِ بينَ المالِكَيْن بحَسَبِ المالِ؛ فإنْ كان مالُ أحَدِهما ألفَيْن، والآخَرِ ألفًا، وشرَط لِلعامِلِ نِصفَ الرِّبحِ اقتَسما نِصفَه الآخَرَ بينَهما أثلاثًا على نِسبةِ مالَيْهما؛ فإنْ شرَط غَيرَ ما تَقتَضيه النِّسبةُ فسَد العَقدُ؛ لِما فيه مِنْ شَرطِ الرِّبحِ لِمَنْ ليس بمالِكٍ ولا عامِلٍ (^١).
وقال الحَنابِلةُ: يَجوزُ أنْ يَدفعَ الرَّجلُ مالًا مُضاربةً إلى رَجلَيْن ويَجوزُ أنْ يَتساوَيا في الرِّبحِ مع تَفاوُتِ عَملِهما، وأنْ يَتفاضَلا في الرِّبحِ مع تَساوي عَملِهما، كما في الشَّركةِ؛ لأنَّ العَملَ مما يُستحَقُّ به الرِّبحُ فجازَ أنْ يَتفاضَلا في الرِّبحِ مع وُجودِ العَملِ منهما، وذلك لأنَّ أحَدَهما قد يَكونُ أبصَرَ بالتِّجارةِ مِنَ الآخَرِ وأقوى على العَملِ فجازَ له أنْ يَشترطَ زيادةً في الرِّبحِ في مُقابلةِ عَملِه.
وأمَّا المُضاربةُ التي فيها شَركةٌ فهي أنْ يَشتركَ مالان وبَدَنُ صاحِبِ أحَدِهما، مِثلَ أنْ يُخرِجَ كلُّ واحِدٍ منهما ألفًا ويأذنَ أحَدُهما لِلآخَرِ في التِّجارةِ بهما، فمهما شرَطا لِلعامِلِ مِنَ الرِّبحِ إذا زادَ على النِّصفِ جازَ؛ لأنَّه مُضارِبٌ لِصاحبِه في ألفٍ، ولِعامِلِ المُضاربةِ ما اتَّفقا عليه بغَيرِ خِلافٍ، وإنْ شرَطا لَه دونَ نِصفِ الرِّبحِ لَم يَجُزْ؛ لأنَّ الرِّبحَ يُستحَقُّ بمالٍ وعَملٍ، وهذا
_________________
(١) «روضة الطالبين» (٣/ ٧٤٦، ٧٤٧)، و«مغني المحتاج» (٣/ ٣٤٩، ٣٥٠)، و«نهاية المحتاج» (٥/ ٢٦٣)، و«النجم الوهاج» (٥/ ٢٧٢، ٢٧٣)، و«الديباج» (٢/ ٤٣٣، ٤٣٤).
[ ٨ / ٥٣٤ ]
الجُزءُ الزائِدُ على النِّصفِ المَشروطِ لِغَيرِ العامِلِ لا مُقابِلَ له، فبطَل شَرطُه، وإنْ جعَلا الرِّبحَ بينَهما نِصفَيْن فليس هذا شَرِكةً ولا مُضارَبةً؛ لأنَّ شَرِكةَ العِنانِ تَقتَضي أنْ يَشترِكا في المالِ والعَملِ، والمُضارَبةُ تَقتَضي أنَّ لِلعامِلِ نَصيبًا مِنَ الرِّبحِ في مُقابلةِ عَملِه، ولَم يَجعَلا له ههنا في مُقابَلةِ عَملِه شَيئًا، وغَنِما، جعَلا الرِّبحَ على قَدْرِ المالَيْن وعَملُه في نَصيبِ صاحِبِه تَبرُّعٌ فيَكونُ ذلك إبضاعًا، وهو جائِزٌ إنْ لَم يَكُنْ ذلك عِوَضًا عن قَرضٍ؛ فإنْ كان العامِلُ اقتَرَض الألفَ أو بَعضَها مِنْ صاحِبِه لَم يَجُزْ؛ لأنَّه جعَل عَملَه في مالِ صاحبِه عِوضًا عن قَرضِه وذلك غَيرُ جائِزٍ.
وأمَّا إذا اشتَرك بَدنانِ بمالِ أحَدِهما مِثلَ أنْ يُخرِجَ أحَدُهما ألفًا ويَعمَلا جَميعًا فيه؛ فإنَّ لِلعامِلِ الذي لا مالَ له مِنَ الرِّبحِ ما اتَّفقا عليه؛ لأنَّه مُضارِبٌ مَحضٌ، فأشبَهَ ما لو يَعمَلُ معه رَبُّ المالِ.
فحصَل مما ذَكَرنا أنَّ الرِّبحَ بينَهما على ما اصطَلَحا عليه في جَميعِ أنواعِ الشَّركةِ سَواءٌ، كما ذَكَرنا في المُضاربةِ التي فيها شَركةٌ على ما شَرَحنا.
وإذا دفَع رَجلٌ إلى رَجلَيْن مالًا قِراضًا على النِّصفِ فنَضَّ المالُ وهو ثَلاثةُ آلافٍ، وقال رَبُّ المالِ: «رأسُ المالِ ألفانِ»، فصَدَّقه أحَدُهما وقال الآخَرُ: بل هو ألفٌ، فالقَولُ قَولُ المُنكِرِ مع يَمينِه؛ فإذا حلَف أنَّ رأسَ المالِ ألفٌ والرِّبحَ ألفانِ فنَصيبُه منهما خَمسُمِئةٍ، يَتبقَّى ألفانِ وخَمسُمِئةٍ يأخُذُ رَبُّ المالِ ألفَيْن؛ لأنَّ الآخَرَ يُصدِّقُه ويَتبقَّى خَمسُمِئةٍ رِبحًا بينَ رَبِّ المالِ والعامِلِ الآخَرِ يَقتَسمانِها أثلاثًا: لِرَبِّ المالِ ثُلثاها ولِلعامِلِ ثُلثُها: مِئةٌ وسِتَّةٌ وسِتُّونَ وثُلثانِ، ولِرَبِّ المالِ ثَلاثُمِئةٍ وثَلاثةٌ وثَلاثونَ وثُلثٌ؛ لأنَّ نَصيبَ رَبِّ المالِ مِنَ
[ ٨ / ٥٣٥ ]
الرِّبحِ نِصفُه، ونَصيبَ هذا العامِلِ رُبعُه، فيُقسَّمُ بينَهما بَقيَّةُ الرِّبحِ على ثَلاثةٍ، وما أخَذَه الحالِفُ فيما زادَ على قَدْرِه نَصيبُه كالتالِفِ منهما، والتالِفُ يُحسَبُ في المُضاربةِ مِنَ الرِّبحِ، قال ابنُ قُدامةَ، وهذا قَولُ الشافِعيِّ (^١).
وذهَب المالِكيَّةُ إلى أنَّه يَجوزُ أنْ يَتعدَّدَ العامِلُ في القِراضِ بأنْ أخَذَ اثنان أو أكثَرَ مالًا قِراضًا مِنْ واحِدٍ، وجعَل لَهما مَثَلًا نِصفَ الرِّبحِ، فالرِّبحُ الذي لَهما يُفَضُّ عليهما ويُقسَّمُ على حَسَبِ عَملِهما إذا تَفاوَتا في العَملِ بالقِلَّةِ والكَثرةِ ولا يُقسَّمُ بينَهما بالسَّويَّةِ فلا يَجوزُ أنْ يَتَّحِدا في الرِّبحِ ويَختلِفا في العَملِ، كشَركةِ الأبدانِ؛ لأنَّ أحدَهما يأخُذُ بَعضَ رِبحِ صاحِبِه بغَيرِ شَيءٍ، كما لو أخذَ اثنانِ مالًا واحِدًا وجُعِل لِواحِدٍ نِصفُ الرِّبحِ ولِلآخَرِ ثُلثُه؛ فإنَّ كلَّ واحِدٍ يَكونُ عليه مِنَ العَملِ قَدْرُ ما جُعِل له مِنَ الرِّبحِ، ولا يَكونُ العَملُ عليهما بالسَّويَّةِ (^٢).