اشتَرطَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ أنْ يَكونَ العامِلُ مُستقِلًّا بالتَّصرُّفِ.
قال الحَنفيَّةُ: يُشترَطُ تَسليمُ رأسِ المالِ إلى المُضارِبِ؛ لأنَّه أمانةٌ فلا يَصحُّ إلا بالتَّسليمِ، وهو التَّخليةُ كالوَديعةِ، ولا يَصحُّ مع بَقاءِ يَدِ الدافِعِ على المالِ؛ لِعَدمِ التَّسليمِ مع بَقاءِ يَدِه حتى لو شُرِط بَقاءُ يَدِ المالِكِ على المالِ فَسدتِ المُضاربةُ.
فَرقٌ بينَ هذا وبينَ الشَّركةِ؛ فإنَّها تَصحُّ مع بَقاءِ يَدِ رَبِّ المالِ على مالِه، والفَرقُ أنَّ المُضاربةَ انعَقدَت على رأسِ مالٍ مِنْ أحَدِ الجانبَيْن، وعلى العَملِ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، ولا يَتحقَّقُ العَملُ إلا بَعدَ خُروجِه مِنْ يَدِ رَبِّ المالِ، فكان هذا شَرطًا مُوافِقًا مُقتَضى العَقدِ بخِلافِ الشَّركةِ؛ لأنَّها انعَقدَت على العَملِ مِنَ الجانبَيْن، فشَرطُ زَوالِ يَدِ رَبِّ المالِ عن العَملِ يُناقِضُ مُقتَضى العَقدِ.
وكذا لو شرَط في المُضاربةِ عَملَ رَبِّ المالِ فَسدتِ المُضاربةُ، سَواءُ عَمِل رَبُّ المالِ معه أو لَم يَعملْ؛ لأنَّ شَرطَ عَملِه معه شَرطُ بَقاءِ يَدِه على المالِ وهو شَرطٌ فاسِدٌ.
_________________
(١) «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٦٥)، و«مطالب أولى النهى» (٣/ ٥١٤).
[ ٨ / ٤١١ ]
ولو سلَّمَ رأسَ المالِ إلى رَبِّ المالِ، ولَم يَشترِطْ عَملَه ثم استَعانَ به على العَملِ أو دفَع إليه المالَ بِضاعةً جازَ؛ لأنَّ الاستِعانةَ لا تُوجِبُ خُروجَ المالِ عن يَدِه، وسَواءٌ كان المالِكُ عاقِدًا أو غَيرَ عاقِدٍ لا بُدَّ مِنْ زَوالِ يَدِ رَبِّ المالِ عن مالِه لِتَصحَّ المُضاربةُ حتى إنَّ الأبَ أو الوَصيَّ إذا دفَع مالَ الصَّغيرِ مُضاربةً وشَرطَ عَملَ الصَّغيرِ لَم تَصحَّ المُضاربةُ؛ لأنَّ يَدَ الصَّغيرِ باقيةٌ لِبَقاءِ مِلكِه، فتَمنَعُ التَّسليمَ.
أمَّا لو شرَطا -الأبُ والوَصيُّ- العَملَ مع المُضاربِ صَحَّ؛ لأنَّهما ليسا بمالِكَيْن لِلمالِ، فصارا كالأجنبِيَّين؛ لأنَّ لِكلِّ واحِدٍ منهما أنْ يأخُذَ مال الصَّغيرِ مُضاربةً (^١).
وقال المالِكيَّةُ: إذا اشتَرط رَبُّ المالِ على العامِلِ أنْ تَكونَ يَدُه معه في المالِ بالبَيعِ والشِّراءِ والأخْذِ والعَطاءِ فيما يَتعلَّقُ بالقِراضِ، أو اشتَرَط عليه أنْ يُراجِعَه فيما يَفعَلُ بحيث لا يَعملُ عَملًا فيه إلا بإذنِه، أو جعَل معه أمينًا؛ فإنَّه يَكونُ فاسِدًا؛ لِما فيه مِنَ التَّحجيرِ عليه والتَّضييقِ، وهو مُخالِفٌ لِسُنَّةِ القِراضِ، ويُرَدُّ العامِلُ فيه إلى أُجرةِ مِثلِه؛ لأنَّه لَمَّا لَم يأتَمِنِ العاملَ على مالِ القِراضِ وجعَل معه أمينًا صارَ العامِلُ شَبيهًا بالأجيرِ، فلِهذا كانت له أُجرةُ مِثلِه (^٢).
_________________
(١) «بدائع الصانع» (٦/ ٨٤، ٨٥)، و«مختصر الوقاية» (٢/ ١٨٩)، و«الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٤٥)، و«اللباب» (١/ ٥٤١).
(٢) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٢٨٥، ٢٨٦)، و«شرح مختصر خليل» (٦/ ٢٧٠)، و«تحبير المختصر» (٤/ ٥٠٩، ٥١٠).
[ ٨ / ٤١٢ ]
وقال الشافِعيَّةُ: يُشترطُ أنْ يَكونَ العامِلُ مُستقِلًّا بالتَّصرُّفِ إذْنًا مُطلَقًا، فلا يَجوزُ شَرطُ كَونِ المالِ في يَدِ المالِكِ أو غَيرِه لِيُوفِّيَ منه ثمَن ما اشتَراه العامِلُ؛ لأنَّ مَقصودَ القِراضِ التَّوسُّعُ، وعَدمُ تَسليمِ المالِ لِلعاملِ يُنافيه؛ لأنَّه قد لا يَجِدُه وَقتَ الحاجةِ، وكذا لا يَجوزُ شَرطُ مُراجَعتِه في التَّصرُّفِ مُطلَقًا، ولا يَجوزُ على الصَّحيحِ شَرطُ مُشرِفٍ يَطَّلِعُ على عَملِه ولا يُراجِعُه، ولا يَجوزُ شَرطُ عَملِه -أي: المالِكِ أو غَيرِه- معه -أي: العامِلِ-؛ لأنَّ انقِسامَ التَّصرُّفِ يُفضي إلى انقِسامِ اليَدِ؛ ولأنَّه يُنافي استِقلالَ العامِلِ بالعَملِ؛ لأنَّ مَوضوعَ القِراضِ أنْ يَكونَ المالُ مِنْ رَبِّ المالِ، والعَملُ مِنَ العاملِ، وهذه الشُّروطُ كلُّها مُفسِدةٌ لِعَقدِ القِراضِ، لكنْ إنْ شرَط عليه أنْ يُعطيَه دابَّتَه يَحمِلُ عليها، أو شرَط عَملَ غُلامِ المالِكِ معه جازَ على المَذهبِ (^١).
وقال الحَنابِلةُ: إنْ شُرِط في المُضاربةِ -والمُساقاةِ- عَملُ المالِكِ مع العامِلِ، أو عَملُ غُلامِه مع العامِلِ صَحَّ العَقدُ والشَّرطُ كاشتِراطِ العاملِ بهيمةَ المالِكِ يَحمِلُ عليها ونَحوَه.
ولا يَضُرُّ -أي: لا يُفسِدُ المُضاربةَ والمُساقاةَ- عَملُ المالِكِ مع العامِلِ بلا شَرطٍ (^٢).
_________________
(١) «روضة الطالبين» (٣/ ٧٤١)، و«مغني المحتاج» (٣/ ٣٤٣)، و«نهاية المحتاج» (٥/ ٢٥٤)، و«النجم الوهاج» (٥/ ٢٦٢)، و«الديباج» (٢/ ٤٢٨، ٤٢٩)، و«كفاية الأخيار» (٣٤١)، و«حاشية البيجوري على شرح ابن قاسم» (٢/ ٤٤).
(٢) «الفروع» (٤/ ٢٩٠)، و«الإنصاف» (٥/ ٤٣٣)، و«كشاف القناع» (٣/ ٦٠٠)، و«شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٧١).
[ ٨ / ٤١٣ ]
وقال أبو يَحيى البَلخيُّ مِنَ الشافِعيَّةِ: لو شُرِط أنْ يَعملَ معه المالِكُ بنَفْسِه يَجوزُ على سَبيلِ المُعاونةِ والتَّبعيَّةِ (^١).
وهذا الخِلافُ المُتقدِّمُ فيما لو شرَط، أمَّا إذا عَمِل معه وأعانَه دونَ شَرطٍ صَحَّ بالإجماعِ.
قال ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ الرَّجلَ إذا دفَع لِرَجلٍ مالًا مُعاملةً -أي: مُضاربةً- وأعانه رَبُّ المالِ مِنْ غَيرِ شَرطٍ، جائِزٌ (^٢).