إذا اختلَف رَبُّ المالِ والعامِلُ في المالِ الذي في يَدِه هل هو مُضاربةٌ أو بِضاعةٌ، بأنْ قال رَبُّ المالِ: «كان بِضاعةً فرِبحُه لي»، وقال العامِلُ: «كان مُضاربةً فرِبحُه لنا».
فذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ إلى أنَّ القَولَ قَولُ رَبِّ المالِ؛ لأنَّ المُضارِبَ يَستفيدُ الرِّبحَ بشَرطِه، وهو مُنكِرٌ، فكان القَولُ قَولَه أنَّه لَم يَشترِطْ، ولأنَّ المُضارِبَ يَدَّعي استِحقاقًا في مالِ الغَيرِ فالقَولُ قَولُ صاحِبِ المالِ (^٣).
وقال المالِكيَّةُ: القَولُ قَولُ رَبِّ المالِ بيَمينِه أنَّه ليس بمُضاربةٍ، ويَكونُ
_________________
(١) «المبسوط» (٢٢/ ٩٣، ٩٤)، و«مجمع الضمانات» (٢/ ٦٦٢)، وابن عابدين (٨/ ٣٧٤).
(٢) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٣١٢)، و«التاج والإكليل» (٤/ ٤٣٧)، و«تحبير المختصر» (٤/ ٥٣٤)، و«المغني» (٥/ ٤٦)، و«المبدع» (٥/ ٣٧)، و«كشاف القناع» (٣/ ٦١٣)، و«شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٨٧)، و«مطالب أولى النهى» (٣/ ٥٤١).
(٣) «بدائع الصانع» (٦/ ١١٠)، و«مختصر الوقاية» (٢/ ١٩٣).
[ ٨ / ٥٧٩ ]
لِلعاملِ أُجرةُ مِثلِه ما لَم يَزِدْ على ما ادَّعاه فلا يُزادُ، وإنْ نكَل كان القَولُ قَولَ العامِلِ مع يَمينِه إذا كان ممَّن يُستعمَلُ مِثلُه في المُضاربةِ.
قال الدُّسوقيُّ ﵀: قد يُقالُ إذا كان القَولُ قَولَ رَبِّ المالِ يَنبَغي ألَّا يَكونَ لِلعاملِ أُجرةُ مِثلِه وإلا فلا ثَمرةَ لِكَونِ القَولِ قَولَ رَبِّه، وأُجيبَ بأنَّ ثَمرةَ كَونِ القَولِ قَولَ رَبِّ المالِ عَدمُ غَرامةِ جُزءِ القِراضِ الذي ادَّعاه العامِلُ حيث زادَ، ووَجهُ كَونِ العامِلِ له أُجرةُ المِثلِ أنَّ دَعوى رَبِّ المالِ تَتضمَّنُ أنَّ العامِلَ تَبرَّعَ له بالعَملِ وهو يُنْكِرُ ذلك ويَدَّعي أنَّه بأُجرةٍ فلَه أُجرةُ مِثلِه (^١).
وهذا الحُكمُ عندَ المالِكيَّةِ فيما إذا قالَ رَبُّ المالِ: «هي بِضاعةٌ بلا أجرٍ»؛ فإنْ قال العامِلُ: «هو قِراضٌ بجُزءٍ مِنَ الرِّبحِ»، وقال رَبُّه: «بِضاعةٌ بأجرٍ»، أو بالعَكسِ بأنْ قال العامِلُ: «بِضاعةٌ بأجرٍ»، وقال رَبُّه: «قِراضٌ»، فالقَولُ لِلعامِلِ بيَمينِه بأربَعةِ شُروطٍ:
١ - أنْ تَكونَ المُنازَعةُ بعدَ العَملِ المُوجِبِ لِلُزومِ القِراضِ.
٢ - أنْ يَكونَ مِثلُه يَعمَلُ في قِراضٍ.
٣ - أنْ يَكونَ مِثلُ المالِ يُدفَعُ قِراضًا.
٤ - أنْ يَزيدَ جُزءُ الرِّبحِ على أُجرةِ البِضاعةِ.
فإذا اختَلَّ شَرطٌ مِنْ هذه الشُّروطِ لَم يُقبَلْ قَولُه ولو حلَف، كما إذا وُجِدت ونكَل عن اليَمينِ لَم يُقبَلْ قَولُه وحلَف رَبُّه ودفَع أُجرةَ البِضاعةِ.
_________________
(١) «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٥/ ٣١١).
[ ٨ / ٥٨٠ ]
وإنَّما صُدِّق العامِلُ في جُزءِ الرِّبحِ فَقط، ولِهذا إذا كانت الأُجرةُ مِثلَ جُزءِ القِراضِ فلا يَمينَ؛ لأنَّهما اتَّفقا في المَعنى (^١).
وقال الحَنابِلةُ: إنْ قال رَبُّ المالِ: «كان بِضاعةً فرِبحُه لي»، وقال العامِلُ: «كان مُضاربةً فرِبحُه لنا»، حلَف كلٌّ منهما على إنكارِ ما ادَّعاه خَصمُه؛ لأنَّ كلًّا منهما مُنكِرٌ لِما ادَّعاه خَصمُه عليه، والقَولُ قَولُ المُنكِرِ، وكان لِلعامِلِ أُجرةُ مِثلِه والَبقيَّةُ لِرَبِّ المالِ؛ لأنَّ نَماءَ مالِه تابِعٌ له.
وقيلَ: يَكونُ لِلعاملِ أقَلُّ الأمرَيْن مِنْ نَصيبِه مِنَ الرِّبحِ أو أُجرةُ مِثلِه؛ لأنَّه لا يَدَّعي أكثَرَ مِنْ نَصيبِه مِنَ الرِّبحِ، فلا يَستحِقُّ زيادةً عليه، وإنْ كان الأقَلُّ أُجرةَ مِثلِه لَم يَثبُتْ كَونُه مُضاربةً، فيَكونُ له أُجرةُ عَملِه.
وفي احتِمالٍ عندَ الحَنابِلةِ ذكَره ابنُ قُدامةَ ﵀: أنَّ القَولَ قَولُ العامِلِ؛ لأنَّه عَملُه له، فيَكونُ القَولُ قَولَه فيه (^٢).
ولَم أجِدْ قَولًا لِلشافِعيَّةِ في هذه المَسألةِ.