المُضارِبُ إذا نَهاه رَبُّ المالِ عن السَّفرِ بمالِ المُضاربةِ، لا يَجوزُ له
_________________
(١) «المغني» (٥/ ٢٨)، و«الكافي» (٢/ ٢٧٢)، و«المحرر» (٣٥١)، و«المبدع» (٥/ ٢٦)، و«الإنصاف» (٥/ ٤٣٦، ٤٣٧).
(٢) «الإقناع في مسائل الإجماع» (٣/ ١٦٨١) رقم (٣٣٠٠).
[ ٨ / ٤٦٦ ]
السَّفرُ باتِّفاقِ الفُقهاءِ؛ فإنْ سافَرَ ضمِن، وإنْ أُذِن له في السَّفرِ جازَ بحَسَبِ الإذنِ بلا خِلافٍ؛ لأنَّ المَنعَ منه لِحَقِّه، وقد رَضيَ به؛ فإنْ تَلِف المالُ بلا تَعَدٍّ ولا تَفريطٍ فلا ضَمانَ عليه (^١).
واتَّفَقوا أيضًا على أنَّه لا يَجوزُ له أنْ يُسافِرَ في مَوضِعٍ مَخوفٍ أو إلى بَلدٍ مَخوفٍ إنْ أذِنَ له رَبُّ المالِ في مُطلَقِ السَّفرِ؛ فإنْ فعَل فهو ضامِنٌ لِمَا يَتلَفُ؛ لأنَّه مُتعَدٍّ بفِعلِ ما ليس له فِعلُه، وإنْ سافَرَ في طَريقِ أمنٍ جازَ.
ثم اختلَفوا فيما إذا لَم يأذَنْ له أو يَنهَه رَبُّ المالِ هل له السَّفرُ بمالِ المُضاربةِ دونَ إذنٍ مِنْ رَبِّ المالِ أو لا، إذا كان البَلدُ أو الطَّريقُ آمِنًا؟
فذهَب الشافِعيَّةُ في المَذهبِ وأبو حَنيفةَ وأبو يُوسُفَ في رِوايةٍ عنهما وابنُ حَبيبٍ وسَحنونٌ مِنَ المالِكيَّةِ والحَنابِلةُ في وَجهٍ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلمُضارِبِ أنْ يُسافِرَ بمالِ مُضاربةً، ولو كان السَّفرُ قَريبًا والطَّريقُ آمِنًا، ولا مُؤنةَ في السَّفرِ إلا بإذنِ رَبِّ المالِ؛ لأنَّ السَّفرَ مَظِنَّةُ الخَطرِ، وفيه تَغريرٌ بالمالِ؛ لأنَّه يَعرِضُ فيه الخَوفُ والفَسادُ، فلَم يَملِكْه المُضارِبُ مِنْ غَيرِ إذنِ رَبِّ المالِ.
فإنْ سافَرَ بغَيرِ إذنِه أو خالَف فيما أذِن له ضَمِن ولو عاد مِنَ السَّفرِ.
قال الشافِعيَّة: ومَحلُّ امتِناعِ السَّفرِ إلى ما يَقرُبُ مِنْ بَلدِ المُضاربةِ إذا لَم يَعتَدْ أهلُ بَلدِ المُضاربةِ الذَّهابَ إليه لِيَبيعَ ويَعلَمَ المالِكُ بذلك، وإلا جازَ؛ لأنَّ هذا حَسَب عُرفِهم يُعَدُّ مِنْ أسواقِ البَلدِ.
_________________
(١) «الإقناع في مسائل الإجماع» (١٦٧٩، ١٦٨٠).
[ ٨ / ٤٦٧ ]
وقال الشافِعيَّةُ أيضًا: ولو ضارَبه بمَحلٍّ لا يَصلُحُ لِلإقامةِ -كالمَفازةِ- فالظاهِرُ -كما قال الأذرَعيُّ- أنَّه يَجوزُ له السَّفرُ بالمالِ إلى مَقصِدِه المَعلومِ لهما، ثم ليس له بَعدَ ذلك أنْ يُحدِثَ سفرًا إلى غَيرِ مَحَلِّ إقامَتِه؛ فإنْ أذِنَ له جازَ بحَسَبِ الإذنِ، وإنْ أطلَقَ الإذنَ سافَرَ، لِما جرَت به العادةُ مِنَ البِلادِ المَأمونةِ؛ فإنْ سافَر بغَيرِ إذنٍ أو خالَفَ فيما أُذِن له ضَمِن وأثِمَ، ولم تَنفَسخِ المُضاربةُ، ولو عاد مِنَ السَّفرِ، ثم إنْ كان المَتاعُ بالبَلدِ الذي سافَر إليه أكثَرَ قيمةً، أو تَساوَتِ القيمتانِ، صَحَّ البَيعُ واستَحقَّ نَصيبَه مِنَ الرِّبحِ وإنْ كان مُتعدِّيًا بالسَّفرِ، ويَضمَنُ الثَّمنَ الذي باعَ به مالَ القِراضِ في سَفَرِه، وإنْ عادَ بالثَّمنِ مِنَ السَّفرِ؛ لأنَّ سَببَ الضَّمانِ -وهو السَّفرُ- لا يَزولُ بالعَودِ، وإنْ كان -المَتاعُ هناك- أقَلَّ مِنَ القيمةِ لَم يَصحَّ البَيعُ إلا أنْ يَكونَ النَّقصُ قَدْرًا يُتغابَنُ به.
وقالوا: إنْ أذِنَ له في السَّفرِ لا يُسافِرُ في البَحرِ إلا إنْ نَصَّ له عليه لِخَطَرِه، فلا يَكفي فيه الإذنُ في السَّفرِ، نَعَمْ إنْ عَيَّن له بَلدًا ولا طَريقَ له إلا البَحرُ كان له أنْ يُسافِرَ فيه، وإنْ لَم يَنُصَّ عليه، والإذْنُ مَحمولٌ عليه، قاله الأذرَعيُّ وغَيرُه، والمُرادُ بالبَحرِ المالِحُ، كما قاله الإسنَويُّ، وهل يَلحَقُ بالبَحرِ الأنهارُ العَظيمةُ، كالنِّيلِ والفُراتِ؟ قال الأذرَعيُّ: لَم أرَ فيه نَصًّا، وقال الشِّربينيُّ الخَطيبُ: الأحسَنُ أنْ يُقالَ: إنْ زادَ خَطَرُها على خَطرِ البَرِّ لَم يَجُزْ؛ إلا أنْ يَنُصَّ عليه كما قالَه ابنُ شُهبةَ.
وذهَب الحَنفيَّةُ في المَذهبِ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ وأبو يُوسُفَ في رِوايةٍ عنه والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والشافِعيَّةُ في قَولٍ ذَكَره البُوَيطيُّ والحَنابِلةُ في
[ ٨ / ٤٦٨ ]
المَذهبِ إلى أنَّه يَجوزُ لِلمُضارِبِ أنْ يُسافرَ بمالِ المُضاربةِ -بَرًّا وبَحرًا كما يَقولُ الحَنفيَّةُ- إنْ أطلَقَ رَبُّ المالِ الإذنَ في المُضاربةِ ولَم يُقيِّدْه؛ لأنَّ المُضاربةَ مُشتَقَّةٌ مِنَ الضَّربِ في الأرضِ، وعليه فلَفظُ المُضاربةِ يَدلُّ على ذلك المُضارِبِ ومَلَك المُضارِبُ ذلك بمُطلقِ العَقدِ؛ لأنَّ الإذنَ المُطلَقَ يَنصرِفُ إلى ما جرَت به العادةُ، والعادةُ جاريةٌ سَفَرًا وحَضَرًا، ولأنَّ المَقصودَ مِنْ هذا العَقدِ استِنماءُ المالِ، وهذا المَقصودُ بالسَّفرِ أوفَرُ، ولأنَّ العَقدَ صَدرَ مُطلَقًا عن المَكانِ، فيَجري على إطلاقِه، ولأنَّ مأخَذَ الاسمِ دَليلٌ عليه؛ لأنَّ المُضاربةَ مُشتَقَّةٌ مِنَ الضَّربِ في الأرضِ، وهو السَّيرُ، قال اللهُ ﷾: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]؛ فإذا كان مَعنى المُضاربةِ السَّفرَ فمُحالٌ أنْ يُنافيَه مُطلَقُ عَقدِ المُضاربةِ؛ ولأنَّه طلَبُ الفَضلِ، وقد قال اللهُ ﷾ وعَزَّ شَأنُه: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠].
ولأنَّ القِراضَ يَقتَضي التَّصرُّفَ في المالِ على العادةِ في طلَبِ تَنميتِه، والعادةُ جاريةٌ بالتِّجارةِ سَفرًا وحَضرًا؛ فإذا أُطلِق الإذنُ فقد دخَل على العادةِ، فيَتضمَّنُ ذلك التَّصرُّفُ كلَّ ما يُعتادُ مِثلُه، ولأنَّ مِنَ السِّلعِ ما قد جَرَت العادةُ أنَّه لا يُشتَرى إلا في السَّفرِ ولا يُنمَّى المالُ إلا فيه، وإلا أنْ يُحمَلَ إلى المَواضعِ المَقصودةِ به؛ فإذا ثبَت أنَّ له أنْ يَشتريَ تلك السِّلعةَ ثبَت له أنْ يُسافِرَ بها؛ لأنَّ تَنميتَها لا تَحصُلُ إلا به.
ورُويَ عن أبي يُوسُفَ أنَّه فَرَّقَ بينَ الذي يَثبُتُ في وَطنِه وبينَ الذي لا يَثبُتُ، وبينَ ما له حَملٌ ومُؤنةٌ وبينَ ما لا حَملَ له ولا مُؤنةَ في الشَّركةِ،
[ ٨ / ٤٦٩ ]
فالمُضارِبُ على ذلك؛ لأنَّ ما له حَملٌ إذا احتاجَ إلى رَدِّه يَلزَمُه مُؤنةُ الرَّدِّ فيَتضَرَّرُ به ولا مُؤنةَ تَلزَمُه فيما لا حَملَ له.
وقد قال أبو يُوسُفَ عن أبي حَنيفةَ ﵀: إنَّه إذا دفَع إليه المالَ بالكوفةِ وهُما مِنْ أهلِها؛ فإنَّ أبا حَنيفةَ قال: ليس له أنْ يُسافِرَ بالمالِ، ولو كان الدَّفعُ في مِصرٍ آخَرَ غَيرِ الكوفةِ فلِلمُضارِبِ أنْ يَخرجَ به حيثُ شاءَ.
ووَجهُ رِوايةِ أبي يُوسُفَ عنه أنَّ المُسافَرةَ بالمالِ مُخاطَرةٌ به، فلا يَجوزُ إلا بإذنِ رَبِّ المالِ نَصًّا أو دِلالةً؛ فإذا دفَع المالَ إليه في بَلَدِهما ولَم يأذنْ له بالسَّفرِ نَصًّا ودِلالةً لَم يَكُنْ له أنْ يُسافِرَ، وإذا دفَع إليه في غَيرِ بَلَدِهما فقد وَجَد دِلالةَ الإذنِ بالرُّجوعِ إلى الوَطنِ؛ لأنَّ العادةَ أنَّ الإنسانَ لا يأخُذُ المالَ مُضارَبةً ويَترُكُ بَلَدَه، فكان دَفعُ المالِ في غَيرِ بَلَدِهما رِضًا بالرُّجوعِ إلى الوَطَنِ، فكان إذنًا دِلالةً.
وذهَب اللَّخميُّ مِنَ المالِكيَّةِ إلى أنَّ العامِلَ إذا كان مِنْ شأنِه السَّفرُ فلَه ذلك، وإلا فلا (^١).
_________________
(١) «بدائع الصانع» (٦/ ٧١، ٨٨)، و«مختصر اختلاف العلماء» للطحاوي (٤/ ٤١)، و«الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٤٥، ٤٤٦)، و«الاختيار» (٣/ ٢٤)، و«مختصر الوقاية» (٢/ ١٨٩)، و«درر الحكام» (٣/ ٤٦٨)، و«المدونة الكبرى» (١٢/ ١١٩)، و«الإشراف» (٣/ ١٧١، ١٧٢) رقم (١٠٢١)، و«المنتقى شرح الموطأ» (٥/ ١٧٣)، و«الشرح الكبير» (٥/ ٢٩١)، و«شرح مختصر خليل» (٦/ ٢١٠)، و«تحبير المختصر» (٤/ ٥١٥)، و«التاج والإكليل» (٤/ ٤٢٠)، «حاشية الصاوي» (٨/ ٤٠٧)، و«الإقناع» للماوردي (١٠٩)، و«العباب» (٧٩٠)، و«البيان» (٧/ ٢١١)، و«روضة الطالبين» (٣/ ٧٥٤، ٧٥٦)، و«مغني المحتاج» (٣/ ٣٥٣)، و«نهاية المحتاج مع حاشية الشبرملسي» (٥/ ٢٦٨)، و«النجم الوهاج» (٥/ ٢٧٧)، «المغني» (٥/ ٢٤)، و«الفروع» (٤/ ٢٩٠)، و«المبدع» (٥/ ١١)، و«الإنصاف» (٥/ ٤١٨، ٤١٩)، و«كشاف القناع» (٣/ ٥٨٧، ٥٨٨)، و«شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٥٣، ٥٥٤)، و«مطالب أولى النهى» (٣/ ٥٠٤).
[ ٨ / ٤٧٠ ]