نَصَّ المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ على أنَّه يَجوزُ لِلمالِكِ أنْ يَدفعَ مالَيْن معًا لِعامِلٍ واحِدٍ يَعملُ في كلِّ مالٍ على حِدَةٍ سَواءٌ كان في وَقتٍ واحِدٍ أو في وَقتَيْن.
قال المالِكيَّةُ: يَجوزُ لِلمالِكِ أنْ يَدفعَ مالَيْن معًا لِعامِلٍ واحِدٍ يَعمَلُ في كلِّ مالٍ على حِدَةٍ، وسَواءٌ كانا مُتَّفقَيْن، كمِئةٍ مِنَ الذَّهبِ، ومِثلِها مِنَ
_________________
(١) «المغني» (٥/ ١٩، ٤٥، ٤٦)، و«كشاف القناع» (٣/ ٦١٤).
(٢) «مواهب الجليل» (٧/ ٣٥١)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٣٠٠)، و«التاج والإكليل» (٤٤/ ٤٢٨، ٤٢٩)، و«شرح مختصر خليل» (٦/ ٢١٨)، و«تحبير المختصر» (٤/ ٥٢٤)، و«حاشية الصاوي» (٨/ ٤١٩).
[ ٨ / ٥٣٦ ]
الذَّهبِ، أو مُختلِفَيْن، كمِئةٍ مِنَ الذَّهبِ ومِئةٍ مِنَ الفِضَّةِ، وسَواءٌ كانَ الجُزءُ فيهما مُتَّفقًا كالنِّصفِ مِنْ رِبحِ كلٍّ منهما، أو مُختلفًا كالنِّصفِ مِنْ رِبحِ هذه، والثُّلثِ مِنْ رِبحِ الأُخرى، وسَواءٌ كان الرِّبحُ فيهما لَهما أو رِبحُ إحداهما لِأحَدِهما بعَينِه ورِبحُ الأُخرى لَهما مَعًا أو رِبحُ هذه لِرَبِّ المالِ، ورِبحُ الأُخرى لِلعامِلِ، كلُّ ذلك جائِزٌ إنْ شرَطا خَلطَ المالَيْن عندَ الدَّفعِ، أي: عندَ العَقدِ فيهما؛ لأنَّ ذلك يَرجعُ إلى جُزءٍ واحِدٍ مَعلومٍ، فلا تُهمةَ حينَئذٍ؛ فإنْ لَم يَشتَرِطا الخَلطَ لَم يَجُزِ في المُختلِفِ الجُزءُ، ويَجوزُ في المُتَّفِقِ الجُزءُ؛ إذْ لا تُهمةَ في أنْ يَعملَ في أحدِ المالَيْن أكثَرَ مِنَ الآخَرِ، بخِلافِ المُختَلِفَيْن في الجُزءِ؛ فإنَّه يُتَّهمُ أنْ يَعملَ في أكثَرِ الجُزأَيْن دونَ الآخَرِ عَملًا كَثيرًا.
وكذلك يَجوزُ لِمُريدِ القِراضِ أنْ يَدفَعَ مالَيْن مُتعاقِبَيْن في عَقدَيْن، أي: واحدًا بعدَ واحِدٍ، لِعامِلٍ واحِدٍ، لكنْ دَفعَ الآخَرُ قبلَ شُغلِ المالِ الأولِ لِيَعملَ في كلِّ مالٍ على حِدَتِه، وسَواءٌ اتَّفقَ رأسُ المالِ أو اختلَف، وسَواءٌ اتَّفقَ الجُزءُ أو اختَلَف، كأنْ يَكونَ له في هذا نِصفُ الرِّبحِ وفي الآخَرِ ثُلثُه على ما مَرَّ، ومَحلُّ الجَوازِ في المالَيْن مَعًا أو مُتعاقِبَيْن اتَّفقا في الجُزءِ أو اختَلَفا، إنْ شرَطا خَلطَ المالَيْن عندَ دَفعِ الآخَرِ قبلَ شُغلِ الأولِ؛ لأنَّه يَرجعُ حينَئذٍ إلى جُزءٍ واحِدٍ مَعلومٍ، ولا تُهمةَ.
فإنْ لمَ يَشترِطا الخَلطَ لَم يَجُزْ في المُختلِفِ الجُزءُ، ويَجوزُ في المُتَّفِقِ كما مَرَّ.
فلو كان دَفعُ المالِ الثاني بعدَ شُغلِ المالِ الأولِ ولَم يَنِضَّ؛ فإنَّه يَجوزُ بشَرطِ عَدمِ الخَلطِ ولو مع اختِلافِ الجُزأَيْن؛ لأنَّه حينَئذٍ إذا خَسِر في
[ ٨ / ٥٣٧ ]
أحَدِهما ليس عليه أن يَجبُرَه برِبحِ الآخَرِ، أمَّا إنْ شرَطا الخَلطَ بعدَ شُغلِ الأولِ؛ فإنَّه لا يَجوزُ، وسَواءٌ اتَّفَق الجُزآنِ أو اختَلَفا وعَلَّلوا عَدمَ الجَوازِ بأنَّه قد يَخسَرُ في الآخَرِ فيَلزَمُه أنْ يَجبُرَه برِبحِ الأولِ.
وكذلك يَجوزُ لِرَبِّ المالِ أنْ يَدفعَ إليه مالًا آخَرَ لِيَعملَ فيه مع الأولِ بعدَ نُضوضِ الأولِ -أي: صَيرورةِ المالِ دَراهمَ ودَنانيرَ، وذلك ببَيعِ السِّلعِ وقَبضِ ثَمنِها دَراهمَ ودَنانيرَ- بشَرطَيْن:
أوَّلُهما: أنْ يَكونَ الأولُ قد نَضَّ مِنْ غَيرِ رِبحٍ فيه ولا خَسارةٍ، كما لو اشتَرى بمِئةٍ وباعَ أيضًا بمِئةٍ؛ فإنْ نَضَّ برِبحٍ أو خَسارةٍ فلا يَجوزُ؛ لأنَّه إنْ نَضَّ برِبحٍ قد يَضيعُ على العامِلِ رِبحُه، وإنْ نَضَّ بخَسارةٍ قد يَجبُرُ القِراضُ الآخَرُ خَسارةَ الأولِ.
والآخَرُ: أنْ يَتَّفقَ جُزؤُهما بأنْ يَكونَ الرِّبحُ لِلعاملِ في المالِ الآخَرِ كالرِّبحِ في المالِ الأولِ، كالثُّلثِ مِنْ رِبحِ كلٍّ منهما.
فإنِ اختَلَف جُزءُ الرِّبحِ المَشروطِ لِلعاملِ في الآخَرِ عما كان مَشروطًا له في الأولِ فلا يَجوزُ، وهذان الشَّرطانِ ذكَرهما خَليلٌ.
إلا أنَّ الدَّرديرَ والدُّسوقيُّ -رحمهما الله- قالا: الحَقُّ أنَّه إذا نَضَّ الأولُ بمُساوٍ جازَ الدَّفعُ مُطلَقًا، سَواءٌ اتَّفقَ جُزؤُهما -أي: الرِّبحُ- أو اختلَف إنْ شرَطا الخَلطَ، وإلا مُنِع مُطلَقًا، اتَّفَق جُزؤُهما أو اختلَف (^١).
_________________
(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٢٩٤، ٢٩٥)، و«شرح مختصر خليل» للخرشي (٦/ ١٢، ١٣)، و«تحبير المختصر» (٤/ ٥١٧، ٥١٨)، و«التاج والإكليل» (٤/ ٤٢٢، ٤٢٣).
[ ٨ / ٥٣٨ ]
وقال الحَنابِلةُ: وإنْ دفَع رَبُّ المالِ إلى المُضارِبِ ألفَيْن في وَقتَيْن بأنْ دفَع إليه ألفًا مُضارَبةً ثم دفَع إليه ألفًا أُخرى لَم يَخلِطْهما بغَيرِ إذنِ رَبِّ المالِ؛ لأنَّه أفرَد كلَّ واحِدٍ بعَقدٍ، فكانا عَقدَيْن، فلا تُجبَرُ وَضيعةُ أحَدِهما برِبحِ الآخَرِ، كما لو نَهاه عن ذلك.
فإنْ أذِنَ رَبُّ المالِ لِلمُضارِبِ في الخَلطِ قبلَ تَصرُّفِ المُضارِبِ في المالِ الأولِ جازَ وصارَ مُضاربةً واحِدةً، كما لو دفَعهما إليه مَرَّةً واحِدةً أو أذِن له في الخَلطِ بَعدَ التَّصرُّفِ وقد نَضَّ الأولُ جازَ وصارَ المالُ كلُّه مُضاربةً واحِدةً كما لو دفَعه إليه دُفعةً واحِدةً.
وإنْ أذِنَ له في الخَلطِ بعدَ تَصرُّفِه في الأولِ ولَم يَنِضَّه فلا يَجوزُ الخَلطُ؛ لأنَّ حُكمَ العَقدِ الأولِ استَقرَّ فكان رِبحُه وخُسرانُه مُختصًّا به فضَمُّ الآخَرِ إليه يُوجِبُ جُبرانَ خُسرانِ أحَدِهما برِبحِ الآخَرِ؛ فإذا شُرِط ذلك في الآخَرِ فسَد.
وإنْ لَم يأذنْ له في ضَمِّ الآخَرِ إلى الأولِ لَم يَجُزْ له ذلك؛ لأنَّه أفرَد كلَّ واحِدٍ بعَقدٍ فكانا عَقدَيْن لكلِّ عَقدٍ حُكمُ نَفْسِه، ولا تَجبُرُ وَضيعةُ أحَدِهما برِبحِ الآخَرِ كما لو نَهاه عن ذلك (^١).
أمَّا الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ فلَم أقِفْ على قَولٍ لهم في هذه المَسألةِ.