مالُ المُضاربةِ إمَّا أنْ يَهلِك كلُّه وإمَّا أنْ يَهلِك بَعضُه، وأيضًا إمَّا أنْ يَهلِكَ قَبلَ الشِّراءِ به، وإمَّا أنْ يَهلِكَ بعدَ الشِّراءِ به، ولكلٍّ حُكمُه.
قال الحَنفيَّةُ: تَبطُلُ المُضاربةُ بهَلاكِ مالِ المُضاربةِ في يَدِ المُضارِبِ قبلَ أنْ يَشتريَ به شَيئًا؛ لأنَّه تَعيَّن لِعَقدِ المُضاربةِ بالقَبضِ فيَبطُلُ العَقدُ بهَلاكِه كالوَديعةِ.
وكذلك لو استَهلَكه المُضارِبُ أو أنفَقَه أو دفَعه إلى غَيرِه فاستَهلَكه لِما قُلنا حتى لا يَملِكَ أنْ يَشتريَ به شَيئًا لِلمُضاربةِ.
هذا إذا هلَك مالُ المُضاربةِ قبلَ أنْ يَشتريَ المُضارِبُ شَيئًا؛ فإنْ هلَك بعدَ الشِّراءِ بأنْ كان مالُ المُضاربةِ ألفًا فاشتَرى بها جاريةً ولَم
_________________
(١) «بدائع الصانع» (٦/ ١١٢)، و«الهداية» (٣/ ٢٠٨)، و«الاختيار» (٣/ ٢٧)، و«الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٥٩، ٤٦٠)، و«اللباب» (١/ ٥٤٦).
[ ٨ / ٦١٩ ]
يَنقُدِ الثَّمَنَ البائِعَ حتى هَلكت الألفُ، فالجاريةُ على المُضاربةِ، ويَرجِعُ على رَبِّ المالِ بالألفِ فيُسلِّمُها إلى البائِعِ، وكذلك إنْ هَلكَت الثانيةُ التي قبَض يَرجعُ بمِثلِها على رَبِّ المالِ، وكذلك سَبيلُ الثالِثةِ والرابِعةِ وما بعدَ ذلك أبدًا حتى يُسلِّمَ إلى البائِعِ، ويَكونَ ما دفَعه أولًا رَبُّ المالِ وما غُرِّمَ كلُّه مِنْ رأسِ المالِ، وإنَّما كان كذلك لأنَّ المُضارِبَ مُتصرِّفٌ لِرَبِّ المالِ فيَرجِعُ بما لَحِقَه مِنَ الضَّمانِ بتَصرُّفِه له، كالوَكيلِ غَيرَ أنَّ الفَرقَ بينَ الوَكيلِ والمُضارِبِ أنَّ الوَكيلَ إذا هلَك الثَّمنُ في يَدِه فرجَع بمِثلِه إلى المُوكِّلِ ثم هلَك الثاني لَم يَرجِعْ على المُوكِّلِ، والمُضارِبُ يَرجِعُ في كلِّ مَرَةٍ، ووَجهُ الفَرقِ أنَّ الوَكالةَ قد انتَهَت بشِراءِ الوَكيلِ؛ لأنَّ المَقصودَ مِنَ الوَكالةِ بالشِّراءِ استِفادةُ مِلكِ المَبيعِ لا الرِّبحُ؛ فإذا اشتَرى فقد حصَل المَقصودُ فانتَهى عَقدُ الوَكالةِ بانتِهائِه ووَجَب على الوَكيلِ الثَّمنُ لِلبائِعِ؛ فإذا هلَك في يَدِه قَبلَ أنْ يَنقُدَه البائِعُ وَجَب لِلوَكيلِ على المُوكِّلِ مِثلُ ما وَجَب لِلبائِعِ عليه؛ فإذا قبَضه مَرَّةً فقد استَوفى حَقَّه فلا يَجِبُ له عليه شَيءٌ آخَرُ، فأمَّا المُضاربةُ؛ فإنَّها لا تَنتَهي بالشِّراءِ؛ لأنَّ المَقصودَ منها الرِّبحُ ولا يَحصُلُ إلا بالبَيعِ والشِّراءِ مَرَّةً بعدَ أُخرى؛ فإذا بَقيَ العَقدُ كان له أنْ يَرجِعَ ثانيًا وثالِثًا وما غُرِّمَ رَبُّ المالِ مع الأولِ يَصيرُ كلُّه رأسَ المالِ؛ لأنَّه غُرِّمَ لِرَبِّ المالِ بسَبَبِ المُضاربةِ فيَكونُ كلُّه مِنْ مالِ المُضاربةِ، ولأنَّ المَقصودَ مِنْ هذا العَقدِ هو الرِّبحُ، فلو لَم يُعتَبَرْ ما غُرِّمَ رَبُّ المالِ مِنْ رأسِ
[ ٨ / ٦٢٠ ]
المالِ ويَهلِكْ مَجَّانًا يَتضَرَّرْ به رَبُّ المالِ؛ لأنَّه يَخسَرُ ويَربَحُ المُضارِبُ، وهذا لا يَجوزُ.
ولو قبَض المُضارِبُ الألفَ الأُولى فتَصرَّف فيها حتى صارَت ألفَيْن ثم اشتَرى بها جاريةً قيمَتُها ألفان فهَلَكت الألفان قَبلَ أنْ يَنقُدَها البائِعَ؛ فإنَّه يَرجِعُ على رَبِّ المالِ بألفٍ وخَمسِمِئةٍ، ويُغرَّمُ المُضارِبُ مِنْ مالِه خَمسَمِئةٍ، وهي حِصَّتُه مِنَ الرِّبحِ فيَكونُ رُبعُ الجاريةِ لِلمُضارِبِ خاصَّةً، وثَلاثةُ أرباعِها على المُضاربةِ (^١).
وقال المالِكيَّةُ: إنْ تَلِف جَميعُ مالِ المُضاربةِ مِنْ يَدِ العامِلِ انفسَخ العَقدُ.
وإنْ تَلِف بَعضُ المالِ بيَدِ العامِلِ قبلَ العَملِ أو بَعدَه أو خَسِره أو أخَذه اللُّصوصُ أو العَشَّارُ ظُلمًا، أو تَلِف بآفَةٍ سَماويَّةٍ لَم يَضمَنْه العامِلُ وظَلَّ القِراضُ قائِمًا فيما بَقيَ على المَشهورِ ويُجبَرُ (^٢) بما رَبِح به أصلُ المالِ، فما بَقيَ بعدَ تَمامِ رأسِ المالِ الأولِ كان بينَهما على ما شرَطًا.
ولو كان العامِلُ قد قال لِرَبِّ المالِ: لا أعمَلُ حتى تَجعلَ ما بَقيَ رأسَ المالِ، ففعَل وأسقَطا الخَسارةَ فهو أبدًا على القِراضِ الأولِ، وإنْ حاسَبَه وأحضَرَه ما لَم يَقبِضْه منه رَبُّ المالِ بعدَ الخَسارةِ والتَّلفِ ثم يَرُدُّه منه على بابِ الصِّحَّةِ والبَراءةِ فلا يُجبَرُ بالرِّبحِ بعدَ ذلك؛ لأنَّه يَكونُ بعدَ قَبضِ مالِكِه
_________________
(١) «بدائع الصانع» (٦/ ١١٣).
(٢) أما إن تلِف بجِنايةٍ فلا يجبرُ الرِّبح؛ لأنَّه يتبعُ به الجانِي، سواءٌ كان الجانِي أجْنبيًا أو كان هو العاملُ، وسواءٌ كانَت الجِنايةُ قبلَ العَملِ أو بعدَه.
[ ٨ / ٦٢١ ]
قِراضًا آخَرَ مُؤتَنِفًا على المَشهورِ، ومَعلومٌ أنَّ الجَبرَ إنَّما يَكونُ إذا بَقيَ شَيءٌ مِنَ المالِ؛ فإنْ تَلِف جَميعُه فأتاه رَبُّه ببَدَلِه فرَبِح الآخَرُ فلا يَجبُرُ رِبحُه الأولَ؛ لأنَّه قِراضٌ ثانٍ، وهو ظاهِرٌ.
ونقَل ابنُ حَبيبٍ عن مالِكٍ وغَيرِه ممَّن لَقِيَه مِنْ أصحابِ مالِكٍ: أنَّه إذا أخبَرَه بما نقَص، وقال: «اعمَلْ بما بَقيَ وقد أسقَطتُ عنكَ قِراضَ ما ذهَب»، فهو قِراضٌ مُؤتَنِفٌ.
وإذا دفَع رَبُّ المالِ لِلعامِلِ المالَ ثم اشتَرى العامِلُ سِلعةً ثم ضاعَ المالُ فرَبُّ المالِ مُخيَّرٌ بينَ أنْ يُخلِفَه -أي: يَدفَعَ بَدَلَ ما تَلِف لِلعامِلِ لِيَتَّجِرَ به- أو ألَّا يُخلِفَه، سَواءٌ تَلِف بَعضُه أو كلُّه، وسَواءٌ كان التَّلفُ قبلَ العَملِ أو بَعدَه؛ فإنْ أخلَفَه رَبُّ المالِ لَزمَ العامِلَ القَبولُ إنْ تَلِف بَعضُه، لا كلُّه إنْ كان التَّلفُ بعدَ العَملِ، وإنْ تَلِف قبلَ العَملِ لَم يَلزَمْه؛ لأنَّ لكلٍّ منهما الفَسخُ قبلَ العَملِ.
وفي تَلَفِ الجَميعِ يَكونُ الثاني قِراضًا مُؤتَنِفًا ولا يُجبَرُ خُسرُ الأولِ بالثاني وفي تَلَفِ بَعضِه يَكونُ رأسُ المالِ الأولِ، ويُجبَرُ خُسرُ الأولِ بالثاني.
وإذا اشتَرى العامِلُ سِلعةً لِلقِراضِ فذهَب لِيأتيَ لِبائِعِها بثَمَنِها فوَجَد المالَ قد ضاعَ وأبى رَبُّ المالِ خَلَفه لَزِمت العامِلَ السِّلعةُ التي اشتَراها إنْ تَلِف الجَميعُ حيث لَم يُخلِفْ رَبُّ المالِ ما تَلِف أو أخلَفَه وأبَى العامِلُ قَبولَه فيَكونُ له رِبحُها وخَسارتُها، وأمَّا إذا أخلَفَ رَبُّ المالِ ما تَلِف وقَبِله العامِلُ؛ فإنَّها تَكونُ على القِراضِ.
[ ٨ / ٦٢٢ ]
وأمَّا إذا اشتَرى بجَميعِ المالِ سِلعةً وتَلِف بَعضُ المالِ قبلَ إقباضِه وبعدَ الشِّراءِ ولَم يُخلِفْ ما تَلِف رَبُّ المالِ وأخلَفه العامِلُ؛ فإنَّه يُفَضُّ الرِّبحُ على ما دفَع العامِلُ مِنْ ثَمنِ السِّلعةِ وعلى ما دفَع فيها مِنْ رأسِ المالِ، فما نابَ ما دفَع فيها مِنْ رأسِ المالِ؛ فإنَّه يُجبَرُ به الخُسرُ؛ فإنْ فَضَلت منه فَضلةٌ كانت بينَهما على ما شرَطا، وأمَّا ما يَنوبُ عما دفَعه العامِلُ فيَختَصُّ به (^١).
وقال الشافِعيَّةُ: النَّقصُ الحاصِلُ في مالِ القِراضِ بالرُّخصِ أو العَيبِ أو المَرضِ الحادثَيْن مَحسوبٌ مِنَ الرِّبحِ ما أمكَنَ الحِسابُ منه، ومَجبورٌ ذلك النَّقصُ بالرِّبحِ لاقتِضاءِ العُرفِ ذلك.
وكذا لو تَلِف بَعضُ مالِ القِراضِ بآفةٍ سَماويَّةٍ كحَرقٍ وغَرقٍ أو غَصبٍ أو سَرقةٍ وتَعذَّرَ أخذُه أو أخذُ بَدَلِه بَعدَ تَصرُّفِ العامِلِ فيه بالبَيعِ أو الشِّراءِ فهو مَحسوبٌ مِنَ الرِّبحِ في الأصَحِّ؛ لأنَّه نَقصٌ حصَل في المالِ فيُجبَرُ بالرِّبحِ كالنَّقصِ الحاصِلِ بالرُّخصِ قياسًا على ما سبَق؛ لأنَّ العامِلَ إنَّما يَستحقُّ مِنَ الزائِدِ على رأسِ المالِ.
_________________
(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٢٩٩، ٣٠٠)، و«تحبير المختصر» (٤/ ٥٢٢، ٥٢٣)، و«شرح مختصر خليل» (٦/ ٢١٦، ٢١٤٧)، و«التاج والإكليل» (٤/ ٤٢٧، ٤٢٨)، و«منح الجليل» (٧/ ٣٥٦)، و«حاشية الصاوي مع الشرح الصغير» (٨/ ٤١٨، ٤١٩).
[ ٨ / ٦٢٣ ]
والآخَرُ وهو مُقابِلُ الأصَحِّ: لا؛ لأنَّه نَقصٌ لا تَعلُّقَ له بتَصرُّفِ العامِلِ وتِجارتِه بخِلافِ الحاصِلِ بالرُّخصِ، وليس ناشِئًا مِنْ نَفْسِ المالِ، بخِلافِ المَرضِ والعَيبِ.
وما ذكَره مِنْ صُورةِ الغَصبِ والسَّرقةِ هو فيما إذا تَعذَّرَ أخذُ البَدلِ مِنَ المُتلَفِ؛ فإنْ أخَذَ استمَرَّ القِراضُ فيه كما كان، والمُخاصِمُ المالِكُ فَقط إنْ لَم يَكُنْ في المالِ رِبحٌ، وهُما جَميعًا إنْ كان فيه رِبحٌ.
وقيلَ: لِلعامِلِ المُخاصَمةُ مُطلَقًا حِفظًا لِلمالِ.
وإنْ تَلِف بَعضُ المالِ بما ذُكِر قبلَ تَصرُّفِه فيه ببَيعٍ أو شِراءٍ يُحسَبُ ما تَلِف مِنْ رأسِ المالِ لا مِنَ الرِّبحِ في الأصَحِّ؛ لأنَّ العَقدَ لَم يَتأكَّدْ بالعَملِ.
والآخَرُ: مِنَ الرِّبحِ؛ لأنَّه بقَبضِ العامِلِ صارَ مالَ قِراضٍ.
وهذا كلُّه إذا تَلِف بَعضُه، أمَّا لو تَلِف كلُّه؛ فإنَّ القِراضَ يَرتَفِعُ، سَواءٌ تَلِف بآفةٍ سَماويَّةٍ أو بإتلافِ المالِكِ أو العامِلِ أو أجنَبيٍّ، لكنْ يَستقِرُّ نَصيبُ العامِلِ مِنَ الرِّبحِ في الثانيةِ كما مَرَّ ويَبقَى القِراضُ في البَدلِ إنْ أخَذه في الرابِعةِ والخَصمِ في البَدلِ المالِكُ إنْ لَم يَكُنْ في المالِ رِبحٌ، والمالِكُ والعامِلُ إن كان فيه رِبحٌ.
وأمَّا إنْ أتلَفه العامِلُ فقيلَ: يَرتَفِعُ القِراضُ؛ لأنَّه -وإنْ وجَب عليه بَدَلُه- لا يَدخُلُ في مِلكِ المالِكِ إلا بقَبضِه منه، وحينَئِذٍ يَحتاجُ إلى استِئنافِ القِراضِ، وقيلَ: لا يَرتفِعُ، لِقيامِ البَدَلِ مَقامَه.
[ ٨ / ٦٢٤ ]
وإنْ تلَف مالُ قِراضٍ اشتَرى بعَينِه شَيئًا قبلَ تَسليمِه انفسَخ البَيعُ والقِراضُ أو في الذِّمَّةِ وتَلِف قبلَ الشِّراءِ انقَلَب الشِّراءُ لِلعامِلِ فيَرتفِعُ القِراضُ، وإنْ تَلِف بعدَ الشِّراءِ وقَع لِلمالِكِ، فلو كان المالُ مِئةً وتَلِف لَزِمه مِئةٌ أُخرى (^١).
وقال الحَنابِلةُ: إنْ تَلِف رأسُ المالِ أو تَلِف بَعضُه بعدَ تَصرُّفِه أو تَعيَّبَ رأسُ المالِ أو خَسِر رأسُ المالِ أو نزَل السِّعرُ بعدَ تَصرُّفِه في رأسِ المالِ جُبِرتِ الوَضيعةُ مِنْ رِبحِ بَقيَّتِه قبلَ قِسمَتِه ناضًّا أو تَنضيضِه مع المُحاسَبةِ؛ لأنَّها مُضاربةٌ واحِدةٌ فلا شَيءَ لِلعامِلِ إلا بَعدَ كَمالِ رأسِ المالِ.
وإنْ تَلِف بَعضُ رأسِ المالِ قبلَ تَصرُّفِ العامِلِ فيه انفَسَخت فيه المُضاربةُ، وكان رأسُ المالِ هو الباقيَ خاصَّةً؛ لأنَّه مالٌ هلَك على جِهتِه قبلَ التَّصرُّفِ أشبَهَ التالِفَ قَبلَ القَبضِ وفارَقَ ما بعدَ التَّصرُّفِ؛ لأنَّه دارَ في التِّجارةِ وشرَع فيما قصَد بالعَقدِ مِنَ التَّصرُّفاتِ المُؤدِّيةِ لِلرِّبحِ.
وإنْ تَلِف المالُ قبلَ التَّصرُّفِ ثم اشتَرى المُضارِبُ سِلعةً في ذِمَّتِه لِلمُضاربةِ فهي له -أي: لِلمُضارِبِ- وثَمنُها عليه، سَواءٌ عَلِم المُضارِبُ تَلَف المالِ قبلَ نَقدِ الثَّمنِ أو جَهِلَه؛ لأنَّه اشتَراها في ذِمَّتِه وليست مِنَ المُضاربةِ؛ لِانفِساخِها بالتَّلفِ، فاختَصَّت به، ولو كانت لِلمُضاربةِ لَكان
_________________
(١) «روضة الطالبين» (٣/ ٧٥٨، ٧٦٠)، و«مغني المحتاج» (٣/ ٣٥٦)، و«نهاية المحتاج» (٥/ ٢٧١، ٢٧٢)، و«النجم الوهاج» (٥/ ٢٧٩، ٢٨٠)، و«الديباج» (٢/ ٤٣٨، ٤٣٩).
[ ٨ / ٦٢٥ ]
مُستَدينًا على غَيرِه والاستِدانةُ على الغَيرِ بغَيرِ إذنِه لا تَجوزُ إلا أنْ يُجيزَه رَبُّ المالِ فيَكونَ له كمَنِ اشتَرى لِغَيرِه سِلعةً في ذِمَّتِه ولَم يُسَمِّه.
وإنْ تَلِف مالُ المُضاربةِ بعدَ الشِّراءِ قبلَ نَقدِ ثَمنِ السِّلعةِ بأنِ اشتَرى في الذِّمَّةِ لِلمُضاربةِ سِلعةً في ذِمَّتِه ثم تَلِف مالُ المُضاربةِ قبلَ إقباضِه أو تَلِف هو والسِّلعةُ فالمُضاربةُ باقيةٌ بحالِها؛ لأنَّ المُوجِبَ لِفَسخِها هو التَّلفُ، ولَم يُوجَدْ حين الشِّراءِ ولا قَبلَه، والثَّمنُ على رَبِّ المالِ؛ لأنَّ حُقوقَ العَقدِ مُتعلِّقةٌ به كالمُوكِّلِ ويَصيرُ رأسُ الثَّمنِ دونَ التالِفِ لِفَواتِه ولِصاحِبِ السِّلعةِ مُطالبةُ كلٍّ مِنْ رَبِّ المالِ والعامِلِ بالثَّمنِ لِبَقاءِ الإذنِ مِنْ رَبِّ المالِ ولِمُباشَرةِ العامِلِ؛ فإنْ غَرَّمَه رَبُّ المالِ لَم يَرجِعْ على أحَدٍ؛ لأنَّ حُقوقَ العَقدِ مُتعلِّقةٌ به ويَرجِعُ به العامِلُ إنْ غَرِمَه على رَبِّ المالِ لِما تَقدَّمَ.
فلو كان رأسُ المالِ مِئةً فخَسِر عَشَرةً ثم أخذَ رَبُّه عَشَرةً لَم يَنقُصْ رأسُ المالِ بالخُسرانِ؛ لأنَّه قد يَربَحُ فيُجبَرُ الخُسرانُ مِنَ الرِّبحِ لكنَّ رأسَ المالِ يَنقُصُ بما أخَذَه رَبُّ المالِ وهو العَشرةُ، وقِسطُها مِنَ الخُسرانِ، وهو دِرهَمٌ وتُسعُ دِرهَمٍ، ويَبقى رأسُ المالِ ثَمانيةً وثَمانينَ وثمانيةَ أتساعِ دِرهَمٍ.
فإنْ كان رَبُّ المالِ أخَدَ نِصفَ التِّسعينَ المُتبَقِّيةَ وهو خَمسةٌ وأربَعونَ بَقيَ رأسُ المالِ خَمسينَ دِرهمًا؛ لأنَّ رَبَّ المالِ أخَذَ نِصفَ المالِ فسَقَط نِصفُ الخُسرانِ، وإنْ كان رَبُّ المالِ أخَذَ خَمسينَ بَقيَ أربَعةٌ وأربَعونَ وأربَعةٌ أتساعٍ؛ لأنَّه أخَذَ خَمسةَ أتساعِ المالِ، فسَقَط خَمسةُ أتساعِ الخُسرانِ، وهو خَمسةٌ وخَمسةُ أتساعِ دِرهَمٍ، يَتبَقَّى ما ذُكِر.
[ ٨ / ٦٢٦ ]
وكذلك إذا رَبِح المالُ ثم أخَذَ رَبُّ المالِ بَعضَ المالِ كان ما أخَذَه رَبُّ المالِ مِنَ الرِّبحِ ورأسِ المالِ، فلو كان رأسُ المالِ مِئةً فرَبِح عِشرينَ فأخَذَها رَبُّ المالِ فقد أخَذَ سُدسَه فيَنقُصُ المالُ وهو مِئةٌ، سُدسُه سِتةَ عَشَرَ وثُلثانِ، وقِسطُها مِنَ الرِّبحِ ثلاثةٌ وثُلثٌ، صارَ رأسُ المالِ، ثَلاثةً وثَمانينَ وثُلثًا، ولو كان أخَذَ سِتِّينَ لَصار رأسُ المالِ خَمسينَ؛ لأنَّه أخَذَ نِصفَ المالِ فصارَ نِصفَ المالِ، وإنْ أخَذَ خَمسينَ تَبَقَّى ثَمانيةٌ وخَمسونَ وثُلثٌ؛ لأنَّه أخَذَ رُبعَ المالِ وسُدسَه فيَبقَى ثُلثُه ورُبعُه وهو ما ذَكَرنا.
ومهما بَقيَ العَقدُ على رأسِ المالِ وجَب جَبرُ خُسرانِه مِنْ رِبحِه، وإنِ اقتَسَما الرِّبحَ؛ لأنَّها مُضاربةٌ واحِدةٌ وتَحرُمُ قِسمةُ الرِّبحِ والعَقدُ باقٍ إلا باتِّفاقِهما على قِسمَتِه؛ لأنَّه مع امتِناعِ رَبِّ المالِ وِقايةً لِرأسِ مالِه؛ لأنَّه لا يأمَنُ الخُسرانَ فيَجبُرُه بالرِّبحِ ومع امتِناعِ العامِلِ لا يأمَنُ أنْ يَلزَمَه رَدُّ ما أخَذَ في وَقتٍ لا يَقدِرُ عليه، فلا يُجبَرُ واحِدٌ منهما، قال الإمامُ أحمَدُ وقد سُئِلَ عن المُضارِبِ يَربَحُ ويَضعُ مِرارًا: يَرِدُّ الوَضيعةَ على الرِّبحِ إلا أنْ يَقبِضَ رأسَ المالِ صاحِبُه ثم يَرُدَّه إليه فيَقولَ: اعمَلْ به ثانيةً فما رَبِحَ بعدَ ذلك لا يَجبُرُ به وَضيعةَ الأولِ؛ لأنَّه مُضاربةٌ أُخرى، قال: فهذا ليس في نَفْسي منه شَيءٌ، وأمَّا ما لا يُدفَعُ إليه فمَتى يَحتَسِبا حِسابًا كالقَبضِ كما قال ابنُ سِيرينَ، قيلَ: وكيف يَكونُ حِسابًا كالقَبضِ؟ قال: يَظهَرُ المالُ، يَعني يَنِضُّ ويَجيءُ فيَحتَسِبان عليه؛ وإنْ شاءَ صاحِبُه قبَضه، قيلَ لِلإمامِ: فيَحتَسبانِ على المَتاعِ؟ قال: لا يَحتَسبان إلا على الناضِّ؛ لأنَّ المَتاعَ قد يَنحَطُّ سِعرُه ويَرتَفِعُ. انتَهى.
[ ٨ / ٦٢٧ ]
وأمَّا قَبلَ قَبضِ رَبِّ المالِ رأسَ مالِه وتَنضيضِه مع المُحاسَبةِ فالوَضيعةُ إذا حَصَلت تُحسَبُ مِنَ الرِّبحِ لِبَقاءِ المُضاربةِ، وكذلك لو طلَب أحَدُهما قِسمةَ الرِّبحِ دونَ رأسِ المالِ لَم تَجِبْ إجابَتُه؛ لأنَّه -أي: المُمتَنِعَ- لا يأمَنُ الخُسرانَ في ثانية الحالاتِ؛ فإنْ كان المُمتَنعُ المالِكَ فهو يَجبُرُ الخُسرانَ بالرِّبحِ، وإنْ كان العامِلُ؛ فإنَّه لا يأمَنُ أنْ يَلزَمَه الرَّدُّ في وَقتٍ لا يَقدِرُ عليه (^١).