إذا اختلَف رَبُّ المالِ والعامِلُ فقال رَبُّ المالِ: «قد غَصَبتَ المالَ مِنِّي»، وقال العامِلُ: «بل أخَذتَه مُضارَبةً وتَلِف»، فالقَولُ قَولُ العاملِ مع يَمينِه عندَ المالِكيَّةِ والحَنفيَّةِ على تَفصيلٍ عندَهم.
قال الحَنفيَّةُ: لو قال المُضارِبُ: «دَفعتَه إلَيَّ مُضاربةً، وقد ضاعَ المالُ قَبلَ أنْ أعملَ به»، وقال رَبُّ المالِ: «أخَذتَه غَصبًا»، فلا ضَمانَ على المُضاربِ؛ لأنَّه ما أقَرَّ بوُجودِ السَّببِ المُوجِبِ لِلضَّمانِ عليه؛ وإنَّما أقَرَّ بتَسليمِ رَبِّ المالِ إليه، وذلك غَيرُ مُوجِبٍ لِلضَّمانِ عليه، ورَبُّ المالِ يَدَّعي عليه الغَصبَ المُوجِبَ لِلضَّمانِ، وهو يُنكِرُ؛ فإنْ كان عَمِل به ثم ضاعَ فهو ضامِنٌ لِلمالِ؛ لأنَّ عَملَه في مالِ الغَيرِ سَببٌ مُوجِبٌ لِلضَّمانِ عليه ما لَم
_________________
(١) «المغني» (٥/ ٤٦)، و«كشاف القناع» (٣/ ٦١٤)، و«مطالب أولى النهى» (٣/ ٥٤٢).
(٢) «بدائع الصانع» (٦/ ١١٠)، و«مختصر الوقاية» (٢/ ١٩٣).
[ ٨ / ٥٨٢ ]
يَثبُتْ إذنُ صاحِبِه فيه، ولَم يَثبُتْ ذلك لِإنكارِه، فأمَّا إنْ أقاما البَيِّنةَ فالبَيِّنةُ بَيِّنةُ المُضارِبِ في الوَجهَيْن؛ لأنَّه يُثبِتُ تَسليمَ رَبِّ المالِ والإذنَ له في العَملِ ببَيِّنةٍ.
ولو قال المُضارِبُ: «أخَذتُ منكَ هذا المالَ مُضاربةً فضاعَ قَبلَ أنْ أعمَلَ به أو بعدَما عَمِلتُ»، وقال رَبُّ المالِ: «أخَذتَه مِنِّي غَصبًا»، فالقَولُ قَولُ رَبِّ المالِ، والمُضارِبُ ضامِنٌ؛ لأنَّه أقَرَّ بالأخْذِ وهو سَببٌ مُوجِبٌ لِلضَّمانِ، ثم ادَّعى المُسقَطَ، وهو إذنُ صاحبِه، فلا يُصدَّقُ في ذلك إلا بحُجةٍ (^١).
وقال المالِكيَّةُ: إذا قال العامِلُ: «المالُ بيَدي مُضاربةً أو وَديعةً»، وقال رَبُّ المالِ: «بل غَصَبتَه مِنِّي أو سَرقتَه مِنِّي»؛ فإنَّ القَولَ قَولُ العامِلِ مع يَمينِه والبَيِّنةَ على رَبِّ المالِ بأنْ يُثبِتَ ما ادَّعاه مِنَ الغَصبِ أو السَّرقةِ؛ لأنَّه مُدَّعٍ، ولأنَّ الأصلَ عَدمُ الغَصبِ والسَّرقةِ، ولو كان مِثلُه يُشبِهُ أنْ يَغصِبَ أو يَسرِقَ (^٢).