اتَّفق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ على أنَّه يَجوزُ لِلعامِلِ أنْ يَرُدَّ سِلعةً مِنْ سِلعِ القِراضِ لِأجلِ عَيبٍ فيها، ولا كَلامَ لِرَبِّ المالِ في ذلك؛ لِتَعلُّقِ حَقِّ العامِلِ بالزِّيادةِ التي في السِّلعةِ.
قال الحَنفيَّةُ: حُقوقُ العَقدِ في الشِّراءِ والبَيعِ تَرجِعُ إلى المُضارِبِ، لا إلى رَبِّ المالِ؛ لأنَّ المُضارِبَ هو العاقِدُ، فهو الذي يُطالِبُ بتَسليمِ المَبيعِ، ويُطالِبُ بتَسليمِ الثَّمنِ ويَقبِضُ المَبيعَ والثَّمنَ، ويَرُدُّ بالعَيبِ ويُرَدُّ عليه، ويُخاصَمُ؛ لِما قُلنا.
ولو اشتَرى المُضارِبُ عَبدًا مَعيبًا قد عَلِم رَبُّ المالِ بعَيبِه ولَم يَعلَمْ به المُضارِبُ فلِلمُضارِبِ أنْ يَرُدَّه ولو كان عَلِم بالعَيبِ، ولَم يَعلَمْ به رَبُّ المالِ لَم يَكُنْ لِلمُضارِبِ أنْ يَرُدَّه؛ لأنَّ حُقوقَ العَقدِ تَتعلَّقُ بالمُضارِبِ، لا برَبِّ المالِ، فيُعتبَرُ عِلمُ المُضارِبِ لا عِلمُ رَبِّ المالِ.
ولو اشتَرى عَبدًا فظهَر به عَيبٌ فقال رَبُّ المالِ بعدَ الشِّراءِ: «رَضيتُ بهذا العَبدِ بطَل الرَّدُّ»؛ لأنَّ المِلكَ لِرَبِّ المالِ؛ فإذا رَضيَ به فقد أبطَل حَقَّ نَفْسِه.
ولو أنَّ رَبَّ المالِ دفَع إليه ألفَ دِرهَمٍ مُضارَبةً على أنْ يَشتريَ بها عَبدَ فُلانٍ بعَينِه ثم يَبيعَه، فاشتَراه المُضارِبُ ولَم يَرَه فليس له أنْ يَرُدَّه بخيارِ الرُّؤيةِ، ولا بخيارِ العَيبِ؛ لأنَّ أمرَه بالشِّراءِ بعدَ العِلمِ رِضًا منه بذلك العَيبِ، فكأنَّه قال بعدَ الشِّراءِ: «قد رَضيتُ»، بخِلافِ ما إذا أمَرَه بشِراءِ عَبدٍ
[ ٨ / ٤٩٠ ]
غَيرِ مُعيَّنٍ؛ لأنَّه لا يَعلَمُ أنَّه يَشتَري العَبدَ المَعيبَ لا مَحالةَ حتى يَكونَ عِلمُه دِلالةَ الرِّضا به، وهل له أنْ يأخُذَ بالشُّفعةِ في دارٍ اشتَراها أجنَبيٌّ إلى جَنبِ دارِ المُضارِبِ أو باعَ رَبُّ المالِ دارًا لِنَفْسِه، والمُضارِبُ شَفيعُها بدارٍ أُخرى مِنَ المُضارَبةِ، ففيه تَفصيلٌ (^١).
قال المالِكيَّةُ: يَجوزُ لِلمُضارِبِ إذا اشتَرى شَيئًا ثم اطَّلَع فيه على عَيبٍ أنْ يَرُدَّه وإنْ أبى رَبُّ المالِ؛ لِتَعلُّقِ حَقِّ العاملِ بالزِّيادةِ، وهذا إذا كان الشِّراءُ ببَعضِ مالِ القِراضِ، فأمَّا إنِ اشتَرى بالجَميعِ سِلعةً ثم وجَد فيها عَيبًا فلِرَبِّ المالِ قَبولُ ذلك المَعيبِ بالثَّمنِ؛ لأنَّ مِنْ حُجَّةِ رَبِّ المالِ على العامِلِ أنْ يَقولَ له: أنتَ إذا رَدَدتَ ذلك نَضَّ المالُ، فلي أنْ آخُذَه؛ فإنْ كان الثَّمنُ عَرضًا لَم يَكُنْ له ذلك؛ لأنَّ العامِلَ يَرجو رِبحَه إذا عادَ في يَدِه، وزادَ بَعضُهم قَيدًا آخَرَ، وهو أنْ يأخُذَه رَبُّه لِنَفْسِه على وَجهِ المُفاضَلةِ لا البَيعِ (^٢).
وقال الشافِعيَّةُ: لِلعامِلِ الرَّدُّ بعَيبٍ تَقتَضيه مَصلَحةٌ وإنْ رَضيَ المالِكُ؛ لأنَّ لِلعامِلِ حَقًّا في المالِ فلا يَمنَعُ منه رِضا المالِكِ، بخِلافِ الوَكيلِ؛ لأنَّه لا حَقَّ له في المالِ، ومَحَلُّه إذا ظَنَّ السَّلامةَ فبانَ مَعيبًا، وله شِراؤُه مع عِلمِه بعَيبِه إنْ رآه مُربِحًا.
فإنِ اقتَضَتِ المَصلَحةُ الإمساكَ لِلمَعيبِ لا يَرُدُّه العامِلُ في الأصَحِّ؛ لِإخلالِه بمَقصودِ العَقدِ.
_________________
(١) «بدائع الصانع» (٦/ ٩٠).
(٢) «الشرح الكبير» (٥/ ٢٩٢)، و«شرح مختصر خليل» (٦/ ٢١١)، و«تحبير المختصر» (٤/ ٥١٥)، و«التاج والإكليل» (٤/ ٤٢١).
[ ٨ / ٤٩١ ]
والرَّأيُ الآخَرُ: له الرَّدُّ كالوَكيلِ.
وأجابَ الأولُ بأنَّ الوَكيلَ ليس له شِراءُ المَعيبِ، بخِلافِ العامِلِ إذا رأى فيه رِبحًا كما مَرَّ، فلا يَرُدُّ ما فيه مَصلَحةٌ بخِلافِ الوَكيلِ.
فإنِ استَوى الرَّدُّ والإمساكُ كان له الرَّدُّ قَطعًا، ويَجِبُ على العامِلِ مُراعاةُ المَصلحةِ في الرَّدِّ والإمساكِ.
ولِلمالِكِ الرَّدُّ لِما اشتَراه العامِلُ مَعيبًا حيث جازَ لِلعامِلِ الرَّدُّ، بل هو أوْلَى بجَوازِ ذلك؛ لأنَّه مالِكُ الأصلِ.
فإنِ اختَلَفا -أي: المالِكُ والعامِلُ- في الرَّدِّ والإمساكِ، أي: لِاختِلافِهما في المَصلَحةِ، عَمِل مِنْ جِهةِ الحاكِمِ أو المُحكِّمِ بالمَصلَحةِ الثابِتةِ عندَه في ذلك؛ لأنَّ كُلًّا منهما له حَقٌّ، سَواءٌ طلَب المالِكُ دونَ العامِلِ الإمساكَ، أو العَكسُ.
فإنِ استَوى الحالُ في الرَّدِّ والإمساكِ قال في «المَطلَبِ»: يَرجِعُ إلى العامِلِ إنْ جَوَّزنا له شِراءَ المَعيبِ بقيمَتِه، أي: وهو الأصَحُّ كما مَرَّ إنْ رأى فيه مَصلَحةً (^١).
وقال الحَنابِلةُ: لِلمُضارِبِ أنْ يَشتريَ المَعيبَ إذا رأى المَصلَحةَ فيه؛ لأنَّ المَقصودَ الرِّبحُ، وقد يَكونُ الرِّبحُ في المَعيبِ؛ فإنِ اشتَراه يَظُنُّه سَليمًا فبانَ مَعيبًا فله فِعلُ ما يَرى المَصلحةَ فيه مِنْ رَدِّه بالعَيبِ أو إمساكِه وأخْذِ أرشِ
_________________
(١) «نهاية المطلب» (٧/ ٤٦٤، ٤٦٧)، و«مغني المحتاج» (٣/ ٣٥١، ٣٥٢)، و«نهاية المحتاج» (٥/ ٢٦٥)، و«النجم الوهاج» (٥/ ٢٧٤، ٢٧٥)، و«الديباج» (٢/ ٤٣٥).
[ ٨ / ٤٩٢ ]
العَيبِ؛ فإنِ اختلَف العامِلُ ورَبُّ المالِ في الرَّدِّ فطالَبَه أحَدُهما وأباه الآخَرُ فعَل ما فيه النَّظرُ والحَظُّ؛ لأنَّ المَقصودَ تَحصيلُ الحَظِّ فيَحتمِلُ الأمرَ على ما فيه الحَظُّ، وأمَّا الشَّريكانِ إذا اختَلَفا في رَدِّ المَعيبِ فلِطالِبِ الرَّدِّ رَدُّ نَصيبِه ولِلآخَرِ إمساكُ نَصيبِه إلا أنْ يَكونَ البائِعُ لَم يَعلَمْ أنَّ الشِّراءَ لهما جَميعًا فلا يَلزمُه قَبولُ رَدِّ بَعضِه؛ لأنَّ ظاهِرَ الحالِ أنَّ العَقدَ لِمَنْ وَليَه، فلَم يَجُزْ إدخالُ الضَّررِ على البائِعِ بتَبعيضِ الصَّفقةِ عليه، ولو أرادَ الذي وَليَ العَقدَ رَدَّ بَعضِ المَبيعِ وإمساكَ بَعضٍ كان حُكمُه حُكمَ ما لو أراد شَريكُه ذلك (^١).