اختلَف الفُقهاءُ هل يَجوزُ لِلمُضارِبِ أنْ يَرهَنَ بالدَّينِ الذي عليه، أو بالدَّينِ الذي له، أو لا يَجوزُ؟
فذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَجوزُ لِلمُضارِبِ عندَ الحاجةِ أنْ يَرهَنَ بالدَّينِ الذي عليه، أو يَرتَهِنَ بالدَّينِ الذي له؛ لأنَّ الرَّهنَ يُرادُ لِلإيفاءِ والارتِهانِ يُرادُ لِلاستيفاءِ، وهو يَملِكُ الإيفاءَ والاستيفاءِ، فمَلَك ما يُرادُ لها؛ لأنَّ الارتِهانَ بمَنزِلةِ الاستيفاءِ، وإلى المُضارِبِ استيفاءُ الدَّينِ الواجِبِ لِلمُضارَبةِ، ولو كانت المُضاربةُ ألفَيْن واشتَرى عَبدًا بألفٍ وقَبَضه ونَقَدها ثم اشتَرى مَتاعًا بالألفٍ الأُخرى وقَبَضه على أنْ أعطاه العَبدُ بها رَهنًا فهو جائِزٌ؛ لأنَّ الرَّهنَ بمَنزِلةِ الاستيفاءِ، والدَّينُ الواجِبُ بتَصرُّفِه لِلمُضاربةِ إنَّما يَقتَضيه مِنْ مالِ المُضارَبةِ.
_________________
(١) «المغني» (٥/ ١٣، ٢٦)، و«كشاف القناع» (٣/ ٥٨٥)، و«شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٥٣).
[ ٨ / ٤٩٣ ]
وذهَب الحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه ليس له ذلك؛ لأنَّ فيه خَطرًا (^١).
قال الحَنفيَّةُ: وإذا مات رَبُّ المالِ والمُضارَبةُ عُروضٌ فرَهنَ المُضارِبُ منها شَيئًا لَم يَجُزْ؛ لأنَّ المُضارَبةَ تَنتَقِضُ بمَوتِ رَبِّ المالِ كالشَّركةِ؛ وإنَّما يَملِكُ مِنَ التَّصرُّفِ بعدَ ذلك مَا يَنِضُّ به المالُ ويُرَدُّ رأسُ المالِ ويُقسَّمُ الرِّبحُ مع الوَرثةِ، والرَّهنُ ليس مِنْ هذا في شَيءٍ، بما لا يَملِكُ أنْ يَرهَنَ، فيَكونُ هو ضامِنًا بخِلافِ ما لو باعَ شَيئًا مِنَ المالِ؛ لأنَّه إنْ باعه بالنَّقدِ فهو تَصرُّفٌ في الذي يَنِضُّ به المالُ، وإنْ باعَه بالعَرضِ فكذلك أيضًا؛ لأنَّ هذا العَرضَ ربما لا يُشتَرى بالنَّقدِ، فتَبادُلُه بعَرضٍ آخَرَ يَشتَري ذلك منه بالنَّقدِ.
وإذا رهَن رَبُّ المالِ مَتاعًا مِنَ المُضاربةِ وفيه فَضلٌ لَم يَجُزْ؛ لأنَّ حَقَّ المُضاربِ في الفَضلِ مَملوكٌ له، فلا يَصحُّ رَهنُ رَبِّ المالِ فيه بغَيرِ رِضا المُطالِبِ فلا يَصحُّ فيما وَراءَ ذلك لِأجلِ الشُّيوعِ؛ فإذا لَم يَكُنْ فيه فَضلٌ على رأسِ المالِ فهو جائِزٌ؛ لأنَّه رَهنٌ مَلَك نَفْسَه بدَيْنه، ولكنْ يَضمَنُ قيمةَ ذلك؛ لأنَّه صارَ مُخرِجًا له مِنَ المُضارَبةِ، وكان فيه حَقٌّ لِلمُضارِبِ، ألَا تَرى أنَّه لو نَهاه عن التَّصرُّفِ فيه لا يُعمَلُ بنَهيِه فيَصيرُ ضامِنًا لِحَقِّه كما لو استَهلَكه، وعلى قَولِ زُفَرَ لا يَضمَنُ له شَيئًا (^٢).
وقال الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: ولا يَجوزُ رَهنُ المُقارِضِ؛ لأنَّ الرَّهنَ
_________________
(١) «المغني» (٥/ ١٤)، و«الكافي» (٢/ ٢٦٠)، و«الفروع» (٤/ ٢٩٠)، و«كشاف القناع» (٣/ ٥٨٦)، و«شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٥٣)، و«مختصر الوقاية» (٢/ ١٨٩).
(٢) «المبسوط» (٢١/ ١٥٥)، و«البحر الرائق» (٧/ ٢٦٤)، و«الهداية شرح البداية» (٣/ ٢١٠).
[ ٨ / ٤٩٤ ]
غَيرُ مَضمونٍ إلا أنْ يأذَنَ رَبُّ المالِ لِلمُقارِضِ يَرهَنُ بدَينٍ له مَعروفٍ، وكذلك لا يَجوزُ ارتِهانُه إلا أنْ يأذَنَ له رَبُّ المالِ أنْ يَبيعَ بالدَّينِ؛ فإذا باعَ بالدَّينِ فالرَّهنُ ازدِيادٌ له، ولا يَجوزُ ارتِهانُه إلا في مالِ صاحِبِ المالِ؛ فإنْ رهَن عن غَيرِه فهو ضامِنٌ ولا يَجوزُ الرَّهنُ (^١).
وقال في مَوضِعٍ آخَرَ: وليس لِلمُقارِضِ أنْ يَرهنَ؛ لأنَّ المِلكَ لِصاحِبِ المالِ، كان في المُقارضةِ فَضلٌ على رأسِ المالِ أو لَم يَكُنْ؛ وإنَّما مَلَّك المُقارِضُ الراهِنَ شَيئًا مِنَ الفَضلِ شَرَطه له إنْ سلَّم حتى يَصيرَ رأسُ مالِ المُقارِضِ إليه أخَذَ شَرطَه، وإنْ لَم يُسلِّمْ لَم يَكُنْ له شَيءٌ (^٢).
أمَّا المالِكيَّةُ فلَم أقِفْ لهم على قَولٍ في هذه المَسألةِ.