قالَ الحنفيَّةُ: ألفاظُ الخُلعِ خَمسةٌ: «خالَعْتُكِ- بارَأْتُكِ- بايَنْتُكِ- فارَقْتُكِ- طلِّقِي نفْسَكِ على ألفٍ»، فإنْ قالَ: «خالَعتُكِ على ألفٍ» فقَبلَتْ فقالَ: «لم أنوِ بذلكَ الطَّلاقَ» لم يُصدَّقْ قَضاءً؛ لأنَّ ذكْرَ العِوضِ دَلالةٌ عليهِ، ويُصدَّقُ دِيانةً؛ لأنَّ اللهَ تعالَى عالِمٌ بما في سِرِّه، لكنْ لا يسَعُ المَرأةَ أنْ تُقيمَ معَه؛ لأنها كالقاضي لا تَعرفُ منه إلَّا الظاهِرَ؛ لأنَّ ذكْرَ العوضِ دَلالةٌ عليه (^١).
وزادَ في «الدُّرّ المُختار» لفْظَ البَيعِ والشِّراءِ ك: «بِعْت نفْسَكِ» وك: «اشتِري نفْسَكِ» (^٢).
وألفاظُ الخُلعِ عندَ المالكيَّةِ: الخُلعُ والفِديةُ والصُّلحُ والمُبارَأةُ، كلُّها تَؤولُ إلى معنًى واحِدٍ وهو بَذلُ المَرأةِ العِوضَ على طَلاقِها، إلَّا أنَّ اسمَ الخُلعِ يَختصُّ ببَذلِها لهُ جَميعَ ما أعطاها، والصُّلحُ ببَعضِه،
_________________
(١) «الجوهرة النيرة» (٤/ ٥١٧)، و«البحر الرائق» (٤/ ٧٨).
(٢) «الدر المختار مع حاشية ابن عابدين» (٣/ ٤٤٣).
[ ١٦ / ٥٦٥ ]
والفِديةُ بأكثَرِ ممَّا أعطاها، والمُبارَأةُ بإسقاطِها عنهُ حقًّا لها عليهِ (^١).
وألفاظُ الخُلعِ عندَ الشَّافعيةِ تَنقسِمُ إلى صَريحٍ وكِنايةٍ.
فالصَّريحُ: هو ما كانَ بلَفظِ الخُلعِ وما اشتقَّ منهُ ك: «خالَعتُكِ بكذا» فلا يَحتاجُ معهُ لنيَّةٍ؛ لأنه تكرَّرَ على لسانِ حَمَلةِ الشَّرعِ لإرادةِ الفِراقِ فكانَ كالتَّكرارِ في القُرآنِ، ولا فرْقَ بيْنَ أنْ يُذكرَ معه مالٌ أم لا ك: «خالَعتُكِ بكذا».
وفي قَولٍ: هو كنايةٌ فيَحتاجُ لنيَّةِ الطَّلاقِ.
والمُفاداةُ وما اشتقَّ منهُ كخُلعٍ في الأصَحِّ ك: «فادَيتُكِ بكذا»؛ لوُرودِ لَفظِ المُفاداةِ في القُرآنِ، قالَ تعالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
وفي مُقابلِ الأصَحِّ أنَّه كِنايةٌ؛ لأنَّه لم يَتكررْ في القُرآنِ ولم يَشتهرْ على لسانِ حَمَلةِ الشَّريعةِ.
والصَّحيحُ أنَّ الخُلعَ والمُفاداةَ إنْ ذُكرَ معهُما المالُ فهُما صَريحانِ في الطَّلاقِ؛ لأنَّ ذِكرَه يُشعِرُ بالبينُونةِ، وإنْ لم يُذكرْ معهُما المالُ فكِنايتانِ فيَحتاجانِ إلى نيَّةِ الطَّلاقِ.
والكِنايةُ: ما كانَ بكِناياتِ الطَّلاقِ مع النِّيةِ للطَّلاقِ مِنْ الزَّوجَينِ معًا، فإنْ لم يَنوِيا أو أحدُهُما لم يَصحَّ.
_________________
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٥٠)، و«الاستذكار» (٦/ ٧٦)، و«حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٥/ ٢٤٣).
[ ١٦ / ٥٦٦ ]
ولَفظُ الفَسخِ كِنايةٌ ك: «فسَخْتُ نِكاحَكِ بكذا» فقَبلَتْ فهو كِنايةٌ في الفُرقةِ بعوضٍ؛ لأنه لم يَردْ في القُرآنِ ولم يُستعمَلْ عُرفًا فيهِ، فلا يكونُ صَريحًا فلا يقَعُ الطَّلاقُ فيه بلا نيَّةٍ، وإنَّما ورَدَ لَفظُ الفَسخِ مِنْ كلامِ ابنِ عبَّاسٍ وغيرِه واشتَهرَ في ألسِنةِ العُلماءِ.
وألفاظُ البَيعِ والشِّراءِ والإقالَةِ كِناياتٌ في الخُلعِ، سَواءٌ جُعِلَ طَلاقًا أو فَسخًا كما لو قالَ: «بِعْتُ نفْسَكِ مِنكِ بكذا» فقالَتِ: اشتَريتُ، أو قَبلْتُ» فكِنايةُ خُلعٍ، أو قالَ: «أقلْتُكِ بكذا» فقالَتْ: «انقَلْتُ».
ويَصحُّ الخُلعُ بالتَّرجمةِ عنه بالأعجميَّةِ وغَيرِها مِنْ اللُّغاتِ نظَرًا للمعنَى (^١).
وقالَ الحَنابلةُ: لَفظُ الخلعِ يَنقسمُ إلى صَريحٍ وكِنايةٍ؛ لأنَّ الخُلعَ أحَدُ نَوعي الفُرقةِ، فكانَ له صَريحٌ وكِنايةٌ كالطَّلاقِ.
فالصَّريحُ: أنْ يقَعَ بلَفظِ الخُلعِ أو الفَسخِ أو المُفاداةِ ولا يَنوي بهِ الطَّلاقَ، فيكونُ فَسخًا لا يَنقصُ بهَ عَددُ الطَّلاقِ ولو لم يَنوِ بهذهِ الألفاظِ الخُلعَ؛ لأنها صَريحةٌ فيهِ لكَونِها الوارِدةَ في قولِه تعالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
_________________
(١) «البيان» (١٠/ ١٥، ١٨)، و«روضة الطالبين» (٥/ ٢٦٥، ٢٧٠)، و«النجم الوهاج» (٧/ ٤٤٧، ٤٤٩)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٤٣٨، ٤٣٩)، و«نهاية المحتاج» (٦/ ٤٦٩، ٤٧١)، و«الديباج» (٣/ ٣٨٠، ٣٨١).
[ ١٦ / ٥٦٧ ]
وألفاظُ الكنايَةِ: «بارَيتُكِ، وأبرَأتُكِ، وأبَنتُكِ»؛ لأنها تَحتمِلُ الخُلعَ وغيرَه.
فمعَ سُؤالِ الخُلعِ وبَذلِ العِوضِ يَصحُّ الخُلعُ مِنْ غيرِ نيَّةٍ؛ لأنَّ دلالةَ الحالِ مِنْ سُؤالِ الخُلعِ وبَذلِ العِوضِ صارِفةٌ إليهِ فأغنَتْ عن النيَّةِ فيهِ إنْ لم تَكنْ دَلالةُ حالٍ.
ولا بُدَّ في الكِناياتِ مِنْ نيَّةِ الخُلعِ ممَّن أتَى بها مِنْ الزَّوجينِ كالطَّلاقِ بالكِنايةِ.
وإنْ تَوافقَ الزَّوجانِ على أنْ تهَبَه الزَّوجةُ الصَّداقَ وتُبرئَه منهُ إنْ كانَ دَينًا أو مِنْ نحوِ نَفقةٍ أو قَرضٍ على أنْ يطلِّقَها فأبرَأتْه منهُ أو وهَبتْه الصَّداقَ إنْ كانَ عَينًا ثمَّ طلَّقَها كانَ الطَّلاقُ بائِنًا؛ لدَلالةِ الحالِ على إيقاعِ الطَّلاقِ في مُقابلةِ البَراءةِ، فيكونُ طَلاقًا على عِوضٍ.
وكذلكَ لو قالَ لها الزَّوجُ: «أبرِئيني وأنا أطلِّقكُ، أو: إنْ أبرَأتِني طلَّقتُكِ» ونحو ذلكَ مِنْ العِباراتِ الخاصَّةِ والعامَّةِ الَّتي يُفهمَ منها أنه سألَ الإبراءَ على أنْ يُطلِّقَها وأنها أبرَأتْه على أنْ يُطلِّقَها.
وإنْ كانَتْ أبرَأتْه بَراءةً لا تتعلَّقُ بالطَّلاقِ ثمَّ طلَّقَها بعدَ ذلكَ فهو رَجعيٌّ؛ لخُلوِّه عَنْ العِوضِ لفظًا ومعنًى.
وتَصحُّ تَرجمةُ الخُلعِ بكلِّ لُغةٍ مِنْ أهلِها؛ لأنها المَوضوعةُ له في
[ ١٦ / ٥٦٨ ]
لِسانِهم، فأشبَهَتِ المَوضوعَ لهُ بالعربيَّةِ، ولعَدمِ التعبُّدِ بلَفظِه، فيَصحُّ بكلِّ لُغةٍ مِنْ أهلِها (^١).