اتَّفقَ أهلُ العِلمِ على أنَّ لفْظَ الطَّلاقِ مِنَ الألفاظِ الصَّريحةِ في الطَّلاقِ، واختَلفُوا فيما عَداهُ على تَفصيلٍ بيْنَهم، بيانُه على النَّحوِ التَّالي:
قالَ الحَنفيَّةُ: اللَّفظُ الصَّريحُ الَّذي يَقعُ بهِ الطَّلاقُ ولا يَحتاجُ إلى نيَّةٍ هو لَفظُ الطَّلاقِ أو التَّطلِيقِ، مثْلَ قَولِه: «أنتِ طالِقٌ» أو «أنتِ الطَّلاقُ» أو «طلَّقْتُكِ» أو «أنتِ مُطلَّقَةٌ» مُشدّدًا، سُمِّيَ هذا النَّوعُ صَريحًا لأنَّ الصَّريحَ في اللُّغةِ اسمٌ لِما هو ظاهِرُ المُرادِ مَكشوفُ المَعنى عِنْدَ السَّامِعِ مِنْ قَولِهم: «صرَّحَ فُلانٌ بالأمرِ» أي كشَفَهُ وأوضَحُه، وسمِّيَ البناءُ المُشرِفُ صَرحًا لظُهورِه على سائِرِ الأبنيةِ، وهذهِ الألفاظُ ظاهِرةُ المُرادِ؛ لأنَّها لا تُستعمَلُ إلَّا في الطَّلاقِ عن قَيدِ النِّكاحِ، فلا يحتاجُ فيها إلى النِّيةِ لوُقوعِ الطَّلاقِ؛ إذ النِّيةُ عمَلُها في تَعيينِ المُبهمِ ولا إبهامَ فيها.
_________________
(١) «المبدع» (٧/ ٢٦٩)، وقالَ المِرْداويُّ في «الإنصاف»: قَولُه: (فمَتى أتَى بصَريحِ الطَّلاقِ وقَعَ، نَواهُ أو لم يَنوهِ)، أمَّا إذا نَواهُ فلا نِزاعَ في الوُقوعِ. وأمَّا إذا لم يَنوِه فالصَّحيحُ مِنَ المَذهبِ ونَصَّ عليهِ الإمامُ أحمَدُ ﵀ وعليهِ الأصحابُ أنهُ يَقعُ مُطلَقًا. وعنهُ: لا يَقعُ إلَّا بنيِّةٍ أو قَرينةِ غضَبِ أو سُؤالِها ونحوِه. «الإنصاف» (٨/ ٤٦٥).
[ ١٧ / ٤٤١ ]
وهذهِ الألفاظُ السَّابقِةُ ك: «أنتِ طالِقٌ، ومُطلَّقةٌ، وقَد طَلَّقتُكِ» لا يَقعُ بهِ إلا واحِدةٌ رَجعيَّةٌ، حتَّى لو نَوَى اثنتَينِ أو ثلاثةً لا يَقعُ إلَّا واحدةٌ، سَواءٌ نَوَى واحدةً أو أكثَرَ أو لم يَنوِ شيئًا.
ولو طلَّقَها طلْقَةً رجعيَّةً ثمَّ قالَ: «جعَلتُها بائِنًا أو ثلاثًا» صارَ كذلكَ عِنْدَ أبي حَنيفةَ.
وقالَ أبو يُوسفَ: تَصيرُ بائنًا ولا تَصيرُ ثلاثًا.
وقالَ مُحمدٌ وزُفَرُ: لا تَصيرُ بائِنًا ولا ثلاثًا.
ولو قالَ لها: «كُوني طالِقًا، أو اطْلُقِي» قالَ مُحمدٌ: أراهُ واقِعًا.
وأمَّا لَو قالَ لها: «أنتِ الطَّالِقُ، وأنتِ طالِقٌ الطَّلاقَ، وأنتِ طالِقٌ طلاقًا» فإنْ لم يَكنْ لهُ نيَّةٌ فهي واحِدةٌ رجعيَّةٌ، وإنْ نَوَى اثنتَينِ فهي واحِدةٌ رجعيَّةٌ أيضًا، وإنْ نَوَى ثلاثًا فهي ثلاثٌ، وكذا إذا قالَ: «أنتِ طلاقٌ» يقَعُ بهِ الطَّلاقُ أيضًا، ولا يحتاجُ فيهِ إلى نيَّةٍ ويكونُ رَجعيًّا، وتَصحُّ نيَّةُ الثَّلاثِ فيهِ؛ لأنَّ المَصدَرَ يَحتملُ العُمومَ والكَثرةَ؛ لأنهُ اسمُ جِنسٍ، ولا تَصحُّ نيَّةُ الثِنتَينِ فيهِ؛ لأنَّ نيَّةَ الثَّلاثِ إنَّما صحَّتْ لكَونِها جِنْسًا، حتَّى لو كانَتِ المَرأةُ أمَةَ تَصحُّ نيَّةُ الثِنتَينِ باعتِبارِ الجِنسيةِ، أمَّا الثِنتانِ في حَقِّ الحُرَّةِ عَددٌ، واللَّفظُ لا يَحتملُ العدَدَ.
ولو قالَ: «أنتِ طالِقُ الطَّلاقِ» وقالَ: «أردْتُ بقولي «طالِق» واحدةً، وبقَولي «الطَّلاق» أُخرَى» صُدِّقَ؛ لأنَّ كلَّ واحِدةٍ مِنهما صالِحةٌ للإيقاعِ، فكأنهُ قالَ: «أنتِ طالِقٌ وطالِقٌ» فيَقعُ رَجعيَّتانِ إذا كانَتْ مَدخولًا بها.
[ ١٧ / ٤٤٢ ]
ولو قالَ: «أنتِ طالِقٌ طلاقًا» ولا نيَّةَ لهُ وقعَتْ واحدِةٌ؛ لأنَّ المَصدَرَ إنَّما يُفيدُ التَّأكيدَ لا غَيرَ كقَولِكَ: قُمتُ قيامًا وأكلْتُ أكلًا، والتَّأكِيدُ لا يُفيدُ إلَّا ما أفادَهُ المُؤكَّدُ، وإنْ نَوَى ثلاثًا كانَ ثلاثًا في رِوايةِ الأصلِ؛ لأنَّ المَصدرَ يُفيدُ مَعنَى الكَثرةِ، وعَن أبي حَنيفةَ: لا يَقعُ إلَّا واحدةٌ.
ولو قالَ: «يا مُطلَّقَة» بالتَّشديدِ وقَعَ عليها الطَّلاقُ؛ لأنهُ وصَفَها بذلكَ، فإنْ نَوَى ثلاثًا كانَ ثلاثًا، ولَو قالَ: «أنتِ طالِقٌ» لا يَقعُ إلَّا بالنِّيةِ إلَّا في حالِ مُذاكَرةِ الطَّلاقِ، ولو قالَ: «يَا طالِقُ» بكَسرِ اللَّامِ وقعَ الطَّلاقَ وإنْ لم يَنوِه، ولو قالَ: «أنتِ طالِقٌ طالِقٌ» أو قالَ: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ» وقالَ: «عَنَيتُ الأوَّلَ» صُدِّقَ دِيانةً، وكذا إذا قالَ: قَدْ طَلَّقتُكِ قَدْ طَلَّقتُكِ، أو أنتِ طالِقٌ قَدْ طَلَّقتُكِ، أو قالَ: أنتِ طالِقٌ فقالَ لهُ رَجلٌ: ما قُلتَ؟ قالَ: قَدْ طلَّقتُها أو قالَ: قُلتُ هي طالِقٌ؛ فهي واحِدةٌ في القَضاءِ (^١).
وقالَ المالكيَّةُ: اللَّفظُ الصَّريحُ الَّذِي تَنحَلُّ بهِ العِصمةُ ولو لم يَنوِ حَلَّها متَى قصَدَ اللَّفظَ:
١ - الطَّلاقُ: كما لو قالَ: «الطَّلاقُ يَلزمُنِي» أو: «عليَّ الطَّلاقُ» أو: «أنتِ الطَّلاقُ» أو: «أنتِ طالِقٌ، أو مُطلَّقةٌ» ونحوُ ذلكَ.
_________________
(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٠١، ١٠٣)، و«الهداية» (١/ ٢٣٠، ٢٣١)، و«تبيين الحقائق» (٢/ ١٩٧)، و«الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٩٩، ٤٠٢)، و«مختصر الوقاية» (١/ ٣٨٧)، و«الاختيار» (٣/ ١٥٧)، و«اللباب» (٢/ ٧٨، ٧٩)، و«العناية» (٥/ ١٩٦، ١٩٧)، و«البحر الرائق» (٣/ ٢٦٩)، و«حاشية ابن عابدين» (٣/ ٢٤٧).
[ ١٧ / ٤٤٣ ]
٢ - وطلاقٌ بالتَّنكيرِ أي: يَلزمُني أو عَليكِ أو أنتِ طلاقٌ أو عليَّ طلاقٌ وسَواءٌ نطَقَ بالمُبتدأِ ك «أنتِ»، أو بالخبَرِ ك «علَيَّ» أم لا؛ لأنهُ مُقدَّرٌ والمُقدَّرُ كالثَّابتِ.
٣ - وطَلَّقتُ: بالفِعلِ الماضي والتاءُ مَضمومةٌ.
٤ - وتَطَلَّقتِ: بتَشديدِ اللَّامِ المَفتوحةِ وكَسرِ التَّاءِ، أي مِنِّي أو أنتِ تَطلَّقتِ.
٥ - وطالِقٌ: اسمُ فاعِلٍ.
٦ - ومُطلَّقةٌ: بفَتحِ الطَّاءِ واللَّامُ مُشدَّدةٌ اسمُ مَفعولٍ، نحوُ: «أنتِ مُطلَّقةٌ».
وصَريحُ الطَّلاقِ مُنحصرٌ في تِلكَ الألفاظِ السِّتةِ دُونَ غَيرِها مِنَ الألفاظِ، خِلافًا لمَن قالَ: إنَّ الصَّريحَ ما كانَ فيهِ الحُروفُ الثَّلاثةُ: الطَّاءُ واللَّامُ والقافُ؛ لشُمولِه نحوُ: مُنطلِقًا ومُطلَقةٌ ومَطلُوقةٌ وانطَلِقِي، فإنَّ هذه الألفاظَ مِنَ الكنايةِ الخفيَّةِ.
ويَلزمُ في صَريحِ الطَّلاقِ -وهي الألفاظُ السَّابقةُ- طَلقةٌ واحدةٌ إلَّا لنيَّةِ أكثَرَ فيَلزمُه ما نَواهُ (^١).
_________________
(١) «الإشراف» (٣/ ٤٢٠، ٤٢٤)، و«التاج والإكليل» (٣/ ٥٨، ٥٩)، و«مواهب الجليل» (٥/ ٢٧٣)، و«شرح مختصر خليل» (٤/ ٤٣، ٤٤)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٦٦، ٢٦٧)، و«تحبير المختصر» (٣/ ١٥٦، ١٥٧)، و«حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٥/ ٣٢٩، ٣٣٠).
[ ١٧ / ٤٤٤ ]
وقالَ الشَّافعيةُ: ألفاظُ الطَّلاقِ الصَّريحَةُ الَّتي لا يَحتمِلُ ظاهِرُها غيرَ الطَّلاقِ ثلاثةٌ:
الطَّلاقُ اتِّفاقًا، والفِراقُ والسَّراحُ على المَشهورِ فيهما؛ لِوُرودِهما في القُرآنِ بمَعناهُ.
ومُقابِلُ المَشهورِ: أنَّهما كِنايتانِ؛ لأنَّهما لم يَشتَهرَا اشتِهارَ الطَّلاقِ، ويُستَعملانِ فيهِ وفي غَيرِه.
والمُشهورُ مِنَ المَذهبِ الأوَّلُ؛ لأنَّ القُرآنَ ورَدَ بهذهِ الألفاظِ الثَّلاثةِ.
أمَّا الطَّلاقُ فبقَولِه تعالَى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وبقَولِه: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، وغَيرِ ذلكَ.
وأمَّا السَّراحُ فبقَولِه تعالَى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، وقالَ: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)﴾ [الأحزاب: ٢٨].
وأمَّا الفِراقُ فبقَولِه: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢].
وكذا ما اشتُقَّ مِنْ هذهِ الألفاظِ ك: «طلَّقتُكِ، وأنتِ مُطلَّقةٌ، ويا مُطلَّقةٌ، ويا طالِقُ»، لا «أنتِ طلاقٌ، والطَّلاقُ» فليسَا بصَريحَينِ في الأصَحِّ، بلْ كِنايتانِ.
وفارَقتُكِ وسرَّحتُكِ وأنتِ مُفارَقةٌ ومُسرَّحةٌ ويا مُفارَقة ويا مُسرَّحة.
ولو قالَ عامِّيٌّ: «أعطَيتُ تَلاقَ فُلانةٍ بالتَّاءِ، أو طَلاكَها بالكافِ، أو دَلاقَها بالدَّالِ» وقَعَ بهِ الطَّلاقُ وكانَ صَريحًا في حقِّهِ إنْ لَم يَطاوِعْه لِسانُه إلَّا على هذا
[ ١٧ / ٤٤٥ ]
اللَّفظِ المُبدلِ أو كانَ ممَّن لُغتُه كذلكَ بأنْ يكونَ مِنْ قَومٍ يُبدلونَ الطَّاءَ تاءً واطَّرَدَتْ لُغتُهم بذلكَ، وإلَّا فهو كِنايةٌ؛ لأنَّ ذلكَ الإبدالَ لهُ أصْلٌ في اللُّغةِ.
وخرَجَ بهِ الفَقيهُ، فما ذكَرَهُ كِنايةٌ فيهِ مُطلقًا، سَواءٌ كانَتْ لُغتُه كذلكَ أم لا.
ومِنَ الصَّريحِ تَرجمةُ لفْظِ الطَّلاقِ بالعَجميَّةِ على المَذهبِ؛ لشُهرَةِ استِعمالِها في مَعناها عِنْدَ أهلِها شُهرةَ استِعمالِ العَربيَّةِ عندَ أهلِها.
وحُكمُ هذا النَّوعِ مِنَ الصَّريحِ لا يَحتاجُ إلى نيَّةِ إيقاعِ الطَّلاقِ بهِ، لأنهُ لا يَحتملُ غيرَ الطَّلاقِ، فلا يَتوقَّفُ وُقوعُ الطَّلاقِ على نيَّةِ إيقاعِه، بلْ يقَعُ ولو نَوَى عدَمَه.
قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ ﵁: ذكَرَ اللهُ ﵎ الطَّلاقَ في كِتابِه بثلاثةِ أسماءٍ: الطَّلاقُ والفِراقُ والسَّراحُ … فمَن خاطَبَ امرَأتُه فأفرَدَ لها اسمًا مِنْ هذهِ الأسماءِ فقالَ: «أنتِ طالِقٌ، أو قَدْ طلَّقتُكِ، أو فارَقتُكِ، أو قَدْ سرَّحتُكِ» لَزِمَه الطَّلاقُ ولم يَنوِ في الحُكمِ ونَويناهُ فيما بيْنَهُ وبيْنَ اللهِ تعالَى، ويَسَعُه إنْ لم يُرِدْ بشيءٍ منهُ طلاقًا أنْ يُمسِكَها، ولا يَسَعُها أنْ تُقيِمَ معهُ؛ لأنَّها لا تَعرِفُ مِنْ صِدْقِه ما يَعرِفُ مِنْ صِدقِ نَفسِه، وسَواءٌ فيما يَلزمُ مِنَ الطَّلاقِ ولا يَلزمُ، تكلَّمَ بهِ الزَّوجُ عِنْدَ غضَبٍ أو مَسألةِ طلاقٍ أو رِضًا وغَيرِ مَسألةِ طلاقٍ، ولا تَصنَعُ الأسبابُ شَيئًا، إنَّما تَصنَعُه الألفاظُ؛ لأنَّ السَّببَ قَدْ يكونُ ويَحدُثُ الكَلامُ على غَيرِ السَّببِ، ولا يكونُ مُبتدَأَ الكَلامِ الَّذي لهُ حُكمٌ فيقَعُ، فإذا لم
[ ١٧ / ٤٤٦ ]
يَصنَعِ السَّببُ بنَفسِه شيئًا لم يَصنَعْه بما بعْدَهُ، ولم يَمنَعْ ما بعْدَه أنْ يَصنعَ ما له حُكمٌ إذا قيلَ.
ولو وصَلَ كَلامَه فقالَ: «قد فارَقتُكِ إلى المَسجدِ أو إلى السُّوقِ أو إلى حاجَةٍ، أو قَدْ سَرَّحتُكِ إلى أهلِكِ أو إلى المَسجدِ، أو قَدْ طلَّقتُكِ مِنْ عِقالِكِ» أو ما أشبَهَ هذا لم يَلزمْه طَلاقٌ، ولو ماتَ لم يكنْ طلاقًا، وكذلكَ لو خَرِسَ أو ذهَبَ عَقْلُه لم يكنْ طلاقًا، ولا يكونُ طلاقًا إلَّا بأنْ يقولَ: أردْتُ طلاقًا، وإنْ سألَتِ امرَأتُه أنْ يُسألَ سُئلَ، وإنْ سألَتْ أنْ يُحلَّفَ أُحلِفَ، فإنْ حلَفَ ما أرادَ طلاقًا لم يَكنْ طلاقًا، وإنْ نَكلَ قيلَ: إنْ حلَفْتَ طَلُقَتْ، وإلَّا فليسَ بطلاقٍ، قالَ: وما تَكلَّمَ بهِ ممَّا يُشبِهُ الطَّلاقَ سِوَى هؤلاءِ الكَلِماتِ فليسَ بطلاقٍ حتَّى يَقولَ: كانَ مَخرَجُ كَلامِي بهِ على أنِّي نَوَيتُ بهِ طلاقًا، وذلكَ مثلُ قولِهِ لامرَأتِه: أنتِ خَليَّةٌ أو خَلوتِ مِنِّي أو خَلوتُ مِنكِ، أو أنتِ بَريئةٌ أو بَرئتِ مِنِّي أو بَرِئتُ مِنكِ، أو أنتِ بائِنٌ أو بِنتِ مِنِّي أو بِنتُ مِنكِ، أو اذهَبِي أو اعزُبِي أو تَقنَّعِي أو اخرُجِي، أو لا حاجَةَ لي فيكِ أو شأنُكِ بمَنزلِ أهلكِ أو الزَمِي الطَّريقَ خارِجةً، أو قَدْ وُدَّعتُكِ أو قَدْ وَدَّعتِينِي، أو اعتَدِّي أو ما أشبَهَ هذا ممَّا يُشبِهُ الطَّلاقَ فهو فيهِ كلِّهِ غَيرُ مُطلِّقٍ حتَّى يقولُ: «أردْتُ بمَخرجِ الكَلامِ منِّي الطَّلاقَ» فيكونُ طلاقًا بإرادةِ الطَّلاقِ معَ الكلامِ الَّذي يُشبهُ الطَّلاقَ (^١).
_________________
(١) «الأم» (٥/ ٢٥٩، ٢٦٠)، ويُنظر: «الحاوي الكبير» (١٠/ ١٥٠، ١٥٩)، و«المهذب» (٢/ ٨١)، و«البيان» (١٠/ ٨٨، ٩١)، و«روضة الطالبين» (٥/ ٣٢٤، ٣٢٧)، و«أسنى المطالب» (٣/ ٢٦٩، ٢٧٠)، و«كنز الراغبين» (٣/ ٧٩٨، ٨٠٠)، و«النجم الوهاج» (٧/ ٤٨٣، ٤٨٥)، و«تحفة المحتاج» (٩/ ٣٢٤، ٣٣٨)، و«نهاية المحتاج» (٦/ ٤٩٢، ٤٩٤)، و«الديباج» (٣/ ٤٠٠، ٤٠١).
[ ١٧ / ٤٤٧ ]
وقالَ الحنابلةُ في المَذهبِ: صَريحُ الطَّلاقِ هوَ لفظُ الطَّلاقِ وما تَصرَّفَ مِنهُ لا غَير، ك: طالِقٌ وطَلَّقتُكِ ومُطلَّقةٌ «اسمُ مَفعولٍ»؛ لأنهُ مَوضوعٌ لهُ على الخُصوصِ ثبَتَ لهُ عُرفُ الشَّارعِ والاستعمالُ، فلو قالَ: «أنتِ طالِقٌ أو الطَّلاقُ أو مُطلَّقةٌ» فهو صَريحٌ.
(غيرَ: أمرٍ) ك: طَلِّقِي.
(ومُضارعٍ) ك: تَطلقِينَ.
(ومُطلِّقةٍ: اسمُ فاعِلٍ) فلا يَقعُ بهذهِ الألفاظِ الثَّلاثِ الطَّلاقُ.
ولفظُ الفِراقِ والسَّراحِ كنايةٌ؛ لأنهُما يُستَعملانِ في غَيرِ الطَّلاقِ كَثيرًا، فلم يَكونا صَريحَينِ فيهِ كسائرِ كِناياتِه، وهذا قَولُ ابنِ حامِدٍ وعليهِ المَذهبُ.
وقالَ الخِرَقيُّ ﵀: صَريحُه ثلاثةُ ألفاظٍ: الطَّلاقُ والفِراقُ والسَّراحُ وما تَصرَّفَ مِنهنَّ، وإذا قالَ: «قَدْ طَلَّقتُكِ، أو قد فارَقتُكِ، أو قد سرَّحتُكِ» لَزمَها الطَّلاقُ؛ لأنَّ هذهِ الألفاظَ ورَدَ بها الكِتابُ بمِعنى الفُرقةِ بيْنَ الزَّوجينِ فكانا صَريحَينِ فيهِ كلَفظِ الطَّلاقِ، وقالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقالَ: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، وقالَ سُبحانَه:
[ ١٧ / ٤٤٨ ]
﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]، وقالَ سُبحانَه: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)﴾ [الأحزاب: ٢٨].
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وقولُ ابنِ حامِدٍ أَصحُّ؛ فإنَّ الصَّريحَ في الشَّيءِ مَا كانَ نَصًّا فِيهِ لا يَحتمِلُ غَيرُه إلَّا احتِمالًا بَعيدًا، ولَفظَةُ الفِراقِ والسَّراحِ إنْ وَرَدَا في القُرآنِ بمعنَى الفُرقةِ بيْنَ الزَّوجَينِ فقَدْ ورَدَا لغَيرِ ذلكَ المَعنَى وفي العُرفِ كَثيرًا، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠]، وقالَ: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البينة: ٤]، فلا مَعنَى لتَخصيصِهِ بفُرقَةِ الطَّلاقِ، على أنَّ قَولَه: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] لَم يُرِدْ بهِ الطَّلاقَ، وإنَّما هو تَرْكُ ارتِجاعِها، وكذلكَ قَولُه: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ولا يَصحُّ قِياسُه على لَفظِ الطَّلاقِ؛ فإنهُ مُختَصٌّ بذلكَ سابِقٌ إلى الأفهامِ مِنْ غَيرِ قَرينةٍ ولا دَلالةٍ، بخِلافِ الفِراقِ والسَّراحِ، فعلَى كلا القَولَينِ إذا قالَ: طلَّقتُكِ، أو أنتِ طالِقٌ، أو مُطلَّقةٌ» وقَعَ الطَّلاقُ مِنْ غَيرِ نيَّةٍ، وإنْ قالَ: «فارَقتُكِ، أو أنتِ مُفارَقةٌ، أو سَرَّحتُكِ، أو أنتِ مُسرَّحةٌ» فمَن يَراهُ صَريحًا أوقَعَ بهِ الطَّلاقَ مِنْ غَيرِ نيَّةٍ، ومَن لَم يرَهُ صَريحًا لم يُوقِعْه بهِ إلَّا أنْ يَنوِيَه، فإنْ قالَ: «أردْتُ بقَولي: فارَقتُكِ أيْ بجِسمِي أو بقَلبِي أو بمَذهبي، أو سَرَّحتُكِ مِنْ يَدِي أو شُغلِي أو مِنْ حَبسِي أو سَرَّحتُ شَعرَكِ» قُبِلَ قَولُه، وإنْ قالَ: «أردْتُ بقَولي: أنتِ طالِقٌ: أيْ مِنْ وَثاقِي، أو قالَ: أردتُ أنْ أقولَ: طَلبتُكِ فسَبَقَ لساني فقُلتُ: طلَّقتُكِ» ونَحوُ ذلكَ
[ ١٧ / ٤٤٩ ]
دُيِّنَ فيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ تعالَى، فمتَى عَلِمَ مِنْ نَفسِه ذلكَ لم يَقعْ عليهِ فيمَا بيْنَه وبينَ ربِّهِ.
قالَ أبو بكرٍ: لا خِلافَ عَنْ أبي عَبدِ اللهِ أنَّه إذا أرادَ أنْ يقولَ لزَوجتِه: «اسقيني ماءً» فسبَقَ لِسانُه فقالَ: «أنتِ طالِقٌ أو أنتِ حُرَّةٌ» أنهُ لا طلاقَ فيهِ، ونقَلَ ابنُ مَنصورٍ عنهُ أنهُ سُئلَ عن رَجلٍ حلَفَ فجَرَى على لِسانِه غيرُ مَا في قَلبِه فقالَ: أرجُو أنْ يكونَ الأمرُ فيهِ واسِعًا.
وهل تُقبَلُ دَعواهُ في الحُكمِ؟ يُنظَرُ؛ فإنْ كانَ في حالِ الغضَبِ أو سُؤالِها الطَّلاقَ لم يُقبَلْ في الحُكمِ؛ لأنَّ لفْظَه ظاهِرٌ في الطَّلاقِ وقَرينةُ حالِهِ تَدلُّ عليهِ، فكانَتْ دَعواهُ مُخالِفةً للظَّاهِرِ مِنْ وِجهتَينِ فلا تُقبَلُ، وإنْ لم تكنْ في هذهِ الحالِ فظاهِرُ كَلامِ أحمَدَ في رِوايةِ ابنِ مَنصورٍ وأبي الحارِثِ أنهُ يُقبَلُ قولُه، وهو قولُ جابِرِ بنِ زَيدٍ والشَّعبيِّ والحكَمِ، حكاهُ عَنهُم أبو حَفصٍ؛ لأنهُ فسَّرَ كَلامَه بما يَحتملُه احتِمالًا غيرَ بَعيدٍ فقُبِلَ، كما لو قالَ: أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ، وقالَ: أردْتُ بالثَّانيةِ إفهامَها، وقالَ القاضِي: فيهِ رِوايتانِ، هذهِ الَّتي ذَكَرْنا، قالَ: وهي ظاهِرُ كَلامِ أحمَدَ، والثَّانيةُ: لا يُقبَلُ، وهوَ مَذهبُ الشَّافعيِّ؛ لأنهُ خِلافُ ما يَقتضيهِ الظَّاهِرُ في العُرفِ فلم يُقبَلْ في الحُكمِ، كما لو أقَرَّ بعَشرةٍ ثمَّ قالَ: زُيُوفًا أو صِغارًا أو إلى شَهرٍ، فأمَّا إنْ صرَّحَ بذلكَ في اللَّفظِ فقالَ: «طلَّقتُكِ مِنْ وَثاقِي، أو فارَقتُكِ بجِسمِي، أو سرَّحتُكِ مِنْ يَدِي» فلا شَكَّ في أنَّ الطَّلاقَ لا يَقعُ؛ لأنَّ ما يَتَّصلُ بالكَلامِ يَصرِفُه عن مُقتضاهُ كالاستِثناءِ والشَّرطِ، وذكَرَ أبو
[ ١٧ / ٤٥٠ ]
بكرٍ في قَولِه: «أنتِ مُطلَّقةٌ» أنهُ إنْ نَوَى أنَّها مُطلَّقةٌ طلاقًا ماضِيًا أو مِنْ زَوجٍ كانَ قبْلَه لم يكنْ عليهِ شيءٌ إنْ لم يَنوِ شيئًا، فعلى قولَينِ:
أحدُهُما: يَقعُ، والثَّاني: لا يَقعُ، وهذا مِنْ قَولِه يَقتضِي أنْ تكونَ هذهِ اللَّفظةُ غَيرَ صَريحةٍ في أحَدِ القولَينِ.
قالَ القاضي: والمَنصوصُ عن أحمَدَ أنهُ صَريحٌ، وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّ هذهِ مُتصرِّفةٌ مِنْ لَفظِ الطَّلاقِ فكانَتْ صَريحةً فيهِ كقَولِه: أنتِ طالِقٌ (^١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واتَّفقَ الجُمهورُ على أنَّ ألفاظِ الطَّلاقِ المُطلَقةَ صِنفانِ: صَريحٌ وكِنايةٌ.
واختَلفُوا في تَفصيلِ الصَّريحِ مِنَ الكِنايةِ وفي أحكامِها وما يَلزمُ فيها، ونحنُ إنَّما قصَدَنا مِنْ ذلكَ ذكْرَ المَشهورِ وما يَجري مَجرَى الأصُولِ، فقالَ مالِكٌ وأصحابُه: الصَّريحُ هوَ لفْظُ الطَّلاقِ فقَطْ، وما عدَا ذلكَ كِنايةٌ، وهيَ عِندهُ على ضَربَينِ: ظاهِرةٌ ومَحمولةٌ، وبهِ قالَ أبو حَنيفةَ.
وقالَ الشَّافعيُّ: ألفاظُ الطَّلاقِ الصَّريحةُ ثلاثٌ: الطَّلاقُ والفِراقُ والسَّراحُ، وهيَ المَذكورةُ في القُرآنِ، وقالَ بعضُ أهلِ الظَّاهِرِ: لا يَقعُ طَلاقٌ إلَّا بهذهِ الثَّلاثِ.
_________________
(١) «المغني» (٧/ ٢٩٤، ٢٩٥)، و«المحرر في الفقه» (٢/ ٥٣)، و«الشرح الكبير» (٨/ ٢٧٤)، و«الإنصاف» (٨/ ٤٦٢)، و«كشاف القناع» (٥/ ٢٨١، ٢٨٢)، و«شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٣٨٢، ٣٨٣)، و«منار السبيل» (٣/ ٩٤).
[ ١٧ / ٤٥١ ]
فهذا هوَ اختِلافُهم في صَريحِ الطَّلاقِ مِنْ غَيرِ صَريحِه.
وإنَّما اتَّفقُوا على أنَّ لفْظَ الطَّلاقِ صَريحٌ؛ لأنَّ دَلالتَه على هذا المعنَى الشَّرعيِّ دَلالةٌ وَضعيَّةٌ بالشَّرعِ، فصارَ أصلًا في هذا البابِ.
وأمَّا ألفاظُ الفِراقِ والسَّراحِ فهي مُتردِّدةٌ بيْنَ أنْ يكونَ للشَّرعِ فيها تَصرُّفٌ -أعنِي: أنْ تَدلَّ بعُرفِ الشَّرعِ على المَعنَى الَّذي يَدلُّ عليهِ الطَّلاقُ- أو هي باقيةٌ على دَلالتِها اللُّغويةِ، فإذا استُعمِلَتْ في هذا المَعنَى -أعنِي: في معنَى الطَّلاقِ- كانَتْ مَجازًا؛ إذْ هذا هو مَعنَى الكِنايةِ -أعنِي: اللَّفظ الَّذي يكونُ مَجازًا في دَلالتِه-، وإنَّما ذهَبَ مَنْ ذهَبَ إلى أنهُ لا يقَعُ الطَّلاقِ إلَّا بهذِه الألفاظِ الثَّلاثِ؛ لأنَّ الشَّرعَ إنَّما ورَدَ بهذه الألفاظِ الثَّلاثةِ، وهي عِبادةٌ ومِن شَرطِها اللَّفظُ، فوجَبَ أنْ يُقتصرَ بها على اللَّفظِ الشَّرعيِّ الوارِدِ فيها.
فأمَّا اختِلافُهمُ في أحكامِ صَريحِ ألفاظِ الطَّلاقِ ففيهِ مَسألتانِ مَشهورَتانِ: إحداهُما: اتَّفقَ مالِكٌ والشَّافعيُّ وأبو حَنيفةَ عليها، والثَّانيةُ: اختَلفُوا فيها.
فأمَّا الَّتي اتَّفقُوا عليها: فإنَّ مالِكًا والشَّافعيَّ وأبا حَنيفةَ قالُوا: لا يُقبَلُ قَولُ المُطلِّقِ إذا نطَقَ بألفاظِ الطَّلاقِ أنهُ لَم يُرِدْ بهِ طلاقًا إذا قالَ لزَوجَتهِ: أنتِ طالِقٌ، وكذلكَ السَّراحُ والفِراقُ عِنْدَ الشَّافعيِّ.
واستَثنَتِ المالكيَّةُ بأنْ قالَتْ: إلَّا أنْ تَقتَرنَ بالحالةِ أو المَرأةِ قَرينةٌ تَدلُّ على صِدقِ دَعواهُ، مِثلَ أنْ تَسألَه أنْ يُطلِقَها مِنْ وَثاقٍ هي فيهِ وشبهِه فيقولَ لها: أنتِ طالِقٌ.
[ ١٧ / ٤٥٢ ]
وفقْهُ المَسألةِ عِنْدَ الشَّافعيِّ وأبي حَنيفةَ أنَّ الطَّلاقَ لا يَحتاجُ عِنْدَهُمْ إلى نيَّةٍ، وأمَّا مالِكٌ فالمَشهورُ عنهُ أنَّ الطَّلاقَ عِندَه يَحتاجُ إلى نيَّةٍ، لكنْ لَم يُنوِّهْ ههُنا لمَوضِعِ التُّهَمِ، ومِن رَأيِه الحُكمُ بالتُّهَمِ سَدًّا للذَّرائعِ، وذلكَ ممَّا خالَفَه فيه الشَّافعيُّ وأبو حَنيفةَ.
فيَجبُ على رَأيِ مَنْ يَشترطُ النِّيةَ في ألفاظِ الطَّلاقِ ولا يَحكمُ بالتُّهمِ أنْ يُصدِّقَه فيما ادَّعى.
وأمَّا المَسألةُ الثَّانيةُ فهيَ: اختَلفُوا فيمَن قالَ لزَوجَتِه: «أنتِ طالِقٌ» وادَّعَى أنهُ أرادَ بذلكَ أكثَرَ مِنْ واحِدةٍ، إمَّا اثنتَينِ وإمَّا ثلاثًا، فقالَ مالِكٌ: هوَ ما نَوَى وقَد لَزمَه، وبهِ قالَ الشَّافعيُّ؛ إلَّا أنْ يُقيِّدَ فيقولَ: طَلْقةٌ واحدةٌ، وهذا القَولُ هوَ المُختارُ عِنْدَ أصحابِه.
وأمَّا أبو حَنيفةَ فقالَ: لا يَقعُ ثلاثًا بلَفظِ الطَّلاقِ؛ لأنَّ العَدَدَ لا يَتضمَّنُه لفْظُ الإفرادِ لا كِنايةً ولا تَصريحًا.
وسَببُ اختِلافِهم: هل يقَعُ الطَّلاقُ بالنِّيةِ دُونَ اللَّفظِ؟ أو بالنِّيةِ معَ اللَّفظِ المُحتمِلِ؟ فمَن قالَ بالنِّيةِ أوجَبَ الثَّلاثَ، وكذلكَ مَنْ قالَ بالنِّيةِ واللَّفظِ المُحتمِلِ ورَأى أنَّ لفْظَ الطَّلاقِ يَحتمِلُ العدَدَ، ومَن رَأى أنَّه لا يَحتمِلُ العَددَ وأنهُ لا بُدَّ مِنِ اشتِراطِ اللَّفظِ في الطَّلاقِ معَ النِّيةِ قالَ: لا يَجبُ العَددُ وإنْ نَواهُ.
وهذهِ المَسألةُ اختَلفُوا فيها وهيَ مِنْ مَسائِلِ شُروطِ ألفاظِ الطَّلاقِ -
[ ١٧ / ٤٥٣ ]
أعني اشتِراطَ النِّيةِ معَ اللَّفظِ أو بانفِرادِ أحَدِهما-، فالمَشهورُ عَنْ مالكٍ أنَّ الطَّلاقَ لا يقَعُ إلَّا باللَّفظِ والنِّيةِ، وبهِ قالَ أبو حَنيفةَ، وقَد رُوِيَ عنه أنهُ يقَعُ باللَّفظِ دُونَ النِّيةِ، وعِندَ الشَّافعيِّ أنَّ لفْظَ الطَّلاقِ الصَّريحَ لا يَحتاجُ إلى نيَّةٍ، فمَنِ اكتَفى بالنِّيةِ احتَجَّ بقَولِه ﷺ: «إنَّما الأعمالُ بالنِّياتِ»، ومَن لَم يَعتبِرِ النِّيةَ دُونَ اللَّفظِ احتَجَّ بقَولِه ﵊: «رُفِعَ عن أمَّتي الخَطأُ» (^١).
_________________
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٥٥، ٥٦).
[ ١٧ / ٤٥٤ ]