اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعَةِ -إلَّا رِوايةً عَنْ مالِكٍ- على أنَّ الطَّلاقَ لا يَقعُ إلَّا بلَفظٍ، فلو نَوَى الطَّلاقَ بقَلبِه ولَم يَتلفَّظْ بهِ لم يَقعُ؛ لِمَا رَواهُ البُخاريُّ عَنْ قَتادةَ عَنْ زُرارةَ بنِ أَوفَى عَنْ أبي هُريرةَ ﵁ عَنْ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللهَ تَجاوزَ عن أُمَّتِي ما حَدَّثَتْ بهِ أنفُسَها ما لم تَعمَلْ أو تَتكَلَّمْ». قالَ قَتادةُ: إذا طلَّقَ في نَفسِه فليسَ بشيءٍ (^١).
ولأنهُ تَصرُّفٌ يُزيلُ المِلكَ، فلم يَحصلْ بالنِّيةِ كالبَيعِ والهبَةِ، وإنْ نَواهُ بقَلبِه وأشارَ بأصابِعِه لَم يَقعْ أيضًا؛ لِمَا ذكَرْناهُ.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: اختَلفَ أهلُ العِلمِ في الرَّجلِ يَعزِمُ على طلاقِ المَرأةِ ويُطلِّقُها في نَفسِه.
فقالَ كَثيرٌ مِنْ أهلِ العِلمِ: ليسَ بشَيءٍ، كذلكَ قالَ عطاءُ بنُ أبي رباحٍ وجابِرُ بنُ زَيدٍ وسَعيدُ بنُ جُبيرٍ وقَتادةُ، ورُوِيَ ذلكَ عَنِ القاسِمِ وسالمٍ والشَّعبيِّ والحسَنِ، وبهِ قالَ يَحيَى بنُ أبي كَثيرٍ والشَّافعيُّ وأحمَدُ وإسحاقُ، وحُكيَ ذلكَ عنِ الثَّوريِّ والنُّعمانِ.
وقالَ مُحمدُ بنُ سِيرينَ في رَجلٍ طلَّقَ امرأتَهُ في نَفسِه: أليسَ في عِلمِ اللهِ ﷿؟!
_________________
(١) رواه البخاري (٤٩٦٨).
[ ١٧ / ٤٢٥ ]
وكانَ الزُّهريُّ يَقولُ: إذا عزَمَ على ذلكَ فقَدْ طلقَتْ، لفَظَ بهِ أو لم يَلفظْ بهِ، وإنْ كانَ إنَّما هوَ وَسوسةُ الشَّيطانِ فليسَ بشيءٍ.
وسُئلَ مالِكٌ عَنْ رَجلٍ طلَّقَ امرأتَهُ في نَفسِه ولَم يَنطِقْ بهِ لِسانُه أتراهُ طلاقًا؟ فقالَ: نَعمْ في رَأيي، وما هوَ بوَجهِ الطَّلاقِ.
قالَ أبو بكرٍ: وأحسبُ أنْ مالِكًا قَدِ اختُلِفَ عنهُ في هذهِ المَسألةِ، ولمْ أرَ أحدًا حَكى عَنهُ هذا الَّذي ذَكرْتُه غَيرَ أشهَبَ.
قالَ أبو بكرٍ: وبالقَولِ الأوَّلِ أقولُ؛ وذلكَ لحَديثِ أبي هُريرةَ:
٧٦٨٥ - حدَّثَنا يَحيَى بنُ مُحمدٍ حدَّثَنا مُسَدَّدُ حدَّثَنا أبو عوانةَ عَنْ قَتادةَ عَنْ زُرارةَ عَنْ أبي هُريرةَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللهَ تَجاوزَ لأمَّتي عمَّا حدَّثَتْ بهِ أَنفُسَها ما لَم يَتكلَّمُوا بهِ أو يَعمَلُوا».
قالَ أبو بكرٍ: وإنَّما جَعَلَ النَّبيُّ ﷺ الأعمالَ مَقرُونةً بالنِّياتِ، ولو كانَ حُكمُ مَنْ أضمَرَ في نَفسِه شَيئًا حُكمَ المُتكلِّمِ كانَ مَنْ حدَّثَ نَفسَه في الصَّلاةِ بشيءٍ مُتكلِّمًا، ففي إجماعِهم على أنَّ ذلكَ ليسَ بكَلامٍ معَ الحَديثِ الَّذي رُويَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أنهُ قالَ: «مَنْ صلَّى صلاةً لا يُحدِّثُ نفْسَه فيها فلَهُ كذا» دَليلٌ على أنَّ حَديثَ النَّفسِ لا يَقومُ مَقامَ الكَلامِ، وقَد أجمَعُوا على أنَّ مَنْ حدَّثَ نفْسَه بالقَذفِ غَيرُ قاذِفٌ، والجَوابُ أنَّ الإيلاءَ والظِّهارَ كذلكَ (^١).
_________________
(١) «الإشراف» (٩/ ٢٠١، ٢٠٢).
[ ١٧ / ٤٢٦ ]
وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: وقَولُ قَتادةَ: «فإذَّا طلَّقَ في نفْسِه فليسَ بشيءٍ» هوَ قولُ جماعةِ أئمَّةِ الفَتوَى، واختَلفَ فيهِ قَولُ مالِكٍ، فذكَرَ عنهُ ابنُ الموازِ أنَّ مَنْ عقَدَ طلاقًا بقَلبِه ولَم يَلفظْ بهِ لِسانُه فإنَّه لا يَقعُ، وهذا الأظهَرُ مِنْ مَذهبِه، ورَوَى عنهُ أشهَبُ في «العتبيَّة» أنَّها تَطلقُ عَليهِ، وهذا قولُ ابنِ سِيرينَ وابنِ شِهابٍ، وقالَ ابنُ سِيرينَ: إذا طلَّق في نَفسِه أليسَ قدْ عَلِمَه اللهُ تعالَى؟! وحُجَّةُ الجَماعةِ قولُه: «إنَّ اللهَ تَجاوزَ عن أمَّتي ما حَدَّثَتْ بهِ أنفُسَها ما لَم تَعمَلْ أو تَتكَلَّمْ»، فجعَلَ ما لَم يَنطِقْ بهِ اللِّسانُ لَغوًا لا حُكمَ لهُ، حتَّى إذا تَكلَّمَ بهِ يَقعُ الجَزاءُ عليهِ ويَلزمُ المُتكلِّمَ (^١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهذا قولُ عامَّةِ أهلِ العِلمِ، مِنهُم عَطاءٌ وجابِرُ بنُ زَيدٍ وسَعيدُ بنُ جُبيرٍ ويَحيَى بنُ أبي كَثيرٍ والشَّافعيُّ وإسحاقُ، ورُويَ أيضًا عنِ القاسِمِ وسالِمٍ والحسَنِ والشَّعبيِّ، وقالَ الزُّهريُّ: إذا عزَمَ على ذلكَ طَلُقَتْ، وقالَ ابنُ سِيرينَ فيمَنْ طلَّقَ في نَفسِه: أليسَ قدْ عَلِمَهُ اللهُ؟! (^٢).
وقالَ الإمامُ الماوَرْديُّ ﵀: أمَّا الطَّلاقُ فلا يَقعُ إلَّا بالكَلامِ وما قامَ مَقامَهُ عِنْدَ العَجزِ عَنِ الكَلامِ، ولا يَقعُ بمُجرَّدِ النِّيةِ مِنْ غَيرِ كَلامٍ، فلو نَوَى طلاقَ امرأتِهِ لَم تُطَلَّقْ، وقالَ ابنُ سِيرينَ ومالِكٌ في إحدَى رِواياتِه: تُطلَّقُ بمُجرَّدِ النِّيةِ، حتَّى لو نَوى طلاقَ امرَأتِه طُلِّقَتْ؛ استِدلالًا بقَولِ النَّبيِّ
_________________
(١) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٧/ ٤١٨).
(٢) «المغني» (٧/ ٢٩٤)، ويُنظر: «كشاف القناع» (٥/ ٢٨١)، و«شرح منتهى الإردات» (٥/ ٣٨٢)، و«مطالب أولي النهى» (٥/ ٣٥٧).
[ ١٧ / ٤٢٧ ]
ﷺ: «وإنَّما لكُلِّ امرِئٍ ما نَوَى»، قالَ: ولأنهُ لمَّا وقَعَتِ الفُرقةُ بنيَّةِ الرِّدةِ جازَ أنْ يَقعَ الطَّلاقُ.
ودَليلُنا: ما رُويَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أنهُ قالَ: «إنَّ اللهَ تعالَى وضَعَ عَنْ أمَّتي ما حدَّثَتْ بهِ بنيَّةِ أنفُسِها»، والنِّيةُ مِنْ حَديثِ النَّفسِ، فاقتَضَى أنْ تكونَ مَوضُوعةً عنهُ، ولأنَّ الطَّلاقَ إزالةُ مِلكٍ، والمِلكُ لا يَزولُ بمُجرَّدِ النِّيةِ كالعِتقِ والهبَةِ، ولأنَّ الطَّلاقَ أحَدُ طَرفيِ النِّكاحِ، فلَم يَصحَّ بمُجرَّدِ النِّيةِ كالعَقدِ، وأمَّا قولُه ﵇: «إنَّما لكُلِّ امرِئٍ ما نَوَى» فالمُرادُ بهِ ثَوابُ قُرَبِه إلى فِعلِها، فلَم يَدخُلْ فيهِ نيَّةُ الطَّلاقِ، لَمْ يَفعَلْ، فأمَّا الرِّدةُ فلِأنَّ ثُبوتَ الرِّدةِ تُوقِعُ الفُرقةَ والرِّدةَ، فتكونُ بمُجرَّدِ الاعتِقادِ كالإيمانَ، وليسَ كالطَّلاقِ (^١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: لو طلَّقَ في نَفسِه وجزَمَ بذلكَ ولَم يَتكلَّمْ بهِ فإنهُ لا يقَعُ بهِ الطَّلاقُ عِنْدَ جُمهورِ العُلماءِ، وعِندَ مالِكٍ في إحدَى الرِّوايتَينِ يَقعُ (^٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ ﵀: تَضمَّنتِ السُّنَنُ أنَّ ما لم يَنطِقْ بهِ اللِّسانُ مِنْ طلاقٍ أو عِتاقٍ أو يَمينٍ أو نَذرٍ ونحوِ ذلكَ عَفوٌ غَيرُ لازِمٍ بالنِّيةِ والقَصدِ، وهذا قولُ الجُمهورِ، وفي المَسألةِ قَولانِ آخَرانِ:
أحَدُهما: التَّوقُّفُ فيها، قالَ عَبدُ الرَّزاقِ عن مَعمَرٍ: سُئِلَ ابنُ سِيرينَ
_________________
(١) «الحاوي الكبير» (١٠/ ١٥٠).
(٢) «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٧٤٦).
[ ١٧ / ٤٢٨ ]
عَمَّنْ طلَّقَ في نَفسِه فقالَ: أليسَ قَدْ عَلِمَ اللهُ ما في نَفْسِكَ؟ قالَ: بَلى، قالَ: فلا أقولُ فيها شَيئًا.
والثَّاني: وُقوعُه إذا جزَمَ عليهِ، وهذا رِوايةُ أشهَبَ عَنْ مالِكٍ، ورُويَ عَنِ الزُّهريِّ، وحُجَّةُ هذا القَولِ قَولُه ﷺ: «إنَّما الأعمالُ بالنِّياتِ»، وأنَّ مَنْ كفَرَ في نَفسِه فهو كفر، وقولُه تعالَى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، وأنَّ المُصِرَّ على المَعصيةِ فاسِقٌ مُؤاخَذٌ وإنْ لَم يَفعَلْها، وبأنَّ أعمالَ القُلوبِ في الثَّوابِ والعِقابِ كأعمالِ الجَوارحِ، ولهذا يُثابُ على الحُبِّ والبُغضِ والمُوالاةِ والمُعاداةِ في اللهِ، وعلى التَّوكُّلِ والرِّضَى والعَزمِ على الطَّاعَةِ، ويُعاقَبُ على الكِبْرِ والحَسدِ والعُجْبِ والشَّكِّ والرِّياءِ وظَنِّ السَّوءِ بالأبرَياءِ.
ولا حُجَّةَ في شيءٍ مِنْ هذا على وُقوعِ الطَّلاقِ والعِتاقِ بمُجرَّدِ النِّيةِ مِنْ غيرِ تَلفُّظٍ.
أمَّا حَديثُ: «الأعمالُ بالنِّياتِ» فهو حُجَّةٌ عليهِم؛ لأنهُ أخبَرَ فيهِ أنَّ العمَلَ معَ النِّيةِ هوَ المُعتبَرُ، لا النِّيةُ وحْدَها، وأمَّا مَنِ اعتَقدَ الكُفرَ بقَلبِه أو شَكَّ فهو كافِرٌ؛ لِزَوالِ الإيمانِ الَّذي هوَ عَقدُ القَلبِ معَ الإقرارِ، فإذا زالَ العَقدُ الجازِمُ كانَ نَفسُ زَوالِه كُفرًا، فإنَّ الإيمانَ أمرٌ وُجوديٌّ ثابِتٌ قائِمٌ بالقَلبِ، فما لم يَقُمْ بالقَلبِ حصَلَ ضِدُّهُ وهُوَ الكُفرُ، وهذا كالعِلمِ والجَهلِ إذا فُقِدَ العِلمُ حصَلَ الجَهلُ، وكذلكَ كلُّ نَقيضَينِ زالَ أحَدُهما خَلَفَه الآخَرُ.
[ ١٧ / ٤٢٩ ]
وأمَّا الآيةُ فليسَ فيها أنَّ المُحاسَبةَ بما يُخفِيهِ العَبدُ إلزامُهُ بأحكامِهِ بالشَّرعِ، وإنَّما فيها مُحاسَبتُه بمَا يُبديهِ أو يُخفِيهِ، ثمَّ هوَ مَغفورٌ لهُ أو مُعذَّبٌ، فأينَ هذا مِنْ وُقوعِ الطَّلاقِ بالنِّيةِ؟
وأمَّا أنَّ المُصِرَّ على المَعصيةِ فاسِقٌ مُؤاخذٌ فهذا إنَّما هوَ فيمَن عَمِلَ المَعصيةَ ثمَّ أصَرَّ عليها، فهُنا عَملٌ اتَّصلَ بهِ العَزمُ على مُعاوَدتِه، فهذا هوَ المُصِرُّ، وأمَّا مَنْ عزَمَ على المَعصيةِ ولَم يَعملْها فهوَ بيْنَ أمرَينِ: إمَّا أنْ لا تُكتَبَ عليهِ، وإمَّا أنْ تُكتبَ لهُ حسَنةً إذا تَرَكَها للهِ ﷿.
وأمَّا الثَّوابُ والعِقابُ على أعمالِ القُلوبِ فحَقٌّ، والقُرآنُ والسُّنةُ مَملُوآنِ بهِ، ولكنَّ وُقوعَ الطَّلاقِ والعِتاقِ بالنِّيةِ مِنْ غَيرِ تَلفُّظٍ أمرٌ خارِجٌ عَنِ الثَّوابِ والعِقابِ، ولا تَلازُمَ بيْنَ الأمرَينِ، فإنَّ ما يُعاقَبُ عليهِ مِنْ أعمالِ القُلوبِ هوَ مَعاصٍ قَلبيَّةٌ يَستحقُّ العُقوبةَ عليها، كما يَستحقُّهُ على المَعاصِي البدَنيَّةِ؛ إذْ هيَ مُنافيَةٌ لعُبوديَّةِ القَلبِ، فإنَّ الكِبْرَ والعُجْبَ والرِّياءَ وظَنَّ السَّوءِ مُحرَّماتٌ على القَلبِ، وهي أمورٌ اختياريَّةٌ يُمكِنُ اجتِنابُها، فيَستحقُّ العُقوبةَ على فِعْلها، وهيَ أسماءٌ لمَعانٍ مُسمَّياتُها قائِمةٌ بالقَلبِ.
وأمَّا العِتاقُ والطَّلاقُ فاسْمانِ لمُسمَّيَينِ قائِمَينِ باللِّسانِ أو ما نابَ عنهُ مِنْ إشارةٍ أو كِتابةٍ، ولَيْسَا اسْمَينِ لِمَا في القَلبِ مُجرَّدًا عن النُّطقِ (^١).
وقالَ الإمامُ بَدْرُ الدِّينُ العينيُّ ﵀: وليسَ لأحَدٍ خِلافٌ أنَّه إذا نَوَى
_________________
(١) «زاد المعاد» (٥/ ٢٠٣، ٢٠٤).
[ ١٧ / ٤٣٠ ]
الطَّلاقَ بقَلبِه ولَم يَتلفَّظْ بهِ أنهُ لا شَيءَ عليهِ، إلَّا ما حَكاهُ الخطَّابيُّ عنِ الزُّهريِّ ومالكٍ أنهُ يَقعُ بالعَزمِ، وحَكاهُ ابنُ العَربيِّ عَنْ رِوايةِ أشهَبَ عَنْ مالِكٍ في الطَّلاقِ والعِتقِ والنَّذرِ أنهُ يَكفي فيهِ عزْمُه وجزْمُه في قَلبِه بكَلامِه النَّفسِيِّ، وهذا في غايةِ البُعدِ، ونقَضَه الخطَّابيُّ على قائلِهِ بالظِّهارِ وغَيرِه، فإنهُم أجمَعُوا على أنَّه لَو عزَمَ على الظِّهارِ لَم يَلزمْه حتَّى يَتلفَّظَ بهِ، ولو حَدَّثَ نفسَهُ بالقَذفِ لم يكنْ قاذِفًا، ولو حدَّثَ نفْسَهُ في الصَّلاةِ لم يَكنْ عَليهِ إعادةٌ، وقَد حرَّمَ اللهُ الكَلامَ في الصَّلاةِ، فلو كانَ حَديثُ النَّفسِ في مَعنَى الكلامِ لكانَتْ صَلاتُه تَبطُلُ، وقَد قالَ عُمرُ ﵁: «إنِّي لأُجهِّزُ جَيشِي وأنا في الصَّلاةِ»، وممَّنْ قالَ: «إنَّ طلاقَ النَّفسِ لا يُؤثرُ» عَطاءُ بنُ أبي رَباحٍ وابنُ سيرينَ والحسَنُ وسَعيدُ بنُ جُبيرٍ والشَّعبيُّ وجابِرُ بنُ زَيدٍ وقَتادةُ والثَّوريُّ وأبو حَنيفةَ وأصحابُهُ والشَّافعيُّ وأحمَدُ وإسحاقُ (^١).
وقالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: قولُهُ: (ورُكنُه لفظٌ مَخصوصٌ) هو ما جُعِلَ دَلالةً على مَعنَى الطَّلاقِ مِنْ صَريحٍ أو كِنايةٍ، فخَرجَ الفُسوخُ على ما مَرَّ، وأرادَ اللَّفظَ ولَو حُكمًا ليُدخِلَ الكِتابةَ المُستَبينةَ وإشارةَ الأخرَسِ والإشارةَ إلى العدَدِ بالأصابعِ في قَولِه: «أنتِ طالِقٌ هكذا» كما سَيأتي، وبهِ ظهَرَ أنَّ مَنْ تشاجَرَ معَ زَوجتِه فأعطاها ثلاثةَ أحجارٍ يَنوِي الطَّلاقَ ولَم يَذكُرْ لَفظًا صَريحًا ولا كِنايةً لا يَقعُ عليهِ كما أفتَى بهِ الخَيرُ الرَّملِيُّ وغَيرُه، وكذا
_________________
(١) «عمدة القاري» (٢٠/ ٢٥٦).
[ ١٧ / ٤٣١ ]
ما يَفعَلُه بعْضُ سكَّانِ البَوادي مِنْ أمرِها بحَلقِ شَعرِها لا يَقعُ بهِ طلاقٌ وإنْ نَواهُ (^١).
والمَشهورُ عنِ الإمامِ مالكٍ عَدمُ وُقوعِ الطَّلاقِ بمُجرَّدِ النِّيةِ، بلْ لا بُدَّ مِنَ التَّلفُظِ بهِ.
قالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: ومَنِ اعتَقدَ بقَلبِه الطَّلاقَ ولَم يَنطِقْ به لِسانُه فليسَ بشيءٍ، هذا هو الأشهَرُ عِنْدَ مالِكٍ، وقدْ رُوِيَ عنهُ أنهُ يَلزمُه الطَّلاقُ إذا نَواهُ بقَلبِه، كما يَكفُرُ بقَلبِه وإنْ لم يَنطِقْ بهِ لِسانُه، والأوَّلُ أصَحُّ في النَّظرِ وطَريقِ الأثَرِ؛ لقَولِ رَسولِ اللهِ ﷺ: «تَجاوزَ اللهُ لأمَّتي عمَّا وَسْوَستْ بهِ نُفوسَها ما لم يَنطِقْ بهِ لِسانُه أو تَعملْه يَدٌ» (^٢).
وقالَ المَوَّاقُ ﵀: لا يَلزمُ الطَّلاقُ بالنِّيةِ حتَّى يَلفظَ بهِ، وهوَ ظاهِرُ قَولِ مالكٍ في كِتابِ التَّخييرِ والتَّمليكِ ليسَ يُطلِّقُ الرَّجلُ بقَولِه ولا يَنْكِحُ بقَولِه.
ابنُ عرَفةَ: رِوايةُ الأكثرِ لَغوُ الطَّلاقِ بمُجرَّدِ النِّيةِ الجازِمةِ.
ابنُ القَصَّارِ: هو قولُ جَميعِ الفُقهاءِ (^٣).
وقالَ الإمامُ الخرشِيُّ ﵀: المَشهورُ أنَّ النِّيةَ لا تَكفي في الطَّلاقِ
_________________
(١) «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٢٣٠، ٢٣١).
(٢) «الكافي» ص (٢٦٥، ٢٦٦)، ويُنظر: و«تفسير القرطبي» (٨/ ٢١١).
(٣) «التاج والإكليل» (٣/ ٧٠).
[ ١٧ / ٤٣٢ ]
بمُجرَّدِها، فلا بُدَّ مِنَ اللَّفظِ، وأمَّا الطَّلاقُ بالكَلامِ النَّفسيِّ الَّذي فيهِ الخِلافُ الآتي فسيأتي مَعناهُ (^١).
وقالَ أيضًا: (ص) وفي لُزومِهِ بكَلامِهِ النَّفسيِّ خِلافٌ، (ش) يَعني أنَّ الرَّجلَ إذا أنشَأَ الطَّلاقَ بقَلبِه بكَلامِهِ النَّفسيِّ كما يُنشِئهُ بلسانِهِ مِنْ غَيرِ تَلفُّظٍ بلِسانِه، فهل يَلزمُه الطَّلاقُ بذلكَ أو لا يَلزمُه؟
خِلافٌ في التَّشهيرِ، وليسَ مَعنَى الكَلامِ النَّفسيِّ أنْ يَنويَ الطَّلاقَ ويُصمِّمَ عليهِ ثمَّ يَبدُو لهُ، ولا أنْ يَعتقدَ الطَّلاقَ بقَلبِه مِنْ غَيرِ نُطقٍ بلِسانِه، فإنَّه لا يَلزمُه في ذلكَ الطَّلاقُ إجماعًا (^٢).
وقالَ الزُّرقانِيُّ ﵀: (وفي لُزومِه بكَلامِه النَّفسيِّ) وهو أنْ يُجرِيَ لفْظَ الطَّلاقِ على قَلبِه كما يُجريهِ على لِسانِه مِنْ غَيرِ تَلفُّظٍ بهِ، وليسَ المُرادُ بهِ مُجرَّدُ القَصدِ فقطْ ولو صَمَّمَ عليهِ، وعَدمُ لُزومِه (خِلافٌ)، وأمَّا إنْ عزَمَ عليهِ بقَلبِه ثمَّ بدَا لهُ عدَمُه فلا يَلزمُه طَلاقٌ اتِّفاقًا، وكذا مَنِ اعتَقدَ أنَّها طَلُقَتْ ثمَّ تَبيَّنَ لهُ عدَمُه فلا يَلزمُه إجماعًا، وكذا لا أثَرَ للوَسواسِ ولا قَولِه أي في خاطِرِه فقطْ: «أطلُّقُ هذِهِ واستَريحُ»، قالَهُ القَرافِيُّ (^٣).
وقالَ الدّرديرُ ﵀: (وفي لُزومِه بكَلامِه النَّفسيِّ) بأنْ يقولَ لها بقَلبِه:
_________________
(١) «شرح مختصر خليل» (٤/ ٤٣).
(٢) «شرح مختصر خليل» (٤/ ٤٩)، ويُنظر: «تحبير المختصر» (١٦٧).
(٣) «شرح الزرقاني على مختصر خليل» (٤/ ١٨٤).
[ ١٧ / ٤٣٣ ]
«أنتِ طالِقٌ» (خِلافٌ) المُعتمَدُ عَدمُ اللُّزومِ، وأمَّا العزْمُ على أنْ يُطلِّقَها ثمَّ بدا لهُ عَدمُه فلا يَلزمُه اتِّفاقًا.
قالَ الدّسوقيُّ ﵀: قولُه: (وفي لُزومِه بكَلامِه النَّفسيِّ خِلافٌ) التَّوضيحُ الخِلافُ إنَّما هو إذا أنشَأَ الطَّلاقَ بقَلبِه بكَلامِه النَّفسيِّ، والقَولُ بعَدمِ اللُّزومِ لمالكٍ في «المُدَّونَة»، وهوَ اختيارُ ابنِ عَبدِ الحكَمِ القَرافِيِّ، وهوَ المَشهورُ، والقَولُ باللُّزومِ لمالكٍ في «العُتْبيَّة»، قالَ في «البَيان» و«المُقَدِّمات»: وهوَ الصَّحيحُ، وقالَ ابنُ رُشدٍ: هو الأشهَرُ.
ابنُ عَبدِ السَّلامِ: والأوَّلُ أظهَرُ؛ لأنهُ إنَّما يُكتفَى بالنِّيةِ في التَّكاليفِ المُتعلِّقةِ بالقَلبِ، لا فيما بيْنَ الآدميِّينَ. اه.
قَولُه: (وأمَّا العَزمُ على أنْ يُطلِّقَها … إلخ) أي: وكذا مَنِ اعتَقدَ أنَّها طَلُقَتْ مِنهُ ثم تَبيَّنَ له عدَمُه فلا يَلزمُه إجماعًا (^١).
واختارَ القاضي عَبدُ الوَهابِ المالكيُّ وُقوعَ الطَّلاقِ مِنْ غَيرِ لفظٍ فقالَ ﵀: إذا طلَّقَ مِنْ غَيرِ لَفظٍ ولا عمَلِ جارِحةٍ ففيها رِوايتانِ: إحداهُما: أنهُ لا يَقعُ طلاقًا، وهو قولُ أبي حَنيفةَ والشَّافعيِّ، والصَّحيحُ أنَّ الطَّلاقَ يَقعُ، ودَليلُنا عليهِ أنَّ الطَّلاقَ فِراقٌ يَفتقرُ إلى قَصدِ القَلبِ وانطِوائِه بهِ عليهِ، وحدُّ النُّطقِ بهِ الإخبارُ عَنْ وُقوعِه، فوجَبَ إذا عُدِمَ ذلكَ ألَّا يُؤثِّرَ كالإيمانِ والكُفرِ، ولأنَّا وَجَدْنا الاعتِقادَ بمُجرَّدِه لهُ تأثيرٌ في تَحريمِ الزَّوجةِ وفُرقةِ الزَّوجيَّةِ بدليلِ الكُفرِ.
_________________
(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٧٧).
[ ١٧ / ٤٣٤ ]
وتَحريرُ علَّةِ أصحابِنا أنْ نقولَ: لأنَّ تَحريمَ الزَّوجيَّةِ مَعنًى يَتعلَّقُ به حَقُّ اللهِ تعالَى على التَّجريدِ، ليسَ للَفظِه تأثيرٌ في وُقوعِ البَينُونةِ، فأشبَه اعتِقادَ الكُفرِ (^١).