الطَّلاقُ السُّنِّيُّ نَوعانِ: نَوعٌ يَرجِعُ إلى العَددِ ونَوعٌ يَرجعُ إلَى الوَقتِ، ولهُ صُورٌ بَعضُها مُجمَعٌ عَليها وبَعضُها مُختلَفٌ فيها:
الصُّورةُ الأُولى: أنْ يُطلِّقَ الرَّجلُ امرأتَه المدخُولَ بها في طُهرٍ لم يُجامِعْها فيه طَلقةً واحِدةً ثمَّ يَتركَها حتَّى تَنقضِيَ عدَّتُها.
وهَذا النَّوعُ ثَبتَتْ سُنِّيتُه وأنَّهُ طَلاقٌ سُنِّيٌّ بالكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ.
أمَّا الكِتابُ: فقَولُهُ تَعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، قالَ ابنُ عبَّاسٍ وابنُ مَسعُودٍ ﵄: «يَعنِي طاهِراتٍ مِنْ غَيرِ جِماعٍ» (^١).
وأمَّا السُّنةُ: فمِنها حَديثُ سالمٍ عنِ ابنِ عُمرَ ﵄ أنَّهُ طلَّقَ امرأتَهُ وهيَ حَائضٌ، فذَكَرَ ذلكَ عُمرُ للنَّبيِّ ﷺ فقالَ: «مُرْهُ فلْيُراجِعْها ثمَّ ليُطَلِّقْها طاهرًا أو حامِلًا» (^٢).
_________________
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٥/ ٢) رقم (١٨٠٢٤)، وابن جرير في «تفسيره» (٢٨/ ٨٣) عن ابن مسعود، ورواه الطبري (٢٨/ ٨٣) عن ابن عباس.
(٢) رواه مسلم (١٤٧١).
[ ١٧ / ٢٤ ]
وأمَّا الإجماعُ فقَدْ ذكَرَ جَمعٌ مِنْ أهلِ العِلمِ الإجماعَ على ذلكَ.
قالَ الإمامُ التِّرمذِيُّ ﵀ بعَد أنْ ذكَرَ حَديثَ ابنِ عُمرَ السَّابقِ: والعَملُ على هَذا عِنْدَ أهلِ العِلمِ مِنْ أصحابِ النَّبيِّ ﷺ وغَيرِهم أنَّ طلاقَ السُّنةِ أنْ يُطلِّقها طاهِرًا مِنْ غَيرِ جِماعٍ (^١).
وقالَ الإمَامُ المَروزيُّ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ عَلى أنَّ الرَّجلَ إذا أرادَ أنْ يُطلِّقَ امرأتَهُ للسُّنةِ وهيَ مِمَّنْ تَحيضُ أنَّه إنْ أمهَلَها حتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيضِها ثمَّ طلَّقَها مِنْ قبْلِ أنْ يُجامِعَها واحِدةً ثمَّ ترَكَها حتَّى تنقَضيَ عِدَّتُها ولَم يُطلِّقْها غيْرَ تلكَ التَّطليقَةِ أنَّه مُطلِّقٌ للسُّنةِ، وهوَ أَمْلَكُ بِرَجعَتِها ما دامَتْ في العدَّةِ، فإذا انقضَتْ عِدَّتُها فهوَ خاطِبٌ مِنْ الخُطباءِ (^٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأَجمَعُوا عَلى أنَّ الطَّلاقَ لِلسُّنَّةِ: أنْ يُطلِّقِها طاهِرًا في قُبُلِ عِدَّتِها (^٣).
وقالَ: وأجمَعُوا عَلى أنَّ مَنْ طلَّقَ امرَأتَه واحِدةً وهيَ طاهِرٌ مِنْ حَيضةٍ لم يُطلِّقْها قَبْلَها ولَم يكنْ جامَعَها في ذلكَ الطُّهرِ أنَّه مُصيبٌ للسُّنَّةِ (^٤).
وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: وأجمَعُوا أنَّه مَنْ طلَّقَ امرَأتَه طاهِرًا في
_________________
(١) «سنن الترمذي» (٣/ ٤٧٩).
(٢) «اختلاف العلماء» ص (١٢٩).
(٣) «الإجماع» (٣٩٥).
(٤) «الإجماع» (٣٩٦).
[ ١٧ / ٢٥ ]
طُهْرٍ لَم يَمسَّها فيهِ أنَّه مُطلِّقٌ لِلسُّنَّةِ والعِدَّةِ الَّتي أمَرَ اللهُ تعالَى بها، وأنَّ لهُ الرَّجعةَ إذا كانَتْ مَدخُولًا بها قبْلَ أنْ تَنقضِي العدَّةُ، فإذا انقضَتْ فهوَ خاطِبٌ مِنْ الخُطَّابِ (^١).
وقالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: وقَد أجمَعُوا عَلى أنَّ الطَّلاقَ لِلعدَّة أنْ يُطلِّقَها طاهِرًا مِنْ غَيرِ جِماعٍ لا حائضًا (^٢).
وقالَ أيضًا: وأجمَعَ العُلماءُ عَلى أنَّ مَنْ طلَّقَ امرَأتَه وهيَ طاهِرٌ طُهرًا لَم يَمسَّها فيهِ بعْدَ أنْ طَهُرتْ مِنْ حَيضتِها طَلقةً واحِدةً ثمَّ ترَكَها حتَّى تنقِضيَ عدَّتُها أو راجَعَها مُراجَعةً رَغبةً أنَّه مُطلِّقٌ للسُّنَّةِ وأنَّه قدْ طلَّقَ لِلعدَّةِ الَّتي أمَرَ اللهُ بها (^٣).
وقالَ الإمَامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ عَلى أنَّ المُطلِّقَ للسُّنَّةِ في المدخُولِ بها هوَ الَّذي يُطلِّقُ امرَأتَه في طُهرٍ لَم يَمَسَّها فيهِ طلقَةً واحِدةً، وأنَّ المُطلِّقَ في الحَيضِ أو الطُّهرِ الَّذي مَسَّها فيهِ غَيرُ مُطلِّقٍ لِلسُّنةِ (^٤).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: وأجمَعَ العُلماءُ عَلى أنَّ مَنْ طلَّقَ امرَأتَه طاهِرًا في طُهرٍ لَم يمَسَّها فيهِ أنَّهُ مُطلِّقٌ لِلسُّنةِ وللعدَّةِ الَّتي أمَرَ اللهُ تعالَى بها،
_________________
(١) «شرح صحيح البخاري» (٧/ ٣٧٧، ٣٧٨).
(٢) «التمهيد» (١٥/ ٩٩).
(٣) «التمهيد» (١٥/ ٦٩).
(٤) «بداية المجتهد» (٢/ ٤٧).
[ ١٧ / ٢٦ ]
وأنَّ لهُ الرَّجعةَ إذا كانَتْ مَدخُولًا بهَا قبْلَ أنْ تَنقَضيَ عدَّتُها، فإذا انقضَتْ فهوَ خاطِبٌ مِنَ الخُطَّابِ (^١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا خِلافَ في أنَّهُ إذا طلَّقَها في طُهرٍ لَم يُصبْها فيهِ ثمَّ ترَكَها حتَّى تَنقضيَ عِدَّتُها أنَّه مُصيبٌ لِلسُّنةِ مُطلِّقٌ للعدَّةِ الَّتي أمَرَ اللهُ بها، قالَهُ ابنُ عَبدِ البَرِّ وابنُ المُنذِرِ، وقالَ ابنُ مَسعُودٍ: «طَلاقُ السُّنةِ أنْ يُطلِّقَها مِنْ غَيرِ جِماعٍ»، وقالَ في قَولِه تعالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] قالَ: «طاهِرًا مِنْ غَيرِ جِماعٍ»، ونَحوُه عَنِ ابنِ عبَّاسٍ.
وفي حَديثِ ابنِ عُمرَ الَّذي رَوَيناهُ: «لِيَترُكْها حتَّى تَطهُرَ ثمَّ تَحيضَ ثمَّ تَطهُرَ، ثمَّ إنْ شاءَ أمسَكَ وإنْ شاءَ طلَّقَ قبْلَ أنْ يمَسَّ، فتلكَ العِدَّةُ الَّتي أمَرَ اللهُ أنْ يُطلَّقَ لهَا النِّساءُ»، فأمَّا قَولُه: «ثمَّ يَدَعها حتَّى تَنقَضيَ عِدَّتُها» فمَعناهُ أنَّه لا يُتبِعُها طلاقًا آخَرَ قبْلَ قَضاءِ عدَّتِها (^٢).
ولأنَّ هَذا الطَّلاقَ أبعَدُ مِنَ النَّدامَةِ، حَيثُ أبقَى لنَفسهِ مُكْنةَ التَّداركِ بالمُراجَعةِ في العدَّةِ، وبتَجديدِ النِّكاحِ مِنْ غَيرِ تَحلُّلٍ بِزَوجٍ آخَرَ (^٣).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: أَحسَنُ الطَّلاقِ في ذَواتِ القُرْءِ أنْ يُطلِّقَها طَلقَةً واحَدةً رَجعيَّةً في طُهرٍ لا جِماعَ فيهِ ولا طَلاقَ، ولا في حَيضَةٍ طَلاقٌ،
_________________
(١) «تفسير القرطبي» (٣/ ١٢٦).
(٢) «المغني» (٧/ ٢٧٨).
(٣) «مختصر الوقاية» (١/ ٣٨٥).
[ ١٧ / ٢٧ ]
ولا جِماعٍ، ويَتْركُها حتَّى تَنقضيَ عِدَّتُها؛ ثَلاثُ حَيضاتٍ إنْ كانَتْ حُرَّةً، وإنْ كانَتْ أمَةً حَيضتانِ.
والأصلُ فيهِ ما رُوِيَ عَنْ إبراهِيمَ النَّخَعيِّ ﵀ أنَّهُ قالَ: «كانَ أصحَابُ رَسولِ اللهِ ﷺ يَستَحسِنونَ أنْ لا يُطلِّقُوا لِلسُّنةِ إلَّا واحِدةً، ثمَّ لا يُطلِّقُوا غيْرَ ذلكَ حتَّى تَنقضيَ العِدَّةُ»، وفي رِوايةٍ أُخرَى قالَ في الحِكايةِ عَنهُم: «وكانَ ذلِكَ عِنْدَهُمْ أَحسَنُ مِنْ أنْ يُطلِّقَ الرَّجلُ ثَلاثةً في ثَلاثةِ أطهارٍ»، وهَذا نَصٌّ في البابِ، ومِثلُه لا يَكذِبُ.
ولأنَّ الكَراهةَ لمَكانِ احتِمالِ النَّدمِ، والطَّلاقُ في طُهرٍ لا جِماعَ فيهِ دَليلٌ علَى عَدمِ النَّدمِ؛ لأنَّ الطُّهرَ الَّذي لا جِماعَ فيهِ زَمانُ كمالِ الرَّغبةِ، والفَحلُ لا يُطلِّقُ امرأتَه في زَمانِ كمالِ الرَّغبةِ إلَّا لشِدَّةِ حاجَتِه إلى الطَّلاقِ، فالظَّاهرُ أنَّه لا يَلحقُه النَّدمُ، فكانَ طلاقُه لِحاجةٍ فكانَ مَسنُونًا، ولو لَحِقَه النَّدمُ فهوَ أقرَبُ إلى التَّدارُكِ مِنَ الثَّلاثِ في ثَلاثةِ أطْهارٍ، فكانَ أحسَنَ.
وإنَّما شَرَطْنا أنْ يَكونَ في طُهرٍ لا طلاقَ فيهِ؛ لأنَّ الجَمْعَ بيْنَ الطَّلقاتِ الثَّلاثِ أو الطَّلقتَينِ في طُهرٍ واحدٍ مَكرُوهٌ عِندَنا.
وإنَّما شَرَطْنا أنْ لا يَكونَ في حَيضةِ جِماعٍ ولا طَلاقٍ؛ لأنَّه إذا جامَعَها في حَيضِ هذا الطُّهرِ احتُمِلَ أنَّه وقَعَ الجِماعُ مُعلَّقًا فيَظهَرُ الحبَلُ فيَندَمُ عَلى صَنيعِه، فيَظهَرُ أنَّه طلَّقَ لا لِحاجةٍ، وإذا طلَّقَها فيهِ فالطَّلاقُ فيهِ بمَنزلةِ الطَّلاقِ في الطُّهرِ الَّذي بعْدَهُ؛ لأنَّ تلكَ الحَيضةَ لا يُعتَدُّ بها، ولو طَلَّقَها
[ ١٧ / ٢٨ ]
في الطُّهرِ يُكرَهُ لهُ أنْ يُطلِّقَها أُخرَى فيهِ، فكذا إذا طلَّقَها في الحيضِ ثمَّ طهُرَتْ (^١).
الصُّورةُ الثَّانيةُ: أنْ يُطلِّقَها ثلاثَ طَلقاتٍ في ثَلاثِ حَيضاتٍ لَم يُجامِعْها فيها: بأنْ يُطلِّقَ زَوجَتَه المدخُولَ بها على إثْرِ كلِّ حَيضٍ تَطليقةً في طُهرٍ لا جماعَ فيهِ، ثمَّ إذا حاضَتْ وطَهُرَتْ طلَّقَها أُخرَى، ثمَّ إذا حاضَتْ وطَهُرَتْ طلَّقَها أُخرَى، فقَد وقَعَ عليها ثَلاثُ تَطلِيقاتٍ ومَضَى مِنْ عِدَّتها حيضتانِ، فإذا حاضَتْ أُخرَى انقَضَتْ عِدَّتُها.
اختَلفَ الفُقهاءُ في هذهِ الصُّورَةِ، هَلْ المُطلِّقُ على هذهِ الصُّورةِ يَكونُ مُطلِّقًا للسُّنةِ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيَّةُ والشَّافعيةُ أنَّه يكونُ بذلكَ مُطلِّقًا للسُّنةِ.
قالَ الحنفيَّةُ: الرَّجلُ إذا طلَّقَ زوجَتَه المدخُولَ بها ثلاثَ طَلقاتٍ في ثلاثِ حَيضاتٍ -بأنْ يُطلِّقَها على إثْرِ كُلِّ حَيضٍ تَطليقةً في طُهرٍ لا جِماعَ فيهِ، ثمَّ إذا حاضَتْ وطَهُرَتْ طلَّقَها أُخرَى، ثمَّ إذا حاضَتْ وطهُرَتْ طلَّقَها أُخرَى، فقَد وقَعَ عليها ثلاثُ تَطليقاتٍ ومَضَى مِنْ عِدَّتها حيضتانِ، فإذا حاضَتْ أُخرَى انقَضَتْ عِدَّتُها- فذلكَ طَلاقٌ سُنِّيٌ.
والدَّليلُ عَلى أنَّهُ طلاقُ سُنَّةٍ قولُه تعالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي: ثلاثًا في ثلاثةِ أطهارٍ، كَذا فسَّرَهُ رَسولُ اللهِ؛ فإنَّهُ رُويَ أنَّ عبْدَ اللهِ بنَ عُمرَ
_________________
(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ٨٨)، و«الاختيار» (٣/ ١٥٢، ١٥٣).
[ ١٧ / ٢٩ ]
﵄ «طلَّقَ امرأتَهُ حالَةَ الحَيضِ فسَألَ عن ذلكَ رَسولَ اللهِ فقالَ النَّبيُّ ﷺ: أَخطأْتَ السُّنةَ، ما هَكذا أمَرَكَ ربُّكَ، إنَّ مِنَ السُّنّةِ أنْ تَستَقبِلَ الطُّهرَ استِقبالًا فتُطَلِّقَهَا لِكلِّ طُهرٍ تطليقَةً، فتلكَ العِدَّةُ الَّتي أمَرَ اللهُ تعالَى أنْ يُطلَّقَ لها النِّساءُ» (^١). فسَّرَ رَسولُ اللهِ الطَّلاقَ لِلعدَّةِ بالثَّلاثِ في ثلاثةِ أطهارٍ، واللهُ ﷿ أمَرَ بهِ، وأدنَى درَجاتِ الأمْرِ لِلنَّدبِ، والمَندوبُ إليهِ يكونُ حسَنًا، ولأنَّ رَسولَ اللهِ نصَّ على كَونِه سُنَّةً حَيثُ قالَ: «إنَّ مِنْ السُّنةِ أنْ تَستقبِلَ الطُّهرَ استِقبالًا فتُطَلِّقَها لِكلِّ طُهرٍ تطليقةً».
والدَّليلُ عليهِ ما رُويَ عَنْ إبراهيمَ النَّخَعيِّ في حِكايتِه عنِ الصَّحابةِ ﵃ أجمَعينَ: «وكانَ ذلكَ عِنْدَهُمْ أحسَنَ مِنْ أنْ يُطلِّقَ الرَّجلُ امرأتَهُ ثلاثًا في ثلاثةِ أطهارٍ»، وإذا كانَ ذلكَ أحسَنَ مِنْ هذا كانَ هذَا حسَنًا في نفْسِه ضَرورةً.
_________________
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الدارقطني في «سننه» (٣٩٧٤)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٤٧٣٢) عَنْ شُعيبُ بنُ رُزَيقٍ أنَّ عَطاءً الخُراسانِيَّ حدَّثهُ، عنِ الحسَنِ قالَ: حدَّثَنا عَبدُ اللهِ بنُ عُمرَ أنَّهُ طلَّقَ امرَأتَهُ تَطلِيقةً وهيَ حائِضٌ، ثُمَّ أَرادَ أنْ يُتبِعَها تَطليقَتَينِ أُخراوَينِ عِنْدَ القُرئَينِ الباقِيَينِ فبَلَغَ ذَلكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فقالَ: «يا ابنَ عُمَرَ ما هكَذا أمَرَكَ اللهُ إِنَّكَ قدْ أَخطأْتَ السُّنةَ، والسُّنةُ أنْ تَستَقبِلَ الطُّهرَ فتُطَلِّقَ لِكُلِّ قُرْءٍ» قالَ: فَأمرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فراجَعْتُها ثُمَّ قالَ: «إذا طَهُرَتْ فَطلِّقْ عِنْدَ ذَلكَ أو أَمسِكْ»، فقُلتُ: يا رَسُولَ اللهِ أفَرأَيتَ لَو أنِّي طَلَّقتُها ثَلاثًا كانَ يَحلُّ لِي أنْ أُراجِعَها؟ قالَ: «كانَتْ تَبِينُ مِنْكَ وتكُونُ مَعصِيَةً»، قالَ البَيهقيُّ: هذهِ الزِّياداتُ الَّتِي أُتِيَ بِها عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ لَيسَتْ فِي رِوايةِ غيرِهِ، وقدْ تَكلَّمُوا فيهِ، ويُشبِهُ أنْ يكُونَ قولُهُ: «وتكُونُ معصِيَةً» راجِعًا إِلى إيقاعِ ما كانَ يُوقِعُه مِنْ الطَّلاقِ الثَّلاثِ فِي حالِ الحَيضِ، واللهُ أعلَمُ.
[ ١٧ / ٣٠ ]
ولأنَّ الإنسانَ قَدْ يَحتاجُ إلى حَسمِ بابِ نِكاحِ امرَأتِه عَلى نفْسِه؛ لِمَا ظهَرَ لهُ أنَّ نِكاحَها ليسَ بسَببِ المَصلحةِ لهُ دُنيَا ودِينًا، لكنْ يَميلُ قَلبهُ إليها لحُسنِ ظاهِرِها، فيَحتاجُ إلى الحَسمِ على وَجهٍ يَنسَدُّ بابُ الوُصولِ إليها ولا يَلحقُه النَّدمُ، ولا يُمكِنُه دفْعُ هذهِ الحاجَةِ بالثَّلاثِ جُملةً واحِدةً؛ لأنَّها تُعقِبُ النَّدَم عسَى، ولا يُمكِنُه التَّداركُ فيَقعُ في الزِّنَا، فيَحتاجُ إلى إيقاعِ الثَّلاثِ في ثلاثةِ أطهارٍ، فيُطلِّقُها تَطليقةً رَجعيَّةً في طُهرٍ لا جِماعَ فيهِ ويُجرِّبُ نفْسَه أنْ هَلْ يُمكِنُه الصَّبْرُ عنها، فإنْ لَم يُمكِنْه راجَعَها، وإنْ أَمكَنَه طلَّقَها تطليقةً أُخرَى في الطُّهرِ الثَّاني، ويُجرِّبُ نفْسَه، ثمَّ يُطلِّقُها ثالِثةً في الطُّهرِ الثَّالثِ، فيَنحسِمُ بابُ النِّكاحِ عَليهِ مِنْ غَيرِ نَدمٍ يَلحقُه ظاهِرًا أو غالِبًا، فكانَ إيقاعُ الثَّانيةِ والثَّالثةِ في الطُّهرِ الثَّاني والثَّالثِ طلاقًا لحاجَةٍ، فكانَ مَسنُونًا، على أنَّ الحُكمَ تَعلَّقَ بدَليلِ الحاجَةِ لا بحَقيقتِها؛ لكَونِها أمْرًا باطِنًا لا يُوقَفُ عليهِ إلَّا بدَليلٍ، فيُقامُ الطُّهرُ الخالِي عنِ الجِماعِ مَقامَ الحاجَةِ إلى الطَّلاقِ، فكانَ تَكرارُ الطُّهرِ دليلَ تَجدُّدِ الحاجَةِ، فيُبنَى الحُكمِ عَليهِ.
ثمَّ إذا وقَعَ عَليها ثلاثُ تَطليقاتٍ في ثلاثةِ أطهَارٍ فقَدْ مضَى مِنْ عِدَّتِها حَيضتانِ؛ لأنَّ العِدَّةَ بالحيضِ عِندَنا، وبَقيَتْ حَيضةٌ واحِدةٌ، فإذا حاضَتْ حَيضةً أُخرَى فقَدِ انقَضَتْ عِدَّتُها …
وإنْ كانَتْ مِنْ ذَواتِ الأشهُرِ طلَّقَها واحِدةً رَجعيَّةً، وإذا مضَى شَهرٌ طلَّقَها أُخرَى، ثمَّ إذا مضَى شَهرٌ طلَّقَها أُخرَى، فقَدْ وقَعَ عَليها ثَلاثُ
[ ١٧ / ٣١ ]
تَطليقاتٍ ومَضَى مِنْ عِدَّتِها شَهرانِ وبَقيَ شَهرٌ واحِدٌ مِنْ عِدَّتِها، فإذا مَضَى شهرٌ آخَرُ فقَدِ انقَضَتْ عِدَّتُها …
وإنْ كانَتْ حامِلًا فكَذلكَ في قَولِ أبِي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ يُطلِّقُها ثلاثًا للسُّنَّةِ، ويَفصِلُ بيْنَ كلِّ طلاقَيهَا بشَهرٍ، وقالَ مُحمدٌ وزُفرُ: لا يُطلِّقُ الحامِلَ للسُّنَّةِ إلَّا طَلقةً واحِدةً (^١).
وقالَ الشَّافعيةُ: إذا أرادَ أنْ يُطلِّقَ ثلاثًا فالأَولى والمُستحبُّ أنْ يُفرِّقَها في ثلاثةِ أطهارٍ، فيُطلِّقُ في كلِّ طُهرٍ واحِدةً، ولا يَجمَعُهنَّ في طُهرٍ؛ ليَخرجَ بذلكَ مِنَ الخلافِ وليَأمنَ بهِ ما يَخافُه (^٢).
وذهبَ المالكيَّةُ والحنابِلةُ إلى أنَّ مَنْ طلَّقَ امرأتَه في ثلاثةِ أطهارٍ دُونَ رَجعةٍ أنَّه حَرامٌ وأنَّه لا يَكونُ مُطلِّقًا للسُّنةِ.
قالَ المالكيَّةُ: الطَّلاقُ للسُّنةِ هيَ الصُّورةُ الأُولى فقطْ، وهوَ أنْ يُطلِّقَها طَلقةً واحِدةً فقطْ ويَتركَها حتَّى تَنتهيَ عدَّتُها، ولا يُطلِّقُ في كُلِّ طهرٍ طَلقةً، فإنْ فعَلَ فتكونُ الأُولى للسُّنةِ والأُخرَيانِ للبِدعةِ؛ لقولِه تعالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، وذلكَ يُوجِبُ أنْ يُطلِّقَ طلاقًا يُوجِبُ عِدَّةً في حالٍ تَعتدُّ منهُ،
_________________
(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ٨٩، ٩٠)، و«الهداية» (١/ ٢٢٦، ٢٢٧)، و«الاختيار» (٣/ ١٥٢، ١٥٣)، و«الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٩١)، و«شرح فتح القدير» (٣/ ٤٦٧)، و«تبيين الحقائق» (٢/ ١٩٠)، و«مختصر الوقاية» (١/ ٣٨٥)، و«اللباب» (٢/ ٧١، ٧٢).
(٢) «الحاوي الكبير» (١٠١١٧)، و«البيان» (١٠/ ٨٠).
[ ١٧ / ٣٢ ]
وهذا الطَّلاقُ الثَّاني والثَّالثُ لا يُوجِبُ عِدَّةً، فكانَ مُوقَعًا على خِلافِ المأمُورِ بهِ، ولأنَّه تعالَى قالَ عَقيبَهُ: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، وذلكَ يُفيدُ ما دُونَ الثَّلاثِ؛ لأنَّ الثَّلاثَ لا رَجعةَ فيها، ولا يُمكِنُ تَلافيها، ولأنَّه أَردفَ طَلاقًا مِنْ غيرِ ارتِجاعٍ؛ فلَم يَكنْ للسُّنةِ، أَصلُه إذا طلَّقَ في الطُّهرِ الواحدِ ثلاثًا، ولأنَّه طَلاقٌ لِمدخُولٍ بها لا يُوجِبُ عِدَّةً؛ فلَم يكنْ للسُّنةِ، أَصلُه ما ذكَرْناه، ولأنَّ المعنَى الَّذي لهُ لا يُمكِنُه تَلافيهِ بالرَّجعةِ، وهذا مَوجودٌ في المُطلِّقِ ثلاثًا في كُلِّ طُهرٍ تَطليقةً؛ لأنَّ تَفريقَهُ لا يُخرِجُه عنِ النَّدمِ (^١).
قالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البرِّ ﵀: واختَلفُوا فيمَن طلَّقَ امرأتَه ثلاثًا مُجتمِعاتٍ في طُهرٍ لَم يَمسَّها فيهِ، أو أَردفَها في كُلِّ طُهرٍّ منَ الأطهارِ الَّتي يُعتَدُّ بها في عِدَّتِها تَطليقةً بعْدَ أنْ طلَّقَها واحِدةً في طُهرٍ لَم يمَسَّها فيهِ، هَلْ هوَ بِهذَينِ الفِعلَينِ أو بأحَدِهما مُطلِّقٌ للسُّنةِ أم لا؟
فقالَ مالِكٌ وأصحابُه: طَلاقُ السُّنةِ أنْ يُطلِّقَ طَلقةً في طُهرٍ لم يمسَّ فيهِ، ولَو كانَ في آخِرِ ساعةٍ مِنهُ، ثمَّ لا يمَسُّها حتَّى تَنقضيَ عِدَّتُها، وذلكَ بظُهورِ أوَّلِ الحَيضةِ الثَّالثةِ في الحُرَّةِ، أو الحَيضةِ الثَّانيةِ في الأمَةَ، فيَتمُّ للحُرَّةِ ثلاثةُ
_________________
(١) «الإشراف» (٣/ ٤١٢، ٤١٣) رقم (١٢٣٢)، و«التاج والإكليل» (٣/ ٣٦)، و«مواهب الجليل» (٥/ ٢٥٧)، و«شرح مختصر خليل» (٤/ ٢٧)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٣٩)، و«تحبير المختصر» (٣/ ١٢٩، ١٣٠).
[ ١٧ / ٣٣ ]
أقراءٍ وللأمَة قُرْآنِ، والقُرْءُ الطُّهرُ المُتَّصلُ بالدَّمِ عِندهُم، فإنْ طلَّقَها في كُلِّ طُهرٍ تَطليقةً أو طلَّقَها ثلاثًا مُجتمِعاتٍ في طُهرٍ لَم يَمسَّها فيهِ فقَدْ لَزمَه، وليسَ بمُطلِّقٍ للسُّنَّةِ عِنْدَ مالكٍ وجُمهورِ أصحابِه، وهوَ قَولُ الأَوزاعيِّ وأبِي عُبيدٍ.
وقالَ أَشهَبُ: لا بأسَ أنْ يُطلِّقَها في كُلِّ طُهرٍ تَطليقةٍ، ما لَم يَرتجِعْها في خلالِ ذلكَ وهوَ يُريدُ أنْ يُطلِّقَها ثانيةً، فلا يَسعُه ذلكَ؛ لأنَّهُ يُطوِّلُ العِدَّةَ عليها، فإذا لَم يَرتجِعْها فلا بأسَ أنْ يُطلِّقَها في كُلِّ طُهرٍ مرَّةً، وعلى هَذا يخرجُ ما رَواهُ يحيَى بنُ يحيَى في «المُوطَّأ» في تَفسيرِ قراءَةِ ابنِ عُمرَ: ﴿يَا أَيُّها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ﴾ قالَ يحيَى: قالَ مالِكٌ: يُريدُ بذلكَ أنْ يُطلِّقَ الرَّجلُ امرأتَهُ في كُلِّ طُهرٍ، وهذا التَّفسيرُ لَم يَرْوِه أحَدٌ عَنْ مالِكٍ في «المُوَطَّأ» غَيرُ يحيَى، واللهُ أعلَمُ (^١).
وقالَ: قالَ أحمَدُ بنُ حَنبلٍ: طَلاقُ السُّنَّةِ أنْ يُطلِّقَها طاهِرًا مِنْ غَيرِ جِماعٍ واحدةً ويَدعَها حتَّى تَنقضيَ عِدَّتُها، وهذا قَولُ مالكٍ (^٢).
وقالَ الحنابلَةُ: إنْ طلَّقَها ثلاثًا في ثلاثةِ أطهارٍ قبْلَ رَجعةٍ حَرُمَ ذلكَ نَصًّا، لا إنْ طَلَّقَها اثنتَينِ فلا يَحرُمُ؛ لأنَّهُما لا يَمنعانِ مِنْ رَجعتِها إذا نَدِمَ، فلَم يَسُدَّ المَخرجَ على نفْسِه؛ لكُونِه فوَّتَ على نفْسِه طَلقةً جعَلَها اللهُ لهُ مِنْ غَيرِ فائِدةٍ تَحصُلُ لهُ بها، فكانَ مَكرُوهًا كتَضييعِ المالِ.
_________________
(١) «التمهيد» (١٥/ ٦٩، ٧٠)، ويُنظر: «تهذيب المدونة» (١/ ٣٧٥).
(٢) «الاستذكار» (٦/ ١٥٦).
[ ١٧ / ٣٤ ]
ولا بِدعَةَ فيهَا -أي الثَّلاث- بعَدْ رَجعةٍ أو عَقدٍ، كأنْ طلَّقَها طَلقةً ثمَّ راجَعَها، أو عقَدَ عَليها ثُمَّ طلَّقَها أُخرَى ثمَّ راجَعَها، أو عقَدَ عَليها ثمَّ طلَّقَها الثَّالثةَ (^١).
الصُّورةُ الثَّالثةُ: أنْ يُطلِّقَها طَلقتَينِ أو ثَلاثةً بلَفظٍ واحدٍ أو في مَجلسٍ واحدٍ أو في طُهرٍ واحدٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الرَّجلِ إذا طلَّقَ زوجتَهُ ثَلاثَ طَلقاتٍ في طُهرٍ واحدٍ أو في كَلمةٍ واحدةٍ «أنتِ طالِقٌ بالثَّلاثِ»، أو في مَجلسٍ واحدٍ «أنتِ طالقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالقٌ»، هل يكونُ بذلكَ مُطلِّقًا للسُّنَّةِ أم لِلبدعَةِ أم مُباحًا؟
فذهَبَ الشَّافعيةُ والإمامُ أحمدُ في روايةٍ اختارَها الخِرَقِيُّ وغيرُه مِنْ الحنابلَةِ إلى أنَّه لو طلَّقَ ثلاثًا في طُهرٍ لم يُصِبْها فيهِ أو في كَلمةٍ واحِدةٍ أو في مَجلسٍ واحدٍ لا يكونُ بِدعةً، وإنَّما هوَ مُباحٌ، وقالَ الخرقِيُّ: يكونُ أيضًا للسنَّةِ وتارِكًا للاختيارِ.
واستَدلُّوا على ذلكَ بقَولِه تعالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وقولِهِ ﷺ: «ثمَّ لِيُطلِّقْها طاهرًا أو حامِلًا» (^٢)، ولمْ يُفرِّقْ بيْنَ أنْ يُطلِّقَها واحدةً أو ثلاثًا، فلَو كانَ الحكْمُ يَختلِفُ لبيَّنَهُ.
_________________
(١) «المغني» (٧/ ٢٧٨)، و«مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٣١٤)، و«شرح الزركشي» (٢/ ٤٦٠)، و«الإنصاف» (٨/ ٤٤٨)، و«كشاف القناع» (٥/ ٢٧٧، ٢٧٨)، و«شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٣٧٤).
(٢) رواه مسلم (١٤٧١).
[ ١٧ / ٣٥ ]
ورُويَ: «أنَّ عُويمرًا العجْلانِيَّ لاعَنَ امرأتَهُ عندَ النَّبيِّ ﷺ، ثمَّ قالَ: «كذَبْتُ عليها يا رسُولَ اللهِ إن أمْسَكْتُها، فطَلَّقَها ثلاثًا قبْلَ أنْ يأمُرَهُ رَسولُ اللهِ ﷺ» فموضِعُ الدَّليلِ: أنَّ العجْلانِيَّ لم يَعلمْ أنَّها قد بانَتْ منهُ باللِّعانِ، فطلَّقَها ثلاثًا بِحضرةِ النَّبيِّ ﷺ، ولم يُنكرِ النَّبيُّ ﷺ إيقاعَهُ الثَّلاثَ، فلو كانَ مُحرَّمًا أو كانَ لا يَقعُ .. لَأنكرَهُ.
ورَوى الإمامُ الشَّافعيُّ عنْ عمِّه مُحمدِ بنِ عليِّ بنِ شافِعٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عليِّ بنِ السَّائبِ عن نافعِ بن عُجيرِ بنِ عبدِ يَزيدَ أنَّ رُكانةَ بنَ عبدِ يَزيدَ طلَّقَ امرأتَهُ سُهَيمةَ الْبَتَّةَ، فأَخبَرَ النَّبيَّ ﷺ بذلكَ، وقالَ: واللهِ ما أَردتُ إلَّا واحدةً، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «واللهِ ما أَردتَ إلَّا واحدةً؟ فقالَ رُكانةُ: واللهِ ما أَردتُ إلَّا واحدةً، فرَدَّها إليهِ رَسولُ اللهِ ﷺ» (^١). فدلَّ على أنَّهُ لو أرادَ الثَّلاثَ وقَعْنَ؛ إذْ لو لَم يَقعْنَ لم يكنْ لِاستِحلافِه معنًى.
ورُويَ «أنَّ ابنَ عُمرَ ﵄ قالَ للنَّبيِّ ﷺ: «أَرأيْتَ لَو طَلَّقتُها ثلاثًا؟ فقالَ النَّبيُّ ﷺ: «أَبَنْتَ امرأتَكَ وعَصَيتَ ربَّكَ».
_________________
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الإمام الشافعي في «الأم» (٥/ ١١٨، ١٣٧)، وأبو داود (٢٢٠٦)، والحاكم في «المستدرك» (٢٨٠٨)، وقالَ: قَدْ صحَّ الحديثُ بهذهِ الرِّوايةِ؛ فإنَّ الإمامَ الشَّافعيَّ قَدْ أتقنَه وحَفظَه عن أهلِ بيتهِ، والسَّائبُ بنُ عبدِ يزيدَ أبو الشَّافعِ بنِ السَّائبِ وهوَ أخُو رُكانةَ بنِ عبدِ يزيدَ، ومُحمَّد بن عليِّ بنِ شافِعٍ عمُّ الشَّافعيِّ شيخُ قُريشٍ في عصرِه.
[ ١٧ / ٣٦ ]
وفي حَديثِ فاطِمةَ بنتِ قيسٍ «أنَّ زَوْجَها أَرسَلَ إليها بثلاثِ تَطليقاتٍ» (^١).
ولأنَّ كلَّ طلاقٍ جازَ تَفريقُهُ جازَ جَمعُهُ، أَصلُهُ طلاقُ الزَّوجاتِ يَجوزُ أنْ يَجمَعَهنَّ في الطَّلاقِ وأنْ يُفرِّقَهنَّ.
ولأنَّ كلَّ طلاقٍ جازَ تفريقُهُ في الأَطهارِ جازَ إيقاعُهُ في طُهرٍ، أصلُهُ إذا طلَّقَ في طُهرٍ ثمَّ راجَعَ فيهِ ثمَّ طلَّقَها فيهِ ثمَّ راجَعَ ثمَّ طلَّقَها فيهِ ثمَّ راجَعَ.
ولأنَّ الثَّلاثَ لفظٌ يقطَعُ الرَّجعةَ فجازَ إيقاعُهُ في طُهرٍ لا جِماعَ فيهِ كالواحِدةِ بعدَ اثنتَينِ أو كالخُلعِ (^٢).
وذهبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ والمالكيَّةُ والحنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ جمْعَ الثَّلاثِ في وقتٍ واحدٍ أو في طُهرٍ واحِدٍ مُحرَّمٌ وبِدعةٌ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، فهذهِ الآيةُ تَضمَّنَتِ الأمرَ بإيقاعِ الاثنتَينِ في مَرَّتَينِ، فمَن أَوقعَ الاثنتَينِ في مَرَّةٍ فهوَ مخالِفٌ لِحكْمِها، وممَّا يَدلُّ على ذلكَ قولُهُ تَعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾، وظاهِرُه يَقتَضي تحريمَ الثَّلاثِ؛ لِمَا فيها مِنْ تَحريمِ ما أَحلَّ لنَا مِنْ الطَّيباتِ، والدَّليلُ على أنَّ الزَّوجاتِ قد
_________________
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه النسائي (٣٤٠٣).
(٢) «الحاوي الكبير» (١٠/ ١١٧، ١٢١)، و«نهاية المطلب» (١٤/ ١٢)، و«البيان» (١٠/ ٨٠، ٨٢)، و«شرح صحيح مسلم» (١٠/ ١٢٢)، و«النجم الوهاج» (٧/ ٥٥٥)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٥٠٣، ٥٠٤)، «المغني» (٧/ ٢٨١، ٢٨٢)، و«مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٣١٤)، و«شرح الزركشي» (٢/ ٤٦٠).
[ ١٧ / ٣٧ ]
تَناولَهنَّ هذا العُمومُ قولُه تعالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، فوجَبَ بحقِّ العُمومِ حظْرُ الطلاقِ المُوجِبِ لِتَحريمِها، ولولا قِيامُ الدَّلالةِ في إباحةِ إيقاعِ الثَّلاثِ في وقتِ السنَّةِ وإيقاعِ الواحدةِ لغَيرِ المَدخولِ بها لاقتَضَتِ الآيةُ حظْرَه، ومِن جهةٍ أُخرى مِنْ دلائلِ الكتابِ أنَّ اللهَ تعالَى لم يُبِحِ الطَّلاقَ ابتِداءً لِمَنْ تَجبُ عليها العِدَّةُ إلَّا مَقرُونًا بذكْرِ الرَّجعةِ، منها قولُهُ تَعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾، وقولُهُ تَعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، وقولُهُ تعالَى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، فلم يُبحِ الطَّلاقَ المُبتدَأَ لِذواتِ العِدَدِ إلَّا مَقرونًا بذكْرِ الرَّجعةِ، وحكْمُ الطَّلاقِ مأخوذٌ مِنْ هذهِ الآياتِ، لَولاها لم يكُنِ الطَّلاقُ مِنْ أحكامِ الشَّرعِ، فلم يَجُزْ لنا إثباتُهُ مَسنُونًا إلَّا على هذهِ الشَّريطةِ وبهذَا الوَصفِ (^١).
_________________
(١) «أحكام القرآن» للجصاص (٢/ ٧٥، ٧٦)، «بدائع الصنائع» (٣/ ٨٩، ٩٠)، و«الهداية» (١/ ٢٢٦، ٢٢٧)، و«الاختيار» (٣/ ١٥٢، ١٥٣)، و«الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٩١)، و«شرح فتح القدير» (٣/ ٤٦٧)، و«تبيين الحقائق» (٢/ ١٩٠)، و«مختصر الوقاية» (١/ ٣٨٥)، و«اللباب» (٢/ ٧١، ٧٢)، و«التمهيد» (١٥/ ٦٩، ٧٠)، و«الاستذكار» (٦/ ١٥٦)، و«تهذيب المدونة» (١/ ٣٧٥)، «الإشراف» (٣/ ٤١٢، ٤١٣) رقم (١٢٣٢)، و«التاج والإكليل» (٣/ ٣٦)، و«مواهب الجليل» (٥/ ٢٥٧)، و«شرح مختصر خليل» (٤/ ٢٧)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٣٩)، و«تحبير المختصر» (٣/ ١٢٩، ١٣٠)، و«المغني» (٧/ ٢٧٨، ٢٨١، ٢٨٢)، و«مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٣١٤)، و«شرح الزركشي» (٢/ ٤٦٠)، و«الإنصاف» (٨/ ٤٤٨)، و«كشاف القناع» (٥/ ٢٧٧، ٢٧٨)، و«شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٣٧٤).
[ ١٧ / ٣٨ ]
قالَ القاضِي عَبدُ الوَهابِ ﵀: والجَمعُ بيْنَ الطَّلاقِ الثَّلاثِ في كَلمةٍ واحِدةٍ بِدعَةٌ، ويَلزَمُ إنْ وقَعَ، وقالَ الشَّافِعيُّ: هوَ مُباحٌ ليسَ بِمَمنوعٍ، وقَالَ بعضُ أهلِ الظِّاهرِ: لا يَقعُ أَصلًا، وبَعضُ المُبتَدِعةِ يَذهَبُ إلى أنَّهُ يقَعُ بهِ واحِدةٌ.
ودَليلُنا على أنَّهُ بِدعةٌ قولُه تعالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ الآيَة، فأمَرَ بالطَّلاقِ للعدَّةِ، وقرَنَه بمَا دلَّ به على أنَّ المُرادَ بهِ الطَّلاقُ الرَّجعيُّ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾، أي: نَدمًا، فيكونُ للمُطلِّقِ طريقٌ إلى تلافِيهِ بالارتِجاعِ، ثمَّ وصَفَه بما يَقتضِي الإثمَ، وهوَ قولُهُ تَعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾، فدلَّ على ما قُلناهُ.
وحديثُ الحسَنِ عنِ ابنِ عُمرَ أنَّهُ قالَ: «يا رسولَ اللهِ أَرأيْتَ لَو أُطلِّقُها ثلاثًا؟ قالَ: «إذًا بانَتْ مِنكَ، وعَصَيتَ رَبَّكَ» (^١)، وحديثُ محمودَ بنِ لَبيدٍ الأنصَاريِّ قالَ: أُخبِرَ رَسولُ اللهِ ﷺ عنْ رَجلٍ طلَّقَ امرأتَهُ ثلاثَ تَطليقاتٍ جَمْعًا، فقامَ غَضبانًا فقالَ: «تَلاعبٌ بِكتابِ اللهِ وأنَا بينَ أَظهُرِكمْ؟» (^٢). وهذا كالنَّصِ، ولأنَّهُ بيَّنَ هذا الغضَبَ لِهذا الفعلِ الَّذي هوَ الجَمعُ بينَ الثلاثِ في كلمةٍ واحدةٍ، ولأنَّهُ سبَبٌ يَحرُمُ البُضعُ بِفعلِهِ مِنْ غيرِ
_________________
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (١٤٧٣٢)، والدارقطني في «سننه» (٣٩٧٤).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه النسائي (٣٤٠١).
[ ١٧ / ٣٩ ]
حاجةٍ فوجَبَ كونُهُ مَمنوعًا، أصلُهُ الظِّهارُ، ولأنَّ الجَمعَ بينَ الثَّلاثِ يتعلَّقُ بهِ النَّدمُ في الغالِبِ، وله مَندُوحَةٌ عنه فكانَ المنعُ مُتعلِّقًا بهِ كالطَّلاقِ في الطُهرِ الَّذي تُمَسُّ فيهِ، ولأنَّ الطَّلاقَ يَتضمَّنُ وقتًا وعَددًا، فإذا جازَ أنْ يُؤثِّرَ المنعُ في الوقتِ لحقِّ المرأةَ، وهوَ أنَّهُ يَطوِّلُ عليهَا، فمُنِعَ مِنْ ذلكَ لِيُزيلَ الضَّررَ عَنها، جازَ أنْ يُؤثِّرَ في العَددِ لحقِّ الزَّوجِ، وهو النَّدمُ الَّذي يَلحقُه لِيَزولَ الضَّررُ برفْعِه (^١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: دَلالةُ الكتابِ والسُّنَّةِ على أنَّ الطَّلاقَ السنَّةَ أنْ يُطلِّقَ طَلقةً واحدةً ثمَّ يُراجِعُها أو يَدعُها حتَّى تَنقضيَ عِدتُها، وأنَّهُ متَى طلَّقَها ثِنتَينِ أو ثَلاثًا قبْلَ رجعةٍ أو عقدٍ جديدٍ فهوَ طلاقُ بدعَةٍ مُحرَّمٌ عندَ جُمهورِ السَّلفِ والخَلفِ، كما هوَ مَذهبُ مالكٍ وأَبي حنيفَةَ وأصحابِهما وأحمدَ في آخرِ قَولَيهِ واختيارُ أكثرِ أصحابِهِ (^٢).
وقالَ ابنُ قُدامَةَ ﵀: ولأنَّهُ تَحريمٌ للبُضعِ بقولِ الزَّوجِ مِنْ غيرِ حاجةٍ فحَرُمَ كالظِّهارِ، بلْ هذا أَولَى؛ لأنَّ الظِّهارَ يَرتفعُ تَحريمُهُ بالتَّكفيرِ، وهذا لا سَبيلَ للزَّوجِ إلى رفْعِه بحالٍ، ولأنَّهُ ضرَرٌ وإضرارٌ بنفْسِه وبامرأتِهِ مِنْ غيرِ حاجةٍ، فيَدخلُ في عمومِ النَّهيِ، ورُبَّما كانَ وسيلةً إلى عَودِهِ إليها حرامًا أو بِحيلةٍ لا تُزيلُ التَّحريمَ ووقوعَ النَّدمِ وخسارةَ الدُّنيا والآخرةِ،
_________________
(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٤٠٣، ٤٠٦) رقم (١٢٣١).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٣١٠، ٣١١).
[ ١٧ / ٤٠ ]
فكانَ أَولَى بالتَّحريمِ مِنَ الطَّلاقِ في الحيضِ الَّذي ضرَرُه بقاؤُها في العدَّةِ أيامًا يَسيرةً، أو الطَّلاقِ في طُهرٍ مسَّها فيه الَّذي ضرَرُه احتِمالُ النَّدمِ بظُهورِ الحَمْلِ، فإنَّ ضرَرَ جمْعِ الثَّلاثِ يَتضاعفُ على ذلكَ أضعافًا كثيرةً، فالتَّحريمُ ثَمَّ تَنبيهٌ على التَّحريمِ هاهُنا؛ ولأنَّهُ قولُ مَنْ سمَّيْنا مِنْ الصَّحابةِ -عُمرَ وعليٍّ وابنِ مسعودٍ وابنِ عبَّاسٍ وابنِ عمرَ- رواهُ الأثرَمُ وغيرُهُ، ولم يَصحَّ عِندَنا في عَصرِهم خِلافُ قولِهم، فيَكونُ ذلكَ إجماعًا.
وأمَّا حديثُ المُتلاعنَينِ فغَيرُ لازمٍ؛ لأنَّ الفُرقةَ لم تقَعْ بالطَّلاقِ، فإنَّها وقَعَتْ بمُجرَّدِ لعانِهما، وعندَ الشَّافعيِّ بمُجرَّدِ لعانِ الزَّوجِ، فلا حُجَّةَ فيهِ، ثُمَّ إنَّ اللِّعانَ يوجِبُ تحريمًا مؤبَّدًا، فالطَّلاقُ بعدَهُ كالطَّلاقِ بعدَ انفِساخِ النِّكاحِ بالرَّضاعِ أو غَيرِه، ولأنَّ جمْعَ الثَّلاثِ إنَّما حَرُمَ لِمَا يَعقُبُه مِنْ النَّدمِ ويحصلُ بهِ مِنْ الضَّررِ ويُفوِّتُ عليهِ مِنْ حِلِّ نكاحِها، ولا يَحصلُ ذلكَ بالطَّلاقِ بعْدَ اللِّعانِ؛ لحُصولِه باللِّعانِ، وسائرُ الأحاديثِ لم يَقعْ فيها جمْعُ الثَّلاثِ بينَ يَديِ النَّبيِّ ﷺ فيَكونُ مُقِرًّا عليهِ، ولا حضَرَ المُطلِّقُ عندَ النَّبيِّ ﷺ حينَ أُخبِرَ بذلكَ ليُنكرَ عليهِ، على أنَّ حَديثَ فاطِمةَ قد جاءَ فيهِ: «أنَّهُ أَرسلَ إليها بتَطليقةٍ كانَتْ بَقِيَتْ لها مِنْ طلاقِها»، وحديثُ امرأةِ رفاعَةَ جاءَ فيهِ: «أنَّهُ طلَّقَها آخرَ ثلاثِ تطلِيقاتٍ» مُتفَقٌ عليهِ، فلمْ يكنْ في شيءٍ مِنْ ذلكَ جمْعُ الثَّلاثِ، ولا خلافَ بيْنَ الجميعِ في أنَّ الاختيارَ والأَولى أنْ يُطلِّقَ واحدةً ثمَّ يدعَها حتَّى تَنقضيَ عدتُها، إلَّا ما حكَينَا مِنْ قولِ مَنْ قالَ: «إنَّهُ يُطلِّقُها في كلِّ قُرءٍ طلقةً»، والأولُ أَولى؛ فإنَّ في ذلكَ
[ ١٧ / ٤١ ]
امتِثالًا لِأمرِ اللهِ سبحانَهُ، ومُوافَقةً لِقولِ السَّلفِ، وأَمنًا مِنْ النَّدمِ؛ فإنَّهُ متى ندِمَ راجَعَها، فإنْ فاتَهُ ذلكَ بانقِضاءِ عدتِها فلهُ نكاحُها، قالَ محمدُ بنُ سيرينَ: إنَّ عليًّا كرَّمَ اللهُ وجهَهُ قالَ: «لَو أنَّ الناسَ أَخذُوا بما أمَرَ اللهُ مِنَ الطَّلاقِ ما يُتبِعُ رجلٌ نفْسَهُ امرأةً أبدًا، يُطلِّقُها تطليقةً ثمَّ يدَعُها ما بينَها وبيْنَ أنْ تَحيضَ ثلاثًا، فمتَى شاءَ راجَعَها» رواهُ النَّجادُ بإسنادِه.
وعَن عبدِ اللهِ قالَ: «مَنْ أرادَ أنْ يُطلِّقَ الطَّلاقَ الَّذي هوَ الطَّلاقُ فلْيُمهلْ حتَّى إذا حاضَتْ ثمَّ طهُرَتْ طلَّقَها تطليقةً في غَيرِ جماعٍ، ثمَّ يدَعُها حتَّى تَنقضيَ عدتُها، ولا يُطلِّقُها ثلاثًا وهيَ حاملٌ فيَجمعُ اللهُ عليهِ نفقَتَها وأجْرَ رَضاعِها، ويُندِمُهُ اللهُ فلا يَستطيعُ إليها سَبيلًا» (^١).
وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: جَمْعُ الطَّلاقِ الثَّلاثِ مُحرَّمٌ عندَ جُمهورِ السَّلفِ والخلَفِ، وهوَ مَذهبُ مالكٍ وأبي حنيفَةَ وأحمدَ في آخِرِ الروايتَينِ عنهُ، واختِيارُ أكثرِ أصحابِه.
ثمَّ هل يقَعُ عندَ هؤلاءِ أو لا يقَعُ؟ أو تقَعُ واحدةً؟ أو يُفرَّقُ بينَ المَدخولِ بها وغيرِ المَدخولِ بها؟ فيهِ نزاعٌ.
والنِّزاعُ بينَ السَّلفِ إنَّما هوَ هل تقعُ واحدةٌ أو ثَلاثٌ.
وأمَّا القَولُ بأنَّهُ لا يقعُ شيءٌ فإنَّما هوَ مَنقولٌ عن بعضِ أهلِ البِدعِ مِنْ أهلِ الكلامِ والرَّافضةِ.
_________________
(١) «المغني» (٧/ ٢٨١، ٢٨٢).
[ ١٧ / ٤٢ ]
وقالتَ طائفةٌ: بل هوَ مُباحٌ.
والكَلام في مَقامَينِ:
أحدُهُما: أنَّهُ مُحرَّمٌ، والدَّليلُ على ذلكَ الكِتابُ والسنَّةُ وإجماعُ الصَّحابةِ، والاعتِبارُ بالأصولِ المَعلومةِ بالكِتابِ والسنَّةِ والإجماعِ.
أمَّا الكِتابُ فمِن وجوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ سُبحانَه قالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ إلى قولِهِ: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، ومَعلومٌ أنَّ هذهِ السُّورةَ هيَ سورةُ الطَّلاقِ، وقد ذكَرَ اللهُ فيها مِنْ أحكامِ الطَّلاقِ والرَّجعةِ والعِدَدِ ونَفقةِ الحامِلِ والمُرضِعِ وغيرِ ذلكَ ما لم يَذكرْه في موضِعٍ آخَرَ، وهي تدلُّ على تَحريمِ جمْعِ الثَّلاثِ مِنْ وُجوهٍ:
[ ١٧ / ٤٣ ]
أحَدُها: أنَّهُ قالَ: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ إلى قولِهِ: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، ومَعلومٌ أنَّ هذا لا يكونُ في الطَّلاقِ الثَّلاثِ، فإنَّ الثَّلاثَ لا إمساكَ بَعدَهنَّ، وبعدَ الثَّلاثِ لا يُحدِثُ اللهُ للزَّوجِ رَجعةً بدُونِ رِضاها، ولهذا قالَ غيرُ واحدٍ مِنْ الصَّحابةِ والتَّابعِينَ والعُلماءِ -كابنِ عبَّاسٍ وجابِرٍ وفاطمةَ بنتِ قيسٍ- وفُقهاءُ الحديثِ ومَن وافَقَهُم مِنْ العُلماءِ: إنَّ هذا في الرَّجعيَّةِ.
الثَّاني: أنَّ قولَهُ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ إذنٌ في مُطلَقِ الطَّلاقِ، ليسَ إذنًا في كلِّ طلاقٍ، ومَن ظنَّ أنَّ هذا عامٌّ فقدْ غلَطَ ولم يُفرِّقْ بينَ العامِّ والمُطلَقِ، فإنَّ قولَ القائِلِ «كُلْ» و«بِعْ» ونحوِ ذلكَ إذنٌ في مُطلَقِ الأكلِ والبَيعِ، لا يَتعرَّضُ للعُمومِ لا بنَفيٍ ولا إثباتٍ، ولهذا لَم يكنْ تقييدُ هذا المُطلَقِ رفعًا لمَدلولِ اللَّفظِ ولا نسخًا لهُ، وإذا لَم يكنْ فيهِ عُمومٌ فهوَ لم يَأذنْ إلَّا في الطَّلاقِ الَّذي وصَفَه، وهوَ أنْ يُطلِّقَ للعدَّةِ وأنْ يُحصِي العدَّةَ ويتَّقِي اللهَ، وأنَّه إذا بلغْنَ أجَلَهنَّ أمْسَكَ بمَعروفٍ أو فارَقَ بمَعروفٍ.
وهذهِ الصِّفةُ إنَّما هيَ في الطَّلاقِ دونَ الثَّلاثِ، كمَا أنها إنَّما هيَ في الطَّلاقِ لاستِقبالِ العدَّةِ، فمَن طلَّقَها حائِضًا فلَم يُطلِّقْ كما أمَرَه اللهُ تعالَى، كذلكَ مَنْ لم يُطلِّقِ الطَّلاقَ المَوصوفَ بأنَّ صاحِبَه لا يدرِي لعلَّ اللهَ يُحدِثُ
[ ١٧ / ٤٤ ]
بعدَهُ أمرًا، وبأنَّه إذا بلغَتِ المرأةُ أجَلَها فإمَّا أنْ يُمسِكَ بمَعروفٍ أو يُسرِّحَ بمَعروفٍ، فلم يُطلِّقِ الطَّلاقَ الَّذي أمَرَ اللهُ بهِ.
الثَّالِثُ: أنَّهُ أمَرَ بإحصاءِ العدَّةِ وأنْ يَتَّقِي اللهَ، وأمَرَ إذا بلغْنَ أجلَهنَّ أنْ يُمسِكَ بمَعروفٍ أو يُسرِّحَ بمَعروفٍ، وهذا لا يحتاجُ إليهِ في الثَّلاثِ، فإنَّ الثَّلاثَ إنَّما يحتاجُ إلى إحصاءِ العدَّةِ لتَحلَّ لغَيرهِ، لا لأجلِ إمساكِهِ وتَسريحِه.
الرَّابعُ: أنَّهُ قالَ: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾، وهذا حُكمُ المُطلَّقةِ الرَّجعيَّةِ، فإنَّ زوْجَها أحقُّ بها ما دامَتْ في العدَّةِ، فليسَتْ كالزَّوجةِ مِنْ كلِّ وجهٍ، ولا كالبائِنِ مِنْ كلِّ وجهٍ، بخِلافِ الزَّوجةِ؛ فإنَّ لها أنْ تخرُجَ بإذنِ زوْجِها، والبائنُ لزَوْجِها أنْ يُخرجَها بلا إذنِها، فإنَّها لا تَستحِقُّ عليهِ السُّكنى ولا النَّفقةَ، إلَّا أنْ يَختارَ هوَ أنْ يُحصنَها؛ فلهُ إِلزامُها بالسُّكنى لحَقِّه في العدَّةِ، وقد دلَّ على ذلكَ سنَّةُ رَسولِ اللهِ ﷺ الصَّحيحةُ في فاطمةَ بنتِ قيسٍ حيثُ قالَ لهَا: «ليسَ لكِ سُكنى ولا نفقةٌ»، ولم يُعارِضْ ذلكَ أحَدٌ بمُعارَضةٍ صحيحةٍ، فإنَّ القُرآنَ لا يُخالِفَ ذلكَ بل يُوافِقُه، فإنَّ اللهَ قالَ: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، والضَّميرُ عائِدٌ على ما تَقدَّمَ، وهيَ الرَّجعيَّةُ، وما ذكَرَه في الحامِلِ والمُرضِعِ، فبَيَّنَ فيهِ أنَّ النَّفقةِ حِينَئذٍ لأجْلِ الحَمْلِ لا لأجْلِ النِّكاحِ، ولهذَا قالَ: ﴿حَتَّى
[ ١٧ / ٤٥ ]
يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، فهَذا ذكرهُ لِغايَةِ نَفقةِ الحَمْلِ، وإلَّا فقَدْ بيَّنَ عدَّةَ الحامِلِ بقولِهِ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، وقَولِه بعْدَ ذلكَ: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، وقَد ثبَتَ بالإجماعِ أنَّ أُجرةَ الرَّضاعِ نَفقةُ الولَدِ، وهي تَجبُ للنَّسبِ لا للنِّكاحِ، فدَلَّ ذلكَ على أنَّ نَفقةَ الحامِلِ لذلكَ.
ولهذا كانَ أصَحُّ القولَينِ أنَّ نَفقةَ الحامِلِ تَجبُ للحَمْلِ، وحُكمُها حُكمُ نَفقةِ الولدِ الَّتي تَجبُ على والدهِ، وهَذا مَذهبُ مالكٍ وأحمَدَ في أظهَرِ الرِّوايتَينِ عنهُ والشَّافعيِّ في أحَدِ قولَيهِ، ومَن قالَ: «إنَّها تَجبُ للزَّوجةِ مِنْ أجْلِ الحَمْلِ» فكَلامُه مُتناقِضٌ لا يُعقَلُ.
الخامِسُ: أنَّه قالَ: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾، وهوَ كما قالَ غَيرُ واحِدٍ مِنَ الصَّحابةِ: «فأيُّ أمْرٍ يَحدُثُ بعْدَ الثَّلاثِ»، فإنَّ اللهَ ذكَرَ هذا ليُبيِّنَ أنَّه قد يَحدُثُ بعْدَ رَغبةٍ في الزَّوجةِ ونَدمٍ على الطَّلاقِ، فيكونُ لهُ سُبيلٌ إلى رَجعتِها.
السَّادِسُ: أنَّه قالَ في سِياقِ الآيةِ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾، وقَد قالَ الصَّحابةُ لِمَنْ طلَّقَ ثلاثًا: «لوِ اتَّقَيْتَ اللهَ لَجَعلَ لكَ فرَجًا ومَخرَجًا»، فعُلمَ أنَّ جامِعَ الثَّلاثِ لَم يتَّقِ اللهَ.
السَّابعُ: أنَّهُ قالَ: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، والإشهَادُ إنَّما يُؤمَرُ بهِ في حُكمِ الطَّلاقِ الرَّجعيِّ، وهوَ واجِبٌ على الرَّجعةِ في أحَدِ القولَينِ، ويُستَحبُّ في الآخَرِ.
[ ١٧ / ٤٦ ]
الثَّامِنُ: أنَّه قالَ: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: وَصلْنَ إلى آخِرِ المُدَّةِ، فإنَّ الأجَلَ هوَ آخِرُ المُدَّةِ، والعدَّةُ مَجمُوعُها، ولِهذا قالَ تعالَى في الآيِساتِ: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾، وقالَ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، فجعَلَ الأجَلَ وضْعَ الحَمْلِ، ولَم يَجعلْ ذلكَ عدَّةً؛ لأنَّ العدَّةَ ما يُعَدُّ، وهي المدَّةُ الَّتي تُعَدُّ، وأمَّا الأجَلُ فهو آخِرُ المُدَّةِ.
ولهذا دلَّتْ هذهِ الآيَةُ على أنَّ الحامِلَ لا أجَلَ لها إلَّا وضْعُ الحَمْلِ، سواءٌ كانَتْ مُتَّوَفى عنها أو مَدخولًا بها، ولهذا قالَ ابنُ مَسعُودٍ: «أَشهَدُ أنَّ سُورةَ النِّساءِ القُصْرَى نزَلَتْ بعْدَ الطُّولَى»، ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، وقالَ سُبحانَه: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ لأنَّه إنَّما يُخيَّرُ بيْنَ الإمساكِ والتَّسريحِ عِنْدَ آخِرِ المُدَّةِ، بخِلافِ أثنائِها؛ فإنَّه لا يُسرِّحُها حِينَئذٍ، وهذا إنَّما يكونُ في الرَّجعيَّةِ.
التَّاسِعُ: أنَّه خَيَّرَه بيْنَ الإمساكِ والتَّسريحِ، وليسَ المُرادُ بالتَّسريحِ هُنا تَطليقًا بائِنًا باتِّفاقِ المُسلمِينَ؛ فإنَّ ذلكَ لا يَختَصُّ ببُلوغِ الأجَلِ، بلِ المُرادُ بهِ تَخليةُ سَبيلِها، كما قالَ: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾، فأمَرَ بتَسريحِ المُطلَّقَةِ قبْلَ المَسيسِ، وتلكَ ليسَتْ رَجعيَّةً ولا يَلحقُها الطَّلاقُ الثَّاني، وإنَّما المُرادُ تَخليةُ سَبيلِها وإزالَةُ يَدِه عنها، فإنَّ لهُ يدًا على الرَّجعيَّةِ، فإذا بانَتْ لَم يكنْ لهُ عَليها يَدٌ (^١).
_________________
(١) «جامع المسائل» لابن تيمية (١/ ٢٧٥، ٢٨٠).
[ ١٧ / ٤٧ ]