إذا قالَ لأجنبيَّةٍ: «إنْ دَخلتِ الدَّارَ فأنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي» لا يَقعُ الظِّهارُ، حتَّى لو تَزوَّجَها فدَخلَتِ الدَّارَ لا يَصيرُ مُظاهِرًا بالإجماعِ؛ لعَدمِ المِلكِ والإضافةِ إلى سَببِ المِلكِ.
_________________
(١) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٧/ ٤٠٧، ٤٠٨)، و«الاستذكار» (٦/ ١٨٦، ١٩٠)، و«التاج والإكليل» (٣/ ٤٩، ٥١)، و«شرح مختصر خليل» (٤/ ٣٦، ٣٨)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٥٤، ٢٥٥)، و«تحبير المختصر» (٣/ ١٤٤، ١٤٥)، و«المحلى» (١٠/ ٢٠٥، ٢٠٦)، و«الحاوي الكبير» (١٠/ ٢٦، ٢٨)، و«كفاية الأخيار» ص (٤٥٨)، و«النجم الوهاج» (٧/ ٥١١، ٥١٢)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٤٧٥)، و«الديباج» (٣/ ٤٢٢)، و«المغني» (٩/ ٤١٥، ٤١٦)، و«شرح الزركشي» (٣/ ٣١٦، ٣١٧)، و«زاد المعاد» (٥/ ٢١٧)، و«المبدع» (٧/ ٣٢٤، ٣٢٥)، و«الإنصاف» (٩/ ٥٩)، و«كشاف القناع» (٥/ ٣٢٧)، و«مطالب أولي النهى» (٥/ ٣٩٩، ٤٠٠)، و«منار السبيل» (٣/ ١١٢).
[ ١٧ / ٣٧٤ ]
إلا أنَّهمُ اختَلفُوا فيما لو قالَ الرَّجلُ: «إنْ تَزوَّجتُكِ فأنتِ عَليَّ كظَهرِ أمِّي» وظاهَرَ مِنها، أو: «إنْ تَزوَّجتُكِ واللهِ لا أقرَبُكِ»، هلْ يَكونُ حُكمُه حُكمَ تَعليقِ الطَّلاقِ أم لا؟
فعِندَ الحنفيَّةِ والمالكيَّةِ أنَّ حَكمَه حُكمُ تَعليقِ الطَّلاقِ، فإنْ قالَ لأجنبيَّةٍ: «إنْ تَزوَّجتُكِ فأنتِ عليَّ كظَهرِ أُمِّي» فإذا تَزوَّجَها لا يَقرَبُها حتَّى يُكفِّرَ؛ لأنَّ الظِّهارَ يَحتَملُ التَّعليقَ بالشَّرطِ كالطَّلاقِ، فيَصحُّ إضافَتُه إلى المِلكِ، والمُعلَّقُ بالشَّرطِ عِنْدَ وُجودِ الشَّرطِ كالمُنجَّزِ.
أو قالَ: «إنْ تَزوَّجتُكِ واللهِ لا أقرَبُكِ» فهذا إيلاءٌ، فإذا تَزوَّجَها فلا يَقرَبُها.
إلَّا أنه لا يَنعقِدُ الإيلاءُ والظِّهارُ إلَّا عَقِيبَ التَّزوُّجِ بها؛ لأنَّها إذْ ذاكَ تَصيرُ مَحلًّا لهُ لا قبْلَه (^١).
وقالَ الشَّافعيةُ: الظِّهارُ والإيلاءُ قبْلَ النِّكاحِ لا يَصحُّ، فإذا قالَ لأجنبيَّةٍ: «إنْ تَزوَّجتُكِ فأنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي» فتَزوَّجَها لَم يَصِرْ مُظاهِرًا مِنها؛ لأنَّ الظِّهارَ تبَعٌ في الطَّلاقِ في الثُّبوتِ والنَّفِي، ولَو قالَ لها: «إذا تَزوَّجتُكِ فواللهِ لا وَطِئتُكِ أبدًا» لم يَكنْ مُولِيًا؛ لأنَّ الإيلاءَ لا يَصِحُّ إلَّا مِنْ زَوجةٍ كالطَّلاقِ،
_________________
(١) «المبسوط» (٦/ ٢٣٠)، و«بدائع الصنائع» (٣/ ١٣٢، ٢٣٢)، و«شرح فتح القدير» (٤/ ٢٠٥)، و«المدونة الكبرى» (٦/ ٥٩، ٦٠)، و«الاستذكار» (٦/ ٥٦، ٥٧)، و«حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٥/ ٤٧١).
[ ١٧ / ٣٧٥ ]
ولكنْ يَكونُ حالِفًا وإنْ لم يكنْ مُولِيًا، ومتَّى وطِئَها حَنَثَ وكَفَّرَ وإنْ لَم يُؤجَّلْ لها أجلَ الإيلاءِ؛ لأنَّ اليَمينَ يَصحُّ مِنَ الأجنبيَّةِ وإنْ لم يَصحَّ مِنها الإيلاءُ (^١).
وأمَّا الحَنابلةُ فإنَّهم خالَفُوا في ذلكَ، فلَمْ يُصحِّحُوا تَعليقَ الطَّلاقِ بعْدَ الزَّواجِ كما تَقدَّمَ، إلَّا أنَّهم صَحَّحُوا تَعليقَ الظِّهارِ فقالُوا: إنْ قالَ لأجنبيَّةٍ: «أنتِ عليَّ كظَهرِ أمِّي» ونَجَّزَه، أو قالَ لأجنبيَّةٍ: «إنْ تَزوَّجتُكِ فأنتِ عَليَّ كظَهرِ أمِّي» لَم يَطأْها إنْ تَزوَّجَها حتَّى يُكفِّرَ كَفارةَ الظِّهارِ؛ لأنَّه إذا تَزوَّجَها تَحقَّقَ مَعنَى الظِّهارِ فيها، وحَيثُ كانَ كذلكَ امتَنعَ وَطؤُها قبْلَ التَّكفيرِ، ورَواهُ أحمَدُ عَنْ عُمرَ؛ لأنَّها يَمينٌ مُكفَّرةٌ، فصحَّ عقدُها قبْلَ النِّكاحِ.
وكذا إنْ قالَ: «كلُّ النِّساءِ عليَّ كظَهرِ أُمِّي، أو قالَ: كلُّ امرأةٍ أتَزوَّجُها فهي عَليَّ كظَهرِ أمِّي» فظِهارٌ، فإنْ تَزوَّجَ نساءً وأرادَ الوَطءَ فعليهِ كفَّارةٌ واحِدةٌ، وسَواءٌ تَزوَّجَهنَّ بعِقدٍ أو عُقودٍ؛ لأنَّها عَينٌ واحِدةٌ فلا تُوجِبُ أكثرَ مِنْ كفَّارةٍ.
والفَرقُ بيْنَه وبيْنَ الطَّلاقِ، فإنَّه تَقدَّمَ أنَّ الطَّلاقَ على الوَجهِ المَذكورِ لا يَصحُّ، وقَد يُفرَّقُ بيْنَهما بوَجهَينِ:
أحدُهُما: أنَّ الطَّلاقَ حَلُّ قَيدِ النِّكاحِ، ولا يُمكِنُ حَلُّه قبْلَ عَقدِه، وأمَّا الظِّهارُ فهوَ تَحريمٌ للوَطءِ، فيَجوزُ تَقديمُه على الوَطءِ كالحَيضِ.
_________________
(١) «الحاوي الكبير» (١٠/ ٢٩).
[ ١٧ / ٣٧٦ ]
الثَّاني: أنَّ الطَّلاقَ يُزيلُ المَقصودَ مِنَ النِّكاحِ فلَم يَصحَّ قبْلَهُ، وهذا لا يُزيلُه وإنَّما يُعلِّقُ الإباحَةَ على شَرطٍ، وحِينئذٍ فالآيةُ في قَولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ خَرَجَتْ مَخرَجَ الغالِبِ، فإنَّ الغالِبَ أنَّ الإنسانَ إنَّما يُظاهِرُ مِنْ نِسائِه، فلا يُوجِبُ تَخصيصَ الحُكمِ بهنَّ، كما أنَّ تَخصيصَ الرَّبيبةِ الَّتي في حِجْرِه بالذِّكرِ لم يُوجِبِ اختِصاصَها بالتَّحريمِ، وأمَّا الإيلاءُ فإنَّما اختَصَّ حُكمُه بنِسائِه؛ لكَونِه يَقصِدُ الإضرارَ بهنَّ دونَ غَيرِهنَّ، والكفَّارةُ وجَبَتْ هاهُنا لقَولِ المُنكَرِ والزُّورِ، ولا يَختَصُّ ذلكَ بنسائِه (^١).
قالَ المِرْداويُّ ﵀: يَصحُّ الظِّهارُ مِنَ الأجنبيَّةِ، ولا يَطَؤُها إذا تَزوَّجَها حتَّى يُكفِّرَ على الصَّحيحِ مِنَ المَذهبِ، نصَّ عَليهِ، قالَ في «الرِّعايَة الكُبْرَى»: صَحَّ في الأشهَرِ، قالَ الزَّركَشيُّ: هذا مَنصوصُ الإمامِ أحمَدَ ﵀ وعَليهِ أصحابُه.
وقيلَ: لا يَصحُّ كالطَّلاقِ، قالَ في «الانتِصار»: هذا قياسُ المَذهبِ كالطَّلاقِ، وذكَرَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ ﵀ رِوايةً.
والفَرقُ: أنَّ الظِّهارَ يَمينٌ، والطَّلاقُ حَلُّ عَقدٍ، ولم يُوجَدْ.
فائدةٌ: وكذا الحُكمُ إذا علَّقَه فتَزوَّجَها، بأنْ قالَ: «إذا تَزوَّجتُ فُلانةً فهي عليَّ كظَهرِ أمِّي» خِلافًا ومَذهبًا (^٢).
_________________
(١) «المغني» (٧/ ١٤، ١٥)، و«شرح الزركشي» (٢/ ٥٠٧)، و«كشاف القناع» (٥/ ٤٣٣)، و«مطالب أولي النهى» (٥/ ٥١٢)، و«منار السبيل» (٣/ ١٣٨).
(٢) «الإنصاف» (٩/ ٢٠٢).
[ ١٧ / ٣٧٧ ]