اختَلفَ الفُقهاءُ في الرَّجلِ يَقولُ لامرأةٍ أجنبيَّةٍ: «إنْ تَزوَّجتُكِ فأنتِ طالِقٌ، أو: إنْ تَزوَّجُتكِ ودَخلتِ الدَّارِ أو كَلَّمتِ زَيدًا فأنتِ طالقٌ»، هل إذا تَزوَّجَها تَطلُقُ في الحالةِ الأُولَى، وعلى فِعلِ المُعلَّقِ في الحالةِ الثَّانيةِ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيَّةُ والمالكيَّةُ في المَشهورِ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا قالَ لامرأةٍ أجنبيَّةٍ أو لخَطيبَتِه مَثلًا: «إنْ تَزوَّجْتُ فُلانةً فهي طالِقٌ واحِدةً، أو اثنَتينِ، أو ثلاثةً» فتَزوَّجَها فهي كذلكَ إذا نكَحَها، فيَقعُ عليها كما قالَ عَقِيبَ التَّزويجِ.
وكذا إذا قالَ: «إنْ دَخلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ» أي بعْدَ أنْ يَنكِحَها، أي
_________________
(١) يُنظر: «بدائع الصنائع» (٣/ ١٢٦)، و«حجة الله البالغة» (١/ ٧١٦)، و«التاج والإكليل» (٣/ ٤٩، ٥٠)، و«شرح مختصر خليل» (٤/ ٣٦)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٥٤)، و«تحبير المختصر» (٣/ ١٤٤)، و«النجم الوهاج» (٧/ ٥١١، ٥١٢)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٤٧٥)، و«الديباج» (٣/ ٤٢٢)، و«المبدع» (٧/ ٢٣٤، ٢٣٥)، و«الإنصاف» (٩/ ٥٩)، و«كشاف القناع» (٥/ ٣٢٧)، و«مطالب أولي النهى» (٥/ ٣٩٩، ٤٠٠)، و«منار السبيل» (٣/ ١١٢).
[ ١٧ / ٣٦٥ ]
نَوَى إنْ دَخلَتْ بعْدَ أنْ يَتزوَّجَها، فإنَّه إذا نكَحَها ودخلَتِ الدَّارَ وقَعَ الطَّلاقُ حِينئذٍ عَقِيبَ دُخولِ الدَّارِ.
واستَدلُّوا على ذلكَ بقولِ اللهِ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾، فدَلالتُها ظاهِرةٌ في صِحَّةِ هذا القَولِ ولُزومِ حُكمِه عنْدَ وُجودِ النِّكاحِ؛ لأنَّها حكَمَتْ بصحَّةِ وُقوعِ الطَّلاقِ بعْدَ النِّكاحِ، ومَن قالَ لأجنَبيَّةٍ: «إذا تزوَّجتُكِ فأنتِ طالِقٌ» فهوَ مُطلِّقٌ بعدَ النِّكاحِ، فوجَبَ بظاهرِ الآيةِ إيقاعُ طلاقِه وإثباتُ حُكمِ لَفظِه.
ولأنهُ لا يَخلوُ العاقِدُ لهذا القولِ مِنْ أنْ يكونَ مُطلِّقًا في حالِ العَقدِ أو في حالِ الإضافةِ ووُجودِ الشَّرطِ، فلمَّا اتَّفقَ الجَميعُ على أنَّ مَنْ قالَ لامرَأتِه: «إذا بِنْتِ مِنِّي وصِرتِ أجنبيَّةً فأنتِ طالقٌ» أنهُ مُوقِعٌ للطَّلاقِ في حالِ الإضافةِ لا في حالِ القَولِ، وأنَّهُ بمَنزلةِ مَنْ أبانَ امرأتَهُ ثمَّ قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ»، فسقَطَ حُكمُ لَفظِه ولَم يُعتبَرْ حالَ العَقدِ معَ وُجودِ النِّكاحِ فيها، فَصحَّ أنَّ الاعتبارَ بحالِ الإضافةِ دُونَ حالِ العَقدِ، فإنَّ القائِلَ للأجنبيَّةٍ: «إذا تَزوَّجتُكِ فأنتِ طالقٌ» مُوقِعٌ للطَّلاقِ بعْدَ المِلكِ، وقدِ اقتَضَتِ الآيةُ إيقاعَ الطَّلاقِ لمَن طلَّقَ بعْدَ المِلكِ.
ولما رُويَ عَنْ عُمرَ وابنِ مَسعودٍ، فعَن القاسمِ بنِ مُحمدٍ أنَّ رَجلًا قالَ: «يومَ أَنكحُ فُلانةً، أو إنْ نكَحْتُ فُلانةً فهيَ عليَّ كظَهرِ أُمِّي» فقالَ
[ ١٧ / ٣٦٦ ]
عُمرُ بنُ الخطَّابِ «إنْ نكَحْتَها فلا تَقرَبْها حتَّى تُكفِّرَه» (^١).
وعن إبراهيمَ النَّخَعيِّ عنِ الأسوَدِ أنه ابتُليَ بذلكَ فقالَ: «إنْ تزَوَّجتُ فُلانةً فهي طالقٌ»، يَعني فتَزوَّجَها، فقالَ ابنُ مَسعودٍ: «قدْ بانَتْ مِنْكَ امرَأتُكَ، فاخطِبْها إلى نَفسِها» (^٢).
قالَ أبو بكرِ ابنُ أبي شَيبةَ: حدَّثني أبو أسامةَ حفصُ بنُ غياثٍ عَنْ عُمرَ بنِ حَمزةَ أنه سَألَ القاسِمَ وسالِمًا وأبا بكرِ بنَ عَبدِ الرَّحمنِ وأبا بكرِ بنَ مُحمدِ بنِ عَمرِو بنِ حَزمٍ وعبدَ اللهِ بنَ عبدِ الرَّحمنِ عَنْ رَجلٍ قالَ: «يومَ أتزَّوجُ فُلانةً فهي طالِقٌ البَتَّة» فقالُوا كُلُّهم: «لا يَتزوَّجها» (^٣).
وأمَّا قَولُه ﷺ: «لا طلاقَ قبْلَ نِكاحٍ» فإنَّما هوَ أنْ يَذكُرَ الرَّجلُ لِلرَّجلِ المَرأةَ فيُقالُ لهُ: تَزوَّجْها، فيَقولُ: هي طالِقٌ ألبتَّةَ، فهذا ليسَ بشيءٍ، فأمَّا مَنْ قالَ: «إنْ تَزوَّجتُ فُلانةً فهي طالِقٌ ألبَتَّةَ» فإنَّما طلَّقَها حينَ تَزوَّجَها، وقَد رَوى ابنُ أبي داودَ قالَ: حدَّثَنا نُعيمُ بنُ حمَّادٍ حدَّثَنا حمَّادُ بنُ خالدٍ الخَياطُ عنْ هِشامِ بنِ سَعدٍ عَنِ الزُّهريِّ عَنْ عُروةَ عَنْ عائِشةَ قالَتْ: «لا طلاقَ إلَّا بعْدَ نِكاحٍ»، قالَ الزُّهريُّ: وإنَّما تَعني بذلكَ الرَّجلَ يُقالُ لهُ: «نُزوِّجُكَ فُلانةً» فيَقول: «هي طالِقٌ»، فأمَّا إذا قالَ: «إنْ تَزوَّجتُ فُلانةً فهي طالِقٌ» لَزمَه الطَّلاقُ.
_________________
(١) رواه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٢/ ١٣٦).
(٢) رواه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٢/ ١٣٨).
(٣) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٤/ ٦٦) رقم (١٧٨٤٥).
[ ١٧ / ٣٦٧ ]
فكانَ ما حَكاهُ الزُّهريُّ مِنْ ذلكَ هو على قَولِ الرَّجلِ لامرأةٍ لا نِكاحَ بيْنَه وبيْنَها: «أنتِ طالِقٌ»، لا على قَولهِ لها: «إذا تَزوَّجتُكِ فأنتِ طالِقٌ».
ورَوى مَعمرٌ عَنْ الزُّهريِّ أنهُ قالَ في قَولِه: «لا طلاقَ قبْلَ نكاحٍ، ولا عِتقَ إلَّا بعْدَ المِلكِ» إنَّما ذلكَ أنْ يَقولَ الرَّجلُ: «امرأةُ فُلانٍ طالِقٌ، أو عَبدُ فُلانٍ حُرٌّ».
ويَدلُّ عليهِ قَولُه تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، اقتَضَى ظاهِرُه إلزامَ كلِّ عاقِدٍ مُوجَبَ عَقدِه ومُقتضاهُ، فلمَّا كانَ هذا القائِلُ عاقِدًا على نَفسِهِ إيقاعَ طلاقٍ بعْدَ النِّكاحِ وجَبَ أنْ يَلزَمَه حُكمُه، ويَدلُّ عَليهِ قَولُه ﷺ: «المُسلِمونَ عِنْدَ شُروطِهمِ» أوجَبَ ذلكَ أنَّ كلَّ مَنْ شرَطَ على نَفسِه شَرطًا أُلزِمَ حُكمَهُ عِنْدَ وُجودِ شَرطِه.
ويَدلُّ عليهِ مِنْ طَريقِ النَّظرِ اتِّفاقُ الجَميعِ على أنَّ النَّذرَ لا يَصحُّ إلَّا في مِلكٍ، وإنَّ مَنْ قالَ: «إنْ رَزقَنِي اللهُ ألْفَ دِرهَمٍ فلِلَّهِ عَليَّ أنْ أتصدَّقَ بمِائةٍ مِنها» أنهُ ناذِرٌ في مِلكِه مِنْ حَيثُ أضافَهُ إليهِ وإنْ لَم يَكنْ مالِكًا في الحالِ، فكذلكَ الطَّلاقُ والعِتقُ إذا أضافَهُما إلى المِلكِ كانَ مُطلِّقًا ومُعتِقًا في المِلكِ، ويَدلُّ عليهِ أنَّ مَنْ قالَ لجارِيتِه: «إنْ وَلدْتِ ولَدًا فهوَ حُرٌّ» فحَملَتْ بعْدَ ذلكَ ووَلدَتْ أنَّهُ يُعتَقُ وإنْ لم يَكنْ مالِكًا في حالِ القَولِ؛ لأنَّ الوَلدَ مُضافٌ إلى الأمِّ الَّتي هو مالِكُها، كذلكَ إذا أضافَ العِتقَ إلى المِلكِ فهوَ مُعتقٌ في المِلكِ وإنْ لم يَكنْ لهُ مِلكٌ مَوجودٌ في الحالِ، وأيضًا قدِ اتَّفقَ الجَميعُ على أنَّهُ إذا قالَ لامرَأتِه: «إنْ دَخلتِ الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ» فدَخَلتْها معَ
[ ١٧ / ٣٦٨ ]
بقاءِ النِّكاحِ أنَّها تَطلُقُ، ويَكونُ بمَنزلةِ ما لَو قالَ لهَا في تلكَ الحالِ: «أنتِ طالِقٌ»، ولو أبانَهَا ثمَّ دَخلَتْها كانَ بمَنزلةِ ما لَو قالَ لها في تلكَ الحالِ: «أنتِ طالِقٌ» فلا تَطلُقُ، فدَلَّ ذلكَ على أنَّ الحالِفَ يَصيرُ كالمُتكلِّمِ بالجَوابِ في ذلكَ الوَقتِ، فوجَبَ أنْ يَكونَ القائِلُ: «كلُّ امرأةٍ أتزوَّجُها فهي طالِقٌ» فتَزوَّجَ بمَنزلةِ مَنْ تَزوَّجَ ثمَّ قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ» (^١).
إلَّا أنهمُ اختَلفُوا فيما يَجبُ عليهِ في هذهِ الحالةِ:
فقالَ المَالكيَّةُ: يَجبُ عليهِ في هذهِ الحالةِ نِصفُ المَهرِ المُسمَّى؛ لأنَّ الزَّوجَةَ تَطلُقُ عَقِيبَ التَّزويجِ فالواجِبُ حِينئذٍ ما ذُكِرَ، وكذلكَ إنْ دخلَتِ الدَّارَ المَحلوفَ عليها قبْلَ الدُّخولِ، ولو لَم يُسمِّ لها في أصلِ العَقدِ صَداقًا لم يَجبْ لها شيءٌ، إلَّا أنْ يَدخُلَ بها فيَجبُ لها صَداقُ مِثلِها، ولو دخَلَ بها وجَبَ المُسمَّى فقَطْ إنْ سَمَّى شَيئًا، وإلَّا فصَداقُ المِثلِ (^٢).
وقالَ الحنفيَّةُ: يَجبُ عليهِ نِصفُ المُسمَّى ومَهرُ مِثلِها؛ لأنَّهُ حِينَ
_________________
(١) «الحجة على أهل المدينة» (٤/ ١٣١، ١٣٣)، و«اختلاف العلماء» ص (١٧٢، ١٧٣)، و«مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٤٤٧، ٤٤٩)، و«شرح مشكل الآثار» (٢/ ١٣٥، ١٤٣)، و«أحكام القرآن» للطحاوي (٥/ ٢٣٢، ٢٣٤).
(٢) «المدونة الكبرى» (٦/ ٥٥، ٧٥)، و«البيان والتحصيل» (٥/ ٥٢، ٥٣)، و«شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٧/ ٤٠٧، ٤٠٨)، و«الاستذكار» (٦/ ١٨٦، ١٩٠)، و«التاج والإكليل» (٣/ ٤٩، ٥١)، و«شرح مختصر خليل» (٤/ ٣٦، ٣٨)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٥٤، ٢٥٥)، و«تحبير المختصر» (٣/ ١٤٤، ١٤٥)، و«شرح الزرقاني على الموطأ» (٣/ ٢٧٦).
[ ١٧ / ٣٦٩ ]
تَزوَّجَها على مَهرٍ مَعلومٍ قد وَقعَ الطَّلاقُ حينَ تَزوُّجِها فوجَبَ لها بالنِّكاحِ نِصفُ المَهرِ الَّذي تَزوَّجَهَا عَليهِ، وهوَ الآنَ قدْ جامَعَها وليسَتْ لهُ بامرَأةٍ على وَجهِ شُبهةٍ، فلا بُدَّ لهَا مِنْ صَداقٍ بجِماعِهِ إيَّاها، فيَجبُ بالنِّكاحِ والطَّلاقِ نِصفُ الصَّداقِ الَّذي تَزوَّجَها عَليهِ، ويَجبُ بدُخولِه بها وجِماعِه إيَّاها صَداقُ مِثلِها، وهذا ممَّا لا بُدَّ منهُ.
قالَ مُحمَّدُ بنُ الحَسنِ: أخبَرَنا سُفيانُ بنُ سَعيدٍ الثَّوريُّ قالَ: حدَّثنِي حمَّادُ بنُ أبي سُليمانَ عَنْ إبراهيمَ في الرَّجلِ يَقولُ: «إنْ تَزوَّجتُ فُلانةً فهي طالِقٌ»: إنْ دخَلَ بها فَلَها مَهرٌ ونِصفٌ (^١).
وعلى هذا أيضًا الظِّهارُ والإيلاءُ، فإنْ قالَ لأجنبيَّةٍ: «إنْ تَزوَّجتُكِ فأنتِ عليَّ كظَهرِ أُمِّي» فإذا تَزوَّجَها لا يَقرَبُها حتَّى يُكفِّرَ، أو قالَ: «إنْ تَزوَّجتُكِ واللهِ لا أقرَبُكِ» فهذا إيلاءٌ، فإذا تَزوَّجَها فلا يَقرَبُها (^٢).
وذهَبَ الشَّافعيةُ والحَنابلةُ ومالكٌ في رِوايةِ ابنِ وَهبٍ والمَخزُوميِّ-وهوَ قولُ جَماعةٍ مِنْ مَشايخِ المالكيَّةِ (والظَّاهريَّةُ) وهوَ قولُ أكثرِ أهلِ العِلمِ- إلى أنَّه لا يَلزمُه طلاقٌ، وأنَّه لا طلاقَ إلَّا بعْدَ نِكاحٍ، وسَواءٌ عيَّنَ مُدَّةً قَريبةً أو
_________________
(١) «الحجة على أهل المدينة» (٤/ ١٣١، ١٣٣)، و«الموطأ» برواية محمد بن الحسن (٢/ ٤٩٣)، و«بدائع الصنائع» (٣/)، و«اختلاف العلماء» ص (١٧٢، ١٧٣)، و«مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٤٤٧، ٤٤٩)، و«شرح مشكل الآثار» (٢/ ١٣٥، ١٤٣)، و«شرح فتح القدير» (٤/ ١١٤، ١١٦).
(٢) المصادر السابقة.
[ ١٧ / ٣٧٠ ]
بَعيدةً، أو قَبيلةً أو بَلدةً أو امرَأةً بعَينِها أو لا، كلُّ ذلكَ باطِلٌ لا يَلزمُ، فلا يَصحُّ عَقدُ الطَّلاقِ قبْلَ النِّكاحِ لا في العُمومِ ولا في الخُصوصِ ولا في الأعيانِ.
فالعُمومُ أنْ يقولَ: «كلُّ امرأةٍ أتَزوَّجُها فهي طالِقٌ».
والخُصوصُ أنْ يقولَ: «كلُّ امرأةٍ أتزوَّجُها مِنْ بَني تَميمٍ مِنْ أهلِ البَصرةِ فهي طالِقٌ».
والأعيانُ أنْ يَقولَ لامرَأةٍ بعَينِها: «إنْ تَزوَّجتُكِ فأنتِ طالِقٌ».
فلا يَلزمُه الطَّلاقُ إذا تَزوَّجَ في هذهِ الأحوالِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾، فشرَطَ أنْ يكونَ الطَّلاقُ بعْدَ النِّكاحِ، فلَم يَجزْ أنْ يَكونَ قبْلَ النِّكاحِ.
ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «لا طلاقَ قبْلَ النِّكاحِ» (^١).
وعَن عَمرِو بنِ شُعيبٍ عَنْ أبيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ليسَ على رَجلٍ طلاقٌ فيما لا يَملِكُ، ولا عِتاقٌ فيما لا يَملِكُ، ولا بَيعٌ فيما لا يَملكُ» (^٢).
وعَنِ المِسوَرِ بنِ مَخرَمةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «لا طلاقَ قبْلَ نِكاحٍ، ولا عِتْقَ قبْلَ مِلكٍ» (^٣).
وعَن سَعيدِ بنِ جُبيرٍ عَنِ ابنِ عُمرَ ﵁ عَنْ رَسولِ اللهِ ﷺ
_________________
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن ماجه (٢٠٤٩).
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه الترمذي (١١٨١)، وابن ماجه (٢٠٤٧)، وأحمد (٦٧٦٩).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن ماجه (٢٠٤٨).
[ ١٧ / ٣٧١ ]
أنهُ سُئِلَ عنْ رَجلٍ قالَ: «يَومَ أتَزوَّجُ فُلانة فهي طالِقٌ» قالَ: «طَلَّقَ ما لا يَملِكُ» (^١).
وعَن مُعَاذٍ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: «لا طلاقَ إلَّا بعْدَ نِكاحٍ وإنْ سَمَّيْتَ المَرأةَ بعَينِها» (^٢).
وعَنِ الحسَنِ عَنْ عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ أنهُ سُئِلَ عَنْ رَجلٍ قالَ: «إنْ تَزوَّجتُ فُلانةً فهي طالِقٌ» فقالَ عليٌّ: «ليسَ طلاقٌ إلَّا مِنْ بَعدِ مِلكٍ» (^٣).
وعَن قَبيصَة بنِ عُقبةَ قالَ: سَمِعتُ الثَّوريَّ وسُئلَ عن رَجلٍ قالَ: «إنْ تَزوَّجتُ فلانةَ فهيَ طالقٌ»، فذكَرَ عَنْ عَبدِ الأعلَى عَنْ سَعيدِ بنِ جُبيرٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ أنَّهُ لم يرَهُ شَيئًا (^٤).
وعَن عِكرِمةَ قالَ: ذُكِرَ لابنِ عبَّاسٍ قولُ ابنِ مَسعُودٍ: «إنْ تزَوَّجتُ فُلانة فهي طالقٌ» أنهُ إنْ تزَوَّجَهَا طَلُقَتْ، فقالَ ابنُ عبَّاسٍ: ما أظُنُّ أنهُ قالَ هذا، ولَئِنْ كانَ قالَها فرُبَّ زَلَّةٍ مِنْ عالمٍ، إنَّ اللهَ ﷿ يقولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾، ولم يَقلْ: إذَا طَلَّقتُمُ المُؤمِناتِ ثمَّ نَكحْتُموهنَّ (^٥).
_________________
(١) رواه الدارقطني في «سننه» (٣٩٣٧).
(٢) رواه الدارقطني في «سننه» (٣٩٣٩).
(٣) رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (١٤٦٦٠، ١٤٦٦١).
(٤) رواه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٢/ ١٣٩).
(٥) رواه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٢/ ١٣٩)، والحاكم في «المستدرك» (٢٨٢١)، وقالَ: حديثٌ صَحيحُ الإسنَادِ، ولَم يُخرِّجاهُ.
[ ١٧ / ٣٧٢ ]
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وثَبتَ ذلكَ عَنْ عليِّ بنِ أبي طالِبٍ ومُعاذِ ابنِ جبَلِ وجابرِ بنِ عَبدِ اللهِ وعَبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ وعائشةَ زَوجِ النَّبيِّ ﷺ وسَعيدِ بنِ المُسيّبِ وشُريحٍ والحسَنِ وعَطاءٍ وطاوسٍ وسَعيدِ ابنِ جُبيرٍ والضَّحَّاكِ بنِ مُزاحِمٍ وعليِّ بنِ حُسينٍ وأبي الشَّعثاءِ جابرِ بنِ زَيدٍ والقاسِمِ بنِ عَبدِ الرَّحمنِ ومُجاهدٍ ومُحمدِ بنِ كَعبٍ القُرَظِيِّ ونافعِ بنِ جُبيرِ ابنِ مُطعِمٍ وعُروةِ بنِ الزُّبيرِ وقَتادةَ ووَهَبِ بنِ مُنَبِّهٍ وعِكرمةَ، وبهِ قالَ سُفيانُ ابنُ عُيَينةَ وعَبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهدِيٍّ والشَّافعيُّ وأحمَدُ بنُ حَنبلٍ وإسحاقُ وأبو ثَورٌ وداودُ ومَحمدُ بنُ جَريرٍ الطَّبَريُّ …
والأحاديثُ عنِ الصَّحابةِ والتَّابِعينَ القائلينَ بأنهُ لا يقَعُ الطَّلاقُ قبْلَ النِّكاحِ، وكلُّها ثابِتةٌ صِحاحٌ مِنْ كِتابِ عَبدِ الرَّزَّاقِ وكِتابِ ابنِ أبي شَيبةَ وكتابِ سَعيدِ بنِ مَنصورٍ وغَيرِها مِنَ الكُتبِ (^١).
وبالقياسِ على ما لو قالَ لأجنبيَّةٍ: «إنْ دَخلتِ الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ» ثمَّ تَزوَّجَها ثمَّ دخَلَتِ الدَّارَ فإنَّها لا تَطلُقُ بالاتِّفاقِ؛ لأنهُ لَم يُضِفْه إلى زَمنٍ يقَعُ فيهِ الطَّلاقُ، أشبَهَ ما لَو قالَ لأجنبيَّةٍ: «أنتِ طالِقٌ» ثمَّ تَزوَّجَها.
ولأنَّهم أجمَعُوا أنَّ مَنْ باعَ سِلعةً لا يَملِكُها ثمَّ ملَكَها أنَّ البَيعَ غَيرُ لازِمٍ لهُ، فكذلكَ إذا طلَّقَ امرَأةً ثُمَّ تَزوَّجَها أنَّ الطَّلاقَ غَيرُ لازِمٍ لهُ.
_________________
(١) «الاستذكار» (٦/ ١٨٩، ١٩٠)، ويُنظر: «مصنف عبد الرزاق» (٦/ ٤١٧، ٤٢١)، و«مصنف ابن أبي شيبة» (٤/ ٦٥، ٦٦).
[ ١٧ / ٣٧٣ ]
ولأنَّ القائِلَ: «إنْ تَزوَّجْتُ فُلانةً فهي طالِقٌ» مُطلِّقٌ لأجنبيَّةٍ، وذلكَ مُحالٌ؛ فإنَّها حينَ الطَّلاقِ المُعلَّقِ أجنبيَّةٌ، والمُتَجدِّدُ هوَ نِكاحُها، والنِّكاحُ لا يَكونُ طلاقًا، فعُلِمَ أنَّها لو طَلُقَتْ فإنَّما يَكونُ ذلكَ استِنادًا إلى الطَّلاقِ المُتقدِّمِ مُعلَّقًا وهيَ إذْ ذاكَ أجنبيَّةٌ، وتَجدُّدُ الصِّفةِ لا يَجعلُه مُتكلِّمًا بالطَّلاقِ عِنْدَ وُجودِها، فإنه عِنْدَ وُجودِها مُختارٌ للنِّكاحِ غَيرُ مُريدٍ للطَّلاقِ، فلا يَصحُّ، كما لَو قالَ لأجنبيَّةٍ: «إنْ دَخلتِ الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ» فدَخلَتْ وهي زَوجَتُه لَم تَطلُقْ بغَيرِ خِلافٍ (^١).