ذهَبَ جَماهيرُ أهلِ العِلمِ إلى أنَّ الإنسانَ إذا زالَ عَقلُه بسُكْرٍ مُباحٍ كمَن أُكرِهَ على شُربِ الخَمرِ فسَكِرَ، أو شَرِبَ الدَّواءَ المُزيلَ للعَقلِ، أو شَرِبَ لَبنًا أو شَيئًا مُتحقِّقًا أو ظانًّا أنَّهُ لا يُغيِّبُ عقْلَه فغابَ باستِعمالِه أنَّهُ لا يَقعُ طلاقُه؛ لقَولِه ﷺ: «كلُّ طلاقٍ جائزٌ إلا طلاقَ المَعتوهِ المَغلوبِ على عَقلِه» (^٢). ولأنَّ الطَّلاقَ قولٌ يُزيلُ المِلكَ، فاعتُبِرَ لهُ العَقلُ كالبيعِ، ولأنَّه في حُكمِ المَغلوبِ على عَقلِه، ولا طلاقَ عليهِ؛ لارتِفاعِ المأثَمِ عنه (^٣).
قالَ الرّحيبانِيُّ ﵀: أجمَعَ المُسلمونَ على أنَّ مَنْ زالَ عَقلُه بغَيرِ
_________________
(١) «فتح الباري» (٩/ ٣٩٠).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الترمذي (١١٩١)، وقالَ: لَا نَعرفُه مَرفوعًا إلَّا مِنْ حَديثِ عَطاءِ بنِ عَجلانَ، وعَطاءُ بنُ عَجلانَ ضَعيفٌ.
(٣) «شرح مختصر خليل» (٤/ ٣٢)، و«حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٤٦)، و«الحاوي الكبير» (١٠/ ٢٣٥)، و«المغني» (٧/ ٢٢٨)، و«مطالب أولي النهى» (٥/ ٣٢١، ٣٢٢).
[ ١٧ / ٢٦٣ ]
سُكْرٍ مُحرَّمٍ كالنَّومِ والإغماءِ والجُنونِ وشُربِ الدَّواءِ المُزيلِ للعَقلِ والمَرضِ لا يَقعُ طَلاقُه (^١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وسَواءٌ زالَ عَقلُه لجُنونٍ أو إغماءٍ أو نَومٍ أو شُربِ دَواءٍ أو إكراهٍ على شُربِ خَمرٍ أو شَرِبَ ما يُزيلُ عَقلَه شُربُه ولا يَعلمُ أنَّهُ مُزيلٌ للعَقلِ، فكُلُّ هذا يَمنعُ وقوعَ الطَّلاقِ رِوايةً وَاحدةً، ولا نَعلمُ فيهِ خِلافًا (^٢).
أمَّا الحنفيَّةُ فقالَ الكاسانِيُّ ﵀: وإنْ كانَ سُكرُه بسَببٍ مُباحٍ لكنْ حصَلَ لهُ بهِ لذَّةٌ بأنْ شَربَ الخَمرَ مُكرهًا حتَّى سَكِرَ، أو شَربَها عندَ ضَرورةِ العطَشِ فسَكِرَ، قالُوا: إنَّ طلاقُه واقِعٌ أيضًا؛ لأنَّه وإنْ زالَ عَقلُه فإنَّما حصَلَ زَوالُ عَقلِه بلذَّةٍ، فيُجعَلُ قائِمًا، ويُلحَقُ الإكراهُ والاضطِرارُ بالعَدمِ، كأنَّه شَربَ طائِعًا حتَّى سَكِرَ.
وذكَرَ مُحمدٌ ﵀ فيمَن شَربَ النَّبيذَ ولم يَزُلْ عَقلُه ولكنْ صُدِّعَ فزالَ عَقلُه بالصُّداعِ أنَّهُ لا يقَعُ طلاقُهُ؛ لأنَّهُ ما زالَ عَقلُه بمَعصيةٍ ولا بلذَّةٍ، فكانَ زائِلًا حَقيقةً وتَقديرًا، وكذلكَ إذا شَربَ البَنجَ أوِ الدَّواءَ الَّذي يُسكِرُ وزالَ عَقلُه لا يقعُ طلاقُه؛ لِمَا قُلنا (^٣).
_________________
(١) «مطالب أولي النهى» (٥/ ٣٢١، ٣٢٢).
(٢) «المغني» (٧/ ٢٨٨).
(٣) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٠٠).
[ ١٧ / ٢٦٤ ]
وقالَ في «الدُّر المُختَار»: أو أفيُونٍ أو بَنجٍ زَجرًا بهِ يُفتَى، تَصحيحُ القدوريِّ.
واختَلفَ التَّصحيحُ فيمَن سَكِرَ مُكرَهًا أو مُضطرًّا، نعَمْ لو زالَ عَقلُه بالصُّداعِ أو بمُباحٍ لم يَقعْ.
وفي القُهُستانِيِّ مَعزيًّا للزاهديِّ أنَّه لو لم يُميِّزْ ما يَقومُ بهِ الخِطابُ كانَ تَصرُّفُه باطِلًا. اه.
قالَ ابنُ عَابدينَ ﵀: قولُه (أو أَفيُونٍ أو بَنجٍ) الأَفيُونُ: ما يَخرجُ مِنْ الخَشخاشِ.
والبَنجُ بالفَتحِ: نَبتٌ مُنبَتٌ.
وصرَّحَ في «البَدائع» وغَيرِها بعَدمِ وُقوعِ الطَّلاقِ بأكلِهِ، مُعلِّلًا بأنَّ زَوالَ عَقلهِ لم يكنْ بسَببٍ هوَ مَعصيةٌ.
والحقُّ التَّفصيلُ، وهو إنْ كانَ للتَّداوِي لَم يَقعْ؛ لعَدمِ المَعصيةِ، وإنْ للَّهوِ وإدخالِ الآفةِ قَصدًا فيَنبغِي أنْ لا يتردَّدَ في الوُقوعِ.
وفي تَصحيحِ القُدُوريِّ عن «الجَواهِر»: وفي هذا الزَّمانِ إذا سَكِرَ مِنْ البَنجِ والأفيُونِ يقَعُ زَجرًا، وعليهِ الفَتوَى، وتَمامُه في «النَّهر».
قَولُه: (زَجرًا) أشارِ بهِ إلى التَّفصيلِ المَذكورِ، فإنَّه إذا كانَ للتَّداوِي لا يُزجَرُ عنهُ؛ لعَدمِ قَصدِ المَعصيةِ ط.
[ ١٧ / ٢٦٥ ]
قَولُه: (اختَلفَ التَّصحيحُ … إلخ) فصحَّحَ في «التُّحفَة» وغَيرِها عَدمَ الوُقوعِ، وجزَمَ في «الخُلاصَة» بالوُقوعِ.
قالَ في «الفَتح»: والأوَّلُ أحسَنُ؛ لأنَّ مُوجِبَ الوُقوعِ عِنْدَ زَوالِ العَقلِ ليسَ إلَّا التَّسبُّبُ في زَوالهِ بسَببٍ مَحظورٍ، وهوَ مُنتَفٍ.
وفي «النَّهْر» عَنْ «تَصحيحِ القُدُورِيِّ» أنَّه التَّحقيقُ.
قَولُه: (نَعمْ لو زالَ عَقلُه بالصُّداعِ) لأنَّ علَّةَ زَوالِ العَقلِ الصُّداعُ، والشُّربُ عِلَّةُ العلَّةِ، والحُكمُ لا يُضافُ إلى علَّةِ العلَّةِ إلَّا عندَ عدمِ صَلاحيَّةِ العلَّةِ، وتَمامُه في «الفتح».
هذا وقد فرَضَ المسألةَ في «الفتح» و«البَحر» فيما إذا شَربَ خَمرًا فصدَّعَ، ويُخالِفُه ما في «المُلتقَط»: لو كانَ النَّبيذُ غَيرَ شَديدٍ فصدَّعَ فذهَبَ عَقلُه بالصُّداعِ لا يَقعُ طلاقُه، وإنْ كانَ النَّبيذُ شَديدًا حرامًا فصَدَّعَ فذهَبَ عَقلُه يقَعُ طلاقُه. اه.
فقَدْ فرَّقَ بيْنَ ما إذا كانَ بطَريقٍ مُحرَّمٍ وغَيرِ مُحرَّمٍ كما تَرَى فتأمَّلْ.
قولُه: (أو بمُباحٍ) كما إذا سَكرَ مِنْ وَرقِ الرُّمانِ فإنَّهُ لا يَقعُ طَلاقُه ولا عِتاقُه.
ونقَلَ الإجماعَ على ذلكَ صاحِبُ «التَّهذِيب»، كذا في «الهِنديَّة» ط.
قلتُ: وكذا لو سَكرَ ببَنجٍ أو أفيُونٍ تَناولَه لا على وَجهِ المَعصيةِ بل للتَّداوِي كما مَرَّ، قَولُه (وفي القُهُستانِيِّ … إلخ) هذا مَبنيٌّ على تَعريفِ
[ ١٧ / ٢٦٦ ]
السَّكرانِ الَّذي تَصحُّ تَصرُّفاتُه عِندَنا بأنَّه مَنْ معهُ مِنَ العَقلِ ما يَقومُ بهِ التَّكليفُ.
وتَعجَّبَ منهُ في «الفَتح»، وقالَ: لا شَكَّ أنَّه على هذا التَّقديرِ لا يتَّجِهُ لأحدٍ أنْ يَقولَ: لا تَصحُّ تَصرُّفاتُه (^١).