اختَلفَ الفُقهاءُ في الزَّوجِ إذا طلَّقَ زَوجتَه غَيرَ المَدخولِ بها في مرَضِ مَوتِه المَخُوفِ ثمَّ ماتَ، هلْ تَرثُ منهُ أم لا؟
فذهَبَ الحنفيَّةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّها لا تَرثُ منهُ، ولا عدَّةَ عَليها، ولها نِصفُ الصَّداقِ.
_________________
(١) «المغني» (٦/ ٢٦٨، ٢٦٩)، و«المبدع» (٦/ ٢٤٢)، و«الإنصاف» (٧/ ٣٥٦، ٣٥٧)، و«منار السبيل» (٢/ ٤٧٥، ٤٧٨).
(٢) «المغني» (٦/ ٢٦٨)، ويُنظَر بَاقي المَصادِرِ السَّابقةِ.
[ ١٧ / ٢٢٣ ]
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهوَ قولُ جابرِ بنِ زَيدٍ والنَّخَعيِّ وأبي حَنيفةَ والشَّافعيِّ وأكثرِ أهلِ العِلمِ، قالَ أحمدُ: قالَ جَابرُ بنُ زَيدٍ: لا ميراثَ لها ولا عِدَّةَ عَليها، قالَ الحسَنُ: تَرثُ، قالَ أحمَدُ: أذهَبُ إلى قَولِ جابرٍ؛ وذلِكَ لأنَّ اللهَ تعالَى نَصَّ على تَنصيفِ الصَّداقِ ونَفيِ العدَّةِ عَنْ المُطلَّقةِ قبْلَ الدُّخولِ بقولِهِ تعالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقالَ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، ولا يَجوزُ مُخالَفةُ نصِّ الكِتابِ بالرَّأيِ والتَّحكُّمِ.
وأمَّا المِيراثُ فإنَّها ليسَتْ بزَوجةٍ ولا مُعتدَّةٍ مِنْ نِكاحٍ، فأشبهَتِ المُطلَّقةَ في الصحَّةِ، واللهُ أعلَمُ.
ولو خَلا بها وقالَ: «لَمَّا أَطأْها» وصدَّقَتْه فلَها المِيراثُ وعَليها العدَّةُ للوَفاةِ ويَكمُلُ لها الصَّداقُ؛ لأنَّ الخَلوةَ تكفِي في ثُبوتِ هذهِ الأحكامِ، وهذا قَولُ أبي حَنيفةَ وأصحابِهِ (^١).
وقالَ ابنُ الهُمامِ الحَنفيُّ ﵀: لو طلَّقَ امرَأتَهُ الَّتي لَم يَدخُلْ بها في مرَضٍ ماتَ فيهِ لا تَرثُ؛ لأنَّها لا عِدَّةَ عَليها مِنْ ذلكَ الطَّلاقِ (^٢).
وقالَ الإمامُ الشَّافعيُّ ﵀: وإنْ طلَّقَها قبْلَ أنْ يَمسَّها فأيُّهما قَلتَ
_________________
(١) «المغني» (٦/ ٢٦٩»، و«المبدع» (٦/ ٢٤٢)، و«الإنصاف» (٧/ ٣٥٦، ٣٥٧).
(٢) «شرح فتح القدير» (٤/ ١٤٥).
[ ١٧ / ٢٢٤ ]
فلَها نِصفُ ما سمَّى لها إنْ كانَ سمَّى لها شَيئًا، ولها المُتعةُ إنْ لم يَكنْ سمَّى لها شَيئًا، ولا عِدَّةَ عَليها مِنْ طلاقٍ ولا وَفاةٍ، ولا تَرثُه لأنَّها لا عدَّةَ عَليها (^١).
وذهَبَ المالكيَّةُ إلى أنَّهُ إذا طلَّقَ زَوجتَهُ غَيرَ المَدخولِ بها في مرَضِ مَوتِه المَخُوفِ ثمَّ ماتَ فإنَّها تَرثُ منهُ مُطلقًا.
قالَ الإمامُ مالكٌ ﵀: وإنْ طلَّقَها وهوَ مَريضٌ قبْلَ أنْ يَدخُلَ بها فلَها نِصفُ الصَّداقِ ولها المِيراثُ ولا عِدَّةَ عَليها، وإنْ دخَلَ بها ثمَّ طلَّقَها فلَها المَهرُ كلُّه والمِيراثُ، البِكرُ والثَّيِّبُ في هذا عِندَنا سَواءٌ (^٢).
وجاءَ في «المُدوَّنَة الكُبرَى»: قلتُ: أَرأَيتَ إذا طلَّقَ رَجلٌ امرأتَهُ وهوَ مَريضٌ قبْلَ البِناءِ بها؟ قالَ: قالَ مالِكٌ: لها نِصفُ الصَّداقِ، ولها المِيراثُ إنْ ماتَ مِنْ مرَضِه ذلكَ، قلتُ: فهلْ يَكونُ على هذهِ عدَّةُ الوَفاةِ أو عدَّةُ الطَّلاقِ؟ قالَ: قالَ مالِكٌ: لا عدَّةَ عَليها، لا عدَّةَ وَفاةٍ ولا عدَّةَ طَلاقٍ (^٣).
وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّها تَرثُ منهُ ما لَم تتزوَّجْ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولَو طلَّقَ امرأتَهُ ثلاثًا في مَرَضِه قبْلَ الدُّخولِ بها فقالَ أبو بَكرٍ: فيها أربَعُ رِواياتٍ:
_________________
(١) «الأم» (٥/ ٢٥٥).
(٢) «الموطأ» (٢/ ٥٧٢).
(٣) «المدونة الكبرى» (٤/ ٢١٠).
[ ١٧ / ٢٢٥ ]
إحداهُنَّ: لها الصَّداقُ كاملًا والمِيراثُ وعَليها العدَّةُ، اختارَها أبو بكرٍ، وهوَ قَولُ الحَسنِ وعَطاءٍ وأبي عُبيدٍ؛ لأنَّ المِيراثَ ثبَتَ للمَدخولِ بها لفِرارِهِ منهُ وهذا فارٌّ، وإذا ثبَتَ الميراثُ ثبَتَ وُجوبُ تَكميلِ الصَّداقِ، ويَنبغي أنْ تكونَ العدَّةُ عدَّةَ الوفاةِ؛ لأنَّا جعَلْناها في حُكمِ مَنْ تُوفِّيَ عَنها وهيَ زَوجةٌ، ولأنَّ الطَّلاقَ لا يُوجِبُ عدَّةً على غَيرِ مَدخولٍ بها.
الثَّانيةُ: لها المِيراثُ والصَّداقُ ولا عدَّةَ عَليها، وهوَ قولُ عَطاءٍ؛ لأنَّ العِدَّةَ حقٌّ عَليها فلا تَجِبُ بفِرارِهِ.
والثَّالثةُ: لها المِيراثُ ونِصفُ الصَّداقِ وعَليها العدَّةُ، وهذا قولُ مالكٍ في رِوايةً أبي عُبيدٍ عنهُ؛ لأنَّ مَنْ تَرثُ يَجبُ أنْ تَعتدَّ، ولا يَكمُلُ الصَّداقُ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى نصَّ على تَنصيفِهِ بالطَّلاقِ قبْلَ المَسيسِ ولا تَجوزُ مُخالَفتُه.
والرَّابعةُ: لا مِيراثَ لها ولا عِدَّةَ عَليها ولها نِصفُ الصَّداقِ، وهوَ قولُ جابرِ بنِ زَيدٍ والنَّخَعيِّ وأبي حَنيفةَ والشَّافعيِّ وأكثرِ أهلِ العِلمِ.
قالَ أحمَدُ: قالَ جابِرُ بنُ زَيدٍ: لا مِيراثَ لها ولا عِدَّةَ عَليها، قالَ الحسَنُ: تَرثُ، قالَ أحمدُ: أذهَبُ إلى قَولِ جابِرٍ؛ وذلكَ لأنَّ اللهَ تعالَى نصَّ على تَنصيفِ الصَّداقِ ونَفيِ العدَّةِ عَنِ المُطلَّقةِ قبْلَ الدُّخولِ بقولِهِ تعالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقالَ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ
[ ١٧ / ٢٢٦ ]
طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، ولا يَجوزُ مُخالَفةُ نصِّ الكِتابِ بالرَّأيِ والتَّحكُّمِ، وأمَّا المِيراثُ فإنَّها ليسَتْ بزَوجةٍ ولا مُعتدَّةٍ مِنْ نِكاحٍ فأشبهَتِ المُطلَّقةَ في الصحَّةِ، واللهُ أعلَمُ (^١).
وقالَ الإمامُ المِرْداويُّ ﵀: (وهلْ تَرثُه بعْدَ العدَّةِ أو تَرثُه المُطلَّقةُ قبْلَ الدُّخولِ؟ على رِوايتَينِ).
يَعني: إذا فعَلَ فِعلًا يُتَّهمُ فيهِ بقَصدِ حِرمانِها فإنَّها تَرِثُه ما دامَتْ في العدَّةِ بلا نِزاعٍ، ولا يَرثُها هوَ بلا نِزاعٍ، وهلْ تَرثُه بعْدَ العدَّةِ أو تَرِثُه المُطلَّقةُ قبْلَ الدُّخولِ؟ أطلَقَ المُصنِّفُ فيهِ روايتَينِ، وأطلَقَهُما في «الهِدايَة» و«المُستَوعب» و«الكافي» وأطلَقَهُما في «النَّظم» في الأُولَى.
إحداهُما: تَرثُه بعْدَ العدَّةِ ولو كانَتْ غَيرَ مَدخولٍ بها ما لم تَتزوَّجْ، وهوَ الصَّحيحُ مِنَ المَذهبِ، قالَ في «الفُرُوع»: نَقَلَه واختارَه الأكثرُ.
قالَ المُصنِّفُ والشَّارِحُ وغَيرُهما: هذا المَشهورُ عَنِ الإمامِ أحمدَ ﵀، قالَ في المَذهبِ: هذا أصحُّ الرِّوايتَينِ.
قالَ أبو بَكرٍ: لا يَختَلفُ قولِ أبي عَبدِ اللهِ في المَدخُولِ بها أنَّها تَرثُه في العدَّةِ وبعْدَها ما لم تَتزوَّجْ، وجزَمَ بهِ في «الوَجيز» وغَيرِه، وقَدَّمَه في «الفُرُوع» و«الفائِق».
_________________
(١) «المغني» (٦/ ٢٦٩).
[ ١٧ / ٢٢٧ ]
والرِّوايةُ الثَّانيةُ: لا تَرثُه، واختارَهُ في «التَّبصِرَة» في المَدخُولِ بها، وصحَّحَه في «النَّظم» فيها، وقدَّمَه فيهِما في «المُحرَّر» و«الرِّعايتَين» و«الحاوِي الصَّغِير»، وهُوَ ظاهِرُ ما قدَّمَه المُصنِّفُ في آخِرِ البابِ، حَيثُ جعَلَ المِيراثَ للزَّوجاتِ اللَّاتِي في عِصمَتِه، ولَم يُعطِ المُطلَّقاتِ شيئًا فيما إذا طلَّقَ أربعًا وانقَضتْ عدَّتُهنَّ وتَزوجَ بَعدَهنَّ أربعًا وماتَ عَنهنَّ.
قالَ أبو بكرٍ: إذا طلَّقَ ثَلاثًا قبْلَ الدُّخولِ في المرَضِ، فيها أربعُ رِواياتٍ:
إحداهنَّ: لها الصَّداقُ كامِلًا والمِيراثُ وعَليها العدَّةُ، واختارَهُ. قالَ المُصنِّفُ وغَيرُه: ويَنبغي أنْ تكونَ العدَّةُ عدَّةَ وفاةٍ، قُلتُ: فيُعَايَى بها في الصَّداقِ.
والثَّانيةُ: لها المِيراثُ والصَّداقُ ولا عِدَّة عَليها.
والثَّالثةُ: لها المِيراثُ ونِصفُ الصَّداقِ وعَليها العدَّةُ.
والرَّابعةُ: لا تَرثُ ولا عِدَّةَ عليها ولها نِصفُ الصَّداقِ. انتهى.
ويُعايَى بها حَيثُ أوجَبْنا العدَّةَ (^١).
_________________
(١) «الإنصاف» (٧/ ٣٥٦، ٣٥٧).
[ ١٧ / ٢٢٨ ]