اختَلفَ أهلُ العِلمِ فيما لو تَعدَّى الإنسانُ بسُكرِه، بأنْ شَربَ مُسكِرًا وهوَ يَعلمُ أنَّه مُسكِرٌ يُزيلُ العَقلَ مُختارًا لذلكَ غَيرَ مُكرَهٍ وطلَّقَ في حالِ سُكرِه، هل يَقعُ طلاقُه أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ والمالكيَّةُ في المَشهورِ والشَّافعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ طلاقَ السَّكرانِ الَّذي تَعدَّى بسُكرِهِ يَقعُ، سَواءٌ كانَ عندَه تَمييزٌ أم لا؛ لأنَّ أحكامَ التَّكليفِ المُتعلِّقةَ بالتَّغليظِ جارِيةٌ عليهِ كالقَوَدِ إذا قتَلَ، والحدِّ إذا زَنَى أو قذَفَ، ووُجوبِ قَضاءِ الصَّلاةِ، فكذلكَ الطَّلاقُ، ولأنَّ كلَّ مَنْ يُحدُّ إذا وُجدَ لفظُ القَذفِ منهُ فإنَّه إذا طلَّقَ نفَذَ طلاقُه كالصَّاحِي، ولأنَّه حالٌ لا تَمنعُ حدَّ القَذفِ، فلم تَمنعْ نَفاذَ الطَّلاقِ كحالِ الصَّحوِ، ولأنَّ كلَّ حالِ يَلزمُه قَضاءُ الصَّلواتِ المَتروكةِ وحدُّ القَذفِ فيها لَزمَه الطَّلاقُ المُوقَعُ فيها، أصلُه الصَّحوُ (^٢).
_________________
(١) «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٢٤٠)، و«الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٩٨).
(٢) «المعونة» (١/ ٥٦٥).
[ ١٧ / ٢٦٧ ]
ولأنَّهُ مُكلَّفٌ، والدَّليلُ عليهِ قَولُه تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، فدَلَّتْ على تَكليفِهم مِنْ وجهَينِ:
أحدُهما: تَسمِيتُهم بالمُؤمنِينَ ونِداؤُهم بالإيمانِ، ولا يُنادَى بهِ إلَّا لهُم.
والثَّاني: نَهيُهم في حالِ السُّكرِ أنْ يَقرَبُوا الصَّلاةَ، ولا يُنهَى إلَّا مُكلَّفٌ.
ولأنَّ عمَرَ شاوَرَ الصَّحابةَ ﵃ في حَدِّ الخَمرِ، وقالَ: «أرَى النَّاسَ قد بالَغُوا في شُربِه واستَهانُوا بحَدِّهِ، فماذا تَرَونَ؟ فقالَ عَليٌّ ﵁: إنَّه إذا شَربَ سَكِرَ، وإذا سَكرَ هَذَى، وإذا هَذى افتَرَى، فأرَى أنْ يُحَدَّ حدَّ المُفتَري ثَمانينَ، فحَدَّهُ عُمرُ وعُثمانُ وعليٌّ ثَمانينَ»، فكانَ الدَّليلُ منهُ أنَّ الزِّيادةَ على الأربعِينَ علَّةٌ لافتِرائِه في سُكرِه، ولو كانَ غَيرَ مُكلَّفٍ لَمَا حُدَّ بما أتاهُ، ولا كانَ مُؤاخَذًا به، وفي مُؤاخَذَتِه بهِ دليلٌ على تَكليفِه، فإذا ثَبتَ أنَّهُ مُكلَّفٌ وجَبَ أنْ يقَعَ طَلاقُه كالصَّاحِي.
ولأنَّهُ مُؤاخَذٌ بسُكرِه فوجَبَ أنْ يَكونَ مُؤاخَذًا بما حدَثَ عَنْ سُكرِه، ألَا تَرى أنَّ مَنْ جنَى جِنايةً فسَرَتْ لِمَا كانَ مُؤاخَذًا بها كانَ مُؤاخَذًا بسرايتِها؟
فإنْ قيلَ: فليسَ السُّكرُ مِنْ فِعلِه، وإنَّما هوَ مِنْ فِعلِ اللهِ تعالَى فيهِ، فكيفَ صارَ مَنسوبًا إليهِ ومُؤاخَذًا بهِ؟
قيلَ: لأنَّ سَببَهُ -وهوَ الشُّربُ- مِنْ فِعلِه، فصارَ ما حدَثَ عنهُ -وإنْ كانَ مِنْ فِعلِ اللهِ تعالَى- مَنسوبًا إلى فِعلِه، كما أنَّ سِرايةَ الجِنايةِ لمَّا حَدثَتْ عَنْ
[ ١٧ / ٢٦٨ ]
فِعلِه نُسبَتْ إليهِ، وكانَ مُؤاخذًا بها وإنْ كانَ مِنْ فعْلِ اللهَ تعالَى فيهِ؛ لأنَّ رفْعَ الطَّلاقِ تَخفيفٌ ورُخصةٌ، وإيقاعَهُ تَغليظٌ وغَريمةٌ، فإذا وقَعَ مِنَ الصَّاحِي وليسَ بعَاصٍ كانَ وُقوعُه مِنَ السَّكرانِ مع المَعصيةِ أَولَى؛ لأنَّ السَّكرانَ ليسَ يَستدلُّ على سُكرِه بعِلمٍ ظاهرٍ هو مَعذورٌ فيهِ، وإنَّما يُعرَفُ مِنْ جِهتِه، وهو فاسِقٌ مَردودُ الخبَرِ، ورُبَّما تَساكَرَ تَصنُّعًا، فلم يَجُزْ أنْ يُعدلَ بهِ عن يَقينِ الحُكمِ السَّابقِ بالتَّوهُّمِ الطارِئِ.
ولا يَجوزُ اعتِبارُه بالمُكرَهِ والمَجنونِ لأمرَينِ:
أحدُهُما: أنَّ مع المُكرَهِ والمَجنونِ عِلمٌ ظاهرٌ يدلُّ على فَقْدِ الإرادةِ هُما فيهِ مَعذورانِ، بخِلافِ السَّكرانِ.
والثَّاني: أنَّ المُكرَهَ والمَجنونَ غيرُ مُؤاخذَينِ بالإكراهِ والجُنونِ، فلم يُؤاخَذا بما حدَثَ فيهما، كما أنَّ مَنْ قطَعَ يدَ سارِقٍ فسَرَتْ إلى نَفسِه لا يُؤاخِذُه بالسِّرايةِ؛ لأنَّه غيرُ مُؤاخَذٍ بالقَطعِ، ولو كانَ مُتعدِّيًا بالقَطعِ لَكانَ مُؤاخَذًا بالسِّرايةِ كما كانَ مُؤاخَذًا بالقَطعِ، وخالَفَ الصَّبيَّ؛ لأنَّهُ مُكلَّفٌ والصَّبيُّ غَيرُ مُكلَّفٍ (^١).
_________________
(١) «الحاوي الكبير» (١٠/ ٢٣٦، ٢٣٧)، ويُنظر: «البيان» (١٠/ ٦٩، ٧٠)، و«شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٧/ ٤١٠، ٤١٤)، و«الاستذكار» (٦/ ٢٠٥، ٢٠٧)، و«شرح السنة» (٩/ ٢٢٢، ٢٢٣)، و«تحفة الفقهاء» (٢/ ١٩٥)، و«بدائع الصنائع» (٣/ ٩٩، ١٠٠)، و«المبسوط» (٦/ ١٧٦)، و«الإفصاح» (٢/ ١٧٤، ١٧٥)، و«الإشراف» لابن المنذر (٥/ ٢٢٦، ٢٢٧)، و«المغني» (٧/ ٢٨٩، ٢٩٠)، و«كشاف القناع» (٥/ ٢٦٨، ٢٦٩)، و«الإنصاف» (٨/ ٤٣٣)، و«منار السبيل» (٣/ ٨٥).
[ ١٧ / ٢٦٩ ]
وجاءَ في «مُوطَّأ الإمامِ مالكٍ»: وحدَّثَني عَنْ مالكٍ أنَّهُ بلَغَه أنَّ سَعيدَ بنَ المُسيّبِ وسُليمانَ بنَ يَسارِ سُئِلا عن طلاقِ السَّكرانِ فقالا: إذا طلَّقَ السَّكرانُ جازَ طلاقُه، وإنْ قتَلَ قُتِلَ بهِ، قالَ مالِكٌ: وعلى ذلكَ الأمرُ عِندَنا (^١).
وقالَ الإمامُ الشَّافعيُّ ﵁: ومَن شَربَ خَمرًا أو نَبيذًا فأسكرَهُ فطلَّقَ لَزمَه الطَّلاقُ والحُدودُ كلُّها والفَرائضُ، ولا تَسقطُ المَعصيةُ بشُربِ الخَمرِ والمَعصيةُ بالسُّكرِ مِنَ النَّبيذِ عنهُ فَرضًا ولا طلاقًا، فإنْ قالَ قائلٌ: فهذا مَغلوبٌ على عَقلِه، والمَريضُ والمَجنونُ مَغلوبٌ على عَقلِه، قيلَ: المَريضُ مَأجورٌ ومُكفَّرٌ عنهُ بالمَرضِ مَرفوعٌ عنهُ القَلمُ إذا ذهَبَ عَقلُه، وهذا آثِمٌ مَضروبٌ على السُّكرِ غَيرُ مَرفوعٍ عنهُ القَلمُ، فكيفَ يُقاسُ مَنْ عليهِ العِقابُ بمَن لهُ الثَّوابُ؟ والصَّلاةُ مَرفوعةٌ عمَّنَ غُلبَ على عَقلِه، ولا تُرفعُ عنِ السَّكرانِ، وكذلكَ الفَرائضُ مِنْ حَجٍّ أو صِيامٍ أو غيرِ ذلكَ (^٢).
وذهَبَ أبو الوَليدِ الباجِي وابنُ رُشدٍ مِنَ المالكيَّةُ إلى أنَّ وُقوعَ طلاقِ السَّكرانِ إذا كانَ عِندَه تَمييزٌ، فأمَّا السَّكرانُ الَّذي لا يَعرفُ الأرضَ مِنَ
_________________
(١) «الموطأ» (٢/ ٥٨٨)، و«المدونة الكبرى» (٥/ ٢٤)، و«المعونة» (١/ ٥٦٥)، و«تفسير القرطبي» (٥/ ٢٠٤)، و«التاج والإكليل» (٣/ ٤١، ٤٢)، و«مواهب الجليل» (٥/ ٢٦٤)، و«شرح مختصر خليل» (٤/ ٣١، ٣٢)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٤٦)، و«تحبير المختصر» (٣/ ١٣٧).
(٢) «الأم» (٥/ ٢٥٣)، و«الحاوي الكبير» (١٠/ ٣٣٥، ٢٣٨).
[ ١٧ / ٢٧٠ ]
السَّماءِ، ولا الرَّجلَ مِنَ المَرأةِ، فلا اختِلافَ في أنَّه كالمَجنونِ في جَميعِ أفعالِهِ وأحوالِهِ فيما بيْنَه وبيْنَ النَّاسِ، وفيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ تعالَى أيضًا، إلَّا فيما ذهَبَ وَقتُه مِنَ الصَّلواتِ (^١).
وذهَبَ الإمامُ أبو جَعفرٍ الطَّحاويُّ والكَرخي مِنَ الحنفيَّةِ والمالكيَّةُ في رِوايةٍ شاذَّةٍ والمُزَنِيُّ وأبو ثَورٍ مِنَ الشافِعيةِ والحَنابلةُ في رِوايةٍ، ورُوِيَ ذلكَ عَنْ عُثمانَ بنِ عفَّانَ -وصَحَّ عنهُ- وابنِ عبَّاسٍ، وعَن عَطاءٍ وطاووسٍ والقاسِمِ ورَبيعةَ، وهوَ قولُ اللَّيثِ وإسحاقَ إلى أنَّ طلاقَ السَّكرانِ لا يَقعُ؛ لأنَّه مَفقودُ الإرادةِ فلَم يَقعْ طلاقُه كالمُكرَهِ؛ لأنَّ المُكرَهَ لمَّا سقَطَ طلاقُه لارِتفاعِ مُرادِه وجَبَ أنْ يَسقُطَ طلاقُ السَّكرانِ، إذْ لا مُرادَ لهُ، ولأنَّ السَّكرانَ إذا ارتَدَّ لم يُستتَبْ في حالِ سُكرِه ولم يُقتَلْ، دلَّ على أنْ لا حُكمَ لقَولِه، ولا يَجوزُ إبطالُ نكاحٍ قدْ أُجمِعَ على صحَّتِه بطلاقٍ قدِ اختُلفَ في وُجوبِه.
ولأنَّ العَقلَ شَرطٌ للتَّكليفِ، إذْ هو عِبارةٌ عَنْ الخِطَابِ بأمرٍ أو نهيٍ، ولا يَتوجَّهُ ذلكَ إلى مَنْ لا يَفهمُه، ولا فَرْقَ بيْنَ زَوالِ الشَّرطِ بمَعصيةٍ أو غَيرِها، بدَليلِ أنَّ مَنْ كَسَرَ ساقَيهِ جازَ لهُ أنْ يُصلِّيَ قاعدًا، ولو ضَربَتِ المرأةُ بطْنَها فنَفَسَتْ سَقطَتْ عنها الصَّلاةُ، ولو ضرَبَ رأسَه فجُنَّ سقَطَ التَّكليفُ (^٢).
_________________
(١) «تفسير القرطبي» (٥/ ٢٠٤)، و«التاج والإكليل» (٣/ ٤١، ٤٢)، و«مواهب الجليل» (٥/ ٢٦٤)، و«شرح مختصر خليل» (٤/ ٣١، ٣٢)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٤٦)، و«تحبير المختصر» (٣/ ١٣٧).
(٢) «المغني» (٧/ ٢٨٩).
[ ١٧ / ٢٧١ ]
ولقولِ عُثمانَ ﵁: «ليسَ لمَجنونٍ ولا لسَكرانَ طلاقٌ» (^١).
وقالَ ابنُ عبَّاسٍ ﵄: «طلاقُ السَّكرانِ والمُستكرَهِ ليسَ بجائزٍ» (^٢). ذكَرَهُما البُخاريُّ في صَحيحِه.
قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: ثبتَ عَنْ عُثمانَ أنَّه لا يَقعُ طَلاقُه، ولا نَعلمُ أحدًا مِنَ الصَّحابةِ خالَفَه.
قالَ الإمامُ الطَّحاويُّ ﵀: طلاقُ السَّكرانِ غَيرُ جائزٍ، وهو مَذهبُ عُثمانَ بنِ عفَّانَ، ولا يَختلفُونَ فيمَن شَربَ البَنجَ فذهَبَ عَقلُه أنَّ طلاقَه غَيرُ جائِزٌ، وكذلكَ السَّكرانُ مِنَ الشَّرابِ، وعلى أنَّه لا تَختلِفُ أحكامُ فاقِدِ العَقلِ أنْ يكونَ ذَهابُ عَقلِه بسَببٍ مِنْ جِهتِه أو مِنْ جِهةِ اللهِ تعالى، ألَا تَرى أنَّه لا فَرْقَ بيْنَ مَنْ عَجزَ عَنْ القِيامِ في الصَّلاةِ بسَببٍ مِنْ قِبَلِ اللهِ تعالَى أو مِنْ قِبَلِ نَفسِه بأنْ يَكسرَ رِجلَ نَفسِه في بابِ سُقوطِ فَرضِ القِيامِ عنهُ.
فإنْ قيلَ: رُويَ عَنْ عليِّ أنَّه قالَ: «كلُّ طلاقٍ جائزٌ إلَّا طلاقَ المَعتوهِ».
قيلَ لهُ: السَّكرانُ مَعتوهٌ بسَكرِه كالمَجنونِ مَعتوهٌ بالجُنونِ والمُوسوسِ مَعتوهٌ بالوَسوسةِ (^٣).
_________________
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه البيهقي في «الكبرى» (٧/ ٣٥٩).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٥/ ٣٩) رقم (١٨٢٧٥)، والأثرُ علَّقَه البُخاريُّ (٩/ ٣٤٣) بصِيغةِ الجَزمِ.
(٣) «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٤٣١، ٤٣٢).
[ ١٧ / ٢٧٢ ]
وقالَ في «شَرح مُشكَلِ الآثَارِ»: فقالَ قائلٌ: إنَّ السَّكرانَ وإنْ كانَ قَدْ ذهَبَ عَقلُه بسُكرِه فهو الَّذيِ أَدخَلَ السُّكرَ على نَفسِه بفِعلِه، فلمْ يكنْ إذْ كانَ كذلكَ كالمَجنونِ الَّذي دَخلَ عليهِ الجُنونُ مِنْ غَيرِ فِعلِه.
فكانَ جَوابُنا لهُ في ذلكَ بتَوفيقِ اللهِ ﷿ وعَونِه أنَّا رَأَينا المَجنونَ لا تَختلِفُ أحكامُه في حالِ جُنونِه باختِلافِ أسبابِ جُنونِه في أنْ يكونَ بأفعالِه، وفي أخْذِه أشياءَ كانَتْ أسبابًا لذَهابِ عَقلِه، وفي حُدوثِ الجُنونِ بهِ ممَّا لا سَببَ لهُ فيهِ في لُزومِ أحكامِ المَجانينَ إيَّاه في سُقوطِ الفُروضِ عَنهُم، وفي ارتِفاعِ العَمدِ عَنهم في جناياتِهم في القتلِ، حتَّى لا يكون عَليهم فيهِ قَوَدٌ، وحتَّى يكون دِيَاتُ مَنْ قتَلَوا على عَواقِلِهم، ولمَّا كانَ ذلكَ كذلكَ وكانَ المُراعَى في ذَهابِ عُقولِ الأصحَّاءِ ذَهابُ عُقولِهم لا الأسبابُ الَّتي كانَتْ أسبابًا لذَهابِ عُقولِهم كانَ كذلكَ السَّكرانُ، يكونُ عليهِ ذَهابُ عَقلِه لا السَّببُ الَّذي كانَ بهِ ذهَبَ عَقلُه، فيكونُ بذَهابِ عَقلِه لهُ حُكمُ مَنْ لا عقْلَ لهُ، ولا يُراعَى في ذلكَ اختِلافُ أسبابِ ذَهابِ عَقْلِه، ومِثلُ ذلكَ أيضًا ما قَدْ أُجمِعَ عَليهِ في الصَّحيحِ المُطيقِ للصَّلاةِ قائِمًا الَّذي فرَضَ اللهُ ﷿ عليهِ أنْ يُصلِّيَها كذلكَ لو كسرَ رِجلهُ حتَّى عادَ عاجِزًا عنِ القِيامِ للصَّلاةِ وأنْ يُصلِّيَها كذلكَ أنَّ فرْضَهُ أنْ يُصلِّيَها قاعِدًا على ما يُطيقُ صَلاتَها عليهِ، وأنَّ ذلكَ ممَّا يكونُ حُكمُه فيهِ في العَجزِ عنِ القيامِ وصَلاتِه، كذلكَ في حُكمِ العَجزِ عنِ القيامِ بما يَحلُّ بهِ ممَّا يُعيدُه إلى تلكَ الحالِ مِنْ أفعالِ اللهِ جلَّ وعزَّ بهِ، ثمَّ مِنْ
[ ١٧ / ٢٧٣ ]
أفعالِ عِبادِه مِثلَه بهِ، وأنَّهُ لا يَجبُ عليهِ قَضاءُ الصَّلاةِ قائِمًا وإنْ عادَ إلى القُدرةِ على ذلكَ، وفيما ذكَرْنا دَليلٌ على أنَّ طلاقَ السَّكرانِ وسائرَ أقوالِه وسائِرَ أفعالِه يَعودُ إلى أحكامِ أقوالِ ذاهبِي العُقولِ سِواهُ، وإلى أحكامِ أفعالِ ذاهِبِي العُقولِ سِواهُ، وهذا خِلافُ ما كانَ أبو حَنيفةَ وأصحابُهُ والشَّافعيُّ يقولونَهُ فيهِ، وخِلافُ ما كانَ مالكٌ يَقولُه فيهِ، مِنْ إجازَتِهم طَلاقَه، غَيرَ أنَّ مالِكًا قالَ: (لو عَلمْتُ أنَّهُ لم يكنْ يَعقِلُ ما أَجزْتُ طَلاقَه)، فكأنَّه أعذَرُ مِنْ غَيرِه في ذلكَ، لا أنَّهُ قد كانَ يَلزمُه أنْ لا يُطلِّقَ بالشَّكِّ حتَّى يَعلمَ باليَقينِ وُجوبَ الطَّلاقِ؛ لأنَّ ما عُلِمَ يَقينًا لم يَرتفِعْ إلَّا بما يُزيلُه يَقينًا، كذلكَ فَرائِضُ اللهِ ﷿ على عِبادِه في صَلَواتِهم، وفيما سِواها مِنْ عِباداتِهم، وما رَأيْنا فَقيهًا مِمَّنْ يُنسَبُ إليهِ النَّظرُ مِنْ أهلِ الفِرَقِ إلَّا على ما ذكَرْناه، وهو القولُ عِندَنا الَّذي لا يَجوزُ خِلافُه، ولا يسَعُ ذا فَهمٍ أنْ يَتقلَّدَ غَيرَه، واللهَ نَسألُه التَّوفيقَ (^١).
وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: طلاقُ زائِلِ العَقلِ.
المَخرجُ الأوَّلُ: أنْ يكونَ المُطلِّقُ أو الحالِفُ زائِلَ العَقلِ، إمَّا بجُنونٍ أو إغماءٍ أو شُربِ دَواءٍ أو شُربِ مُسكِرٍ يُعذَرُ بهِ أو لا يُعذَرُ أو وَسوسةٌ، وهذا المُخلِّصُ مُجمَعٌ عَليهِ بيْنَ الأمَّةِ، إلَّا في شُربِ مُسكِرٍ لا يُعذَرُ بهِ؛ فإنَّ المُتأخِّرينَ مِنْ الفُقهاءِ اختَلفُوا فيهِ، والثَّابتُ عنِ الصَّحابةِ الَّذي لا يُعلَمُ فيهِ خِلافٌ بَينَهم أنَّه لا يَقعُ طَلاقُه.
_________________
(١) «شرح مشكل الآثار» (١٢/ ٢٤٦، ٢٤٧)، ويُنظَر المَصادِر السَّابقَة.
[ ١٧ / ٢٧٤ ]
قالَ البُخاريُّ في صَحيحِه: بابُ الطَّلاقِ في الإغلاقِ والمُكرَهِ والسَّكرانِ والمَجنونِ وأمرِهِما والغَلَطِ والنِّسيانِ في الطَّلاقِ والشَّكِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ: «الأعمالُ بالنِّيةِ، ولكُلِّ امرِئٍ ما نوَى»، وتَلا الشَّعبيُّ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، وما لا يَجوزُ مِنْ إقرارِ المُوسوِسِ، وقالَ النَّبيُّ ﷺ للَّذي أقرَّ على نَفسِه: «أَبِكَ جُنونٌ؟»، وقالَ عليٌّ: «بَقَرَ حَمزةُ خَواصِرِ شارِفِيَّ فطَفِقَ النَّبيُّ ﷺ يَلومُ حَمزةَ، فإذا حَمزةُ قدْ ثَمِلَ مَحمَرَّةٌ عَيناهُ، ثمَّ قالَ حَمزةُ: هل أنتم إلَّا عَبيدٌ لآبائي؟ فعرَفَ النَّبيُّ ﷺ أنَّه قد ثَمِلَ، فخَرجَ وخرَجْنا معهُ»، قالَ عُثمانُ: «ليسَ لمَجنونٍ ولا لسَكرانَ طلاقٌ»، وقالَ ابنُ عبَّاسٍ: «طلاقُ السَّكرانِ والمُستكرَهِ ليسَ بجائِزٍ»، وقالَ عُقبةُ بنُ عامِرٍ: «لا يَجوزُ طلاقُ المُوسوِسِ»، هذا لَفظُ التَّرجمةِ، ثمَّ ساقَ بَقيَّةَ البابِ.
ولا يُعرَفُ عَنْ رَجلٍ مِنْ الصَّحابةِ أنَّه خالَفَ عُثمانَ وابنَ عبَّاسٍ في ذلكَ، ولذلكَ رجَعَ الإمامُ أحمَدُ إلى هذا القولِ، بعْدَ أنْ كانَ يُفتِي بنُفوذِ طلاقِه، فقالَ أبو بكرٍ عبدُ العَزيزِ في كِتابِ «الشَّافي والزَّاد»: قالَ أبو عَبدِ اللهِ في رِوايةِ المَيمُونِيِّ: قَدْ كنتُ أقولُ بأنَّ طلاقَ السَّكرانِ يَجوزُ، حتَّى تَبيَّنتُه، فغلَبَ عليَّ أنَّه لا يَجوزُ طلاقُه؛ لأنَّه لو أقَرَّ لَم يَلزَمْه، ولَو باعَ لَم يَجُزْ بَيعُه، قالَ: وأُلزِمُه الجِنايةَ، وما كانَ مِنْ غَيرِ ذلكَ فلا يَلزمُه، قالَ أَبو بكْرٍ: وبهذا أقولُ.
[ ١٧ / ٢٧٥ ]
وفي مسائِلِ المَيمُونِيِّ: سألتُ أبا عبدِ اللهِ عن طلاقِ السَّكرانِ فقالَ: أكثَرُ ما عِنْدِي فيهِ أنَّه لا يَلزمُه الطَّلاقُ، قلتُ: ألَيسَ كُنْتَ مَرَّةً تَخافُ أنْ يَلزمَه؟ قالَ: بلَى، ولكنْ أكثرُ ما عِنْدِي فيه أنَّه لا يَلزمُه الطَّلاقُ؛ لأنِّي رَأيْتُه مِمَّنْ لا يَعقِلُ، قلتُ: السُّكرُ شَيءٌ أَدخلَهُ على نَفسِه، فلذلكَ يَلزمُه، قالَ: قَدْ يَشرَبُ رَجلٌ البَنجَ أو الدَّواءَ فيَذهَبُ عَقلُه، قلتُ: فبَيعُه وشِراؤُه وإقرارُه؟ قالَ: لا يَجوزُ.
وقالَ في رِوايةِ أبي الحارِثِ: أرفَعُ شيءٍ فيهِ حَديثُ الزُّهريِّ عن أبانَ بنِ عُثمانَ عن عُثمانَ: «ليسَ لمَجنونٍ ولا سَكرانَ طلاقٌ».
وقالَ في رِوايةِ أبي طالِبٍ: والَّذي لا يَأمرُ بالطَّلاقِ فإنَّما أتَى خَصلةً واحِدةً، والَّذي يَأمرُ بالطَّلاقِ قَدْ أتَى خَصلتَينِ؛ حرَّمَها عَليهِ وأحلَّها لغَيرِه، فهذا خَيرٌ مِنْ هذا، وأنا أتَّقي جَميعَها.
ومِمَّن ذهَبَ إلى القَولِ بعَدمِ نُفوذِ طلاقِ السَّكرانِ مِنَ الحَنفيَّةِ أبو جَعفرٍ الطَّحاويُّ وأبو الحسَنِ الكَرخِيُّ، وحكاهُ صاحِبُ «النِّهاية» عَنْ أبي يُوسفَ وزُفرَ، ومِنَ الشَّافعيةِ المُزنِيُّ وابنُ سُريجٍ وجماعةٌ مِمَّنْ اتَّبعَهُما، وهو الَّذي اختارَهُ الجُوَينيُّ في «النِّهاية»، والشَّافعيُّ نصَّ على وُقوعِ طلاقِه، ونصَّ في أحَدِ قولَيه على أنَّه لا يَصحُّ ظِهارُه، فمِن أتْباعِه مَنْ نقَلَ عنِ الظِّهارِ قولًا إلى الطَّلاقِ، وجعَلَ المَسألةَ على قَولَينِ، ومِنهم مَنْ قرَّرَ حُكمَ النَّصَّينِ ولَم يُفرِّقْ بطائلٍ، والصَّحيحُ أنَّه لا عِبرةَ بأقوالِه مِنْ طلاقٍ ولا عِتاقٍ ولا بَيعٍ
[ ١٧ / ٢٧٦ ]
وقالَ الإِمامُ ابنُ بَطالٍ ﵀: أجمَعَ أَئمةُ الفَتوى على أنَّ اللُّقطةَ إذا عرَّفَها سَنةً وانتَفعَ بها وأنفَقَها بعدَ السَّنةِ ثم جاءَ صاحِبُها أنَّه يرُدُّ عليه قِيمَتَها ويَضمنُها له، وليسَ قَولُه: (فشَأنَك بها) يُبيحُ له أَخذَها ويُسقِطُ عنه ضَمانَها؛ لمَا ثبَتَ عنه ﵇ في اللُّقطةِ: «فإنْ جاءَ صاحِبُها بعدَ السَّنةِ أدِّها إليه»؛ لأنَّها وَديعةٌ عندَ مُلتقِطِها، وخرَقَ الإِجماعَ رَجلٌ نُسبَ إلى العِلمِ يُعرَفُ بداودَ بنِ عليٍّ، فقالَ: إذا جاءَ صاحِبُها بعدَ السَّنةِ لَم يَضمنْها مُلتقِطُها؛ لأنَّ النَّبيَّ ﵇ أطلَقَه على مُلكِها بقَولِه: (فشَأنَك بها) فلا ضَمانَ عليه، ولا سَلفَ له في ذلك إلا اتِّباعُ الهَوى والجُرأةُ على مُخالَفةِ الجَماعةِ التي لا يَجوزُ عليها تَحريفُ التَّأويلِ ولا الخَطأُ فيه، أَعاذَنا اللهُ مِنْ اتِّباعِ الهَوى والابتِداعِ في دِينِه مما لَم يَأذنْ فيه ﷿ (^١).
وقالَ أيضًا: قولُه: بابُ إذا جاءَ صاحِبُ اللُّقطةِ بعدَ سَنةٍ ردَّها عليه؛ لأنَّها وَديعةٌ عندَه.
فيه: زَيدٌ أنَّ رَجلًا سأَلَ النَّبيَّ ﷺ عن اللُّقطةِ، فقالَ: «عرِّفْها سَنةً، ثُم اعرِفْ عِفاصَها ووِكاءَها، ثُم استَنفِقْ بها، فإنْ جاءَ ربُّها فأدِّها إليه …» الحَديثُ، أجمَعَ أَئمةَ الفَتوَى على أنَّ صاحِبَ اللُّقطةِ إذا جاءَ بعدَ الحَولِ أنَّ الذي وجَدَها يَلزمُه ردُّها إليه؛ لقَولِه ﵇: «فإنْ جاءَ صاحِبُها فأدِّها إليه»، وقد ذكَرْنا قبلَ هذا أنَّ بعضَ مَنْ نُسبَ إلى العِلمِ وحظُّه مِنْ أنْ يوسَمَ بمُخالفَةِ الأَئمةِ خالَفَ إِجماعَهم في اتِّباعِ هذا الحَديثِ، وخالَفَ قَولَه
_________________
(١) «شرح صحيح البخاري» (٦/ ٥٥٢).
[ ١٧ / ٢٧٧ ]
التَّكليفِ العَقلُ؛ قالَ: لا يَقعُ، ومَن قالَ: الفَرقُ بيْنَهُما أنَّ السَّكرانَ أدخَلَ الفَسادَ على عَقلِه بإرادتِه، والمَجنونُ بخِلافِ ذلكَ؛ ألزَمَ السَّكرانَ الطَّلاقَ، وذلكَ مِنْ بابِ التَّغليظِ عَليهِ.
واختَلفَ الفُقهاءُ فيما يَلزمُ السَّكرانَ بالجُملةِ مِنَ الأحكامِ وما لا يَلزمُه، فقالَ مالِكٌ: يَلزمُه الطَّلاقُ والعِتقُ والقَوَدُ مِنْ الجِراحِ والقَتلِ، ولم يُلزمْه النِّكاحَ ولا البَيعَ، وألزَمَه أبو حَنيفةَ كلَّ شَيءٍ، وقالَ اللَّيثُ: كلُّ ما جاءَ مِنْ مَنطِقِ السَّكرانِ فمَوضوعٌ عنهُ، ولا يَلزمُه طلاقٌ ولا عِتقٌ ولا نِكاحٌ ولا بَيعٌ ولا حَدٌّ في قَذفٍ، وكلُّ ما جَنَتْه جَوارِحُه فلازمٌ له، فيُحدُّ في الشُّربِ والقَتلِ والزِّنا والسَّرقةِ، وثَبتَ عَنْ عُثمانَ بنِ عَفانَ ﵁ أنَّه كانَ لا يَرَى طلاقَ السَّكرانِ، وزعَمَ بعضُ أهلِ العِلمِ أنَّه لا مُخالِفَ لعُثمانَ في ذلكَ مِنَ الصَّحابةِ.
وقولُ مَنْ قالَ: «إنَّ كلَّ طلاقٍ جائِزٌ إلَّا طلاقَ المَعتوهِ» ليسَ نصًّا في إلزامِ السَّكرانِ الطَّلاقَ؛ لأنَّ السَّكرانَ مَعتوهٌ ما، وبهِ قالَ داودُ وأبو ثَورٍ وإسحاقُ وجَماعةٌ مِنَ التَّابعِينَ -أعنِي أنَّ طلاقَهُ ليسَ يَلزمُ-، وعَنِ الشَّافِعيِّ القَولانِ في ذلكَ، واختارَ أكثرُ أصحابِهِ قولَهُ المُوافِقَ للجُمهورِ، واختارَ المُزَنِيُّ مِنْ أصحابِهِ أنَّ طلاقَهُ غَيرُ واقِعٍ (^١).
_________________
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٦١، ٦٢).
[ ١٧ / ٢٧٨ ]