اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعَةِ على أنَّ طلاقَ الصَّبيِّ غَيرِ المُمَيِّزِ لا يَصحُّ ولا يَقَعُ.
قالَ الإمامُ البَغَويُّ ﵀: واتَّفقَ أهلُ العِلمِ على أنَّ طلاقَ الصَّبيِّ والمَجنُونِ لا يَقعُ (^٣). والمُرادُ بهِ الَّذي لا يُميِّزُ.
_________________
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٦١).
(٢) المصادر الآتي ذكرها.
(٣) «شرح السنة» (٩/ ٢٢٠).
[ ١٧ / ١٩٥ ]
إلَّا أنَّهم اختَلفُوا في الصَّبيِّ إذا كانَ يَعقِلُ الطَّلاقَ ويَعلَمُ أنَّ زَوجتَهُ تَبِينُ بهِ وتَحرمُ عُليهِ، هل يقَعُ طلاقُهُ أم لا؟
فذَهبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ والمالكيَّةُ والشَّافعيةُ والحنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّهُ يُشتَرَطُ البلوغُ لصِحَّةِ الطَّلاقِ، فلا يقَعُ طلاقُ الصَّبيِّ تَعليقًا ولا تَنْجيزًا وإنْ كانَ يَعقِلُ مَعناهُ؛ لأنَّ الطَّلاقَ لم يُشرَعْ إلَّا عِنْدَ خُروجِ النِّكاحِ مِنْ أنْ يَكونَ مَصلحةً، وإنَّما يُعرَفُ ذلكَ بالتَّأملِ، والصَّبيُّ لاشتِغالِه باللَّهوِ واللَّعبِ لا يَتأمَّلُ فلا يَعرِفُ، ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «رُفعَ القلَمُ عَنْ ثلاثةٍ … وعَن الصَّبيِّ حتَّى يَحتَلِمَ» (^١)، ولأنَّهُ غَيرُ مُكلَّفٍ فلَم يَقعْ طلاقُهُ كالمَجنونِ، ولا يَتوقَّفُ الطَّلاقُ على بُلوغِهِ، حتَّى لو أجازَهُ لا يقَعُ، إلَّا أنْ يُنشِئَ طلاقًا، وكذا لو علَّقَ الطَّلاقَ بأنْ قالَ وهوَ مُراهِقٌ: «إنْ بلَغْتُ فأنتِ طالِقٌ» فبَلَغَ فلا يقَعُ طلاقُهُ (^٢).
_________________
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: وقد تقدم.
(٢) «المبسوط» (٦/ ٥٣)، و«بدائع الصنائع» (٣/ ١٠٠)، و«الهداية» (١/ ٢٢٩)، و«الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٩٨)، و«الاختيار» (٣/ ١٥٥)، و«شرح فتح القدير» (٣/ ٤٨٧)، و«العناية شرح الهداية» (٥/ ١٨٤)، و«حاشية ابن عابدين» (٣/ ٢٤٥)، و«المدونة الكبرى» (٥/ ٢٥)، و«الكافي» (٢٦٢)، و«التاج والإكليل» (٣/ ٤١)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٤٦)، و«تحبير المختصر» (٣/ ١٣٧)، و«الإقناع في مسائل الإجماع» (٣/ ١٢٨٨)، و«الأم» (٥/ ٢٥)، و«الإشراف لابن المنذر» (٥/ ٢٢٥)، و«البيان» (١٠/ ٦٨)، و«روضة الطالبين» (٥/ ٣٢٣)، و«النجم الوهاج» (٧/ ٤٧٩)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٤٥٤).
[ ١٧ / ١٩٦ ]
وذَهبَ الحنابلَةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الصَّبيَّ الَّذي يَعقِلُ الطَّلاقَ ويَعلمُ أنَّ زَوجتَهُ تَبِينُ بهِ وتَحرمُ عَليهِ يَقعُ طلاقُه؛ لقَولِه ﷺ: «يا أيُّها النَّاسُ ما بالُ أحدِكُم يُزوِّجُ عبْدَه أمَتَه ثُمَّ يُريدُ أنْ يُفرِّقَ بيْنَهما، إنَّما الطَّلاقُ لمَن أخَذَ بالسَّاقِ» (^١). وقولِهِ: «كلُّ طلاقٍ جائزٌ إلَّا طلاقَ المَعتوهِ المَغلوبِ على عَقلِه» (^٢).
ورُويَ عن عَليٍّ ﵁ أنَّهُ قالَ: «اكتُمُوا الصِّبيانَ النّكاحَ» (^٣)، فيُفهَمُ منهُ أنَّ فائِدَتهُ أنْ لا يُطلِّقُوا، ولأنَّهُ طلاقٌ مِنْ عاقِلٌ صادَفَ مَحلَّ الطَّلاقِ فوقَعَ كطلاقِ البالِغِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأكثرُ الرِّواياتِ عن أحمدَ تَحديدُ مَنْ يقَعُ طلاقُهُ مِنَ الصِّبيانِ بكَونِهِ يَعقلُ، وهو اختِيارُ القاضي، ورَوى عن أحمَدَ أبو الحارِثِ: إذا عَقلَ الطَّلاقُ جازَ طلاقُهُ ما بيْنَ عَشرٍ إلى اثنَتَي عَشرةَ، وهذا يَدلُّ على أنَّهُ لا يَقعُ لِدُونِ العَشرِ، وهو اختِيارُ أبي بَكرٍ؛ لأنَّ العَشرَ حدٌّ للضَّربِ على الصَّلاةِ والصِّيامِ وصِحَّةِ الوَصيَّةِ، فكذلِكَ هذا، وعَن سَعيدِ بنِ المُسيّبِ: إذا أحصَى الصَّلاةَ وصامَ رَمضانَ جازَ طَلاقُهُ، وقالَ عَطاءٌ: «إذا
_________________
(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه ابن ماجه (٢٠٨١).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الترمذي (١١٩١)، وقالَ: لا نَعرِفُه مَرفُوعًا إلَّا مِنْ حَديثِ عَطاءِ ابنِ عَجلانَ، وعَطاءُ بنُ عَجلانَ ضَعيفٌ.
(٣) رواه ابن أبي شيبة (١٧٩٤٠).
[ ١٧ / ١٩٧ ]
بلَغَ أنْ يُصيبَ النِّساءَ»، وعَن الحسَنِ: «إذا عَقَلَ وحَفظَ الصَّلاةَ وصامَ رَمضانَ»، وقالَ إسحاقُ: «إذا جاوَزَ اثنَتَي عَشرَةَ».
فَصلٌ: ومَن أجازَ طلاقَ الصَّبيِّ اقتَضَى مَذهبُهُ أنْ يَجوزَ تَوكيلُهُ فيهِ وتَوكُّلُه لغَيرِه، وقَد أومَأَ إليهِ أحمدُ فقالَ في رَجلٍ قالَ لِصَبيٍّ: «طلِّقِ امرَأتي» فقالَ: «قدْ طلَّقتُكِ ثلاثًا» لا يَجوزُ عَليها حتَّى يَعقِلَ الطَّلاقَ، فقِيلَ لهُ: فإنْ كانَتْ لهُ زَوجةٌ صَبيَّةٌ فقالَتْ: «صَيِّرْ أمرِيِ إليَّ» فقالَ لها: «أمرُكِ بيَدكِ» فقالَتْ: «قدِ اختَرتُ نفسِي»، فقالَ أحمَدُ: ليسَ بشَيءٍ حتَّى يَكونَ مِثلُها يَعقِلُ الطَّلاقَ، وقالَ أبو بَكرٍ: لا يَصحُّ أنْ يُوكِّلَ حتَّى يَبلُغَ، وحكاهُ عَنْ أحمَدَ.
ولنا: إنَّ مَنْ صَحَّ تَصرُّفُه في شَيءٍ ممَّا تَجوزُ الوكالةُ فيهِ بنَفسِه صَحَّ تَوكِيلُهُ ووكالَتُه فيهِ كالبالِغِ، وما رُويَ عَنْ أحمَدَ مِنْ منْعِ ذلكَ فهوَ على الرِّوايةِ الَّتي لا تُجيزُ طلاقَهُ إنْ شاءَ اللهُ تعالَى (^١).
وقَد حكى ابنُ رُشدٍ ذلكَ رِوايةً عَنْ مَالكٍ، فقالَ ﵀: وأمَّا طلاقُ الصَّبيِّ فإنَّ المَشهورَ عن مالِكٍ أنَّهُ لا يَلزَمُه حتَّى يَبلغَ، وقالَ في «مُختَصر ما ليسَ في المُختَصرِ»: إنَّهُ يَلزمُه إذا ناهَزَ الاحتِلامَ، وبهِ قالَ أحمدُ بنُ حَنبلَ إذا
_________________
(١) «المغني» (٧/ ٢٩٠، ٢٩١)، ويُنظر: «شرح الزركشي» (٢/ ٢٦٤)، و«الإنصاف» (٧/ ٣٣١)، و«كشاف القناع» (٥/ ٢٦٧، ٢٦٨)، و«شرح منتهى الإردات» (٥/ ٣٦٤)، و«منار السبيل» (٣/ ٨٢، ٨٣).
[ ١٧ / ١٩٨ ]
هو أطاقَ صِيامَ رَمضانَ، وقالَ عَطاءٌ: إذا بلَغَ اثنَتَي عَشرَةَ سَنةً جازَ طلاقُهُ، ورُويَ عَنْ عُمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁ (^١).