لا يَخلُو حالُ الزَّوجِ إمَّا أنْ يَكونَ مُتزوِّجًا بزَوجةٍ واحدةٍ أو أكثرَ.
فإنْ كانَ الزَّوجُ مُتزوِّجًا بواحدةٍ وقالَ: «زَوجَتِي طالِقٌ» وقصَدَ طلاقَها فإنَّها تَطلُقُ، ولا خِلافَ في ذلكَ بيْنَ الفُقهاءِ.
وأمَّا إنْ كانَ مُتزوِّجًا بأكثرَ مِنِ امرأةٍ فقالَ: «إحداكُنَّ طالِقٌ» فهذا لا يَخلُو مِنْ حالاتٍ:
الحالَةُ الأُولَى: أنْ يُعيِّنَها بالإشارةِ إليها والصِّفةِ والنِّيةِ، كأنْ قالَ لِزَوجتِه الَّتي اسمُها زَينَبُ مُشيرًا إليها: «يا زَينَبُ أنتِ طالِقٌ» قاصِدًا طلاقَها، فلا خِلافَ بيْنَ الفُقهاءِ على أنَّها تَطلُقُ؛ لتَمامِ التَّعيينِ بذلكَ.
الحالَةُ الثَّانيةُ: أنْ يُشيرَ إلى واحدةٍ مِنْ نِسائِه المُتعدِّداتِ دُونَ أنْ يَصِفَها بوَصْفٍ ولَم يَذكُرِ اسمَها ولَم يَنوِ غَيرَها، فأشارَ إليها وقالَ لها: «أنتِ طالِقٌ» فلا خِلافَ أيضًا بيْنَ الفُقهاءِ أنَّها تَطلُقُ بذلكَ؛ لأنَّ الإشارةَ كافيةٌ للتَّعيينِ.
الحالَةُ الثَّالثةُ: أنْ يَصِفَها بوَصفِها دُونَ الإشارةِ إليها ودُونَ قَصدِ غَيرِها، فإذا قالَ: «زَوجَتِي زَينبُ طالِقٌ» فإنَّها تَطلُقُ أيضًا بلا خِلافٍ.
الحالَةُ الرَّابعةُ: أنْ يَقولَ: «إحدَى نِسائِي طالِقٌ» ولَم يُعيِّنْ واحِدةً مِنهنَّ ولم يَنوِها، فلا خِلافَ بيْنَ الفُقهاءِ على أنهُ يقَعُ الطَّلاقُ، لَكنْ اختَلفُوا في كَيفيَّةِ التَّعيينِ على ثلاثةِ أقوالٍ:
القَولُ الأوَّلُ: أنَّ الزَّوجَ يَملِكُ تَعيينَ المُطلَّقةِ مِنهنَّ، يَختارُ أيَّتهنَّ شاءَ
[ ١٧ / ٣٧٨ ]
فيُوقعُ الطَّلاقَ عليها والباقياتُ نِساؤُه، وهوَ مَذهبُ الحَنفيَّةِ والشَّافعيةِ على تَفصيلٍ عِنْدَهُمْ (والمَدَنيينَ مِنَ المالكيَّةِ) والإمامِ أحمَدَ في روايةٍ.
قالَ الحَنفيَّةُ: وذلكَ لأنهُ إذا مَلكَ الإبهامَ ملَكَ التَّعيينَ، ويَدلُّ عليهِ حَديثُ الضحَّاكِ بنِ فَيروزَ الدَّيلميِّ عَنْ أبيهِ قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ إنِّي أسلَمْتُ وتَحتِي أُخْتانِ، قالَ: «طَلِّقْ أيَّتهُما شِئتَ» (^١). فلمَّا لَم يَكنْ بدٌّ مِنْ فِراقِ إحداهُما جُعِلَ الخِيارُ إليهِ فيهما.
وللنِّساءِ أنْ يُخاصِمْنَه ويَستَعدِينَ عليهِ إلى القاضي حتَّى يُبيِّنَ إذا كانَ الطَّلاقُ ثلاثًا أو بائِنًا؛ لأنَّ لِكلِّ واحدةٍ مِنهنَّ حقًّا في استِيفاءِ مَنافعِ النِّكاحِ وأحكامِه، أوِ التَّوصُّلَ إلى التَّزوُّجِ بزَوجٍ آخَرَ، وكانَ على الزَّوجِ البَيانُ، والقَولُ قَولُه؛ لأنَّه المُجمِلُ كمَنْ أقَرَّ بشيءٍ غَيرِ مُعيَّنٍ، ويُجبِرُه القاضي أنْ يُوقِعَ الطَّلاقَ على مُعيَّنةٍ لتَحصلَ الفائِدةُ، وعليها العدَّةُ مِنْ حينِ بَيَّنَ، ويَلزمُه نَفقتُهنَّ؛ لأنَّ لكلِّ واحِدةٍ مِنهنَّ المُطالَبةُ بأحكامِ النِّكاحِ، فكانَ على الحاكِمِ إلزامُه بإيفاءِ الحقِّ، ويَقضي عَليهِ بنَفقتِهنَّ؛ لأنَّها تَجبُ للمُعتدَّةِ وللزَّوجةِ.
ولوِ ادَّعتْ كلُّ واحدةٍ أنَّها المُطلَّقةُ ثلاثًا يَحلِفُ الزَّوجُ، فإنْ نكَلَ وقَعَ على كلِّ واحِدةٍ الثَّلاثُ؛ لأنهُ بالنُّكولِ صارَ باذِلًا أو مُقرًّا لها بالثَّلاثِ، وإنْ حلَفَ لهُنَّ فالحُكمُ كما قُلنا قبْلَ اليَمينِ.
_________________
(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٢٢٤٣)، وابن ماجه (١٩٥١).
[ ١٧ / ٣٧٩ ]
ثمَّ البيانُ نَوعانِ: نَصٌّ ودَلالةٌ.
أمَّا النَّصُّ فنَحوُ أنْ يَقولَ: «إيَّاها عَنَيتُ أو نَوَيتُ أو أردْتُ» أو ما يَجري مَجرَى هذا، ولو قالَ: «إحداكُما طالِقٌ ثلاثًا» ثمَّ طلَّقَ إحداهُما عَينًا بأنْ قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ، وقالَ: أردْتُ بهِ بَيانَ الطَّلاقِ الَّذي لَزِمنِي لا طلاقًا مُستقبَلًا» كانَ القَولُ قَولَه؛ لأنَّ البَيانَ واجِبٌ عليهِ، وقَولُه: «أنتِ طالقٌ» يَحتمِلُ البَيانَ؛ لأنَّه إنْ جُعِلَ إنشاءً في الشَّرعِ، لكنَّهُ يَحتمِلُ الإخبارَ فيَحتملُ البيانَ؛ إذْ هوَ إخبارٌ عَنْ كائِنٍ.
وأمَّا الدَلالةُ فنَحوُ أنْ يفعَلَ أو يقولَ ما يَدلُّ على البَيانِ نحوُ أنْ يطَأَ إحداهُما أو يُقبِّلَها أو يُطلِّقَها أو يَحلِفَ بطَلاقِها أو يُظاهِرَ منها؛ لأنَّ ذلكَ كلَّه لا يَجوزُ إلَّا في المَنكوحةِ، فكانَ الإقدامُ عَليهِ تَعيينًا لهذهِ بالنِّكاحِ، وإذا تَعيَّنَتْ هيَ للنِّكاحِ تَعيَّنَتِ الأُخرَى للطَّلاقِ ضَرورَةَ انتفاءِ المُزاحِمِ.
وإذا كُنَّ أربَعًا أو ثلاثًا تَعيَّنتِ الباقِياتُ لبيَانِ الطَّلاقِ في واحدةٍ مِنهنَّ نَصًّا أو دَلالةً بالفِعلِ أو بالقَولِ، بأنْ يطَأَ الثَّانيةَ والثَّالثةَ فتَتَعيَّنُ الرَّابعةُ للطَّلاقِ، أو يَقولَ: «هذهِ مَنكوحةٌ وهذهِ الرَّابعَةُ» إنْ كُنَّ أربعًا، وإنْ كُنَّ ثَلاثًا تَتعيَّنُ الثَّالثةُ للطَّلاقِ بوَطءِ الثَّانيةِ أو بقَولهِ للثَّانيةِ: «هَذهِ مَنكوحَةٌ».
وكذلكَ إذا ماتَتْ إحداهُما قبْلَ البَيانِ طَلُقَتِ الباقِيةُ؛ لأنَّ الَّتي ماتَتْ خَرَجتْ عنِ احتِمالِ البَيانِ فيها؛ لأنَّ الطَّلاقَ يقَعُ عِنْدَ البَيانِ، وقد خَرَجتْ عنِ احتِمالِ الطَّلاقِ فخَرَجتْ عنِ احتِمالِ البَيانِ، فتَعيَّنتِ الباقِيةُ للطَّلاقِ.
[ ١٧ / ٣٨٠ ]
ولو ماتَتْ إحداهُمَا قبْلَ البَيانِ فقالَ الزَّوجُ: «إيَّاها عَنَيتُ» لَم يَرِثْها وطَلُقَتِ الباقيةُ؛ لأنَّها لمَّا ماتَتْ تَعيَّنتِ الباقِيةُ للطَّلاقِ، فإذا قالَ: «عَنَيتُ الأُخرَى» فقَدْ أرادَ صَرْفَ الطَّلاقِ عن الباقِيةِ فلا يُصدَّقُ فيهِ، ويُصدَّقُ في إبطالِ الإرثِ؛ لأنَّ ذلكَ حقُّهُ، والإنسانُ في إقرارِهِ بإبطالِ حقِّ نفسِه مُصدَّقٌ؛ لانتِفاءِ التُّهمةِ.
وكذلكَ إذا ماتَتا جَميعًا أو إحداهُما بعْدَ الأُخرَى ثمَّ قالَ: «عَنَيتُ الَّتي ماتَتْ أوَّلًا» لَم يَرِثْ مِنهُما، أمَّا مِنَ الثَّانيةِ فلِتَعيُّنِها للطَّلاقِ بمَوتِ الأُولَى، وأمَّا مِنَ الأُولَى فلإقرارِهِ أنَّه لا حَقَّ لهُ في مِيراثِها، وهوَ مُصدَّقٌ على نَفسِه.
ولو ماتَتا جَميعًا بأنْ سقَطَ عَليهما حائِطٌ أو غَرِقَتا يَرِثُ مِنْ كُلِّ واحدَةٍ مِنهُما نِصفَ مِيراثِها؛ لأنَّه يَستحِقُّ مِيراثَ كلِّ واحدةٍ مِنهما في حالٍ، ولا يَستحقُّه في حالٍ، فيَتَنصَّفُ.
وكذلكَ إذا ماتَتا جَميعًا أو إحداهُما بعْدَ الأُخرَى لكنْ لا يُعرَفُ التَّقدُّمُ والتَّأخُّرُ فهذا بمَنزلةِ مَوتِهمَا معًا، ولَو ماتَتا معًا ثمَّ عَيَّنَ إحداهُما بعْدَ موتِهما وقالَ: «إيَّاها عَنَيتُ» لا يَرِثُ مِنهُا ويَرِثُ مِنَ الأُخرَى نِصفَ ميراثِ زَوجٍ؛ لأنَّهُما لمَّا ماتَتا فقَدِ استَحقَّ مِنْ كلِّ واحدةٍ مِنهُما نِصفَ مِيراثٍ لِمَا بيَّنَّا، فإذا أرادَ إحداهُما عَينًا فقَدْ أسقَطَ حقَّهُ مِنْ مِيراثِها وهوَ النِّصفُ، فيَرِثُ مِنَ الأُخرَى النِّصفَ.
ولو ارتَدَّتا جَميعًا قبْلَ البَيانَ فانقضَتْ عِدَّتُهما وبانَتَا لم يكنْ لهُ أنْ
[ ١٧ / ٣٨١ ]
يُبِينَ الطَّلاقَ الثَّلاثَ في إحداهُما، أمَّا البَينونةُ فلِأنَّ المِلكَ قَدْ زالَ مِنْ كُلِّ وجهٍ بالرِّدَّةِ وانقِضاءِ العدَّةِ، وإذا زالَ المِلكُ لا يَملِكُ البَيانَ، وهذا يَدلُّ على أنَّ الطَّلاقَ لم يَقعْ قبْلَ البَيانِ؛ إذْ لو وقَعَ لَصَحَّ البَيانُ بعْدَ البَينونَةِ؛ لأنَّ البَيانَ حينَئذٍ يَكونُ تَعيينَ مَنْ وَقعَ عليهِ الطَّلاقُ، فلا تَفتَقرُ صِحتُه إلى قيامِ المِلكِ.
ولو بَيَّنَ الطَّلاقَ في إحداهُما تَجبُ عَليها العدَّةُ مِنْ وَقتِ البَيانِ، كذا رُوِيَ عن أبي يُوسفَ، حتَّى لو راجَعَها بعْدَ ذلكَ صحَّتْ رَجعَتُه، وكذا إذا بيَّنَ الطَّلاقَ في إحداهُما وقدْ كانَتْ حاضَتْ قبْلَ البَيانِ ثَلاثَ حِيَضٍ لا تَعتَدُّ بمَا حاضَتْ قبْلَهُ، وتَستأنِفُ العدَّةَ مِنْ وَقتِ البَيانِ، وهذا يَدلُّ على أنَّ الطَّلاقَ لم يكنْ واقِعًا قبْلَ البَيانِ.
ورُويَ عَنْ مُحمَّدٍ أنهُ تَجبُ العدَّةُ مِنْ وَقتِ الإرسالِ، وتَنقَضِي إذا حاضَتْ ثلاثَ حِيَضٍ مِنْ ذلكَ الوَقتِ، ولا تَصحُّ الرَّجعَةُ بعْدَ ذلكَ، وهذا يَدلُّ على أنَّ الطَّلاقَ نازِلٌ في غَيرِ المُعيَّنِ.
وإنْ ماتَ الزَّوجُ قبْلَ أنْ يُبيِّنَ وهمَا غَيرُ مَدخولٍ بهمَا فلَهُما جَميعًا الصَّداقُ، ونُصِّفَ بيْنَهما نِصفَينِ، والمِيراثُ بيْنَهما نِصفَينِ؛ وذلكَ لأنَّ إحداهُما قَدْ طلقَتْ وسَقَطَ نِصفُ مَهرِها ولا نَعرِفُها بِعَينهَا، فيَدخلُ ضَرَرُه عَليهِما، فيَكونُ المَهرُ والنِّصفُ بيْنَهما نِصفَينِ؛ لتَساويهِما فيهِ.
وكذلكَ الميراثُ بيْنَهما؛ لأنَّ إحداهُما امرَأتُه مُستحِقَّةٌ للميراثِ،
[ ١٧ / ٣٨٢ ]
والأُخرَى أجنبيَّةٌ لا شيءَ لها، فلمَّا لم تُعرَفْ بعَينِها تَساوَيَا جَميعًا في دَعوَى الميراثِ، فكانَ بيْنَهما (^١).
وقالَ الشَّافعيةُ: إذا قالَ لزَوجتَيهِ: «إحداكُما طالِقٌ»؛ فإنْ قصَدَ واحدةً بعَينِها فهيَ المُطلَّقةُ، فعليهِ بيانُها، وإنْ أرسلَ اللَّفظَ ولَم يَقصدْ مُعيَّنةً، بلْ أطلَقَ أو قصَدَ واحِدةً لا بعَينِها طلقَتْ إحداهُما مُبهمًا ويُعيِّنُها الزَّوجُ، وفيهِ مسائِلُ:
المَسألةُ الأُولَى: يُلزَمُ الزَّوجُ بالتَّبيينِ إذا نَوَى واحدةً بعَينِها، وهيَ قصْدُ واحدةٍ مُعيَّنةٍ، وبالتَّعيينِ إذا لَم ينْوِ واحدةً مُعيَّنةً بلْ مُبهمةً؛ لتَعلمَ المُطلَّقةُ مِنهُما فيَترتَّبَ عليها أحكامُ الفِراقِ، ويُمنَعُ مِنْ قُربانِهما حتَّى يُبيِّنَ أو يُعيِّنَ، وذلكَ بالحَيلولةِ بيْنَه وبيْنَهما، ويَلزمُه التَّبيينُ والتَّعيينُ على الفَورِ، فإنْ أخَّرَ عَصَى، فإنِ امتَنعَ حُبسَ وعُزِّرَ، ولا يُقنَعُ بقَولِه: «نَسيتُ المُعيَّنةَ»، وإذا بيَّنَ في الصُّورةِ الأُولَى فللأُخرَى أنْ تدَّعِيَ عليهِ أنَّكَ نَوَيتَني وتُحلِّفَه، فإنْ نكَلَ حلَفَتْ وطُلِّقَتا، وإذا عيَّنَ في الصُّورةِ الثَّانيةِ فلا دَعَوى لها؛ لأنهُ اختِيارٌ يُنشِئُه، هذا كلُّه في الطَّلاقِ البائِنِ، فلو أبهَمَ طَلقَةً رَجعيَّةً بَينَهما فهلْ يَلزمُه أنْ يُبيِّنَ أو يُعيِّنَ في الحالِ؟ وَجهانِ حكاهُما الإمامُ، أحدَهُما: نعَمْ، لحُصولِ التَّحريمِ، وأصَحُّهما: لا؛ لأنَّ الرَّجعيَّةَ زَوجةٌ.
_________________
(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٤٥٠)، و«شرح مختصر الطحاوي» للجصاص (٥/ ٩٢، ٩٣)، و«اختلاف العلماء» ص (١٦٦، ١٦٧)، و«بدائع الصنائع» (٣/ ٢٢٥، ٢٢٦)، و«الاختيار» (٣/ ١٧٩، ١٨٠).
[ ١٧ / ٣٨٣ ]
المَسألةُ الثَّانيةُ: ويَلزمُه نَفقَتُهما إلى البَيانِ والتَّعيينِ، وإذا بيَّنَ أو عيَّنَ لا يَستَردُّ المَصروفَ إلى المُطلَّقةِ؛ لأنَّها مَحبوسةٌ عِندَه حبْسَ الزَّوجةِ.
المَسالةُ الثَّالثةُ: وُقوعُ الطَّلاقِ فيما إذا نوَى مُعيَّنةً يَحصلُ بقَولِه: «إحداكُما طالِقٌ»، ويَحتَسبُ عدَّةَ مَنْ بيَّنَ الطَّلاقَ فيها مِنْ حينِ اللَّفظِ على المَذهبِ المَنصوصِ، وحُكِيَ قَولٌ مُخرَّجٌ أنَّها مِنْ وَقتِ البَيانِ، قالَ الإمامُ: وهذا غَيرُ سَديدٍ.
أما إذا لم يَنوِ مُعيَّنةً ثمَّ عَيَّنَ فهل يَقعُ الطَّلاقُ مِنْ حينِ قالَ: إحداكُما طالقٌ؟ أم مِنْ حينِ التَّعيينِ؟ وَجهانِ، أصوَبُهما مِنْ حينِ قالَ: «إحداكُما طالقٌ»؛ لأنَّه لولا وُقوعُ الطَّلاقِ لمَا مُنعَ مِنهُما.
المَسألةُ الرَّابعةُ: لو وَطِئَ إحداهُما نُظِرَ إنْ كانَ نَوَى مُعيَّنةً فهيَ المُطلَّقةُ، ولا يَكونُ الوَطءُ بيانًا، بلْ تَبقَى المُطالَبةُ بالبَيانِ، فإنْ بيَّنَ الطَّلاقَ في المَوطوءةِ فعَليهِ الحَدُّ إنْ كانَ الطَّلاقُ بائِنًا، ويَلزمُه المَهرُ؛ لجَهلِها كَونَها المُطلَّقةَ، وإنْ بيَّنَ في غَيرِ المَوطُوءةِ قُبِلَ، فإنِ ادَّعتِ المَوطوءةُ أنهُ أرادها حَلَفَ، فإنْ نكَلَ وحلَفَتْ طُلِّقَتا، وعليهِ المَهرُ، ولا حدَّ؛ للشُّبهةِ.
وإنْ لم يكنْ نَوَى مُعيَّنةً فهلْ يكونُ الوَطءُ تَعيينًا؟ وَجهانِ، ويُقالُ: قَولانِ، أحدُهُما: نعَمْ، والثَّانِي: لا، وهوَ ظاهِرُ نصِّ الشَّافعيِّ ﵀، فإنهُ قالَ: إذا قالَ: «إحداكُما طالِقٌ» مُنِعَ مِنهُما، ومَن يقولُ: الوطءُ تَعيينٌ لا يَمنَعُه وَطءَ أيِّهما شاءَ.
[ ١٧ / ٣٨٤ ]
الخامسةُ: في ألفاظِ البَيانِ والتَّعيينِ، فإنْ نَوَى مُعيَّنةً حصَلَ البَيانُ، بأنْ يَقولَ مُشيرًا إلى واحدةٍ: «المُطلَّقةُ هذهِ»، ولو قالَ: «الزَّوجةُ هذهِ» بانَ الطَّلاقُ في الأُخرَى، وكذا لو قالَ: «لم أُطلِّقْ هذهِ» (^١).
القَولُ الثَّاني: أنَّ جَميعَ نِسائِه تَطلُقُ عليهِ، فإذا قالَ: «إحداكُما طالِقٌ»، أو امرَأتُه طالِقٌ ولهُ امرأتانِ، أو لزَوجاتِهِ: «إحداكُنَّ طالِقٌ» ولم يَنوِ مُعيَّنةً في الجَميعِ، أو نَوَى واحدةً ونَسِيَها؛ طَلُقَتا أو طَلُقْنَ على المَشهورِ عندَ المالكيَّةِ، وليسَ لهُ أنْ يَختارَ واحدةً مِنهنَّ، وهذا قَولُ المِصريِّينَ، وقالَ المَدنيُّونَ: يُخيَّرُ فيمَن شاءَ مِنهُما، فيُوقِعُ الطَّلاقَ عليها كالعِتقِ.
ولا خِلافَ بيْنَهم أنهُ يُصدَّقُ فيما لو قالَ: نَويتُ واحدةً بعَينِها.
جاءَ في «المَدوَّنة الكُبْرَى»: قُلتُ: أرأَيتَ لَو أنَّ رَجلًا قالَ: «إحدَى امرَأتَيَّ طالقٌ ثلاثًا» ولم يَنوِ واحِدةً منهُما بعَينِها، أَيكونُ لهُ أنْ يُوقِعَ الطَّلاقَ على أيتِهما شاءَ؟ (قالَ): قالَ مالكٌ: إذا لم يَنوِ حينَ تَكلَّمَ بالطَّلاقِ واحدةً بعَينِها طَلُقَتا عليهِ جَميعًا، وذلكَ أنَّ مالِكًا قالَ في رَجلٍ لهُ امرأتانِ أو أكثرُ مِنْ ذلكَ فقالَ: «امرأةٌ مِنْ نِسائِي طالِقٌ ثلاثًا إنْ فعلْتُ كذا وكذا» ففَعَلَه، (قالَ): إنْ كانَ نَوَى واحدةً مِنهنَّ بعَينِها حينَ حلَفَ طَلُقَتْ عليهِ، وإلَّا طُلِّقنَ جَميعًا
_________________
(١) «الأم» (٥/ ٢٦٣)، و«الحاوي الكبير» (١٠/ ٢٧٨، ٢٨٣)، و«روضة الطالبين» (٥/ ٤٠٦، ٤٠٩)، و«النجم الوهاج» (٧/ ٥٤٣، ٥٤٥)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٤٩٤، ٤٩٥)، و«تحفة المحتاج» (٩/ ٤٥٣، ٤٥٥)، و«نهاية المحتاج» (٦/ ٥٤٧، ٥٤٩)، و«الديباج» (٣/ ٤٣٩، ٤٤٠).
[ ١٧ / ٣٨٥ ]
بما حلَفَ بهِ، وإنْ كانَ نَوَى واحدةً مِنهنَّ بعَينِها فنَسيَها طُلِّقنَ عليهِ جَميعًا، (قلتُ): وما حجَّةُ مالكٍ في هذا؟ (قالَ): لأنَّ الطَّلاقَ ليسَ يُختارُ فيهِ في قولِ مالكٍ، (وقالَ ابنُ القاسِمٍ:) حَدَّثني يَحيَى بنُ عبدِ اللهِ بنِ سالِمِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ بنِ الخطَّابِ أنَّ عُمرَ بنَ عَبدِ العزيزِ قَضَى بهِ في رَجلٍ مِنْ أهلِ الباديةِ كانَ يَسقي على ماءٍ لهُ فأقبَلَتْ ناقةٌ له فنظَرَ إليها مِنْ بَعيدٍ فقالَ: «امرأتُه طالقٌ البَتَّة -وله امرَأتانِ- إنْ لَم تكنْ فُلانة» لناقةٍ لهُ، فأقبلَتْ ناقةٌ غيرُ تلكَ النَّاقةِ، فقَدمَ الأعرابيُّ المَدينةَ فدخَلَ على أبي بكرِ بنِ مُحمدِ بنِ عَمرِو بنِ حَزمٍ، وهو عامِلٌ لعُمرَ بنِ عَبدِ العَزيزِ على المَدينةِ، وعُمرُ يَومئذٍ خَليفةٌ، فقَصَّ عليهِ قصَّتَه، فأشكَلَ عليهِ القَضاءُ فيها، فكتَبَ إلى عُمرَ في ذلكَ، فكتَبَ إليهِ عُمرُ: إنْ كانَ نَوَى واحدةً مِنهُما حينَ حلَفَ فهوَ ما نَوَى، وإلَّا طَلُقَتا جَميعًا عَليهِ، (قلتُ): فإنْ قالَ: «إحداكُما طالقٌ» وقالَ: «قد نَويتُ هَذهِ بعَينِها» وعَليهِ بيَّنةٌ حين حلَفَ فيهما أيُصدَّقُ في قولِ مالكٍ؟ قالَ: نعَمْ، (قُلتُ): أرأَيتَ إنْ طلَّقَ إحدَى امرأتَيهِ ثلاثًا فنَسيَها، أيَلزَمُه الطَّلاقُ فيهما جَميعًا أم لا في قولِ مالكٍ؟ (قالَ): قالَ مالكٌ: يَلزمُه الطَّلاقُ فيهما جَميعًا، (قلتُ): فهل يُقالُ لهُ: طلِّقْ مِنْ ذي قَبلِ الَّتي لَم تُطلِّقْ؟ أو يقالُ لهُ: طَلِّقهُما جَميعًا مِنْ ذي قبلُ؟ (قالَ): ما سَألْنا مالكًا عَنْ هذا، ولكنَّ مالكًا قالَ: تُطْلُقانِ عليهِ جَميعًا، (قُلتُ): أرأَيتَ إنْ قالَ: إحداكُما طالِقٌ؟ (قالَ:) قالَ مالِكٌ: تَطْلُقانِ عليهِ جَميعًا إذا لم يَنوِ واحدةً منهُما (^١).
_________________
(١) «المدونة الكبرى» (٥/ ١٥، ١٦)، و«الجامع لمسائل المدونة» (٧/ ٥٥٢)، و«التبصرة» (٦/ ٢٦٣٠)، و«التاج والإكليل» (٣/ ١٠٠)، و«مواهب الجليل» (٥/ ٣١٤، ٣١٥)، و«شرح مختصر خليل» (٤/ ٦٥)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٣٠٥، ٣٠٦)، و«تحبير المختصر» (٣/ ٢٠٠، ٢٠١).
[ ١٧ / ٣٨٦ ]
القَولُ الثَّالثُ للحَنابلةِ قالُوا: إذا قالَ لزَوجاتِهِ: «إحداكُنَّ طالِقٌ» ونَوَى واحدةً مُعيَّنةً قُبِلَ منهُ تَعيينُها وطلقَتْ؛ لأنهُ عَيَّنَها بنيَّتِه أشبَهَ ما لو عَيَّنَها بلَفظِه، وإنْ لم يَنوِ ففيهِ رِوايتانِ، أشهَرُهما -وهي المَذهبُ- أنهُ يُخرِجُ المُطلَّقةَ بالقُرعةِ إذا لم يَنوِ واحدةً بعَينِها، وهو قولُ عَليٍّ وابنِ عبَّاسٍ، ولا يُعرَفُ لهُما مُخالِفٌ في الصَّحابةِ، وبهِ قالَ الحسَنُ البَصريُّ وأبو ثَورٍ وغَيرُهما، ولأنهُ إزالةُ مِلكٍ بُنيَ على التَّغليبِ والسِّرايةِ فتَدخُلُه القُرعةُ كالعِتقِ، وممَّا يَدلُّ على صحَّةِ تَعيينِ المُطلَّقةِ بالقُرعةِ حَديثُ عِمرانَ بنِ حُصينٍ في عِتقِ الأَعْبُدِ السِّتةِ، فإنَّ تَصرُّفَه في الجَميعِ لمَّا كانَ باطلًا جُعلَ كأنهُ أعتَقَ ثُلثًا منهُم غيرَ مُعيَّنٍ، فعَيَّنَه النَّبيُّ ﷺ بالقُرعةِ، والطَّلاقُ كالعتاقِ في هذا؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ مِنهُما إزالةُ مِلكٍ مَبنيٌّ على التَّغليبِ والسِّرايةِ، فإذا اشتَبَهُ المَملوكُ في كلٍّ مِنهُما بغَيرِه لم يُجعَلِ التَّعيينُ إلى اختيارِ المالِكِ.
ولأنَّ الحَقَّ لواحدٍ غَيرِ مُعيَّنٍ فوجَبَ تَعيينهُ بالقُرعةِ، كالحرِّيةِ في العَبيدِ إذا أعتَقَهُم في مرَضِه ولم يَخرُجْ جَميعُهُم مِنَ الثُّلثِ، وكالسَّفرِ بإحدَى نِسائِه، والبدايةِ بإحداهُنَّ في القَسْمِ، وكالشَّريكَينِ إذا اقتَسَما، ولأنهُ طلَّقَ
[ ١٧ / ٣٨٧ ]
واحدةً مِنْ نِسائِه لا يَعلمُ عَيْنَها فلم يَملِكْ تَعيينَها باختيارِهِ كالمَنسيَّةِ، وأمَّا الدَّليلُ على أنهنَّ لا يَطلُقْنَ جَميعًا أنه أضافَ الطَّلاقَ إلى واحدةٍ فلَم يَطلُقِ الجَميعُ كما لو عَيَّنَها.
فإنْ ماتَ قبْلَ القُرعةِ والتَّعيينِ أقرَعَ الورَثةُ بيْنَهنَّ، فمَن وَقعَتْ عليها قُرعةُ الطَّلاقِ فحُكمُها في المِيراثِ حُكمُ ما لو عَيَّنَها بالتَّطليقِ مِنهنَّ؛ لأنهنَّ قد تَساوَينَ ولا سَبيلَ إلى التَّعيينِ، فوجَبَ المَصيرُ إلى القُرعةِ كمَن اعتَقَ عَبيدًا في مرَضِه لا مالَ لهُ سِواهُم، وقَد ثبَتَ الحُكمُ فيهم بالنَّصِّ؛ لأنَّ في تَوريثِ الجَميعِ تَوريثَ مَنْ لا يَستَحقُّ يَقينًا، والوَقفُ لا إلى غايةٍ حِرمانٌ للمُستحِقِّ يَقينًا، والقُرعةُ يُسلَمُ بها مِنْ هذينِ المَحذورَينِ، ولها نَظيرٌ في الشَّرعِ.
ولم يَجبْ عَليها عِدةُ الوفاةِ، وتُحسَبُ لها عدَّةُ الطَّلاقِ مِنْ حينِه، وعلى البَواقي عدَّةُ الوَفاةِ في ظاهِرِ كَلامِ أحمَدَ ﵁؛ لأنَّ الطَّلاقَ لمَّا ثبَتَ بالقُرعةِ تَبِعَه لَوازِمُه مِنْ العِدَّةِ وغَيرِها، وقالَ القاضي: يَجِبُ على كُلِّ واحدةٍ مِنهنَّ عِدَّةُ الوَفاةِ إنْ لم يَكنْ دخَلَ بهنَّ، وإنْ دخَلَ بهنَّ لَزمَهنَّ أطوَلُ الأمرَينِ مِنْ عدَّةِ الطَّلاقِ مِنْ حينِهِ وعدَّةِ الوَفاةِ مِنْ حينِها؛ لأنَّ كلَّ واحدةٍ مِنهنَّ يُحتمَلُ أنْ تكونَ مُطلَّقةً وأنْ تكونَ زَوجةً، فلا تَبْرَأُ الذمَّةُ بدونِ ذلكَ، وهذا يُخالِفُ المَنصوصَ عَنْ أحمَدَ؛ فإنهُ نَصَّ في رِوايةِ أبي طالِبٍ أنَّه يُقرَعُ بيْنَهنَّ فأيتَهنَّ أصابَتْها القُرعةُ لم تُورَّثْ ولم تَعتَدَّ، ومُرادُه أنَّها لم تَعتَدَّ عدَّةَ الوفاةِ، وهذا يَدلُّ على أنَّ العدَّةَ تابِعةٌ للميراثِ، وهو ظاهِرُ كلامِ القاضِي في
[ ١٧ / ٣٨٨ ]
«المُجَرّد»، فمَن خرَجَتْ لها قُرعةُ الطَّلاقِ فليسَ عَليها سِوَى عدَّةِ الطَّلاقِ مِنْ حينِها، وعلى البَواقي عدَّةُ الوَفاةِ مِنْ حينِها؛ لأنَّ القُرعةَ بيِّنةٌ شَرعيَّةٌ، وقَد حَكَمْنا بحِلِّ البُضعِ بها، فجازَ أنْ يَبتنيَ عليها حُكمُ العدَّةِ؛ لأنَّها مِنْ تَوابعِ الطَّلاقِ ولوازِمِه.
وعنِ الإمامِ أحمَدَ رِوايةٌ: يُعيِّنُها الزَّوجُ، فيُعيِّنُ أيتَهما شاءَ.
ولا يَجوزُ لهُ أنْ يطَأَ إحداهُما قبْلَ القُرعةِ أو التِّعيينِ على الرِّوايةِ الأُخرَى، وليسَ الوَطءُ تَعيينًا لغَيرِها على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ.
ولا يَقعُ الطَّلاقُ بالتَّعيينِ، بلْ تَبيَّنَ وُقوعُه بهِ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، نَصَّ عليهِ، وقيلَ: بَلى (^١).
الحالةُ الخامسةُ: إذا قالَ لزَوجتِه وأجنبيَّةٍ: إحداكُما طالِقٌ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو قالَ الزَّوجُ لزَوجتِهِ وامرأةٍ أجنبيَّةٍ: «إحداكُما طالقٌ»، هَلْ تطلقُ زَوجَتُه أم لا تطلقُ؟ وهلْ يُقبَلُ قَولُه في ذلكَ أم لا؟
فذهَبَ الحنفيَّةُ إلى أنَّ الزَّوجَ لو جمَعَ بيْنَ امرأتِه وأجنبيَّةٍ وقالَ: طَلَّقتُ إحداكُما، طلقَتِ امرَأتُه؛ لأنهُ إيقاعٌ ظاهِرٌ مُستَعملٌ فيهِ عُرفًا.
_________________
(١) «المغني» (٧/ ٣٨٢)، و«الشرح الكبير» (٨/ ٤٥٨، ٤٥٩)، و«بدائع الفوائد» (٣/ ٧٨٦)، و«الطرق الحكمية» (١/ ٤٣٥)، و«المحرر في الفقه» (٢/ ٦١)، و«القواعد» لابن رجب (١/ ٤٠٨)، و«المبدع» (٧/ ٣٨٢، ٣٨٣)، و«الإنصاف» (٩/ ١٤١، ١٤٣)، و«كشاف القناع» (٥/ ٣٨٥، ٣٨٦).
[ ١٧ / ٣٨٩ ]
وإنْ قالَ لامرأتِهِ ولأجنبيَّةٍ: «إحداكُما طالِقٌ»؛ فإنْ قالَ: عَنَيتُ امرأتي، وقَعَ الطَّلاقُ عليها، وإلَّا لَم يقَعْ بأنْ لَم ينوِ شَيئًا، والقَولُ قَولُه أنَّه لم يُرِدِ امرأتَهُ معَ يَمينِه؛ لأنَّه صادِقٌ في هذا الإخبارِ في حَقِّ الأجنبيَّةِ مِنْ كَونِها فارِغةً عَنْ قَيدِ النِّكاحِ؛ لأنَّ اللَّفظَ المَذكورَ يَصلُحُ عِبارةً عنِ امرأتِه وعنِ المرأةِ الأُخرَى، فكانَ هذا كِنايةً مِنْ حَيثُ المَحلُّ، وكما أنَّ ألفاظَ الكِنايةِ لا تَعمَلُ إلَّا بالنِّيةِ فكذلكَ الكِنايةُ مِنْ حَيثُ المَحَلِّ لا يَتعيَّنُ فيهِ امرَأتُه إلَّا بالنِّيةِ، ويَحلِفُ باللهِ ما عَنِيَ امرأتَهُ كما في الكِناياتِ.
وإذا جمَعَ بيْنَ امرأتَينِ إحداهُما صَحيحةُ النِّكاحِ والأُخرَى فاسِدةُ النِّكاحِ فقالَ: «إحداكُما طالِقٌ» لا تَطلُقُ صَحيحَةُ النِّكاحِ، كما لَو جمَعَ بيْنَ مَنكوحةٍ وأجنبيَّةٍ وقالَ: «إحداكُما طالِقٌ».
ولو كانَ لهُ زَوجتانِ اسمُ كلِّ واحدةٍ مِنهُما زَينبُ إحداهُما صَحيحةُ النِّكاحِ والأُخرَى فاسدةُ النِّكاحِ فقالَ: «زَينبُ طالِقٌ» طَلُقَتْ صَحيحةُ النِّكاحِ، وإنْ قالَ: «عَنَيتُ بهِ الأُخرَى» لا يُصدَّقُ قَضاءً.
ولو جمَعَ بيْنَ مَنكوحَتِهِ ورَجلٍ فقالَ: «إحداكُما طالقٌ» لا يَقعُ الطَّلاقُ على امرأتِهِ في قَولِ أبي حَنيفةَ، وعَن أبي يُوسفَ أنهُ يقَعُ.
ولو جمَعَ بيْنَ امرأتِهِ ومَا ليسَ بمَحَلٍّ للطَّلاقِ كالبَهيمةِ والحجَرِ وقالَ: «إحداكُما طالِقٌ» طَلُقَتِ امرأتُهُ في قولِ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ، وقالَ مُحمدٌ: لا تَطلُقُ.
[ ١٧ / ٣٩٠ ]
ولو جمَعَ بيْنَ امرأتِهِ الحيَّةِ والمَيِّتةِ وقالَ: «إحداكُما طالِقٌ» لا تَطلُقُ الحيَّةُ (^١).
وقالَ المالكيَّةُ: لو قالَ لزَوجتِهِ وأجنبيَّةٍ: «إحداكُما طالِقٌ» ثمَّ قالَ: «أردْتُ الأجنبيَّةَ» لَم يُقبَلْ منهُ وطلقَتِ الزَّوجةُ (^٢).
وقالَ الشَّافعيةُ: ولو كانَتْ زَوجتُهُ معَ أجنبيَّةٍ فقالَ: «إحداكُما طالِقٌ»؛ فإنْ أرادَ طلاقَ زوجَتِهِ طُلِّقَتْ، وإنْ أرادَ الأجنبيَّةَ وقالَتِ الزَّوجةُ: «بلْ أردتَنِي» .. فالقَولُ قَولُه معَ يَمينِه أنَّه ما أرادَها وإنَّما أرادَ الأجنبيَّةَ؛ لأنَّ الطَّلاقَ إنَّما يقَعُ على امرأتِهِ بأنْ يُشيرَ إليها أو يَصِفَها، وقَولُه: «إحداكُما» ليسَ بإشارةٍ إليها ولا بصِفةٍ لها، فلَم يقَعْ عليها الطَّلاقُ ويُقبَلُ منهُ ظاهِرًا وباطِنًا، ولَم تطلقْ زَوجتُه في الأصحِّ معَ يَمينِه؛ لأنَّ الكلمةَ مُتردِّدةٌ بيْنَهما مُحتمِلةٌ لهذِه وهذهِ.
ومُقابلُ الأصحِّ: لا يُقبَلُ وتطلقُ زَوجتُه؛ لأنَّها مَحلُّ الطَّلاقِ فلا يَنصرِفُ عنها إلى الأجنبيَّةِ بالقَصدِ.
وإنْ لم يَكنْ لهُ قصدٌ فقيلَ: تطلقُ زَوجتُه، وقيلَ: لا تطلقُ.
ولو كانَ اسمُ زَوجتِه زَينَبُ وفي البلدِ جَماعةُ زَيانِبَ يُشاركْنَها في الاسمِ
_________________
(١) «المبسوط» (٦/ ٩١)، و«بدائع الصنائع» (٣/ ٢٢٧، ٢٢٨)، و«المحيط البرهاني» (٣/ ٥٩٨)، و«البحر الرائق» (٣/ ٢٦٣، ٢٦٤)، و«النهر الفائق» (٢/ ٣١٧).
(٢) «عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة» (٢/ ٥٣٥).
[ ١٧ / ٣٩١ ]
فقالَ: «زَينبُ طالِقٌ» وقالَ: «أردتُ غَيرَ زَوجتِي مِنَ الزَّيانبِ» لم يُقبَلْ مِنهُ على الصَّحيحِ، وطُلِّقَتْ عليهِ زَوجَتُه في الظَّاهرِ، وكانَ مَدينًا في الباطِنِ، فيدينُ فيما بَينَه وبيْنَ اللهِ، كما لو كانَ لهُ زَوجةٌ قبْلَها واسمُها زَينبُ وطلَّقَها أو ماتَتْ وقالَ: «أردْتُها».
والثَّاني: يُقبَلُ قَولُه بيَمينهِ؛ لاحتِمالِ اللَّفظِ لذلكَ كما في الصُّورَةِ الأُولَى.
ولو قالَ وزَوجتُه ابنَةُ زَيدٍ ولزَيدٍ بنْتٌ أُخرَى، فقالَ: «بنتُ زَيدٍ طالِقٌ» وقالَ: «أردْتُ أُختَها دُونَها» فهذا وإنْ كانَ تَعريفًا ولم يكنِ اسمًا فهوَ بالاسِمِ أشبهُ منهُ بالكِنايةِ، فلا تُقبَلُ منهُ ويَلزمُه الطَّلاقُ في الظَّاهِرِ ويَدينُ في الباطنِ.
ولو نكحَ امرأةً نِكاحًا صَحيحًا وأُخرَى نكاحًا فاسِدًا وكلٌّ مِنهُما اسمُها زَينبُ، وقالَ: «زَينبُ طالِقٌ» وقالَ: «أردْتُ فاسِدةَ النِّكاحِ» قُبلَ منهُ إذا لَم يَعلمْ فَسادَ نِكاحِها، وإلَّا فهيَ أجنبيَّةٌ فلا يُقبَلُ مِنهُ ظاهِرًا ويُديَّنُ.
قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ ﵀: ولو نَظَرَ رَجلٌ إلى امرَأةٍ لهُ وامرأةٍ معها ليسَتْ لهُ بامرَأةٍ فقالَ: «إحداكُما طالِقٌ» كانَ القَولُ قولَهُ، فإنْ أرادَ امرَأتَهُ فهيَ طالِقٌ، وإنْ أرادَ الأجنبيَّةَ لَم تَطلُقِ امرَأتُه، وإنْ قالَ: «أردتُ الأجنبيَّةَ» أُحلِفَ وكانَتِ امرأتُه بحالِها لم يَقعْ عليها طلاقٌ (^١).
_________________
(١) «الأم» (٥/ ١٨٧)، و«الحاوي الكبير» (١٠/ ٢٩٥)، و«المهذب» (٢/ ٩٨)، و«البيان» (١٠/ ٢١٧)، و«روضة الطالبين» (٥/ ٤٠٥، ٤٠٦)، و«النجم الوهاج» (٧/ ٥٤٢، ٥٤٣)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٤٩٣)، و«تحفة المحتاج» (٩/ ٤٥١، ٤٥٢)، و«نهاية المحتاج» (٦/ ٥٤٦، ٥٤٧)، و«الديباج» (٣/ ٤٣٨، ٤٣٩).
[ ١٧ / ٣٩٢ ]
وقالَ الحَنابلةُ: إنْ قالَ لامرَأتِه وأجنبيَّةٍ: «إحداكُما طالِقٌ، أو سَلْمَى طالِقٌ» واسمُهَما -أي زَوجَتُه- والأجنبيَّةِ سَلمَى طَلُقَتْ امرَأتُه؛ لأنَّ الأصلَ اعتبارُ كَلامِ المُكلَّفِ دُونَ إلغائِه، فإنْ أضافَهُ إلى إحدَى امرأتَينِ وإحداهُما زَوجَتُه أو إلى اسمٍ وزَوجتُه مُسمَّاةٌ بذلكَ وجَبَ صَرْفُه إلى امرأتِه؛ لأنهُ لو لم يُصرَفْ إليها لَوقَعَ لَغوًا.
ولو قالَ لحَماتِه: «ابنَتُكِ طالِقٌ» ولها بنْتٌ غَيرُها وقالَ: «أردْتُ ابنتَكِ الأُخرَى الَّتي ليسَتْ بزَوجَتي» طَلُقَتْ زَوجَتُه.
وإنْ قالَ: «أردْتُ الأجنبيَّةَ» لم تَطْلُقِ امرَأتُه؛ لأنَّه لَم يُصرِّحْ بطَلاقِها ولا لفَظَ بما يَقتضِيه ولا نَواهُ، فوجَبَ بقاءُ نِكاحِها على ما كانَ عليهِ، وإنِ ادَّعى ذلكَ دُيِّنَ فيمَا بيْنَه وبيْنَ اللهِ؛ لأنَّه يحتملُ ما قالَهُ.
إلَّا أنهُ لا يُقبَلُ في الحُكمِ في أشهَرِ الرِّوايتَينِ، فلا يَحكمُ بهِ القاضي؛ لأنهُ خِلافُ الظَّاهرِ؛ لأنَّ غَيرَ زَوجتِه ليسَتْ مَحلًّا لطلاقِه إلَّا بقَرينةٍ، فإذا كانَ ثَمَّ قَرينةٌ دالَّةٌ على إرادةِ الأجنبيَّةِ مِثلَ أنْ يَدفعَ بيَمينِهِ ظُلمًا أو يَتخلَّصَ بها مِنْ مَكروهٍ فإنَّه يُقبَلُ في الحُكمِ، ونقَلَ أبو داودَ فيمَن لهُ امرأتانِ اسمُهُما واحِدٌ ماتَتْ إحداهُما فقالَ: «فلانةُ طالِقٌ» -يَنوِي المَيتةَ- فقالَ: المَيتةُ تُطلَّقُ؟! كأنَّ أحمَدَ أرادَ: لا يُصدَّقُ حُكمًا.
[ ١٧ / ٣٩٣ ]
والرِّوايةُ الثَّانيةُ: يُقبَلُ في القَضاءِ.
وإنْ نادَى امرأتَه فأجابَتْهُ امرأةٌ لهُ أُخرَى فقالَ: «أنتِ طالِقٌ» يَظنُّها المُناداةَ طَلُقَتا في إحدَى الرِّوايتَينِ؛ لأنَّها خاطَبَها بالطَّلاقِ فطَلُقَتْ كما لَو قصَدَها.
والرِّوايةُ الأُخرَى -وهيَ المَذهبُ-: تُطلَّقُ الَّتي ناداها فقطْ؛ لأنهُ قَدْ تَعلَّقَ بخطابِهِ المُناداةَ، وليسَتِ الأُخرَى مُناداةً، ولأنهُ لم يَقصِدْها بالطَّلاقِ فلم تُطلَّقْ كما لو أرادَ أنْ يقولَ: «طاهِرٌ» فسبَقَ لِسانُه فقالَ: «أنتِ طالِقٌ»، قالَ أبو بكرٍ: لا يَختَلفُ كَلامُ أحمَدَ أنَّها لا تُطلَّقُ.
وإنْ قالَ: «عَلمْتُ أنَّها غَيرُها وأردْتُ طلاقَ المُناداةِ» طُلِّقَتا معًا في قولِهمْ جَميعًا؛ لأنَّ المُناداةَ تَوجَّهَ إليها لفْظُ الطَّلاقِ ونيَّتهُ، والمُجيبَةَ توَّجَهَ إليها بخِطابِها بالطَّلاقِ، وإنْ قالَ: «أردْتُ طلاقَ الثَّانيةِ» طُلِّقَتْ وحْدَها؛ لأنَّهُ خاطَبَها بالطَّلاقِ ونَواها بهِ، ولا تُطلَّقُ غَيرُها؛ لأنَّ لفْظَه غَيرُ مُوجَّهٍ إليها ولا هيَ مَنْويَّةٌ (^١).