هذهِ المَسألةُ مِنْ أعظَمِ مسائلِ الطَّلاقِ، وهيَ كثيرةُ الوقوعِ، والفتَاوى مُضطرِبةٌ فيها.
وقد اختَلفَ فقهاءُ الأمَّةِ في حكْمِ مَنْ طلَّقَ زَوجتَهُ بلفْظٍ واحدٍ «أنتِ طالقٌ بالثَّلاثِ»، وكذا في مَجلسٍ واحدٍ مُتفرِّقًا، أو في طُهرٍ واحدٍ قبْلَ رَجعةٍ، هل تُحسَبُ عليهِ واحدةٌ أم ثلاثٌ؟ على قولَينِ:
القولُ الأوَّلُ: وهوَ الَّذي عليهِ عامَّةُ فقهاءِ الأمَّةِ، ونقَلَ فيهِ الإجماعَ عددٌ كبيرٌ منهم، أنَّ الطَّلاقَ الثَّلاثَ بلفظٍ واحدٍ «أنتِ طالقٌ بالثَّلاثِ» أو «أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ» إذا لم يُرِدْ تأكيدًا، أو في طُهرٍ واحدٍ ولو قبْلَ رجعةٍ أنَّهُ يقعُ ثلاثَ طلَقَاتٍ، وتكونُ بذلكَ قد بانَتْ منهُ زوجتُهُ، ولا
[ ١٧ / ٨٧ ]
تحِلُّ لهُ حتَّى تنكِحَ زوجًا غيرَهُ، وبهذا القولِ قالَ عامَّةُ فقهاءِ الإسلامِ مِنْ المذاهبِ الأربعةِ وغيرِهم، واستَدلُّوا على ذلكَ بالكتابِ والسنَّةِ والإجماعِ والقياسِ.
أمَّا الكتابُ: فقولُ اللهِ تعالَى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقالَ تعالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وقالَ تعالَى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١]، وقالَ تعالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
ووجهُ الدَّلالةِ: أنَّ اللهَ ﷾ لم يُفرِّقْ بيْنَ إيقاعِ الطَّلقةِ الواحدةِ والاثنتَينِ والثَّلاثِ في هذهِ الأحكامِ، فدلَّ هذا على أنَّ مَنْ أَوقَعَ الطَّلَقاتِ بأيِّ عَددٍ فقدْ لَزمَتْه، وأنَّه لمَّا جازَ جَمعُ الثنْتَينِ في الطَّلاقِ دفعةً واحدةً جازَ جَمعُ الثَّلاثِ (^١).
وقولُ اللهِ تعَالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فكانَ رفْعُ الجُناحِ عنهُ مِنْ غيرِ تمييزٍ لعَددٍ يُوجبُ التَّسويةَ بيْنَ الأعدادَ (^٢).
_________________
(١) «أحكام القرآن» للجصاص (٣/ ٨٣، ٨٧)، و«فتح الباري» (٩/ ٣٦٥)، و«نيل الأوطار» (٧/ ١٦).
(٢) «الحاوي الكبير» (١٠/ ١١٩).
[ ١٧ / ٨٨ ]
وقولُهُ تعَالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾، يعني: النَّدم الَّذي يُمكنُ تَلافيهِ بالرَّجعةِ، فأمَرَنا أنْ نُطلِّقَ ما نَملكُ معهُ الرَّجعةَ؛ لئلَّا يَلحقَنا ندمٌ عليهِ، فلا يكونُ لنا سَبيلٌ إلى تَلافِيهِ، فلولا أنَّهُ يقعُ إذا أَوقَعْناهُ على هذا الوجهِ وإلَّا لم يَكنْ لهذا القَولِ معنًى؛ لأنَّ ما يَحدثُ يُمكنُ تَلافِيه بالرَّجعةِ على قَولِ مَنْ يقولُ: «يَقعُ واحدةً»، أو لا يؤثِّرُ على قولِ مَنْ يقولُ: «لا يقَعُ جُمْلةً».
ولقولِهِ تعالَى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾، وهذا مَوضوعُهُ الزَّجرُ عنِ الفِعلِ والرَّدعُ عنهُ، فلولا أنَّهُ واقِعٌ وإلَّا لم يَصِفْه بأنَّهُ ظالِمُ نفْسِهِ؛ لأنَّه كانُ يكونُ لغوًا، واللَّاغِي لا يقالُ لهُ ذلكَ (^١).
وأمَّا السُّنةُ:
فعنِ ابنِ شهابِ أنَّ سَهلَ بنَ سَعدٍ السَّاعديَّ أخبَرَهُ «أنَّ عُويْمِرًا العجْلانِيَّ جاءَ إلى عاصِمِ بنِ عدِيٍّ الأنصارِيِّ فقالَ لهُ: يا عاصِمُ أَرَأيتَ رَجلًا وجَدَ مع امرأتِهِ رَجلًا أَيَقتلُه فتَقتلُونَهُ أمْ كيفَ يَفعَلُ؟ سَلْ لي يا عاصِمُ عَنْ ذلكَ رَسولَ اللهِ ﷺ، فسَألَ عاصِمٌ عن ذلكَ رَسولَ اللهِ ﷺ فكَرِهَ رَسولُ اللهِ ﷺ المَسائلَ وعابَها حتَّى كَبُرَ على عاصِمٍ ما سَمِعَ مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ، فلمَّا رجَعَ عاصِمٌ إلى أَهلِهِ جاءَ عوَيْمِرٌ فقالَ: يا عاصِمُ ماذا قالَ لكَ رَسولُ اللهِ ﷺ؟ فقالَ عاصِمٌ:
_________________
(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٤٠٦).
[ ١٧ / ٨٩ ]
لَم تَأْتِني بخَيرٍ، قَدْ كَرِهَ رَسولُ اللهِ ﷺ المَسألَةَ الَّتي سَأَلتُه عنها، قالَ عوَيْمِرٌ: واللهِ لا أَنتَهي حتى أَسألَهُ عنها، فأَقبَلَ عوَيْمِرٌ حتَّى أتَى رَسولَ اللهِ ﷺ وَسطَ النَّاسِ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ أَرَأيتَ رَجلًا وجَدَ مع امرأَتِهِ رَجلًا أَيَقتلُهُ فتَقتلُونَهُ أمْ كيفَ يَفعَلُ؟ فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: قد أنْزَلَ اللهُ فيكَ وفي صَاحبَتِكَ فاذهَبْ فأْتِ بها، قالَ سَهْلٌ: فتَلاعَنَا وأنا معَ النَّاسِ عِنْدَ رَسولِ اللهِ ﷺ، فلمَّا فرَغَا قالَ عُوَيْمرٌ: كذَبْتُ عَليها يا رَسُولَ اللهِ إنْ أَمسَكتُها، فطَلَّقَها ثلاثًا قبْلَ أنْ يَأمُرَهُ رَسولُ اللهِ ﷺ، قالَ ابنُ شِهابٍ: فكانَتْ تلكَ سُنّةَ المُتَلاعنَينِ» (^١).
وحجَّةُ الفُقهاءِ في جَوازِ طلاقِ الثَّلاثِ في كلمَةٍ قولُهُ في اللِّعانِ: «فطَلَّقَها ثلاثًا قبْلَ أنْ يَأمُرَهُ رَسولُ اللهِ ﷺ بذلكَ»، وقبْلَ أنْ يخبِرَه أنَّها تَطلُقُ عليهِ باللِّعانِ، ولو كانَ ذلكَ مَحظورًا عليهِ لنَهاهُ رَسولُ اللهِ ﷺ عن ذلكَ وأَعلَمَه أنَّ إيقاعَ الثَّلاثِ مُحرَّمٌ ومَعصيةٌ، فصحَّ أنَّ إيقاعَ الثَّلاثِ مُباحٌ وواقِعٌ، ولَولا ذلكَ لَم يُقرَّهُ النَّبيُّ ﷺ (^٢).
وعَن عُروةُ بنِ الزُّبيرِ أنَّ عائِشةَ ﵂ أخبَرَتْه «أنَّ امرَأةَ رفاعَةَ القُرَظيِّ جاءَتْ إلى رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَتْ: يا رسُولَ اللهِ إنَّ رفاعَةَ طَلَّقَني فبَتَّ طَلاقِي، وإنِّي نَكحتُ بعْدَهُ عبدَ الرَّحمنِ بنَ الزُّبيرِ القُرَظِيَّ، وإنَّما معه
_________________
(١) رواه البخاري (٤٩٥٩، ٥٠٠٢)، ومسلم (١٤٩٢).
(٢) «الأم» (٥/ ١٣٧)، و«شرح صحيح البخاري» (٧/ ٣٩٣)، و«الحاوي الكبير» (١٠/ ١٢٠).
[ ١٧ / ٩٠ ]
مِثلُ الهُدْبةِ، قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: لعَلَّكِ تُريدينَ أنْ تَرجعِي إلى رفاعَةَ؟ لا حتَّى يَذوقَ عُسَيْلتَكِ وتَذُوقي عُسَيلتَهُ» (^١).
وعَن القاسِمُ بنِ مُحمَّدٍ عَنْ عائِشةَ ﵂ أنَّ رجُلًا طلَّقَ امرَأتَهُ ثَلاثًا فتَزوَّجَتْ فطَلَّقَ، فسُئِلَ النَّبيُّ ﷺ: أتَحِلُّ للأوَّلِ؟ قالَ: «لا حتَّى يَذُوقَ عُسَيلتَها كما ذاقَ الأوَّلُ» (^٢).
قالَ ابنُ بطَّالٍ ﵀: وأمَّا وَجهُ التعلُّقِ بحَديثِ رفاعَةَ في هذا البابِ فقَولُها: إنَّ رفاعَةَ طلَّقنِي فبَتَّ طَلاقِي، فحمَلَهُ البُخاريُّ على أنَّ ذلكَ كانَ في كلِمةٍ واحدةٍ، وقد جاءَ في الحَديثِ أنَّها قالَتْ: «يا رَسولَ اللهِ إنَّ رفاعَةَ طلَّقَنِي آخِرَ ثَلاثٍ»، ذكَرَه في كِتابِ الأدَبِ في بابِ التبسُّمِ والضَّحكِ، فبانَ أنَّ الثَّلاثَ كانَتْ مُفتَرِقاتٍ، ولم تكنْ في كلمةٍ، فلا حُجَّةَ بهذا الحَديثِ في هذا البابِ (^٣).
وما رواهُ مسلِمٌ في «صَحيحهِ» ١٤٧٢: حدَّثَنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ ومُحمَّدُ بنُ رافِعٍ، واللَّفظُ لابنِ رافِعٍ، قالَ إسحاقُ: أخبَرَنا، وقالَ ابنُ رافِعٍ: حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاقِ أخبَرَنا مَعْمَرٌ عن ابنِ طاوُسٍ عن أبيهِ عن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «كانَ الطَّلاقُ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأَبي بَكرٍ وسَنتَينِ مِنْ
_________________
(١) رواه البخاري (٤٩٦٠).
(٢) رواه البخاري (٤٩٦١).
(٣) «شرح صحيح البخاري» (٧/ ٣٩٣)، و«فتح الباري» (٩/ ٣٦٧).
[ ١٧ / ٩١ ]
خِلافةِ عُمرَ طَلاقُ الثَّلاثِ واحِدةً، فقالَ عُمرُ بنُ الخَطَّابِ: إنَّ النَّاس قد استَعجَلُوا في أَمرٍ قد كانَتْ لهُم فيهِ أَناةٌ، فلَو أمضَيناهُ عَليهم، فأمضاهُ عَليهم».
١٤٧٢: حدَّثَنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ أخبَرَنا رَوحُ بنُ عبادَةَ أخبَرَنا ابنُ جرَيجٍ ح، وحدَّثَنا ابنُ رَافعٍ واللَّفظُ لهُ، حدَّثَنا عبدُ الرزَّاقِ أخبَرَنا ابنُ جُرَيجٍ أخبَرَني ابنُ طاوسٍ عن أبيهِ أنَّ أبا الصَّهباءِ قالَ لابنِ عبَّاسٍ: «أَتعلَمُ أنَّما كانَتِ الثَّلاثُ تُجعَلُ واحِدةً عَلى عَهدِ النَّبيِّ ﷺ وأبي بَكرٍ وثَلاثًا من إمارَةِ عُمرَ؟ فقالَ ابنُ عبَّاسٍ: نَعَم».
١٤٧٢: وحدَّثَنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ أخبَرَنا سُلَيمانُ بنُ حَربٍ عن حمَّادِ بن زَيدٍ عن أيُّوبَ السَّخْتيانِيِّ عَنْ إبراهيمَ بنِ مَيسَرةَ عن طاوُسٍ أنَّ أبا الصَّهباءِ قالَ لابنِ عبَّاسٍ: هاتِ مِنْ هَناتِكَ، ألَم يَكنِ الطَّلاقُ الثَّلاثُ عَلى عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأبِي بَكرٍ واحِدةً؟ فقالَ: قدْ كانَ ذلكَ، فلمَّا كانَ في عَهدِ عُمرَ تتَايعَ النَّاسُ في الطَّلاقِ فأَجازَهُ عَليهِم» (^١).
وقَولُه ﷺ: «ثمَّ لِيُطلِّقْها طاهِرًا أو حامِلًا» (^٢)، ولَم يُفرِّقْ بيْنَ أنْ يُطلِّقَها واحدةً أو ثَلاثًا، فلَو كانَ الحُكمُ يَختَلفُ .. لبيَّنهُ.
ورَوى الإمامُ الشَّافعيُّ عَنْ عمِّه مُحمدِ بنِ عليِّ بنِ شافِعٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عليِّ بنِ السَّائبِ عن نافعِ بنِ عُجيرِ بنِ عبدِ يزيدَ أَنَّ رُكانَةَ بنَ عَبدِ يَزيدَ طَلَّقَ
_________________
(١) رواه مسلم (١٤٧٢).
(٢) رواه مسلم (١٤٧١).
[ ١٧ / ٩٢ ]
امرَأتَهُ سُهَيمةَ الْبتَّةَ، فأَخبَرَ النَّبيَّ ﷺ بذلكَ، وقالَ: واللهِ ما أَرَدتُ إلَّا واحِدةً، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «واللهِ ما أَردتَ إلَّا واحِدةً؟ فقالَ رُكانَةُ: واللهِ ما أَردتُ إلَّا واحِدةً، فرَدَّها إلَيهِ رَسولُ اللهِ ﷺ فطَلَّقَها الثَّانيةَ في زَمانِ عُمرَ والثَّالثَةَ في زَمانِ عُثمانَ» (^١). فدلَّ على أنَّه لو أَرادَ الثَّلاثِ .. وقَعْنَ؛ إذْ لَو لَم يقَعْنَ .. لم يكُنْ لاستِحلافِه ﷺ له معنًى.
ورويَ عنِ ابنِ عمرَ ﵄: «أنَّه طَلَّقَ امرَأتَهُ تَطليقَةً وهيَ حائِضٌ، ثُمَّ أَرادَ أنْ يُتبِعَها بتَطليقتَينِ أُخراوَينِ عِنْدَ القُرْئَينِ، فبَلَغَ ذلكَ رَسولَ اللَّهِ ﷺ فقالَ: «يا ابنَ عُمرَ ما هكذا أمَرَكَ اللَّهُ إنَّكَ قَدْ أَخطَأتَ السُّنَّةَ، والسُّنَّةُ أنْ تَستقبِلَ الطُّهرُ فيُطلِّقَ لكُلِّ قُروءٍ»، قالَ: فأمَرَنِي رَسولُ اللَّهِ ﷺ فرَاجَعْتُها ثُمَّ قالَ: «إذا هيَ طَهُرَتْ فطَلِّقْ عندَ ذلكَ أو أَمسِكْ»، فقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ رَأيتَ لو أنِّي طَلَّقْتُها ثَلاثًا كانَ يَحِلُّ لي أنْ أُراجِعَها؟ قالَ: «لا كانَتْ تَبِينُ مِنْكَ وتكونُ مَعصيةً» (^٢).
_________________
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الإمام الشافعي في «الأم» (٥/ ١١٨، ١٣٧)، وأبو داود (٢٢٠٦)، والحاكم في «المستدرك» (٢٨٠٨)، وقالَ: قد صحَّ الحديثُ بهذهِ الرِّوايةِ، فإنَّ الإمامَ الشَّافعيَّ قد أَتقنَهُ وحَفظَهُ عن أهلِ بَيتِه، والسَّائِبُ بنُ عبدِ يَزيدَ أبو الشَّافِعِ بنِ السَّائبِ وهوَ أخو رُكانةَ بنِ عبدِ يزيدَ، ومحمَّدُ بنُ عليِّ بنِ شافِعٍ عمُّ الشَّافعيِّ شيخُ قُريشٍ في عَصرِه.
(٢) منكر: رواه الدارقطني (٣٩٧٤)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٤٧١٦).
[ ١٧ / ٩٣ ]
وفي حَديثِ فاطمِةَ بنتِ قَيسِ: «أنَّ زَوْجَها أَرسلَ إلَيها بثَلاثِ تَطليقاتٍ» (^١).
وعَن مَحمودَ بنِ لبيدٍ قالَ: أُخبِرَ رَسولُ اللهِ ﷺ عن رجُلٍ طلَّقَ امرَأتَهُ ثَلاثَ تَطليقاتٍ جَميعًا، فقَامَ غَضبانًا ثمَّ قالَ: «أَيُلعَبُ بكتابِ اللهِ وأنا بيْنَ أَظهُرِكُم؟ حتَّى قامَ رجُلٌ وقالَ: يا رسُولَ اللّهِ ألَا أقتُلُه» (^٢).
وعَن عَليٍّ ﵁ قالَ: سَمعَ النَّبيُّ ﷺ رَجلًا طَلَّقَ الْبتَّةَ فغَضبَ وقالَ: «تَتَّخِذُونَ آياتِ اللَّهِ هُزوًا أو دِينَ اللَّهِ هُزوًا ولَعِبًا! مَنْ طَلَّقَ البَتَّة أَلزَمناهُ ثَلاثًا لا تَحِلُّ له حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غيْرَه» (^٣).
وعَن مُجاهدٍ قالَ: «كنتُ عِنْدَ ابنِ عبَّاسٍ فجاءَ رجُلٌ فقَالَ إنَّهُ طلَّقَ امرَأتَهُ ثَلاثًا قالَ: فسَكَتَ حتَّى ظَننتُ أنَّهُ رادُّها إلَيه ثمَّ قالَ: يَنطَلقُ أحدُكُم فيَركَبُ الحُموقةَ ثمَّ يَقولُ: يا ابنَ عبَّاسٍ يا ابنَ عبَّاسٍ، وإنَّ اللهَ قالَ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ [الطلاق: ٢]، وإنَّكَ لم تتَّقِ اللهَ فلَم أجِدْ لك مَخرَجًا، عَصَيتَ ربَّكَ وبانَتْ مِنْكَ امرَأتُكَ» (^٤).
وعَن مُجاهدٍ أيضًا: أنَّ ابنَ عبَّاسٍ ﵄ «سُئِلَ عَنْ رَجلٍ طلَّقَ
_________________
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه النسائي (٣٤٠٣).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه النسائي (٣٤٠١).
(٣) حَدِيثٌ مَوضُوعٌ: رواه الدارقطني (٣٩٤٥).
(٤) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢١٩٧).
[ ١٧ / ٩٤ ]
امرَأتَهُ مِائةً، فقالَ: عَصَيتَ ربَّكَ، وفارَقْتَ امرأتَكَ» (^١).
وعن سَعيدِ بنِ جُبيرٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄: «أنَّ رَجلًا طلَّقَ امرَأتَهُ أَلفًا، قالَ: يَكفِيكَ مِنْ ذلكَ ثلاثٌ» (^٢).
وعَن سعيدٍ أيضًا: «أنَّ ابنَ عبَّاسٍ ﵄ سُئلَ عَنْ رَجلٍ طلَّقَ امرَأتَهُ عَددَ النُّجومِ، قالَ: أَخطأَ السُّنةَ، وحَرُمَتْ عَليهِ امرأتُهُ» (^٣).
وهَذا كلُّهُ يَدلُّ على إجماعِهم على صحَّةِ وُقوعِ الثَّلاثِ بالكلمةِ الواحِدةِ.
وأمَّا الإجماع: فقدْ نَقلَ عَددٌ كبيرٌ مِنْ العُلماءِ الإجماعَ على وُقوعِ الطَّلاقِ الثَّلاثِ بلفْظٍ واحدٍ، وكذا لَو طلَّقَها ثَلاثًا بثَلاثِ كَلِماتٍ.
قالَ الإمامُ ابنُ المنذِرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العلمِ على أنَّ مَنْ طلَّقَ زوجتَهَ أكثرَ مِنْ ثَلاثٍ أنَّ ثَلاثًا مِنها تُحرِّمُها عليهِ (^٤).
وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: اتَّفقَ أئمةُ الفَتوى على لُزومِ إيقاعِ طلاقِ الثَّلاثِ في كلمةٍ واحدةٍ، فإنَّ ذلكَ عندَهُم مُخالِفٌ للسَّنَّةِ، وهوَ قولُ جُمهورِ السَّلفِ، والخِلافُ في ذلكَ شُذوذٌ، وإنَّما تَعلَّقَ به أهْلُ البِدعِ ومَن لا يُلتَفتُ إليهِ؛ لِشُذوذِهِ عنِ الجماعَةِ الَّتي لا يَجوزُ عَليها التَّواطؤُ على تَحريفِ
_________________
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الدارقطني (٣٩٢٦).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الدارقطني (٣٩٢٤).
(٣) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الدارقطني (٣٩٤٧).
(٤) «الإشراف» (٩/ ١٦١)، و«الإجماع» (٣٩٩).
[ ١٧ / ٩٥ ]
الكِتابِ والسُّنَّةِ، وإنَّما يروى الخِلاف في ذلكَ عنِ السَّلفِ، الحجَّاج بن أرطاةَ ومحمَّد بن إسحاقَ، قالَ أبو يُوسفَ القاضِي: كانَ الحجَّاجُ بنُ أرطاةَ يَقولُ: ليسَ طَلاقُ الثَّلاثِ بشَيءٍ، وكانَ ابنُ إسحاقَ يقولُ: تُرَدُّ الثَّلاثُ إلى واحِدةٍ (^١).
وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وُقوعُ الثَّلاثةِ مُجتمِعاتٍ غيْرَ مُتفرِّقاتٍ ولزومُها، وهوَ ما لا خِلافَ فيهِ بيْنَ أئمةِ الفَتوَى بالأمصارِ، وهوَ المأثورُ عنْ جُمهورِ السَّلفِ، والخِلافُ فيهِ شُذوذٌ تَعلَّقَ بهِ أهلُ البِدعِ ومَن لا يُلتَفتُ إلى قولِهِ؛ لِشُذوذِهِ عنْ جماعةٍ لا يَجوزُ على مِثلِها التَّواطؤُ على تَحريفِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، إلَّا أنَّهم يَحتجُّونَ فيهِ بابنِ عبَّاسٍ، وابنُ عبَّاسٍ قدِ اختُلفَ عنهُ في ذلكَ (^٢).
وقالَ أيضًا: وأمَّا وُقوعُ الثَّلاثِ تَطلِيقاتٍ مُجتمِعاتٍ بكَلمةٍ واحدةٍ فالفُقهاءُ مُختلِفونَ في هَيئةِ وُقوعِها كذلكَ، هلْ تقَعُ للسُّنَّةِ أم لا؟ معَ إجماعِهم على أنَّها لازِمةٌ لِمَنْ أَوقَعَها (^٣).
وقالَ أيضًا ﵀: فهؤلاءِ الصَّحابةُ كلُّهم قائِلونَ وابنُ عبَّاسٍ معَهُم بِخِلافِ ما رَواهُ طاوسٌ عَنْ ابنِ عبَّاسٍ، وعلَى ذلكَ جَماعاتُ التَّابعِينَ وأَئمةُ
_________________
(١) «شرح صحيح البخاري» (٣٩٠، ٣٩١).
(٢) «الاستذكار» (٦/ ٣، ٤).
(٣) «الاستذكار» (٦/ ٤).
[ ١٧ / ٩٦ ]
الفَتوَى في أمصارِ المُسلمِينَ، وإنَّما تعلَّقَ برِوايةِ طاوسٍ أهلُ البِدعِ، فلَم يَرَوُا الطَّلاقَ لازِمًا إلَّا على سُنَّتِه، فجَعلُوا مُخالِفَ السُّنَّةِ أخفَّ حالًا فلَم يُلزِمُوهُ طَلاقًا، وهذا جَهلٌ واضِحٌ؛ لأنَّ الطَّلاقَ ليسَ مِنْ القُرَبِ إلى اللهِ تعالَى فلا يقَعُ إلَّا على سُنَّتِهِ، إلى خِلافِ السَّلفِ والخلَفِ الَّذينَ لا يَجوزُ عليهِم تَحريفُ السُّنَّةِ ولا الكِتابِ.
وممَّنْ قالَ بأنَّ الثَّلاثةَ في كَلمةٍ واحدِةٍ تَلزمُ مُوقِعَها ولا تَحلُّ لهُ امرأتُهُ حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غيْرَهُ مالِكٌ وأبو حَنيفةَ والشَّافعيُّ وأصحابُهم والثَّوريُّ وابنُ أبي لَيلَى والأوزاعيُّ واللَّيثُ بنُ سَعدٍ وعُثمانُ البَتيُّ وعُبيدُ اللهِ بنُ الحسَنِ والحسَنُ بنُ حيٍّ وأحمَدُ بنُ حَنبلٍ وإسحاقُ بنُ راهويهِ وأبو ثَورٍ وأَبو عُبيدٍ ومُحمدُ بنُ جريرٍ الطَّبريُّ.
وما أَعلمُ أحدًا مِنْ أهْلِ السُّنَّةِ قالَ بغَيرِ هذا إلَّا الحجَّاجَ بنَ أَرطأةَ ومحمَّدَ بنَ إِسحاقَ، وكلاهُما ليسَ بِفَقيهٍ، ولا حُجَّةَ فيما قالَهُ (^١).
وقالَ الإمامُ محمَّدُ بنُ نَصرٍ المروزِيُّ ﵀: لا اختِلافَ بينَ أهْلِ العِلمِ أنَّها إذا كانَتْ مَدخُولًا بها فَقالَ لها: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ» سكَتَ أو لَم يَسكُتْ فيمَا بيْنَهُما عَنها طالِقٌ ثلاثًا، إلَّا أنْ يُريدَ تَكرارَ الكَلامِ بقَولِه الثانيةَ الثَّالثةَ، واللهُ أَعلمُ (^٢).
_________________
(١) «الاستذكار» (٦/ ٨، ٩).
(٢) «اختلاف العلماء» ص (١٣٤).
[ ١٧ / ٩٧ ]
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ الطَّلاقَ الثَّلاثَ بكلمةٍ واحدةٍ أو بِكَلماتٍ في حالَةٍ واحدَةٍ أو في طُهرٍ واحِدٍ يَقعُ، ولَم يختَلفُوا فيهِ (^١).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: أمَّا حُكمُ طلاقِ البدعَةِ فهوَ أنَّهُ واقِعٌ عندَ عامَّةِ العُلماءِ، وقالَ بعضُ النَّاسِ أنَّهُ لا يَقعُ، وهوَ مذهَبُ الشِّيعةِ أَيضًا.
وجهُ قولِهمْ: أنَّ هَذا الطَّلاقَ مَنهيٌّ عنهُ لِمَا ذكَرْنا مِنَ الدَّلائلِ فَلا يكونُ مَشروعًا، وغَيرُ المَشروعِ لا يكونُ مُعتبَرًا في حَقِّ الحُكمِ، ولأنَّ اللهَ تَعالى جَعلَ لنا وِلايةَ الإيقاعِ على وجْهٍ مَخصُوصٍ، ومَن جُعِلَ لهُ ولايةُ التَّصرُّفِ على وَجهٍ لا يَملكُ إيقاعَهُ على غَيرِ ذلكَ الوجهِ، كالوَكيلِ بالطَّلاقِ علَى وَجهِ السُّنَّةِ إذا طلَّقَها للبِدعةِ أنَّهُ لا يَقعُ؛ لِمَا قُلنَا، كذا هذا.
ولنا: ما رُويَ عَنْ عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ ﵁ أنَّ بعضَ آبائِهِ طلَّقَ امرأتَهُ أَلفًا فذُكِرَ ذلكَ للنَّبيِّ ﷺ فقالَ ﷺ: «بانَتْ بالثَّلاثِ في مَعصيةٍ، وتسعُمِائةٍ وسَبعةٌ وتِسعُونَ فيما لا يَملِكُ».
ورويَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّهُ قالَ: إنَّ أَحدَكُم يَركَبُ الأُحمُوقَةَ فيُطلِّقُ امرأتَهُ أَلفًا ثمَّ يأتِي فيَقولُ: يا ابنَ عبَّاسٍ يا ابنَ عبَّاسٍ، وإنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ وإنَّكَ لم تَتَّقِ اللهَ فلا أَجِدُ لكَ مَخرَجًا، بانَتِ امرأتُكَ وعَصيتَ رَبَّكَ.
ورَوَينَا عَنْ عُمرَ ﵁ أنَّه كانَ لا يُؤتَى بِرَجلٍ قد طلَّقَ امرأتَهُ ثلاثًا إلَّا
_________________
(١) «الإفصاح» (٢/ ١٦٧).
[ ١٧ / ٩٨ ]
أَوجَعَهُ ضَربًا وأَجازَ ذلكَ عليهِ، وكانَتْ قَضاياهُ بمَحضَرٍ مِنْ الصَّحابةِ ﵃ أجمعِينَ، فيَكونُ إجماعًا مِنهُم على ذلكَ (^١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وجُملَةُ ذلكَ أنَّ الرَّجلَ إذا قَالَ لامرأتِهِ: «أنْتِ طالِقٌ ثلاثًا» فهيَ ثلاثٌ وإنْ نَوى واحِدةً، لا نَعلمُ فيهِ خلافًا (^٢).
وقالَ الزَّركشيُّ ﵀: إذا طلَّقَ ثلاثًا يَقعُ عليهِ الثَّلاثُ، وهَذا مَذهَبُنا ومَذهبُ العامَّةِ (^٣).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: واتَّفقَ أَئمةُ الفَتوى على لُزومِ إيقاعِ الطَّلاقِ الثَّلاثِ في كَلمةٍ واحدةٍ، وهوَ قولُ جُمهورِ السَّلفِ، وشذَّ طاوسٌ وبعضُ أهلِ الظَّاهرِ إلى أنَّ طلاقَ الثَّلاثِ في كَلمةٍ واحدةٍ يقعُ واحدَةً، ويُروى هذا عَنْ مُحمَّدِ بنِ إسحاقَ والحجَّاجِ بنِ أَرطاةَ، وقيلَ عنهُما: لا يَلزَمُ منهُ شَيءٌ، وهوَ قولُ مقاتِلٍ، ويُحكَى عن داودَ أنَّهُ قالَ: لا يَقعُ، والمَشهورُ عنِ الحجَّاجِ بنِ أَرطاةَ وجُمهورِ السَّلفِ والأَئمةِ أنَّهُ لازِمٌ واقِعٌ ثلاثًا، ولا فَرْقَ بيْنَ أنْ يُوقِعَ ثلاثًا مُجتَمِعةً في كَلمةٍ أو مُتفرِّقةً في كَلِماتٍ (^٤).
_________________
(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ٩٦).
(٢) «المغني» (٧/ ٣٧١).
(٣) «شرح الزركشي» (٢/ ٤٧٩).
(٤) «تفسير القرطبي» (٣/ ١٢٩).
[ ١٧ / ٩٩ ]
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀: فالرَّاجحُ في المَوضِعَينِ تَحريمُ المُتعةِ وإِيقاعُ الثَّلاثِ؛ لِلإجماعِ الَّذي انعقَدَ في عَهدِ عُمرَ على ذلكَ، ولا يُحفظُ أنَّ أحدًا في عَهدِ عُمرَ خالَفَهُ في واحدَةٍ مِنهُما، وقد دلَّ إجماعُهم على وُجودِ ناسِخٍ، وإنْ كانَ خَفِيَ عَنْ بَعضِهم قبْلَ ذلكَ حتَّى ظهَرَ لِجَميعِهِم في عَهدِ عُمرَ، فالمُخالِفُ بعدَ هذا الإجماعُ منابِذٌ لهُ، والجُمهورُ على عَدمِ اعتِبارِ مَنْ أَحدَثَ الاختِلافَ بعْدَ الاتِّفاقِ (^١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: جُمهورُ فُقهاءِ الأمصارِ على أنَّ الطَّلاقَ بِلفظِ الثَّلاثِ حُكمُه حُكمُ الطَلْقةِ الثَّالثةِ.
وقالَ أهلُ الظَّاهِرِ وجماعةٌ: حُكمُهُ حكمُ الواحدَةِ ولا تَأثيرَ للَّفظِ في ذلكَ، وحجَّةُ هؤلاءِ ظاهرُ قولِهِ تعَالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ إلى قولِهِ في الثَّالثةِ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، والمطلِّقُ بلفظِ الثَّلاثِ مُطلِّقُ واحدةٍ لا مُطلِّقُ ثلاثٍ.
واحتَجُّوا أيضًا بِما خرَّجَهُ البُخاريُّ ومُسلمٌ عنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «كانَ الطَّلاقُ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأبي بَكرٍ وسَنتَينِ مِنْ خِلافةِ عُمرَ طلاقُ الثَّلاثِ واحدةً، فأَمضاهُ عليهِم عُمرُ» (^٢).
واحتجُّوا أيضًا بمَا رواهُ ابنُ إسحاقَ عن عِكرمةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ:
_________________
(١) «فتح الباري» (٩/ ٣٦٥).
(٢) رواه مسلم (١٤٧٢).
[ ١٧ / ١٠٠ ]
«طلَّق ركانَةُ زَوجَهُ ثلاثًا في مَجلِسٍ واحِدٍ، فحَزِنَ عليها حُزنًا شَديدًا، فسَألَهُ رَسولُ اللهِ ﷺ: كيفَ طلَّقْتَها؟ قالَ: طلَّقْتُها ثلاثًا في مَجلسٍ واحدٍ، قالَ: إنَّما تِلكَ طلْقَةٌ واحدَةٌ فارْتَجِعْها».
وقد احتَجَّ مَنِ انتَصَرَ لقَولِ الجُمهورِ بأنَّ حَديثَ ابنِ عبَّاسٍ الواقِعَ في الصَّحيحَينِ إنَّما رواهُ عنهُ مِنْ أصحابِهِ طاوسٌ، وأنَّ جلَّةَ أصحابِهِ رَوَوْا عنهُ لُزومَ الثَّلاثِ، منهُم سَعيدُ بنُ جُبيرٍ ومجاهدٌ وعطاءٌ وعَمرُو بنُ دينارٍ وجَماعةٌ غَيرُهم، وأنَّ حَديثَ ابنِ إسحاقَ وَهْمٌ، وإنَّما رَوى الثِّقاتُ أنَّهُ طلَّقَ رُكانَةُ زَوجَهُ البتةَ لا ثَلاثًا.
وسببُ الخِلافِ: هلِ الحُكمُ الَّذي جعَلَهُ الشَّرعُ مِنَ البَينُونةِ للطَّلقةِ الثَّالثةِ يقَعُ بإلزامِ المُكلَّفِ نفْسَه هذا الحُكْمَ في طَلقةٍ واحدَةٍ؟ أم ليسَ يَقعُ ولا يَلزَمُ مِنْ ذلكَ إلَّا ما أَلزَمَ الشَّرعُ؟
فمَنْ شبَّهَ الطَّلاقَ بالأَفعالِ الَّتِي يُشتَرَطُ في صحِّةِ وُقوعِها كَونُ الشُّروطِ الشَّرعيَّةِ فيها كالنِّكاحِ والبُيوعِ قالَ: «لا يَلزَمُ»، ومَن شَبَّهَهُ بالنُّذورِ والأَيمانِ الَّتي ما التَزمَ العبدُ مِنها لَزمَه على أيِّ صِفَةٍ كانَ أَلزَمَ الطَّلاقَ كيفَما أَلزمَهُ المُطلِّقُ نفْسَه، وكأنَّ الجُمهورَ غَلَّبُوا حُكمَ التَّغليظِ في الطَّلاقِ سَدًّا لِلذَّريعةِ، ولكنْ تَبطُلُ بِذاكَ الرُّخصَةُ الشَّرعيَّةُ والرِّفقُ المَقصودُ في ذلكَ، أعنِي في قَولِه تعالَى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ (^١).
_________________
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٤٦).
[ ١٧ / ١٠١ ]
وقالَ الإمامُ أبو جَعفرٍ الطَّحَاويُّ ﵀: بابُ الرَّجلِ يُطلِّقُ امرأتَهُ ثَلاثًا مَعًا.
حدَّثَنا رَوحُ بنُ الفَرَجِ قالَ: ثَنَا أَحمدُ بنُ صالِحٍ قالَ: ثَنَا عَبدُ الرَّزَّاقِ قالَ: أخبَرَنا ابنُ جُريجٍ قالَ: أخبَرَنِي ابنُ طَاوُسٍ عَنْ أبيهِ أنَّ أبا الصَّهباءِ قالَ لابنِ عبَّاسٍ: «أَتعلَمُ أنَّ الثَّلاثَ كانَتْ تُجعَلُ واحدَةً على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأبي بَكرٍ وثَلاثًا مِنْ إِمارةِ عُمرَ؟ قالَ ابنُ عبَّاسٍ: نَعَمْ».
قالَ أبو جَعفَرٍ: فذهَبَ قَومٌ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا طَلَّقَ امرأتَهُ ثَلاثًا معًا فقَدْ وقَعَتْ عَليها واحدَةٌ إذا كانَتْ في وقْتِ سُنَّةٍ، وذلكَ أنْ تكونَ طاهِرًا في غَيرِ جِماعٍ، واحتَجُّوا في ذلكَ بهذا الحَديثِ، وقالُوا: لمَّا كانَ اللهُ ﷿ إنِّما أَمَرَ عِبادَهُ أنْ يُطلِّقُوا لوَقتٍ على صِفةٍ فطلَّقَوا على غَيرِ ما أمَرَهُم بهِ لم يقَعْ طلاقُهُم، وقالُوا: ألَا تَرَونَ أنَّ رَجلًا لو أمَرَ رَجلًا أنْ يُطلِّقَ امرأتَهُ في وَقتٍ على صِفةٍ فطَلَّقَها في غَيرِه، أو أمَرَهُ أنْ يُطلِّقَها على شَريطةٍ فطَلَّقَها على غَيرِ تلكَ الشَّريطةِ أنَّ ذلكَ لا يَقعُ؛ إذْ كانَ قدْ خالَفَ ما أُمِرَ بهِ، قالُوا: فكَذلكَ الطَّلاقُ الَّذي أُمِرَ بهِ العِبادُ، فإذا أَوقَعوهُ كما أُمِرُوا بهِ وقَعَ، وإذا أَوقَعوهُ على خِلافِ ذلكَ لم يَقعْ.
وخالَفَهُم في ذلكَ أكثَرُ أهلِ العِلمِ فقالُوا: الَّذي أُمِرَ بهِ العِبادُ مِنْ إيقاعِ الطَّلاقِ فهوَ كما ذَكرْتُم، إذا كانَتِ المَرأةُ طاهِرًا مِنْ غَيرِ جِماعِ أو كانَتْ حامِلًا، وأُمِرُوا بتَفريقِ الثَّلاثِ إذا أرادُوا إيقاعَهنَّ، ولا يُوقِعونَهنَّ معًا، فإذا
[ ١٧ / ١٠٢ ]
خالَفُوا ذلكَ فطَلَّقُوا في الوقتِ الَّذي لا يَنبغِي لهم أنْ يُطلِّقُوا فيهِ وأَوقعُوا مِنَ الطَّلاقِ أكثَرَ مِمَّا أُمِرُوا بإيقاعِهِ لَزمَهم ما أَوقَعُوا مِنْ ذلكَ، وهمْ آثِمُونَ في تَعدِّيهم ما أمَرَهُم اللهُ ﷿، وليسَ ذلكَ كالوكالاتِ؛ لأنَّ الوُكلاءَ إنِّما يَفعلُونَ ذلكَ للمُوكِّلِينَ، فيَحلُّونَ في أفعالِهم تلكَ مَحلَّهم، فإنْ فَعلُوا ذلكَ كما أُمِرُوا لَزِمَ، وإنْ فَعلُوا ذلكَ على غَيرِ ما أُمِرُوا بهِ لَم يَلزمْ، والعِبادُ في طَلاقِهم إنَّما يَفعلُونَه لأنفُسِهم لا لغَيرِهم، لا لِرَبِّهم ﷿، ولا يَحلُّونَ في فِعلِهم ذلكَ مَحلَّ غَيرِهم، فيُرادُ مِنهُم في ذلكَ إصابَةُ ما أَمَرَهم بهِ الَّذينَ يَحلُّونَ في فِعلِهم ذلكَ مَحلَّهم، فلمَّا كانَ ذلكَ كذلكَ لَزِمَهم ما فَعلُوا وإنْ كانَ ذلكَ ممَّا قد نُهُوا عنهُ؛ لأنَّا قد رَأَينا أشياءَ ممَّا قد نهَى اللهُ تعالَى العِبادَ عنْ فِعلِها أَوجَبَ عليهِم إذا فعَلُوها أحكامًا، مِنْ ذلكَ أنَّهُ نهَاهُم عنِ الظِّهارِ، ووَصَفَه بأنهُ مُنكَرٌ مِنَ القَولِ وزُورٌ، ولَم يَمنَعْ ما كانَ كذلكَ أنْ تَحرُمَ بهِ المرأةُ على زَوجِها حتَّى يَفعَلَ ما أمَرَهُ اللهُ تعالَى بهِ مِنَ الكفَّارةِ، فلمَّا رَأَينا الظِّهارَ قَولًا مُنكَرًا وزُورًا وقدْ لَزِمَتْ بهِ حُرمةٌ كانَ كذلكَ الطَّلاقُ المَنهيُّ عنهُ هوَ مُنكَرٌ مِنْ القَولِ وزُورٌ والحُرمَةُ بهِ واجِبةٌ.
وقدْ رَأَينا رَسولَ اللهِ ﷺ لمَّا سأَلَه عُمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁ عن طَلاقِ عَبدِ اللهِ امرَأتَه وهيَ حائِضٌ أمَرَه بمُراجَعتِها، وتواتَرَتْ عنهُ بذلكَ الآثارُ، وقدْ ذكَرْتُها في البابِ الأوَّلِ، ولا يَجوزُ أنْ يُؤمَرَ بالمُراجَعةِ مَنْ لَم يَقعْ طَلاقُه، فلمَّا كانَ النَّبيُّ ﷺ قد أَلزَمَه الطَّلاقَ في الحَيضِ، وهوَ
[ ١٧ / ١٠٣ ]
وقتٌ لا يَحِلُّ إيقاعُ الطَّلاقِ فيهِ، كانَ كذلكَ مَنْ طلَّقَ امرأتَهُ ثلاثًا فأَوقَعَ كُلًّا في وقتِ الطَّلاقِ لَزمَه مِنْ ذلكَ ما ألزَمَ نفْسَه وإنْ كانَ قد فعَلَه على خِلافِ ما أُمِرَ بهِ، فهذا هوَ النَّظرُ في هذا البابِ.
وفي حَديثِ ابنِ عبَّاسِ ﵄ ما لَو اكتَفَينا بهِ كانَ حُجَّةً قاطِعةً؛ وذلكَ أنَّهُ قالَ: فلمَّا كانَ زمانُ عمرَ ﵁ قالَ: أيُّها النَّاسُ قد كانَتْ لكُم في الطَّلاقِ أَناةٌ، وإنَّه مَنْ تَعجَّلَ أَناةَ اللهِ في الطَّلاقِ أَلزمْناهُ إيَّاهُ، فخاطَبَ عُمرُ ﵁ بذلكَ النَّاسَ جَميعًا، وفِيهمْ أصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ ورَضِيَ عَنهُم، الَّذين قد عَلِمُوا ما تَقدَّمَ مِنْ ذلكَ في ذلكَ في زمَنِ رَسولِ اللهِ ﷺ، فلَم يُنكِرْه عليهِ منهُم مُنكِرٌ، ولَم يَدفعْه دافِعٌ، فكانَ ذلكَ أكبَرَ الحُجَّةِ في نَسخِ ما تَقدَّمَ مِنْ ذلكَ؛ لأنَّه لمَّا كانَ فِعلُ أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ جَميعًا فِعلًا يَجبُ بهِ الحُجَّةُ كانَ كذلكَ أيضًا إجماعُهم على القَولِ إجماعًا يَجبُ بهِ الحُجَّةُ، وكما كانَ إجماعُهم على النَّقلِ بَريئًا مِنْ الوهْمِ والزَّللِ كانَ كذلكَ إجماعُهم على الرَّأيِ بَريئًا مِنْ الوهْمِ والزَّللِ، وقدْ رَأينَا أشياءَ قدْ كانَتْ علَى عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ على مَعانٍ فجَعَلَها أصَحابُهُ ﵃ مِنْ بَعدِهِ على خِلافِ تلكَ المَعانِي؛ لمَّا رَأَوا فيهِ ممَّا قد خَفِيَ على مَنْ بعْدَهم، فكانَ ذلكَ حُجَّةً ناسِخًا لِمَا تقَدَّمَه، مِنْ ذلكَ: تَدوينُ الدَّواوينِ، والمَنعُ مِنْ بَيعِ أمَّهاتِ الأولادِ وقدْ كُنَّ يُبَعْنَ قبْلَ ذلكَ، والتَّوقيتُ في حَدِّ الخَمرِ ولم يَكنْ فيهِ تَوقيتٌ قبْلَ ذلكَ، فلمَّا كانَ ما عَمِلُوا بهِ مِنْ ذلكَ
[ ١٧ / ١٠٤ ]
ووَقَفْنا عليهِ لا يَجوزُ لنا خِلافُهُ إلى ما قدْ رَأَيناهُ ممَّا قدْ تقدَّمَ فِعْلُهم لهُ كانَ كذلكَ ما وَقَفونا عليهِ مِنْ الطَّلاقِ الثَّلاثِ المُوقَعِ معًا أنَّهُ يَلزمُ لا يَجوزُ لنا خِلافُه إلى غَيرِه ممَّا قدْ رُويَ أنَّه كانَ قبْلَه علَى خِلافِ ذلكَ، ثمَّ هذا ابنُ عبَّاسٍ ﵄ قدْ كانَ مِنْ بعْدِ ذلكَ يُفتِي مَنْ طلَّقَ امرَأتَه ثَلاثًا معًا أنَّ طلاقَهُ قد لزِمَه وحرَّمَها عليهِ … (^١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀ لمَّا ذكَرَ حَديثَ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: وقدِ اختَلفَ العُلماءُ فيمَن قالَ لامرَأتِه: «أنتِ طالِقٌ ثَلاثًا»، فقالَ الشَّافعيُّ ومالِكٌ وأبو حَنيفةَ وأحمَدُ وجَماهيرُ العُلماءِ مِنَ السَّلفِ والخَلَفِ: يقَعُ الثَّلاثُ.
وقالَ طاوسٌ وبعضُ أهلِ الظَّاهِرِ: لا يقَعُ بذلكَ إلَّا واحدةٌ، وهوَ رِوايةٌ عن الحجَّاجِ بنِ أَرطاةَ ومُحمدِ بنِ إسحاقَ، والمَشهورُ عنِ الحجَّاجِ بنِ أَرطاةَ أنَّهُ لا يقَعُ بهِ شيءٌ، وهوَ قولُ ابنِ مقاتِلٍ وروايةٌ عنْ محمَّدِ بنِ إسحاقَ، واحتَجَّ هؤلاءِ بحَديثِ ابنِ عبَّاسٍ هذا، وبأنَّهُ وقَعَ في بعضِ رِواياتِ حديثِ ابنِ عُمرَ أنَّهُ طلَّقَ امرَأتَهُ ثَلاثًا في الحَيضِ ولَم يحتَسبْ بهِ، وبأنَّهُ وقَعَ في حَديثِ رُكانَةَ أنَّهُ طلَّقَ امرأتَهُ ثَلاثًا وأمَرَه رَسولُ اللهِ ﷺ برَجْعَتِها.
واحتَجَّ الجُمهورُ بقَولِه تعالَى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾، قالُوا: مَعناهُ أنَّ المُطلِّقَ قدْ يَحدثُ لهُ ندمٌ فلا يُمكِنُه تَدارُكُه؛ لوُقوعِ البَينونةِ، فلو كانَتِ الثَّلاثُ لا تقَعُ
_________________
(١) «شرح معاني الآثار» (٣/ ٥٥، ٥٦).
[ ١٧ / ١٠٥ ]
لم يقَعْ طلاقُهُ هذا إلَّا رَجعيًّا فلا يَندمُ، واحتَجُّوا أيضًا بحَديثِ رُكانَةَ: «أنَّهُ طلَّقَ امرأتَهُ البَتةَ فقالَ لهُ النَّبيُ ﷺ: مَا أَردْتَ إلَّا واحِدةً؟ قالَ: الله ما أَردْتُ إلَّا واحدَةً»، فهذا دَليلٌ على أنَّهُ لَو أَرادَ الثَّلاثَ لِوَقعْنَ، وإلَّا فلَم يَكنْ لِتَحليفِهِ معنًى، وأمَّا الرِّوايةُ الَّتي رَواها المُخالِفونَ «أنَّ رُكانَةَ طلَّق ثَلاثًا فجعَلَها واحدةً» فرِوايَةٌ ضَعيفةٌ عنْ قَومٍ مَجهُولينَ، وإنَّما الصَّحيحُ مِنها ما قَدَّمناهُ أنَّه طلَّقَها البتَّةَ، ولفظُ (البتَّة) مُحتمِلٌ لِلواحدةِ وللثَّلاثِ …
وأمَّا حديثُ ابنِ عبَّاسٍ فاختَلفَ العُلماءُ في جَوابِهِ وتأويلِهِ، فالأَصحُّ أنَّ مَعناهُ:
أنَّهُ كانَ في أوَّلِ الأمْرِ إذا قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ» ولَم ينوِ تأكيدًا ولا استِئنافًا يحكمُ بِوقوعِ طلقَةٍ؛ لِقلَّةِ إرادَتِهم الاستِئنافَ بذلكَ، فحُمِلَ على الغالِبِ الَّذي هوَ إرادةُ التَّأكيدِ، فلمَّا كانَ في زَمنِ عُمرَ ﵁ وكَثُرَ استِعمالُ النَّاسِ بهذهِ الصِّيغةِ وغَلَبَ مِنهُم إرادةُ الاستِئنافِ بهَا حُمِلَتْ عندَ الإطلاقِ على الثَّلاثِ؛ عمَلًا بالغالِبِ السَّابقِ إلى الفَهمِ مِنها في ذلكَ العَصرِ.
وقِيلَ: المُرادُ أنَّ المُعتادَ في الزَّمَنِ الأولِ كانَ طلقةً واحدةً، وصارَ النَّاسُ في زَمنِ عُمرَ يُوقِعونَ الثَّلاثَ دفعةً، فنَفَذَهُ عُمرُ، فعَلى هذا يَكونُ إخبارًا عنِ اختِلافِ عادَةِ النَّاسِ، لا عَنْ تَغيُّرِ حكْمٍ في مسألَةٍ واحدةٍ.
قالَ المازِريُّ: وقد زَعمَ مَنْ لا خِبرةَ لهُ بالحَقائقِ أنَّ ذلكَ كانَ ثمَّ نُسِخَ،
[ ١٧ / ١٠٦ ]
قالَ: وهذا غلَطٌ فاحِشٌ؛ لأنَّ عُمرَ ﵁ لَا يَنسَخُ، ولَو نَسَخَ -وحاشاهُ- لبادَرَتِ الصَّحابةُ إلى إنكارِهِ، وإنْ أَرادَ هذا القائِلُ أنَّهُ نُسِخَ في زَمَنِ النَّبيِّ ﷺ فذلكَ غَيرُ مُمتنِعٍ، ولكنْ يَخرُجُ عن ظاهِرِ الحَديثِ؛ لأنَّهُ لَو كانَ كذلكَ لم يَجُزْ للرَّاوي أنْ يُخبِرَ ببَقاءِ الحكْمِ في خِلافةِ أبي بَكرٍ وبَعضِ خِلافةِ عُمرَ.
فإنْ قِيلَ: فقدْ يُجمِعُ الصَّحابةُ على النَّسخِ فيُقبَلُ ذلكَ مِنهُم.
قُلنَا: إنَّما يُقبَلُ ذلكَ؛ لأنَّهُ يُستَدَلُّ بإجماعِهِم على ناسِخٍ، وأمَّا أنَّهم يَنسَخُونَ مِنْ تلقاءِ أنفُسِهِم فمَعاذَ اللهِ؛ لأنَّهُ إِجماعٌ على الخَطأِ، وهُم مَعصُومونَ مِنْ ذلكَ.
فإنْ قِيلَ: فلعَلَّ النَّسخَ إنَّما ظهَرَ لهُم في زمَنِ عُمرَ.
قُلنَا: هذا غلَطٌ أيضًا؛ لأنَّهُ يكونُ قد حصَلَ الإجماعُ على الخطَأِ في زمَنِ أبي بكرٍ، والمُحقِّقُونَ مِنَ الأُصوليِّينَ لا يَشتَرِطونَ انقراضَ العَصرِ في صحَّةِ الإِجماعِ، واللهُ أَعلمُ.
وأمَّا الرِّوايةُ الَّتي في سُنَنِ أبي داودَ أنَّ ذلكَ فيمَن لَم يدخلْ بهَا فقالَ بها قَومٌ مِنْ أصحابِ ابنِ عباسٍ فقَالُوا: لا يَقعُ الثَّلاثُ على غَيرِ المَدخولِ بهَا؛ لأنَّها تَبِينُ بواحدةٍ بقولِهِ: «أنتِ طالِقٌ»، فيكونُ قولُهُ «ثَلاثًا» حاصِلًا بعْدَ البَينُونةِ فلا يَقعُ بهِ شَيءٌ، وقالَ الجُمهورُ: هذا غلَطٌ، بل يقَعُ عليها الثَّلاثُ؛ لأنَّ قولَهُ: «أنتِ طالِقٌ» معنَاهُ ذاتُ طلاقٍ، وهذا اللَّفظُ يَصلُحُ لِلواحدَةِ والعَددِ، وقولُهُ بعدَهُ «ثلاثًا» تَفسيرٌ له، وأمَّا هذهِ الرِّوايةُ
[ ١٧ / ١٠٧ ]
الَّتي لِأبي داودَ فضَعيفةٌ؛ رَواها أيُّوبُ السِّخْتيانِيُّ عنْ قومٍ مَجهُولِينَ عن طاوسٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ، فلا يُحتَجُّ بها، واللهُ أَعلمُ (^١).
والصَّحيحُ أنَّ هذا الإجماعَ غَيرُ ثابِتٍ، فقَدْ نقَلَ الطَّحاويُّ والماوَرْديُّ وابنُ رُشدٍ والنَّوويُّ وغَيرُهم عَنْ جَماعةٍ مِنْ العُلماءِ أنَّهُ لا يقَعُ إلَّا واحدةٌ، وهؤلاءِ كَانوا قبْلَ ابنِ تَيميةَ بزَمَنٍ، فهذا يَدلُّ على أنَّ المسألَةَ غَيرُ مُجمَعٍ عليها، وإنَّما القَدْرُ المُجمَعُ عليهِ هوَ أنَّهُ لَو طلَّقَ ثلاثَةً أنَّ الطَّلاقَ واقِعٌ، لكنْ هلْ يقَعُ واحدةٌ أم ثَلاثٌ؟ فالإجماعُ مُنعقِدٌ عِنْدَ أهلِ السُّنَّةِ على الوُقوعِ، لكنَّ الخِلافَ حاصلٌ هلْ يقَعُ واحدةٌ أم ثَلاثٌ؟ أمَّا الَّذينَ قالُوا أنَّهُ لا يقَعُ مُطلَقًا لا واحدةٌ ولا ثَلاثٌ فهوَ الَّذي قالَ عنهُ أهلُ العِلمِ: هذا قَولُ المُبتدِعةِ.
وأما القياس: فإنَّهُ طلاقٌ وقَعَ في طُهرٍ لم يُجامِعْها فيهِ، فوجَبَ أنْ يكُونَ مُباحًا كالطَّلقَةِ الأُولَى، ولأنَّ كلَّ طلاقٍ جازَ تَفريقُهُ جازَ جمْعُهُ، أصلُهُ طَلاقُ الزَّوجاتِ يَجوزُ أنْ يَجمعَهنَّ في الطَّلاقِ وأنْ يُفرِّقَهنَّ، ولأنَّ كلَّ طلاقٍ جازَ تَفريقُهُ في الأَطْهارِ جازَ إيقاعُهُ في طُهرٍ، أصلُهُ إذا طلَّقَ في طُهرٍ ثمَّ راجَعَ فيهِ ثمَّ طلَّقَها فيهِ ثمَّ راجَعَ ثمَّ طلَّقَها فيهِ، ولأنَّ الثَّلاثَ لَفظٌ يَقطعُ الرَّجعَةَ فجازَ إيقاعُهُ في طُهرٍ لا جِماعَ فيهِ كالواحِدةِ بعْدَ اثنتَينِ أو كالخُلعِ (^٢).
_________________
(١) «شرح صحيح مسلم» (١٠/ ٧٠، ٧٢).
(٢) «الحاوي الكبير» (١٠/ ١١٧، ١٢١)، و«نهاية المطلب» (١٤/ ١٢)، و«البيان» (١٠/ ٨٠، ٨٢)، و«شرح صحيح مسلم» (١٠/ ١٢٢)، و«النجم الوهاج» (٧/ ٥٥٥)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٥٠٣، ٥٠٤)، «المغني» (٧/ ٢٨١، ٢٨٢)، و«مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٣١٤)، و«شرح الزركشي» (٢/ ٤٦٠).
[ ١٧ / ١٠٨ ]
قالَ القاضِي عبدُ الوهابِ ﵀: ولأنَّ كلَّ مِلكٍ يَزولُ بإزالَتِهِ مُفتَرِقًا فإنَّهُ يَزولُ بإزالتِهِ مُجتَمعًا، أصلُهُ إعتاقُ العَبيدِ، ولأنَّ الزَّوجَ يَملكُ بالعقدِ الطَّلاقَ الثَّلاثَ فلا يَخلُو أنْ يكونَ ملَكَ إِيقاعَها مُتفرِّقةً أو مُجتمِعةً أو كيفَ شاءَ مِنْ جَمْعٍ أو تَفريقٍ، فلَو كانَ لا يَملكُ إلَّا مُفتَرِقًا لَم يجُزْ أنْ يَملكَ غَير المَدخولِ بها؛ لامتِناعِ تَفريقِ الثَّلاثِ عليها في العَقدِ الواحِدِ، فدلَّ أنَّهُ ملَكَهُ مُجتمِعًا ومُفتَرِقًا، ولأنَّ الطَّلاقَ تابِعٌ للنِّكاحِ؛ بدَليلِ أنَّه لا يَثبتُ حكُمُه قبْلَ وجودِهِ، وقدْ ثبَتَ جوازُ العَقدِ على أَربعِ نِسوةٍ بعَقدٍ واحدٍ وعُقودٍ مُتفرِّقةٍ، وكذلكَ يَجبُ إيقاعُ الثَّلاثِ بلَفظٍ واحدٍ وبثَلاثةِ ألْفاظٍ، ودَليلُنا على أنَّهُ يقَعُ للجَميعِ ما ذكَرْناهُ، ولأنَّ كلَّ مَنْ لزِمَهُ حكْمُ الثَّلاثِ مُتفرِّقاتٍ لزِمَه حكْمُها مُجتمِعاتٍ، كالمُطلِّقِ ثلاثَ نِسوةٍ بلَفظٍ واحدٍ (^١).
وقالَ ابنُ حَجَرٍ، قالَ القُرطبيُّ ﵀: وحُجَّةُ الجُمهورِ في اللُّزومِ مِنْ حَيثُ النَّظرُ ظاهِرةٌ جدًّا، وهوَ أنَّ المُطلَّقةَ ثلاثًا لا تَحِلُّ للمُطلِّقِ حتَّى تَنكحَ زَوجًا غيرَهُ، ولا فرْقَ بيْنَ مَجموعِها ومُفرِّقِها لُغةً وشَرعًا، وما يُتخيَّلُ مِنْ الفرْقِ صُوريٌّ أَلغاهُ الشَّرعُ اتِّفاقًا في النِّكاحِ والعِتقِ والأَقاريرِ، فلوَ قالَ الوَليُّ: «أَنكحْتُكَ هؤلاءِ الثَّلاثَ» في كَلمةٍ واحِدةٍ انعَقدَ، كما لو قالَ: «أَنكحْتُكَ هذهِ وهذهِ وهذهِ»، وكَذا في العِتقِ والإقرارِ وغيرِ ذلكَ مِنَ الأحكامِ.
_________________
(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٤٠٧، ٤٠٨).
[ ١٧ / ١٠٩ ]
واحتَجَّ مَنْ قالَ: «إنَّ الثَّلاثَ إذا وقَعَتْ مَجموعةً حُمِلَتْ على الواحدةِ» بأنَّ مَنْ قالَ: «أَحلِفُ باللهِ ثَلاثَّا» لا يُعدُّ حَلِفُهُ إلَّا يَمينًا واحِدةً، فلْيَكنِ المُطلِّقُ مِثلَهُ، وتُعُقِّبَ باختِلافِ الصِّيغتَينِ؛ فإنَّ المُطلِّقَ يُنْشِئُ طلاقَ امرأتِهِ وقدْ جُعِلَ أمَدُ طلاقِها ثَلاثًا، فإذا قالَ: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا» فكأنَّهُ قالَ: «أنتِ طالِقٌ جَميعَ الطَّلاقِ»، وأمَّا الحَلِفُ فلا أمَدَ لعَددِ أَيمانِه، فافتَرَقَا (^١).
القولُ الثَّاني: أنَّ الطَّلاقَ الثَّلاثَ بلَفظٍ واحدٍ أو في مَجلِسٍ واحِدٍ أو في طُهرٍ واحِدٍ قبْلَ أنْ يُراجِعَها تُحسَبُ طلقةً واحدةً (^٢). كأنْ يَقولَ لها: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ» لا يَقعُ إلَّا واحدةٌ، وهذَا مذهَبُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميَةَ وتِلميذِهِ ابنِ القيِّمِ، وهوَ مَنقولٌ عَنْ طائفةٍ مِنْ السَّلَفِ والخلَفِ مِنْ أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ مثلِ الزَّبيرِ بنِ العوَّامِ وعبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ، ويُروى عَنْ عليٍّ وابنِ مَسعُودٍ وابنِ عبَّاسٍ، وهوَ قَولُ كَثيرٍ مِنْ التَّابعِينَ ومَن بَعدَهُم مثلِ طاوسٍ وخلاسِ بنِ عَمرٍو ومحمدِ بنِ إسحاقَ،
_________________
(١) «فتح الباري» (٩/ ٣٦٥).
(٢) قالَ ابنُ مُفلحٍ في «المُبدِعِ»: إذا أَوقعَ ثلاثًا في كلمةٍ واحدةٍ وقَعَ الثَّلاثُ، رُويَ عن جماعةٍ مِنْ الصَّحابةِ، وهوَ قولُ أكثرِ العلماءِ، وقالَ جماعةٌ: «مَنْ طلَّقَ البِكرَ ثلاثًا فهوَ واحدةٌ»، وحكَى المُحبُّ الطبريُّ عن الحجَّاجِ بنِ أرطاةَ وابنِ مُقاتلٍ أنَّ طلاقَ الثَّلاثِ واحدةٌ، وأَنكرَ النَّوويُّ حكايتَهُ عن الحجَّاجِ، وأنَّ المشهورَ عنهُ أنَّه لا يَقعُ شيءٌ، وأَوقعَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ مِنْ ثلاثٍ مَجموعةٍ أو مُفرَّقةٍ قبْلَ رَجعةٍ واحدةً، وقالَ: إنَّهُ لا يَعلمُ أحدًا فرَّقَ بيْنَ الصُّورتَينِ. «المبدع» (٧/ ٢٦٢)، و«الفروع» (٥/ ٢٨٨).
[ ١٧ / ١١٠ ]
وهوَ قولُ داودَ وأكثرِ أصحابِهِ، وهوَ قَولُ بعضِ أصحابِ أبي حَنيفةَ كمُحمِّدِ بنِ مُقاتلٍ، وبعضِ أصحابِ مالكٍ، فهوَ مَرويٌّ عَنْ بضعَةَ عشرَ فَقيهًا مِنْ فُقهاءِ طُلَيطِلَةَ المُفتِينَ على مَذهبِ مالِكٍ، وبَعضِ المُفتِينَ بالأَندلُسِ على مَذهبِ مالِكٍ، وبَعضِ الحَنابلةِ كأبي البَرَكاتِ (^١).
_________________
(١) «إغاثة اللهفان» (١/ ٣٢٥، ٣٢٧)، وقدْ حكى هذا القولَ الإمامُ الماوَرْديُّ عن جماعةٍ مِنْ أهلِ العلمِ، قالَ ﵀: فإنْ طلَّقَها ثلاثًا في وقتٍ واحدٍ وقعَتِ الثَّلاثُ، ولم تكُنْ مُحرَّمةً ولا بدعةً، والسُّنةُ والبدعَةُ في زمانِ الطَّلاقِ لا في عَددِه، وبه قالَ مِنْ الصَّحابةِ الحسَنُ بنُ عليٍّ وعبدُ الرَّحمنِ بنُ عوفٍ، ومِن التَّابعِينَ ابنُ سيرينَ، ومِن الفُقهاءِ أحمدُ بنُ حنبلٍ. وحُكيَ عن السَّبعةِ - أظُنُّ -واللهُ أعلَمُ- أنَّ هَذا تَصحيفٌ، والصَّوابُ (الشِّيعَةُ)، وليسَ السَّبعَةُ- وعن داودَ بنِ عليٍّ وطائفةٍ مِنْ أهلِ الظَّاهرِ أنَّ طلاقَ الثلاثِ لا يَقعُ، فاختَلفَ القائلونَ بهذا؛ هل يكونُ واحدةً أم لا؟ فقالَ المَغربيُّ: تكونُ واحدةً، وقالَ آخرونَ: لا يَقعُ مِنهنَّ شيءٌ، وقالَ أبو حَنيفةَ: طلاقُ الثَّلاثِ واقِعٌ لكنَّهُ حرامٌ مُبتدَعٌ، وبهِ قالَ مِنْ الصَّحابَةِ عمرُ بنُ الخطَّابِ وعبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ وعبدُ اللهِ بنُ عُمرَ وعبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، ومِن الفقهاءِ مالكٌ والعراقيُّونَ. واستَدلَّ مَنْ منَعَ مِنْ وقوعِ الطَّلاقِ الثَّلاثِ بأنَّ اللهَ تعالى فرَّقَ طلاقَ الثَّلاثِ بقَولِه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، فلَم يَجُزْ أنْ يُجمَعَ ما أمرَ بتَفريقِه؛ لأنَّهُ ارتكابُ ما نهى عنهُ، وما حَرُمَ مِنْ الطَّلاقِ لا يَقعُ كالمُراجَعةِ، وبما رَواهُ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ قالَ: «كانَ الطَّلاقُ الثَّلاثُ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأيَّامِ أبي بكرٍ وصدْرٍ مِنْ أيَّامِ عُمرَ واحدةٌ، فقالَ عُمرُ: قدِ استَعجَلتُم في أمْرٍ كانَ لكُم فيهِ أَناةٌ، وجعَلَه ثلاثًا»، فلا يَجوزُ لعُمرَ أنْ يُخالِفَ شَرعًا ثبَتَ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وقدِ ارتَفعَ النَّسخُ بمَوتِهِ. «الحاوي الكبير» (١٠١١٩، ١٢٠).
[ ١٧ / ١١١ ]
ولِشيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ وابنِ القَيِّمِ كَلامٌ طَويلٌ جدًّا في هذا وفي الرَّدِّ على جَماهيرِ العُلماءِ الَّذينَ يَقولُونَ بوُقوعِ الطَّلاقِ الثَّلاثِ في مَجلسٍ واحِدٍ، ولأَهميَّةِ هذهِ المسألَةِ وخُطورَتِها أَذكُرُ هُنا أَغلبَ كَلامِهما؛ لأنَّهُ في غايَةِ الأهميَّةِ.
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وإنْ طلَّقَها ثَلاثًا في طُهرٍ واحدٍ بِكَلمةٍ واحدَةٍ أو كلِماتٍ مثلَ أنْ يَقولَ: «أنتِ طالِقٌ ثَلاثًا، أو أنتِ طالِقٌ وطالِقٌ وطالِقٌ، أو أنتِ طالِقٌ ثمَّ طالِقٌ ثمَّ طالِقٌّ»، أو يَقولَ: «أنتِ طالِقٌ» ثمَّ يَقولَ: «أنتِ طالِقٌ» ثمَّ يَقولَ: «أنتِ طالِقٌ»، أو يَقولَ: «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا أو عَشْرَ طلَقَاتِ أو مِائةَ طلْقَةٍ أو ألفَ طَلقةٍ» ونحوِ ذلكَ مِنَ العِباراتِ، فهذا لِلعُلماءِ مِنَ السَّلفِ والخلَفِ فيهِ ثلاثةُ أقوالٍ، سَواءٌ كانَتْ مَدخولًا بها أو غيْرَ مَدخولٍ بها، ومِن السَّلفِ مَنْ فرَّقَ بيْنَ المَدخولِ بها وغَيرِ المَدخولِ بها، وفيهِ قَولٌ رابعٌ مُحدَثٌ مُبتدَعٌ.
أحَدُها: أنَّهُ طَلاقٌ مُباحٌ لازِمٌ، وهوَ قَولُ الشَّافعيِّ وأحمدَ في الرِّوايةِ القَديمةِ عنُه اختارَها الخرقيُّ.
الثَّاني: أنَّهُ طَلاقٌ مُحرَّمٌ لازِمٌ، وهوَ قَولُ مالِكٍ وأبي حَنيفةَ وأحمدَ في الرِّوايةِ المُتأخِّرةِ عنهُ اختارَها أكثَرُ أصحابِهِ، وهذا القَولُ مَنقولٌ عَنْ كَثيرٍ مِنَ السَّلفِ مِنْ الصَّحابَةِ والتَّابعِينَ، والذي قَبْلَهُ مَنقولٌ عنْ بَعضِهم.
الثَّالثُ: أنَّهُ مُحرَّمٌ ولا يَلزَمُ مِنهُ إلَّا طَلقةٌ واحِدةٌ، وهَذا القَولُ مَنقولٌ عَنْ
[ ١٧ / ١١٢ ]
طائِفةٍ مِنَ السَّلفِ والخلَفِ مِنْ أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ مِثلِ الزُّبيرِ بنِ العوَّامِ وعبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ، ويُروى عَنْ عَليٍّ وابنِ مَسعُودٍ وابنِ عبَّاسٍ القَولانِ، وهوَ قَولُ كَثيرٍ مِنْ التَّابعِينَ ومَن بعْدَهُم مثل طَاوسٍ وخلاسِ بنِ عَمرٍو ومُحمَّدِ بنِ إِسحاقَ، وهوَ قَولُ داودَ وأكثرِ أصحابِهِ، ويُروَى ذلكَ عَنْ أبي جَعفرَ مُحمدِ بنِ عليِّ بنِ الحُسينِ وابنِهِ جَعفرَ بنِ مُحمَّدٍ، ولِهذا ذهَبَ إلى ذلكَ مَنْ ذهَبَ مِنَ الشِّيعةِ، وهَو قَولُ بَعضِ أصحابِ أبي حَنيفةَ ومالكٍ وأحمدَ بنِ حنبلٍ.
وأمَّا القَولُ الرَّابعُ الَّذي قالَهُ بعضُ المُعتَزِلَةِ والشِّيعةِ: فَلا يُعرَفُ عَنْ أحَدٍ مِنَ السَّلفِ، وهوَ أنَّهُ لا يَلزَمُه شَيءٌ.
والقَولُ الثَّالِثُ هوَ الَّذي يَدلُّ عليهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ، فإنَّ كلَّ طَلاقٍ شرَعَهُ اللهِ في القُرآنِ في المَدخولِ بها إنَّما هوَ الطَّلاقُ الرَّجعيُّ لَم يُشرِّعِ اللهُ لأَحدٍ أنْ يُطلِّقَ الثَّلاثَ جَميعًا، ولَم يُشرِّعْ لهُ أنْ يُطلِّقَ المَدخولَ بها طلاقًا بايِنًا، ولكنْ إذا طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ بها بانَتْ منهُ، فإذا انقَضَتْ عدَّتُها بانَتْ منهُ.
فالطَّلاقُ ثَلاثةُ أنواعٍ باتِّفاقِ المُسلِمينَ:
الطَّلاقُ الرَّجعِيُّ: وهوَ الَّذي يُمكِنُه أنْ يَرتجِعَها فيه بغَيرِ اختِيارِها، وإذا ماتَ أحدُهُما في العدَّةِ وَرثَهُ الآخَرُ.
والطَّلاقُ البائِنُ: وهوَ ما يَبقَى بهِ خاطِبًا مِنَ الخُطَّابِ، لا تُباحُ لهُ إلَّا بعَقدٍ جَديدٍ.
[ ١٧ / ١١٣ ]
والطَّلاقُ المُحرِّمُ لها: لا تَحِلُّ لهُ حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غيْرَهُ، وهوَ فيما إذا طلَّقَها ثَلاثَ تَطليقاتٍ كما أَذِنَ اللهُ ورَسولُهُ، وهوَ أنْ يُطلِّقَها ثُمَّ يَرتجِعَها في العِدَّةِ، أو يَتزوَّجَها ثمَّ يُطلِّقَها ثمَّ يَرتجِعَها، أو يَتزوَّجَها ثمَّ يُطلِّقَها الطَّلقَةَ الثَّالِثَةَ، فهذا الطَّلاقُ المُحرِّمُ لها حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غيْرَه باتِّفاقِ العُلماءِ، وليسَ في كِتابِ اللهِ ولا سُنَّةِ رَسولِهِ في المَدخولِ بها طلاقٌ بائِنٌ يُحسَبُ مِنَ الثَّلاثِ … (^١).
وقالَ أيضًا: وأمَّا لَو طلَّقَها الثَّلاثَ طلاقًا مُحرَّمًا مِثلَ أنْ يَقولَ لهَا: «أنتِ طالِقٌ ثلاثةً» جُملةً واحدَةً فهذا فيهِ قَولانِ للعُلماءِ:
أحدُهما: يَلزمُه الثَّلاثُ.
والثَّاني: لا يَلزُمُه إلَّا طَلقةٌ واحدَةٌ، ولهُ أنْ يَرتجِعَها في العِدَّةِ ويَنكحَها بعَقدٍ جديدٍ بعْدَ العدَّةِ، وهذا قَولُ كَثيرٍ مِنَ السَّلفِ والخلَفِ، وهو قَولُ طائفةٍ مِنْ أصحابِ مالِكٍ وأبي حَنيفةَ وأحمَدَ بنِ حنبلٍ، وهَذا أظهَرُ القولَينِ؛ لِدَلائلَ كَثيرةٍ مِنها:
ما ثبَتَ في الصَّحيحِ عنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «كانَ الطَّلاقُ الثَّلاثُ على عَهدِ رَسولِ اللهِ وأبي بكرٍ وصَدرًا مِنْ خِلافةِ عُمرَ واحدةٌ».
ومِنها ما رَواهُ الإمامُ أحمدُ وغَيرُه بإسنادٍ جَيدٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ: «أنَّ رُكانَةَ بنَ عَبدِ يَزيدَ طلَّقَ امرأتَهُ ثَلاثًا في مَجلسٍ واحِدٍ، وجاءَ إلى النَّبيِّ فقالَ: «إنَّما
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٧/ ١٠).
[ ١٧ / ١١٤ ]
هيَ واحِدةٌ، ورَدَّها عَليهِ»، وهذا الحَديثُ قدْ ثبَّتَهُ أحمدُ بنُ حَنبلَ وغَيرُه، وضعَّفَ أحمدُ وأبو عُبيدٍ وابنُ حَزمٍ وغَيرُهم ما رُويَ: «أنَّهُ طلَّقَها البتَةَ»، وقدِ استَحلَفَه: «ما أَردتَّ إلَّا واحِدةً؟»، فإنَّ رُواةَ هذا مُجاهِيلُ لا يُعرَفُ حِفظُهم وعدْلُهم، ورُواةُ الأوَّلِ مَعرُوفونَ بِذلكَ، ولَم يَنقلْ أحدٌ عنِ النَّبيِّ ﷺ بإسنادٍ مَقبولٍ أنَّ أحدًا طلَّقَ امرأتَهُ ثَلاثًا بكَلمةٍ واحِدةٍ فأَلزمَه الثَّلاثَ، بلْ رُويَ في ذلكَ أحاديثُ كلُّها كذِبٌ باتِّفاقِ أهلِ العِلمِ، ولكنْ جاءَ في أحاديثَ صَحيحةٍ: «إنَّ فُلانًا طلَّقَ امرأتَهُ ثَلاثًا»، أي: ثَلاثًا مُتفرِّقةً، وجاءَ: «أنَّ المُلاعِنَ طلَّق ثَلاثًا»، وتلكَ امرأةٌ لا سَبيلَ لهُ إلى رَجعتِها، بل هيَ مُحرَّمةٌ عليهِ سواءٌ طلَّقَها أو لَم يُطلِّقْها، كما لو طلَّق المُسلِمُ امرأتَهُ إذا ارتدَّتْ ثَلاثًا، وكما لَو أَسلمَتِ امرأةُ اليَهوديِّ فطلَّقَها ثَلاثًا، أو أَسلمَ زَوجُ المُشرِكةِ فطلَّقَها ثَلاثًا، وإنَّما الطَّلاقُ الشَّرعيُّ أنْ يُطلِّقَ مَنْ يَملكُ أنْ يَرتَجعَها أو يَتزوَّجَها بعَقدٍ جَديدٍ، واللهُ أَعلَمُ (^١).
وقالَ أيضًا ﵀: جَمعُ الطَّلاقِ الثَّلاثِ مُحرَّمُ عندَ جُمهُورِ السَّلفِ والخلَفِ، وهوَ مَذهبِ مالِكٍ وأبي حَنيفةَ وأحمدَ في آخِرِ الرِّوايتَينِ عنهُ، واختيارُ أكثرِ أصحابِهِ، ثمَّ هلْ يقَعُ عندَ هَؤلاءِ أو لا يَقعُ؟ أو تَقعُ واحدَةٌ؟ أو يُفرَّقُ بينَ المَدخولِ بها وغَيرِ المَدخولِ بها؟ فيهِ نِزاعٌ؟ والنِّزاعُ بيْنَ السَّلفِ إنَّما هوَ: هلْ تقَعُ واحدِةٌ أو ثلاثٌ؟ وأمَّا القَولُ بأنِّهُ لا يَقعُ شَيءٌ فإنَّما هوَ مَنقولٌ عَنْ بَعضِ أهلِ البدَعِ مِنْ أهلِ الكَلامِ والرَّافِضةِ.
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٧٣، ٧٤).
[ ١٧ / ١١٥ ]
وقالَتْ طائِفةٌ: بلْ هوَ مُباحٌ، والكَلامُ في مَقامَينِ: …
المَوضعُ الثَّاني مِنْ كِتابِ اللهِ قولُهُ تعالَى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨) الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾.
وهذهِ الآياتُ تَدلُّ علَى أنَّ المَشروعَ هوَ الطَّلاقُ الرَّجعيُّ دُونَ الثَّلاثِ، مِنْ وُجوهٍ:
[ ١٧ / ١١٦ ]
الأوَّلُ: أنهُ قالَ: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾، وهذا يَدلُّ على أنَّ كلَّ مُطلَّقةٍ فإنَّها تَتربَّصُ ثلاثةَ قُروءٍ، وأنَّ بعْلَها أحَقُّ بِرَدِّها في ذلكَ، فلو كانَ المُطلِّقُ مُخيَّرًا بيْنَ إيقاعِ واحدةٍ وثَلاثٍ لَم تكُنْ كلُّ مُطلَّقةٍ كَذلكَ، بلْ كانَ هذا وَصفَ بَعضِ المُطلَّقاتِ.
فإنْ قيلَ: فهذا يَرُدُّ عَليكُم فِيمَن طُلِّقَتِ الطَّلقةَ الثَّالثةَ.
قيلَ: قدْ بيَّنَ ذلكَ بقَولهِ فيما بعْدُ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، تبيَّنَ أنَّ هذا الطَّلاقَ هوَ مرَّتانِ فَقطْ، والثَّالثةُ قولُه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، وقبْلَه قولُهُ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، فكانَ تَمامُ الكَلامِ يُبيِّنُ المُرادَ، ولم يَكُ في ذلكَ خُروجٌ عَنْ مَدلولِ القُرآنِ ومَفهومِهِ وظاهرِهِ، بخِلافِ ما إذا قيلَ: إنَّ المُطلِّقَ مُخيَّرٌ بيْنَ الواحدةِ والثَّلاثِ.
وأيضًا فالآيةُ عامَّةٌ في كلِّ مُطلَّقةٍ، والمُطلَّقةُ طَلقةً ثالثةً قد خَصَّها في تَمامِ الكَلامِ بقَولِه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، فيَبقَى ما سِواها على ظاهِرِ القُرآنِ وعُمومِهِ.
الوجهُ الثَّاني: أنَّ اللهَ ذكَرَ حُكمَ الطَّلاقِ الَّذي أَذِنَ فيهِ وشرَعَهُ، فإنَّه لمَّا قالَ: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾، وقالَ: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، وقالَ: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ
[ ١٧ / ١١٧ ]
ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ ونحوَ ذلكَ، دلَّ على أنَّهُ أَذِنَ في الطَّلاقِ وأباحَهُ في الجُملةِ، وهوَ سُبحانَهُ لم يَأذَنْ في كُلِّ طلاقٍ ولا أباحَهُ، بلِ الطَّلاقُ يَنقسِمُ إلى مُباحٍ ومَحظُورٍ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ، وإنَّما الكَلامُ هُنا في جَمْعِ الثَّلاثِ، هل هوَ مِنَ المُباحِ أوِ المَحظُورِ؟ فإذا قيلَ: إنَّ اللهَ بيَّنَ حُكمَ الطَّلاقِ الَّذي أباحَهُ، ولم تَكنِ الثَّلاثُ مُباحةً، كانَ القرآنُ على ظاهِرِه وعُمومِهِ، وإذا قيلَ: هوَ مِنْ المُباحِ، والقُرآنُ يعُمُّ الطَّلاقَ المَأذونَ فيهِ والمَحظُورَ، كانَ ذلكَ مُخالِفًا لِظاهرِ القُرآنِ.
الوجهُ الثَّالثُ: أنهُ قالَ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾، وهذا صِفةُ الطَّلاقِ الرَّجعيِّ، فدلَّ ذلكَ على أنَّ هَذا هُو الطَّلاقُ المَوصوفُ في كِتابِ اللهِ بقَولِه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾، فالمُطلِّقُ ثَلاثًا ابتداءً لا رَجعةَ لهُ، ومَن لَم يُوقعْ إلَّا طلاقًا لا رَجعةَ فيهِ فقدْ خالَفَ كتابَ اللهِ.
الوجهُ الرَّابعُ: أنَّهُ قالَ بعدَ ذلكَ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، ثمَّ قالَ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. وفي الحديثِ المُرسَلِ عن أبي رَزين الأسديِّ الَّذي رَواهُ الإمامُ أحمدُ وغَيرُهُ أنَّهُ قِيلَ: يا رَسولَ اللهِ فأَينَ الطَّلقةُ الثَّالثةُ؟ قالَ: في قَولِه: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، وهذا مَعناهُ أنَّهُ جَوَّزَ إمساكَها بعْدَ الثَّانيةِ، فعُلِمَ أنَّها تكونُ زوجةً بعْدَ الثَّانيةِ، لا تَحرمُ بالثَّانيةِ.
ثمَّ ذكَرَ حُكمَهُ إذا أوقَعَ الثَّالثةَ بقَولِه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، وقد فسَّرَ بعضُهم مَعناه بأنَّ قولَهُ: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾
[ ١٧ / ١١٨ ]
هوَ الطَّلقةُ الثَّالثةُ، وهذا غلَطٌ مِنْ وجوهٍ كما قَدْ ذُكِرَ في مَوضِعٍ آخرَ، ومَعلومٌ أنَّ هذا لا يَتناوَلُ الثَّلاثَ المَجموعةَ، فإنَّهُ ليسَ بعْدَ وُقوعِ الثَّلاثِ إمساكٌ بمَعروفٍ.
الوجهُ الخامِسُ: أنَّ قولَهُ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ لفظٌ مُعرَّفٌ باللَّامِ، فيَعودُ إلى الطَّلاقِ المَعهودِ، وهُو الطَّلاقُ الَّذي تَقدَّمَ ذِكرُهُ في كتابِ اللهِ بقَولهِ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ وهوَ الطَّلاقُ الرَّجعيُّ، فدلَّ ذلكَ على أنَّ الطَّلاقَ المَشرُوعَ في كتابِ اللهِ هوَ الطَّلاقُ الرَّجعيُّ الَّذي يقَعُ مرَّةً بعْدَ مرَّةٍ، وبعْدَهُما إمساكٌ بمَعروفٍ أو تَسريحٌ بإحسانٍ، والثَّالثةُ قولُهُ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾.
الوجهُ السَّادسُ: أنَّ قولَهُ: ﴿مَرَّتَانِ﴾ إمَّا أنْ يُريدَ بهِ مرَّةً بعْدَ مرَّةٍ، كما في قولِهِ: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾، وكما في قولِهِ تعالَى: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ الآية، ومَعلومٌ أنَّ الثَّلاثَ في الاستِئذانِ لا تكونُ بكَلمةٍ واحدَةٍ، فلو قالَ: «سلامٌ علَيكُم، أَأَدخلُ ثَلاثًا» لَم يَكنْ قدِ استَأذنَ ثلاثًا، وكما في قَولِ النَّبيِّ ﷺ: «مَنْ قالَ في يَومٍ مِئةَ مرَّةٍ «سُبحانَ اللهِ وبِحَمدِهِ» حُطَّتْ عَنهُ خطاياهُ ولو كانَتْ مِثلَ زَبَدِ البَحرِ»، وفي مِثلِ قولِهِ: «سَبِّحْ ثَلاثًا وثلاثِينَ، وحَمِّدْ ثَلاثًا وثَلاثِينَ، وكَبِّرْ ثلاثًا وثلاثِينَ»، وقولِهِ: «كانَ إذا سلَّمَ سلَّمَ ثَلاثًا»، وأمثالِ ذلكِ ممَّا يَقتَضي لفظُ العَدَدِ فيهِ تكريرَ القَولِ، لاسيِّمَا وهوَ لم يَقُلْ: «الطَّلَاقُ طَلْقَتَانِ»، وإنَّما قالَ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾.
[ ١٧ / ١١٩ ]
وإذا قالَ: «هيَ طالِقٌ ثَلاثًا» قدْ يُقالُ: إنَّهُ طلَّقَها ثَلاثًا، لكنْ لا يُقالُ: طلَّقَها ثلاثَ مَرَّاتٍ، بلْ إنَّما طلَّقَها مرَّةً واحدَةً، وكذلكَ لو قالَ: «هيَ طالِقٌ طَلقتَينِ»، إنَّما يُقالُ: طلَّقَها مرَّةً واحدَةً، لا يُقالُ: طلَّقَها مرَّتَينِ.
وإمِّا أنْ يُريدَ بهِ (طلْقَتانِ)، سواءٌ كانَ بكَلمةٍ أو كلمَتَينِ، ولو أُريدَ هذا لَقِيلَ: (الطَّلَاقُ ثَلَاثٌ)، لَم يَقُلْ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، بخِلافِ ما إذا أُريدَ الأوَّلُ، فإنَّ المُرادَ الطَّلاقُ المَذكورُ، وهوَ الطَّلاقُ الرَّجعيُّ مرَّتانِ مرَّةً بعْدَ مرَّةٍ، والثَّالثةُ الطَّلاقُ بعْدَ الإمساكِ بمَعروفٍ أو التَّسريحِ بإِحسانٍ، وهوَ قَولُه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، ولو أُريدَ هذا لَقِيلَ: (الطَّلاقُ طلْقَتانِ)، ولَم يَقُلْ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، وقولُهُ تعالَى: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ هوَ على مُقتَضاهُ، أيْ مرَّةً ومرَّةً، وليسَ المُرادُ إيتاءً واحدًا، بلْ إيتاءٌ مرَّتَينِ.
الوجهُ السَّابعُ: أنَّ الطَّلاقَ اسمُ مصدَرِ طلَّقَ تَطليقًا، ومَعلومٌ أنَّ التَّطليقَ فِعلٌ يَفعلُه المُطلِّقُ بكَلامِه الَّذي يَتكلَّمُ بهِ، وهذا لا يُعقَلُ أنْ يكونَ مَرَّتَينِ، إلَّا إذا قيلَ مرَّةً بعْدَ مرَّةٍ، فأمَّا إذا طلَّقَها بكَلمةٍ واحدَةٍ فهذا لَم يَصدُرْ منهُ الطَّلاقُ إلَّا مرَّةً واحدَةً لا مرَّتَينِ، وإنْ جازَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ طلَّقَها طلقَتَينِ، فلا يَجوزُ أنْ يُقالَ: إنَّه طلَّقَها مرَّتَينِ، ولا يُفهَمُ لفظُ (طلَّقَها مرَّتَينِ) بدونِ تَكريرِ التَّطليقِ …
الوَجهُ الثَّامِنُ: أنهُ قالَ بعْدَ قولِهِ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ
[ ١٧ / ١٢٠ ]
تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، فأَمرَهُ بعْدَ الطَّلاقِ مرَّتَينِ أنْ يُمسِكَ بمَعروفٍ أو يُسرِّحَ بإحسانٍ، وهذا لا يَكونُ إلَّا فِيما إذا أخَّرَ الطَّلقةَ الثَّالثةَ عنِ الطَّلقتَينِ، لا إذا جمَعَ الجَميعَ.
الوجهُ التَّاسِعُ: أنهُ قالَ بعْدَ ذلكَ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾، ومعنَى ذلكَ باتِّفاقِ المُسلمِينَ: (فإنْ طلَّقَها الَّذي طلَّقَها مرَّتَينِ فلا تحلُّ لهُ مِنْ بعْدِ هذا الطَّلاقِ الثَّالثِ حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غيْرَهُ، فإنْ طلَّقَها هذا الزَّوجُ الثَّاني فلا جُناحَ عَليها وعَلى الزَّوجِ الأوَّلِ أنْ يَتراجَعَا -أيْ يَنكِحَها نِكاحًا ثانيًا- إنْ ظنَّا أنْ يُقيمَا حُدودَ اللهِ)، وحينَئذٍ فاللهُ تعالَى إنَّما حرَّمَها في القُرآنِ بطَلقةٍ وقعَتْ بعْدَ الطَّلاقِ مرَّتَينِ.
الوجهُ العاشِرُ: أنهُ قالَ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾، فقَولُهُ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ عامٌّ في كلِّ تَطليقٍ، فإنَّهُ نكِرةٌ في سياقِ الشَّرطِ، فأمَرَ عندَ بلوغِ الأجَلِ بالإمساكِ أو التَّسريحِ، وهذا لا يَكونُ معَ جمْعِ الثَّلاثِ، فعُلِمَ أنَّ جمْعَ الثَّلاثِ لم يَدخُلْ في ذلكَ، فلا يَكونُ داخِلًا في مُسمَّى التَّطلِيقِ، فلا يَكونُ مَشرُوعًا، فإنَّهُ لَو دخَلَ في مُسمَّاهُ لزِمَ مُخالَفةَ ظاهرِ القُرآنِ وتَخصيصَ عُمومِهِ.
فإنْ قِيلَ: فهَذا يُرَدُّ عَليكُم في الثَّالثةِ إذا أوقَعَها بعْدَ ثِنْتَينِ.
[ ١٧ / ١٢١ ]
قيلَ: قدْ بيَّنَ ذلكَ بقَولِه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ إلى قولِهِ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾، فقَدْ بيَّنَ أنَّ الطَّلاقَ الَّذي ذَكَرَ فيهِ الإمساكَ إنَّما هوَ مرَّتانِ فقطْ.
الوجهُ الحادي عَشَرَ: أنهُ قالَ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، ولَم يَقُلْ: (ثَلاثًا)، معَ العلمِ بأنَّهُ يَملِكُ أنْ يُطلِّقَها ثلاثَ تَطليقاتٍ في ثَلاثِ مرَّاتٍ، فعُلمَ أنَّه أرادَ أنْ يُبيِّنَ أنَّ الطَّلاقَ الَّذي هوَ أحقُّ برَجعَتِها فيهِ مرَّتانِ، ولو قيلَ: «أرادَ: (الطَّلاقُ الرَّجعيُّ طَلْقَتانِ)» لم يَستقِمْ ذلكَ إذا جمَعَها، فإنَّ الرَّجعيَّ حينَئذٍ يَكونُ طَلقةً واحدَةً، وطَلقةً بعْدَ طَلقةٍ، وطَلقتانِ مَجمُوعَتانِ، بخِلافِ ما إذا قيلَ: ﴿مَرَّتَانِ﴾، فإنَّهُ لا يَكونُ إلَّا مرَّةً بعْدَ مرَّةٍ.
فإنْ قيلَ: فإذا كانَ المُرادُ أنَّ الطَّلاقَ الرَّجعيَّ مرَّتانِ عُلِمَ أنَّ لنا طلاقًا رَجعيًّا وطَلاقًا غيْرَ رَجعيٍّ، وذلكَ يَتناوَلُ البائِنَ والمُحرَّمَ، وهوَ الثَّلاثُ.
قيلَ: لفْظُ الطَّلاقِ إمَّا أنْ يَعُمَّ كُلَّ طَلاقٍ، أو يَعودَ إلى الطَّلاقِ المُتقدِّمِ، وهوَ المَعهودُ، وعلى التَّقديرَينِ فإنَّهُ يَقتضي أنَّ كلَّ طَلاقٍ إنَّما يَكونُ مرَّةً بعْدَ مرَّةٍ، ولا يَكونُ إلَّا رَجعيًّا، فمَنْ أَثبَتَ طلاقًا بكَلمةٍ تُوجِبُ البَينونةَ فقدْ خالَفَ دَلالةَ القُرآنِ، فضْلًا عنْ طلاقٍ واحِدٍ يُوجِبُ التَّحريمَ.
الوجهُ الثَّاني عَشرَ: أنهُ قالَ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾، وهذا لا يتأتَّى في جَمْعِ الثَّلاثِ.
الوجهُ الثَّالثُ عَشرَ: أنهُ قالَ: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾، وقدْ رُويَ أنَّ جَمْعَ الثَّلاثِ مِنِ اتِّخاذِ آياتِ اللهِ هُزوًا، كما رَواهُ النَّسائيُّ مِنْ حَديثِ
[ ١٧ / ١٢٢ ]
ابنِ وهْبٍ: أخبَرَني مَخرَمةُ عن أبيهِ: سَمعْتُ مَحمودَ بنِ لَبيدٍ قالَ: أُخبِرَ رَسولُ اللهِ ﷺ عن رجُلٍ طلَّقَ امرأتَهُ ثلاثَ تطليقاتٍ جَميعًا، فقامَ غَضبانًا ثمَّ قالَ: أيُلعَبُ بكتابِ اللهِ وأنا بيْنَ أظْهُرِكُم؟ حتَّى قامَ رَجُلٌ وقالَ: يا رسُولَ اللهِ ألَا أقتلُهُ؟» (^١).
الوجهُ الرَّابعَ عشَرَ: أنهُ قالَ: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾، وهذهِ النِّعمةُ تَظهَرُ فيما إذا وقَعَ للعَبدِ أنْ يُطلِّقَها مرَّةً بعْدَ مرَّةٍ، وأنْ يُراجِعَها بعْدَ التَّطلِيقِ، فأمَّا إذا حرَّمَها عليهِ في أوَّلِ تَطليقٍ يُطلِّقُهُ فهذهِ حُرِّمَتْ عَليهِ في أوَّلِ مرَّةٍ، وتَحريمُ الطيِّباتِ ليسَ مِنْ بابِ النِّعَمِ، بلْ قدْ جعَلَهُ عذابًا بقَولهِ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾، وقولِهِ: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾.
الوجهُ الخامِسَ عشَرَ: قولُهُ: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾، والوعظُ هوَ الأمرُ والنَّهيُ بتَرغيبٍ وتَرهيبٍ، كقَولهِ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ﴾ أي: يُؤمَرُونَ بهِ، وقولِهِ: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ﴾ أي: يَنهاكُمُ اللهُ، فدلَّ على أنَّهُ سبحانَهُ أمَرَهم ونهاهُم في الطَّلاقِ الَّذي ذكَرَهُ، ولو كانَ قدْ أباحَ لهُم الثَّلاثَ جميعًا لم يَكنْ فيما ذكَرَهُ مِنْ الطَّلاقِ أمْرٌ ولا نهيٌ، فإنَّهُ بعْدَ الثَّلاثِ لا إمساكَ ولا تَسريحَ ولا وعْظَ، وفاعِلُها إذا كانَ لَم يُذنِبْ فلا يُوعَظُ قبْلَ التَّطليقِ ولا بعْدَه، والقُرآنُ يَدلُّ على أنَّهُ وعَظَهُم فيما ذكَرَهُ مِنْ الطَّلاقِ.
_________________
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه النسائي (٣٤٠١).
[ ١٧ / ١٢٣ ]
الوجهُ السَّادسَ عشَرَ: قَولُهُ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾، فإنَّ هذا عامٌّ في الطَّلاقِ الَّذي ذكَرَهُ اللهُ في كتابِه، وجعَلَه مرَّتَينِ، فلو كانَ قد أَذِنَ في جمْعِ الثَّلاثِ لم تَكنِ الآيةُ علَى عُمومِها، بلْ كانَ هذا في بعْضِ التَّطليقِ المَذكورِ دُونَ بعْضٍ، وهوَ خِلافُ ظاهِرِ القُرآنِ وعُمومِه.
الوجهُ السَّابعَ عَشرَ: أنَّ القُرآنَ خِطابٌ للصَّحابةِ ابتِداءً، ثمَّ لِلأمَّةِ بعْدَ الصَّحابةِ، ومَعلومٌ أنَّ الخِطابَ بالطَّلاقِ الَّذي ذكَرَ اللهُ أحكامَهُ كقَولهِ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾، وقولِه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، وقولِه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، وقولِه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ لا يَتناولُ جمْعَ الثَّلاثِ، وإنَّما يَتناوَلُ مَنْ طلَّقَ مرَّةً بعْدَ مرَّةٍ، فدلَّ ذلكَ على أنَّ هذا هوَ الطَّلاقُ المَعروفُ عنْدَ المُخاطَبِينَ بالقُرآنِ ابتداءً.
ودلَّ ذلكَ على أنَّ جمْعَ الثَّلاثِ لم يكُنْ مِنَ الطَّلاقِ الَّذي يعرفونَهُ؛ إذْ لو كانَ كذلكَ لَكانَ يَستَثنيهِ ويُبيِّنُه، وإلَّا كانَ القُرآنُ قدْ أُريدَ به خِلافُ ظاهِرِه وعُمومِه بلا بَيانٍ مِنْ اللهِ ورَسولِه.
الوجهُ الثَّامِنَ عَشرَ: أنْ يُقالَ: مَعلُومٌ أنَّ ظاهِرَ القُرآنِ وعُمومَهُ يدلُّ على أنَّ الطَّلاقَ المَشروعَ طَلقةٌ بعْدَ طَلقةٍ، فإذا أُريدَ خِلافُ ظاهِرِه فلا بُدَّ مِنْ بَيانٍ مِنْ اللهِ أو رَسولِه لِذلكَ، ومَعلُومٌ أنَّهُ ليسَ في القرآنِ آيةٌ تَدلُّ على إباحَةِ جمْعِ
[ ١٧ / ١٢٤ ]
الثَّلاثِ، ولا عنِ النَّبيِّ ﷺ ما يَدلُّ على ذلكَ، فإنَّ حديثَ فاطِمةَ بنْتِ قَيسٍ إنَّما فيهِ أنَّ زوْجَها طلَّقَها آخِرَ ثَلاثِ تَطليقاتٍ، وحَديثُ المُلاعنَةِ لمَّا طلَّقَها ثَلاثًا إنَّما فيهِ طلاقُ مَنْ لا سَبيلَ لهُ إلى المُقامِ مَعها، وهذا كما لو طلَّقَ مَنْ حَرُمَتْ عَليهِ بغَيرِ الطَّلاقِ ثَلاثًا، وطَلاقُ هذهِ زيادةُ تَوكيدٍ في مُفارَقتِها، بلْ هوَ لغوٌ لَم يُوجِبِ الفُرقَةَ الَّتي يُوجِبُها الطَّلاقُ، بلْ وُجودُه كعدَمِه، والطَّلاقُ الثَّلاثُ حُرِّمَتْ عليهِ ليكونَ لهُ سَبيلٌ إلى رَجعتِها، وهذا المعنَى مُنْتَفٍ في حَقِّ هذهِ، ولو قُدِّرَ أنَّهُ فعَلَ مُنكَرًا؛ فالمُنكَرَ إذا بيَّنَ اللهُ ورَسولُه أنَّه مُنكَرٌ لم يَجبْ بَيانُ ذلكَ في كُلِّ مَجلسٍ، وهذا جَوابٌ ثانٍ عَنْ حَديثِ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ، فليسَ مَعهُم إلَّا مُجرَّدُ سُكوتِ النَّبيِّ ﷺ، وهو إذا بيَّنَ تَحريمَ الشَّيءِ لم يَكنْ سُكوتُه عَنْ إنكارِه كلَّ وقتٍ دليلًا على الجَوازِ.
الوجهُ التَّاسِعَ عَشرَ: أنَّ اللهَ حرَّمَها عَليهِ بعْدَ الطَّلقةِ الثَّالثةِ حتَّى تَنكحَ زَوجًا غيْرَه، ولم يُبِحْ لهُ أنْ يُطلِّقَها رابعةً، وهذا عُقوبةً لهُ، كما قالَ تعَالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾، وقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾، فنَها إذا حُرِّمَتْ عَليهِ حتَّى تَنكحَ زَوجًا غيْرَهُ لم يَكنْ قادِرًا على تَزوُّجِها ولو رَضيَتْ بهِ، بلْ مِنَ المُمكِنِ أنَّها لا تَتزوَّجُ بغَيرِه، أو تَتزوَّجُ بمَنْ لا يُطلِّقُها، ومِن طبْعِ الإنسانِ أنَّهُ يكرَهُ أنْ تَتزوَّجَ امرأتُهُ بغَيرِه، ولهذا حُرِّمَ على غَيرِ النَّبيِّ ﷺ أنْ تُنكَحَ أزواجُهُ مِنْ بَعدْهِ؛ إكرامًا لِلنَّبيِّ
[ ١٧ / ١٢٥ ]
ﷺ، فدلَّ على أنَّ تَحريمَها حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غيْرَهُ إهانةٌ لهُ، فإنَّهُ إذا كانَ مَنْعُ غَيرِهِ مِنَ التَّزوجِ بامرأتِهِ إكرامٌ، فاشتِراطُ تزويجِ غيرِهِ في الحِلِّ وجعْلُ ذلكَ واجِبًا في عَودِها إليهِ إهانةٌ لهُ، والإهانةُ لا تكونُ إلَّا لمُذنِبٍ …
ثمَّ قالَ ﵀: والأحاديثُ في هذا البابِ عنِ النَّبيِّ ﷺ ليسَ فيها حَديثٌ ثابِتٌ يدلُّ على وُقوعِ الثَّلاثِ بكَلمةٍ واحدةٍ، بلْ فيها في الصَّحيحِ والسُّنَنِ ما يدلُّ على أنَّ الثَّلاثَ بكَلمةٍ واحدَةٍ لا تكونُ لازِمةً لكلِّ مَنْ أوقَعَها.
مثل الحديثِ الَّذي في صَحيحِ مُسلمٍ ومُسنَدِ أحمدَ وسُنَنِ أبي داودَ والنَّسائيِّ وغَيرِهِما عن طاوسٍ عَنِ ابنِ عبَّاسٍ: «أنَّ الطَّلاقَ كانَ على عَهدِ النَّبيِّ ﷺ وأبي بَكرٍ وصَدرًا مِنْ خِلافةِ عُمرَ طَلاقُ الثَّلاثِ واحدةٌ، فقال عُمَرُ: إنَّ النَّاسَ قدِ استَعجلُوا في أمرٍ كانَتْ لَهم فيهِ أناةٌ، فلو أنَّا أنفَذناهُ عَليهمْ، فأنفَذهُ عَليهِم» (^١).
وهذا الحَديثُ بطُرقِهِ وألفاظِهِ مَذكورٌ في غَيرِ هذا المَوضِعِ، والَّذي رَواهُ طاوسٌ كانَ يُفتِي بمُوجَبِهِ كما قَدْ ذُكِرَ في غَيرِ هذا المَوضعِ.
والمَقصودُ هُنا حَديثُ رُكانةَ، فإنَّهُ قدِ احتَجَّ بهِ غَيرُ واحِدٍ مِنْ أهلِ العِلمِ على وُقوعِ الثَّلاثِ بكَلمةٍ واحدَةٍ، حيثُ قالَ لهُ النَّبيُّ ﷺ: «ما أردتَ إلَّا واحدَةً؟ قالَ: ما أردتُ إلَّا واحدَةً»، وعليهِ اعتَمدَ الشَّافعيُّ ﵁ في هذِهِ المَسألةِ.
_________________
(١) رواه مسلم (١٤٧٢).
[ ١٧ / ١٢٦ ]
وحديثُ رُكانَةَ هذا قَدْ ضعَّفَهُ طائفةٌ كأحمَدَ وأبي عُبيدٍ وابنِ حزْمٍ، معَ أنَّهُ رواهُ ابنُ حبَّانَ في صَحيحِه، وقالَ الشَّافعيُّ: عمِّي ثِقةٌ، وعبدُ اللهِ بنُ عليِّ ابنِ السَّائبِ ثِقةٌ.
وأمَّا نافِعُ بنُ عجيرٍ فرَوى عَنْ عليِّ بنِ أبي طالِبٍ وعَن رُكانةَ، ورَوى لهُ أبو داودَ والنَّسائيُّ، وهذا الإسنادُ معَ الإسنادِ الآخَرِ الَّذي رواهُ أيضًا أبو داودَ وابنُ ماجَه وأبو حاتِمٍ في صَحيحِهِ يُوجِبِ حُسْنَ الحديثِ، فإنَّهما إسنادانِ ليسَ فيهِما مُتَّهَمٌ، لكنَّ رُواتَهُ لَيسُوا معرُوفِينَ بالعلمِ، ولا يُعرَفُ لقاءُ بَعضِهم بعضًا، كما سَيأتي بَيانُه.
وفي الجُملةِ لو لم يُعارِضْهُ غَيرُهُ لَأَمكَنَ أنْ يُقالَ: هوَ حسَنٌ أو صحيحٌ على طَريقةِ بَعضِهم، وأمَّا إذا عارَضَهُ ما هُو أرجَحُ منهُ فإنَّهُ يُقدَّمُ الرَّاجِحُ، وقدْ يُقالُ: إنَّه لم يُعارِضْهُ غَيرُهُ، وطائفةٌ أُخرى عارَضُوهُ بأنَّهُ قدْ رُويَ فيهِ أنَّهُ طلَّقَها ثلاثًا، فأمَّا إذا تَدبَّرْنا الرِّواياتِ في هذا البابِ وتَتبَّعْناها لم نَجدْ بيْنَ الحَديثَينِ خِلافًا، بل في حَديثِ الثَّلاثِ دَلالةٌ صَريحةٌ على أنَّ الثَّلاثَ لا تَقعُ بكَلمةٍ واحِدةٍ، ونَحنُ نَذكُرُ ذلكَ.
قالَ أبُو داودَ في السُّنَنِ: بابٌ في نَسخِ المُراجَعةِ بعْدَ التَّطليقاتِ الثَّلاثِ: حدَّثَنا أحمَدُ بنُ محمَّدِ بنِ ثابِتٍ المروزيُّ، حدَّثَني عليُّ بنُ الحُسينِ بنِ واقدٍ عن أبيهِ عَنْ يَزيدَ النَّحْويِّ عَنْ عِكرِمةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ الآية،
[ ١٧ / ١٢٧ ]
وذلكَ أنَّ الرّجُلَ كانَ إذا طلَّقَ امرأتَهُ فهُو أحَقُّ برَجعَتِها وإنْ طلَّقَها ثلاثًا، فنُسِخَ ذلكَ وقالَ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية (^١).
قلتُ: هذا مرويٌّ عَنْ عائِشةَ وغَيرِ واحدٍ مِنَ السَّلفِ، ثمَّ ذكَرَ أبو داودَ حديثَ طاوسٍ، فقالَ: حدَّثَنا أحمَدُ بنُ صالحٍ، ثنا عَبدُ الرَّزاقِ، أبَنا ابنُ جُريجٍ، أخبَرَني ابنُ طاوسٍ عن أبيهِ أنَّ أبا الصَّهباءِ قالَ لابنِ عبَّاسٍ: «أتعلَمُ إنَّما كانَتِ الثَّلاثُ تُجعلُ واحدَةً على عهدِ النَّبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ وثلاثًا من إمارَةِ عُمرَ؟ قالَ ابنُ عبَّاسٍ: نَعَمْ» (^٢).
وكأنَّهُ -واللهُ أعلَمُ- ذكرَهُ أبو دَاودَ هُنا لقَولِ مَنْ قالَ: إنَّ هَذا الحديثَ مَنسوخٌ، وإنِّهُ كانَ هذا حُكمَهُ لمَّا كانَ الطَّلاقُ بغَيرِ طلاقٍ.
وهذا مِنْ جُملةِ ما حُمِلَ عليهِ هذا الحَديثُ، وفي كَلامِ الشَّافعيِّ إشارةٌ إلى هذا، لكنْ مِنَ المَعلومِ أنَّ ذلكَ المَنسوخَ لَم يَكنْ مَحصُورًا بِثلاثٍ، بَلْ كانَ إذا طلَّقَها أكثرَ مِنْ ثَلاثٍ راجَعَها بغَيرِ اختِيارِها، وكانَ إذا طلَّقَها ثَلاثًا مُفْتَرِقاتٍ كلَّ واحدَةٍ بعْدَ رَجعةٍ أو عَقدٍ جَديدٍ لهُ أنْ يُراجِعَها، وهذا هوَ المَنسوخُ بِلا رَيبٍ، وأمَّا كَونُ الثَّلاثِ تُجعَلُ واحدَةً فهذا حُكمٌ غيرُ الحُكمِ المَنسُوخِ؛ إذِ المَنسوخُ لَم تُجعَلِ الثَّلاثُ فيهِ واحدَةً، ولا كانَ الطَّلاقُ مَقصُورًا على ثَلاثٍ، بلِ الثَّلاثُ والخَمْسُ والعَشْرُ والواحدَةُ كانَتْ فيهِ سَواءً.
_________________
(١) حَسَنٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢١٩٥).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٢٠٠).
[ ١٧ / ١٢٨ ]
ثمَّ إنَّ ذلكَ المَنسوخَ لمْ يُعمَلْ بهِ؛ لعدِّم نَسخِهِ على عَهدِ النَّبيِّ ﷺ ولا أبي بَكرٍ ولا خِلافَةِ عُمرَ، بلْ قدْ نَزَلَ القُرآنُ بأنَّها بعْدَ الثَّالثةُ تَحرُمُ عَليهِ حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غيْرَه، وتَواتَرتْ بذلكَ السُّنَّةُ، وشاعَ ذلكَ في المُسلمِينَ …
وأيضًا فَفي الحَديثِ أنَّ عُمرَ ﵁ قالَ: «إنَّ النَّاسَ قدِ استَعجَلُوا في أمرٍ كانَتْ لهُم فيهِ أَناةٌ، فلو أنَّا أَنفَذْناهُ عليهِم، فأنفذَهُ عليهِم». فدلَّ ذلكَ علَى أنَّهُ أنفَذَ عَليهِم ما كانَتْ لهم فيهِ أناةٌ، فلو كانَ ما فعَلُوهُ هوَ المَنسوخَ المُحرَّمَ لم تَكنْ لَهم أناةٌ في شَيءٍ قدْ ظهَرَ تَحريمُهُ بالكِتابِ والسُّنَّةِ المُتواتِرةِ والإجماعِ، ولَم يَكنْ إنفاذُهُ عَليهِم ممَّا يَتعلَّقُ باجتِهادِ الأئمةِ.
ثمَّ ذكَرَ أبو داودَ في سُنَنِه حَديثًا ثابتًا مَرفوعًا إلى النَّبيِّ ﷺ في أنَّ جمْعَ الثَّلاثِ بكَلمةٍ يكونُ واحدةً، كمَا في حديثِ أَبي الصَّهباءِ.
وذكَرَ مَا يُعارِضُه، فقالَ: حدَّثَنا أحمدُ بنُ صالِحٍ، ثنا عَبدُ الرَّزاقِ، أبَنا ابنُ جُرَيجٍ، قالَ: أخبَرَني بَعضُ بَنِي أبي رافِعٍ مَولَى النَّبيِّ ﷺ عَنْ عِكرمةَ مَولى ابنِ عبَّاسٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «طلَّقَ عبدُ يزِيدَ أبو رُكانَةَ وإخوَتِهِ أمَّ رُكانةَ، ونكَحَ امرأةً من مُزيْنَةَ، فجاءَتِ النَّبيَّ ﷺ فقالَتْ: ما يُغنِي عَنِّي إلَّا كما تُغنِي هذهِ الشَّعرَةُ -لشَعرةٍ أخَذَتها من رأسِها- ففَرِّقْ بَيْني وبيْنَه، فأخَذَتِ النَّبيَّ ﷺ حَميَّةٌ فدَعا بِرُكانَةَ وإخوتِهِ ثمَّ قالَ لِجُلَسائِه: أتَرَونَ فلانًا يُشبِهُ منهُ كذا وكذا مِنْ عَبدِ يَزيدَ، وفُلانًا يُشبِهُ منه
[ ١٧ / ١٢٩ ]
كذا وكذا؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ النَّبيُّ ﷺ لعَبدِ يَزيدَ: طَلِّقْها، ففَعَلَ، ثمَّ قالَ: راجِعِ امرأتَكَ أمَّ رُكانَةَ وإخوتِهِ، فقالَ: إنِّي طَلَّقتُها ثلاثًا يا رَسولَ اللهِ، قالَ: قد عَلمْتُ، راجِعْها، وتَلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (^١).
قالَ أبو داودَ: وحَديثُ نافِعِ بنِ عُجيرٍ وعَبدِ اللهِ بنِ عليِّ بنِ يزيدَ ابنِ رُكانةَ عَنْ أبيهِ عَنْ جَدِّه: «أنَّ رُكانَةَ طلَّقَ امرأتَهُ، فردَّهَا إليهِ النَّبيُّ ﷺ» أصحُّ، لأنَّهُم وَلَدُ الرَّجُلِ، وأهلُهُ أعلَمُ بهِ، إنَّ رُكانَةَ إنَّما طلَّقَ امرأتَهُ البتَّةَ، فجَعَلَها النَّبيُّ ﷺ واحدَةً.
ثمَّ روى هذا الحَديثَ أبو داودَ مِنْ طريقِ الشَّافعيِّ: حدَّثَني عَمِّي مُحمَّدُ بنُ عليِّ بنِ شافعٍ، عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ عليِّ بنِ السَّائبِ، عَنْ نافعِ بنِ عُجيرِ بنِ عَبدِ يَزيدَ بنِ رُكانةَ: «أنَّ رُكانَةَ طلَّقَ امرأتَهُ» وفي لَفظٍ: «عَنْ رُكانَةَ بنَ عَبدِ يَزيدَ طلَّقَ امرأتَهُ سُهَيمةَ البتَّةَ، فأَخبَرَ النَّبيَّ ﷺ بذلكَ، وقالَ: واللهِ ما أردتُ إلَّا واحدَةً، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «واللهِ ما أردتَ إلَّا واحِدةً؟ فقالَ رُكانةُ: واللهِ ما أردتُ إلَّا واحِدةً، فرَدَّها إليهِ رَسولُ اللهِ ﷺ» (^٢).
_________________
(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٢١٩٦).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الإمام الشافعي في «الأم» (٥/ ١١٨، ١٣٧)، وأبو داود (٢٢٠٦)، والحاكم في «المستدرك» (٢٨٠٨)، وقالَ: قد صحَّ الحديثُ بهذهِ الرِّوايةِ، فإنَّ الإمامَ الشَّافعيَّ قد أتقَنَهُ وحفِظَهُ عن أهلِ بَيتِه، والسَّائِبُ بنُ عَبدِ يَزيدَ أبو الشَّافِعِ بنِ السَّائبِ وهو أخو رُكانةَ بنِ عبدِ يزيدَ، ومحمَّدُ بنُ عليِّ بنِ شافِعٍ عمُّ الشَّافِعيِّ شيخُ قُريشٍ في عَصرِه.
[ ١٧ / ١٣٠ ]
ورَواهُ أبو داودَ أيضًا وابنُ ماجَه وأبو حاتِمِ ابنُ حبَّانَ في صَحيحِهِ مِنْ حَديثِ جريرِ بنِ حازِمٍ عنِ الزُّبيرِ بنِ سعيدٍ عَنْ عبدِ اللهِ بنِ عليِّ بنِ يَزيدَ بنِ رُكانةَ عنَ أبيهِ عَنْ جَدِّهِ: «أنَّهُ طلَّقَ امرأتَهُ البتَّةَ فأتَى رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: «ما أردتَ؟» قالَ: واحدَةً، قالَ: «آللهِ»؟ قالَ: «آللهِ» قالَ: «هوَ على ما أرَدتَ» (^١).
ورَواهُ التِّرمذيُّ: فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ إنِّي طلَّقْتُ امرأتِي البتَّة، فقالَ: «ما أردْتَ بها؟ قلتُ: واحدةً، قالَ: واللهِ؟ قلتُ: واللهِ، قالَ: فهوَ ما أردْتَ». وقالَ: لا نَعرِفُهُ إلَّا مِنْ هذا الوجهِ (^٢).
_________________
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٢٢٠٨)، وقالَ الشَّيخُ الألبانِيُّ ﵀ في ضَعيفِ أبي داودَ - «الأم» (٢/ ٢٣٨) قلتُ: إسنادُهُ ضعيفٌ؛ مَسلسلٌ بالعِللِ: جهالةُ حالِ عليِّ بنِ يَزيدَ بنِ رُكانةَ. واضطرابُه في إسنادِهِ؛ فمرَّةً قالَ: عَنْ جدِّه -يَعني: يَزيدَ بنَ ركانةَ- كما هُنا، ومرَّةً قالَ: عَنْ جدِّهِ رُكانةَ بنِ عَبدِ يزيدَ، ومرَّةً أرسَلَه؛ فلَم يَذكُرْ أباهُ وجَدَّهُ. وابنُهُ عبدُ اللهِ بنُ عليٍّ: ضعيفٌ، ومِثلُه الزُّبيرُ بنُ سَعيدٍ. وقالَ مرَّةً: عن عبدِ اللهِ بنِ عليِّ ابنِ السَّائبِ .. مكانَ: عبدِ اللهِ بنِ عليِّ بنِ يَزيدَ. وقد رَواهُ غيرُه عنه مُخالِفًا لهُ في إسنادِهِ؛ كما في الحَديثِ الَّذي قبْلَه. وقدْ أعلَّهُ البُخاريُّ والعقيليُّ بالاضطِرابِ. وقالَ البُخاريُّ: (لم يَصحَّ) .. وقالَ العجليُّ: (حديثٌ مُنكَرٌ).
(٢) رواه الترمذي (١١٧٧).
[ ١٧ / ١٣١ ]
وقالَ ابنُ ماجَه: سَمعْتُ أبا الحسَنِ الطَّنافسيَّ يَقولُ: ما أشرَفَ هذا الحَديثَ، قالَ ابنُ ماجَه: أبو عُبيدٍ تَرَكَهُ ناحيَةً، وأحمدُ جَبُنَ عنهُ.
قالَ أبو داودَ: وهذا أصحُّ مِنْ حَديثِ ابنِ جُريجٍ أنَّ رُكانةَ طلَّقَ امرأتَهُ ثَلاثًا؛ لأنَّهم أهلُ بيتِهِ، وهمْ أعلمُ بهِ، وحديثُ ابنِ جُريجٍ رَواهُ عنْ بعضِ بَنِي أبي رافِعٍ عَنْ عِكرمةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ.
قلتُ: فجعَلَ أبو داودَ ﵁ القصَّتَينِ واحَدةً، وهوَ كما قالَ، ويَرِدُ عليهِ أنَّهُ في حَديثِ ابنِ جُريجٍ أنَّ رُكانةَ طلَّقَ امرأتَهُ ثَلاثًا، وليسَ هذا في حَديثِ ابنِ جُريجٍ الَّذي رَواهُ هوَ، وإنَّما فيهِ أنَّ عبْدَ يَزيدَ -أبا رُكانةَ وإخوتِهِ- طلَّقَ أمَّ رُكانةَ ونكَحَ امرأةً مِنْ مُزَينةَ، وأنَّها اشتَكَتْ إلى النَّبيِّ ﷺ وذكَرَتْ أنَّهُ عِنينٌ، وأنَّ النَّبيَّ ﷺ بيَّنَ كَذِبَها بأنَّ أولادَهَا يُشبِهونَهُ، فدلَّ على أنَّهُم منهُ، وأنَّهُ ليسَ بِعِنينٍ، ثمَّ إنَّهُ أمَرَ عبْدَ يزيدَ أبا رُكانةَ أنْ يُطلِّقَ هذهِ المُزَنيَّةَ المُشتكيَةَ، وإنَّهُ أمَرَهُ أنْ يُراجِعَ أمَّ رُكانةَ الَّتي طلَّقَها ثَلاثًا.
هذا هوَ الَّذي في حَديثِ ابنِ جُريجٍ، ليسَ في حَديثِ ابنِ جُريجٍ أنَّ رُكانةَ طلَّقَ امرأتَهُ ثَلاثًا، لكنْ قدْ يُقالُ: إنَّ القِصَّةَ واحدَةٌ، وإنَّ هذا الرَّاوي غَلِطَ في بَعضِ ألفاظِ القصَّةِ في المُطلِّقِ والمُطلَّقةِ، كما يَقولُ مَنْ يَقولُ: إنَّه غَلطَ في عَددِ الطَّلاقِ، وقدْ يُقالُ: مَنْ قالَ هذا لم يَكنْ لهُ أنْ يَقولَ في حَديثِ ابنِ جُريجٍ أنَّ رُكانةَ طلَّقَ ثَلاثًا، بلْ هذا يُبيِّنُ أنَّ قائِلَ ذلكَ لَم يَتأمَّلِ الحَديثِ حَقَّ التَّأمُّلِ، فإذا تَأمَّلهُمَا علِأنَّ المَنقُولَ في هذا الحَديثِ قصةٌ غيرُ المَنقولِ في
[ ١٧ / ١٣٢ ]
الآخَرِ، فلا المُطلِّقُ المُطلِّقُ، ولا المُطلَّقةُ المُطلَّقةُ، فإنَّ المُطلَّقةَ في هَذا سُهَيمَةُ امرَأةُ رُكانةَ، وهناكَ أمُّهُ، ولا لفْظُ التَّطليقِ لَفظُ التَّطليقِ، وفي هذا مِنْ تَزويجِ عَبدِ يزيدَ لامرَأةٍ مُزَنيَّةٍ، ودَعواها عُنَّتَهُ، وتَكذيبِ النَّبيِّ ﷺ بشَبَهِ أولادِهِ لهُ، ما لا يُمكِنُ أنْ يَكونَ في حَديثِ رُكانةَ، فإنَّ رُكانةَ لم يَكنْ لهُ أولادٌ أدرَكُوا النَّبيَّ ﷺ يُعَدُّونَ مِنْ الصَّحابةِ، وإنَّما المَعدُودُ مِنَ الصَّحابةِ هوَ وإخوتُهُ وأبوهُ، كما في حَديثِ ابنِ جُريجٍ.
لكنْ يُجابُ عَنْ هذا بأنَّ عَبدَ يَزيدَ أبا رُكانةَ لم يَذكُرْهُ في الصَّحابةِ الزُّبيرُ بنُ بكَّارٍ ولا ابْنُ عَبدِ البَرِّ ولا غَيرُهُما مِنَ المُصنِّفِينَ في الصَّحابةِ فيمَا عَلِمْنا، بلْ قالَ الزُّبيرُ بنُ بكَّارٍ في كتابِ «نَسَب قُريشٍ وأخبَارهَا»: ووَلدُ هاشِمِ بنِ المُطَّلبِ بنِ عَبدِ مَنافٍ: عَبدُ يَزيدَ، وأمُّهُ الشِّفاءُ بنتُ هاشِمِ بنِ عَبدِ مَنافٍ، فوَلَدُ عَبدِ يَزيدَ بنِ هاشِمٍ: رُكانَةُ وعُجَيرٌ وعُبَيدٌ وعُميرُ بَنِي عَبدِ يَزيدَ، وأمُّهمُ العَجلةُ بِنتُ العجلانِ ونَسَبُها إلى كِنانةَ.
قالَ: ورُكانةُ بنُ عَبدِ يَزيدَ الَّذي صارَعَ النَّبيَّ ﷺ قبْلَ الإسلامِ، وكانَ أشَدَّ النَّاسِ، فقالَ: يا مُحمَّدُ إنْ صَرعْتَنِي آمنْتُ بكَ، فصَرَعَهُ رَسولُ اللهِ ﷺ، فقالَ: أشهَدُ أنَّكَ ساحِرٌ، ثمَّ أَسلَمَ بعْدُ، وأطعَمَهُ رَسولُ اللهِ ﷺ خَمسِينَ وَسقًا بِخَيبَرَ، ونَزَلَ رُكانةُ المَدينةَ، وماتَ بها في أوَّلِ خِلافَةِ مُعاويَةَ.
قالَ: وعُجيرُ بنُ عَبدِ يَزيدَ أطعَمَهُ رَسولُ اللهِ ﷺ ثَلاثينَ وَسقًا.
[ ١٧ / ١٣٣ ]
قالَ: ووَلَدُ عُبيدِ بنِ عَبدِ يَزيدَ: السَّائِبُ، أُسِرَ يَومَ بَدرٍ، وكانَ يُشبَّهُ بالنَّبيِّ ﷺ.
فقدْ بيَّنَ أنَّ رُكانةَ وابنَهُ كانا مِنَ الصَّحابةِ، بخِلافِ أبيهِ عَبدِ يَزيدَ.
وأيضًا فلا يَجوزُ أنْ يَكونَ في الصَّحابةِ مَنْ يُسمَّى بهذا الاسمِ، فتبيَّنَ أنَّ المُطلِّقَ رُكانةُ لا أبوهُ.
وإذا قالَ القائِلُ: ما في حَديثِ ابنِ جُريجٍ مِنْ قصَّةِ عَبدِ يَزيدَ أبِي رُكانةَ لا يُعارِضُهُ حَديثُ رُكانةَ بوَجهٍ مِنَ الوُجوهِ، ولَم يَجُزْ دفْعُ أحدِهِما بالآخَرِ، بلْ يَبقَى النَّظرُ في رُواةِ هذا الحَديثِ، وهمْ ثِقاتٌ مَعرُوفونَ، إلَّا بَعضَ بَنِي أبي رافِعٍ، فإنَّهُ يُحتاجُ إلى مَعرفَتِهم، فإنَّهم ليسُوا مِنْ ولَدِهِ لصُلبِهِ؛ إذْ وَلَدُه لصُلبِهِ عَبدُ اللهِ وعُبيدُ اللهِ كاتِبُ عليٍّ ﵁، وهَذانِ قَديمانِ لا يَروِيانِ عَنْ عِكرمةَ، ولا يَروي عَنهُما ابنُ جُريجٍ.
قيلَ: هذا الحَديثُ قدْ رُويَ بإسنادٍ آخَرَ مَعروفِ الرِّجالِ، وهُو يُبيِّنُ أنَّ القِصَّةَ واحدةٌ، رَواهُ أحمدُ والبَيهقيُّ وغَيرُهُما مِنْ حَديثِ إبراهيمَ بنِ سعْدٍ عَنِ ابنِ إسحاقَ، فجَعَلَ المُطلِّقَ رُكانةَ، ورَواهُ القَاضِي الحافِظُ أبو بَكرِ بنُ أبي عاصِمٍ مِنْ حَديثِ يُونُسَ بنِ بكيرٍ، فقالَ في «كتَاب الطَّلاقِ»: ثَنا مُحمَّدُ بنُ الحُسينِ، ثَنا ابن … ثَنا يُونسُ بنُ بكيرٍ عن مُحمَّدِ بنِ إِسحاقَ عَنْ داودَ بنِ الحُصينِ عَنْ عِكرمةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ: «أنَّ أبا رُكانَةَ طلَّقَ امرأتَهُ ثَلاثًا، فأَتَى النَّبيَّ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ طلَّقْتُ امرَأتِي ثَلاثًا بكَلمةٍ واحدَةٍ،
[ ١٧ / ١٣٤ ]
وإنِّي قدْ وجدْتُ عَليها وَجدًا شَديدًا، فقالَ: أَتريدُ أنْ تَرتَجعَها؟ قالَ: قلتُ: نعمْ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: فإنَّما هيَ وَاحدةٌ».
وقدْ رَواهُ البَيهَقيُّ فقالَ في «السُّنَن الكَبيرِ»: وقَد رَوى مُحمدُ بنُ إِسحاقَ عَنْ داودَ بنِ الحُصينِ عَنْ عِكرمَةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «طلَّقَ رُكانةُ امرَأتَهُ ثَلاثًا في مَجلسٍ واحدٍ، فحَزِنَ عَليها حُزنًا شَديدًا، فسَألَهُ رَسولُ اللهِ ﷺ كيفَ طلَّقَها، قالَ: طلَّقْتُها ثَلاثًا، فقالَ: في مَجلِسٍ واحِدٍ؟ قالَ: نَعمْ، قالَ: إنَّما تِلكَ واحدَةٌ، فارْجِعْها إنْ شئْتَ، فراجَعَها». وكانَ ابنُ عبَّاسٍ يَرَى أنَّما الطَّلاقُ عِنْدَ كُلِّ طُهرٍ، فتلكَ السُّنةُ التي كانَ عَليها النَّاسُ، والَّتي أمَرَ اللهُ بهَا ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾.
قالَ البَيهَقيُّ: أخبَرَناهُ أبو بَكرِ ابنُ الحارِثِ، ثَنا أبو مُحمَّدِ بنُ حيَّانَ، ثَنا سَلَمُ بنُ عِصامٍ، ثَنا عُبيدُ اللهِ بنُ سَعدٍ، ثَنا عَمِّي، ثَنا أَبِي، عنِ ابنِ إسحاقَ، حدَّثنِي داودُ بنُ الحُصَينِ، فذَكَرَه.
قالَ البَيهَقيُّ: وهذا الإسنادُ لا تَقومُ بهِ حُجَّةٌ معَ ثَمانيةٍ رَوَوا عنِ ابنِ عباسٍ فُتياهُ بخِلافِ ذلكَ، ومعَ روايةِ أولادِ رُكانةَ أنَّ طَلاقَ رُكانةَ كانَتْ واحدَةً.
قلْتُ: أمَّا المُعارَضةُ بفُتيا ابنِ عبَّاسٍ فَفِيها كَلامٌ مَذكورٌ في مَوضِعٍ آخَرَ، وأمَّا حَديثُ أولادِ رُكانةَ فسَيأتي الكَلامِ عليهِ إنْ شاءَ اللهُ.
لكنَّ البَيهقيَّ ذكَرَ في حَديثٍ أنَّ المُطلِّقَ رُكانةَ، وهوَ الصَّوابُ. وقدْ رَواهُ
[ ١٧ / ١٣٥ ]
أحمدُ في المُسنَدِ مِنْ هذا الوَجهِ فقالَ: ثَنا سَعدُ بنُ إبراهيمَ، ثَنا أبِي عن مُحمَّدِ بنِ إسحاقَ، حدَّثَني داودُ بنُ الحُصينِ، عَنْ عِكرمةَ مَولَى ابنِ عبَّاسٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «طلَّقَ رُكانةُ بنُ عَبدِ يزيدَ أخُو بنِي مُطَّلبٍ امرأتَهُ ثلاثًا في مَجلسٍ واحِدٍ، فحَزِنَ عليها حُزنًا شَديدًا قالَ: فَسألهُ رَسولُ اللهِ ﷺ: كيفَ طلَّقتَها؟ قالَ: طلَّقتُها ثلاثًا، قالَ: فقالَ: في مَجلسٍ واحِدٍ؟ قالَ: نعَمْ، قالَ: فإنَّما تلكَ واحدةٌ فارْجِعْها إنْ شِئتَ، قالَ: فرَجعَها، فكانَ ابنُ عَبَّاسٍ يَرى إنَّما الطّلاقُ عندَ كُلِّ طُهرٍ» (^١).
وهذا الحَديثُ خرَّجَهُ أبو عَبدِ اللهِ المَقدِسيُّ في صَحيحِهِ الَّذي هوَ خَيرٌ مِنْ صَحيحِ الحاكِمِ، فقَدِ اتَّفقَ يُونسُ بنُ بكيرٍ وإبراهيمُ بنُ سعدٍ عنِ ابنِ إسحاقَ على هذا الحَديثِ، لكنْ قالَ أحدُهُما: إنَّ المُطلِّقَ ثَلاثًا أبو رُكانةَ، كما في حَديثِ ابنِ جُريجٍ، وقالَ الآخَرُ: إنَّهُ رُكانةَ، فإنْ كانَ المُطلِّقُ أبا رُكانةَ فلا مُنافاةَ بيْنَه وبيْنَ حَديثِ رُكانةَ في البتَّةِ، وإنْ كانَ المُطلِّقُ رُكانةَ فهذهِ الرِّوايةُ مِنْ هَذينِ الوجهَينِ تُعارِضُ مَنْ رَوى أنَّهُ قالَ: لم أُطلِّقْ إلَّا واحدةً، ورُواةُ هذا الحَديثِ مَشهُورونَ بحَمْلِ العِلمِ، بخِلافِ ذاكَ، لكنَّ ذاكَ مِنْ روايةِ أهلِ بَيتِه.
ويَعضُدُ رِوايةَ مَنْ رَوى أنَّ الطَّلاقَ كانَ ثلاثًا حَديثُ ابنِ عبَّاسٍ الَّذي في صَحيحِ مُسلِمٍ: «أنَّ الثَّلاثَ كانَتْ تُجعَلُ واحدَةً على عَهدِ النَّبيِّ
_________________
(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أحمد في «المسند» (٢٣٨٧).
[ ١٧ / ١٣٦ ]
ﷺ وأبي بَكرٍ»، فهذا يُوافِقُ رِوايةَ ابنِ عبَّاسٍ، ورِوايةُ ابنِ عبَّاسٍ مَنْ وجهَينِ عَنْ عِكرمَةَ يصدقُ أحدُهُما صاحِبَهُ، فإنَّ عِكرمةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ أثبَتُ مِنْ عَبدِ اللهِ بنِ عليِّ بنِ يَزيدَ بنِ رُكانةَ عَنْ أبيهِ عَنْ جدِّهِ، وقدْ قالَ أحمَدُ: حديثُ رُكانةَ ليسَ بشَيءٍ. وابنُ إسحاقَ يُدخلِهُ أبو حاتِمٍ وابنُ خُزَيمةَ وابنُ حَزمٍ في الصَّحيحِ.
والبَيهقيُّ اعتَقدَ أنَّ القَضيَّةَ واحدةٌ، كما اعتَقدَها أبو داودَ، ولكنْ ما رَوَوهُ يُخالِفُ ذلكَ، فإمَّا أنْ يكونَ الغَلطُ فِيما رَوَوهُ، أوِ الغَلطُ منهُم في فَهمِ ما رَووهُ، ولا رَيبَ أنَّهمْ صادِقونَ فيما رَوَوهُ ﵃. وهذا الحَديثُ عَمِلَ بهِ رُواتُه، فكانَ ابنُ إسحاقَ يَعمَلُ بهِ ويقولُ: «إنَّ الثَّلاثَ بكَلمةٍ واحدةٍ واحدَةٌ».
وكذلكَ عِكرمةُ راوِيهِ عنِ ابنِ عبَّاسٍ، ورُويَ ذلكَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ أيضًا، كما قالَ أبو داودَ في سُنَنِهِ: ورَوى حمَّادُ بنُ زَيدٍ عن أيُّوبَ عنْ عِكرمةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ: إذا قالَ: ««أنتِ طالِقٌ ثلاثًا» بفَمٍ واحِدٍ فهيَ واحدَةٌ». قالَ: ورَوى إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ عنْ أيُّوبَ عنْ عِكرمةَ هذا قولَهُ، لَم يَذكرِ ابنَ عبَّاسٍ، وجعَلَه قولَ عِكرمةَ (^١).
وذكَرَ أبو داودَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ مِنْ ستَّةِ أوجِهٍ أنَّهُ أوقَعَ الثَّلاثِ بمَن أوقَعَها بكَلمةٍ واحدَةٍ، مِنْ رِوايةِ مُجاهدٍ وسَعيدِ بنِ جُبيرٍ ومالِكِ بنِ الحُوَيرثِ وعَطاءٍ وعَمرِو بنِ دينارٍ ومُحمدِ بنِ إياسَ بنِ البكيرِ.
_________________
(١) «سنن أبي داود» (٢/ ٢٦٠).
[ ١٧ / ١٣٧ ]
وكانَ عَطاءٌ ونَحوهُ يَدخلونَ على ابنِ عبَّاسٍ معَ العامَّةِ، وكانَ طاوسٌ يَدخلُ عليهِ مَع الخاصَّةِ، وكذلكَ عِكرمةُ مَولاهُ كانَ مِنْ خاصَّتِه، فلِهذا حَمَلَ مَنْ حمَلَ قولَ ابنِ عبَّاسٍ على مِثلِ فِعلِ عُمرَ، مِنْ أنَّ هذا مِنْ العُقوباتِ التي يَجتَهدُ فيها الأئِمةُ، ليسَ شَرعًا لازِمًا، وهوَ عقوبةٌ لِمَنْ لَم يتَّقِ اللهَ، ولهذا كانَ ابنُ عبَّاسٍ يقولُ لِمَنْ يُفتيهِ: «لوِ اتَّقَيتَ اللهَ لَجعَلَ لكَ فرَجًا ومَخرَجًا».
وأبو داودَ رَوى حَديثَ حمَّادِ بنِ زَيدٍ عَنْ أيُّوبَ عَنْ غَيرِ واحِدٍ عَنْ طَاوسٍ أنَّ رَجلًا يُقالُ لهُ أبو الصَّهباءِ كانَ كَثيرَ السُّؤالِ لابنِ عبَّاسٍ قالَ: أمَا عَلمْتَ أنَّ الرَّجلَ كانَ إذا طلَّقَ امرأتَهُ ثَلاثًا قبْلَ أنْ يَدخُلَ بها جَعَلُوها واحدَةً على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأبِي بكْرٍ وصَدرًا مِنْ إِمارةِ عُمَرَ؟ قالَ ابنُ عبَّاسٍ: «بَلى، كانَ الرَّجلُ إذا طلَّقَ امرأتَهُ ثَلاثًا قبْلَ أنْ يَدخُلَ بها جَعلُوها واحدَةً على عَهدِ رَسولِ اللهِ وأبِي بكرٍ وصَدرًا مِنْ إِمارةِ عُمرَ، فلمَّا رأَى -يَعني عُمَر- النَّاسَ قدْ تَتايَعُوا فيها قالَ: أُجيزُهنَّ عَليهِم».
ثمَّ رَوى مِنْ حَديثِ ابنِ عليَّةَ عَنْ أيُّوبَ عَنْ عبدِ اللهِ بنِ كَثيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كُنْتُ عندَ ابنِ عبَّاسٍ فجاءَهُ رَجلٌ فقالَ: إنَّهُ طلَّقَ امرأتَهُ ثَلاثًا، قالَ: فسَكَتَ حتَّى ظَننْتُ أنُّهُ رادُّها إليهِ، ثمَّ قالَ: «يَنْطَلِقُ أحدُكُم فيَركَبُ الحمُوقةَ ثمَّ يَقولُ: يا ابنَ عبَّاسٍ يا ابْنَ عبَّاسٍ، وإنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾، وإنَّكَ لَم تتَّقِ اللهَ فلا أجِدُ لكَ مَخرجًا، عَصَيتَ ربَّكَ وبانَتْ
[ ١٧ / ١٣٨ ]
مِنْكَ امرأتُكَ، وإنَّ اللهَ قالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ﴾».
قلتُ: لا يُقالُ مِثلُ هذا الكَلامِ إلَّا لِمَنْ عَلِمَ أنَّ جمْعَ الثَّلاثِ مُحرَّمٌ، ثمَّ فعَلَهُ عامِدًا لفِعلِ المُحرَّمِ، فإنَّ هذا لَم يتَّقِ اللهَ بلْ تعدَّى حدُودَهُ، أمَّا مَنْ لم يَعلمْ أنَّ ذلكَ مُحرَّمٌ ولا قامَتْ عليهِ حجَّةٌ بتَحريمِ ذلكَ، ولو عَلِمَ أنَّهُ مُحرَّمٌ لم يَفعلْهُ، فإنَّ هذا لا يَخرجُ عنِ التَّقوى بذلكَ، ولا يُقالُ لهُ: إنَّكَ لم تتَّقِ اللهَ فلا أجدُ لكَ مَخرَجًا، ولا يُقالُ لهُ: عَصيْتَ ربَّكَ.
ففي فُتيا ابنِ عبَّاسٍ هذهِ ونَحوِها إيقاعُ الثَّلاثِ بمِثلِ هذا لمَّا تَتايَعَ النَّاسُ فيما نُهُوا عَنهُ، فأجازَهُ عَليهِم عُمرُ ومَن رُويَ أنَّهُ وافَقَهُ، كعُثمانَ وعليٍّ وابنِ مَسعُودٍ وزَيدِ بنِ ثابِتٍ وابنِ عبَّاسٍ وابنِ عُمرَ وأبي هُريرَةَ وعَبدِ اللهِ بنِ عمرٍو وغَيرِهمُ الَّذين أجازُوا الثَّلاثَ على النَّاسِ المُتَتايِعِينَ فيما نُهُوا عَنهُ مِنْ ذلكَ، كما وافَقُوا عُمرَ على أنَّ حدَّ في الخَمرِ بثَمانِينَ لمَّا كَثُرَ شُرْبُ النَّاسِ لها واستَقلُّوا العُقوبةَ بأربَعِينَ.
وكانَ عُمرُ ﵁ أحيانًا يَنفِي في الخَمرِ ويَحلِقُ الرَّأسَ، فيُغلِّظُ عُقوبَتَها بحَسبِ الحاجَةِ؛ إذْ لم يَكنْ مِنَ النَّبيِّ ﷺ فيها حَدٌّ مُقدَّرٌ مُوقَّتُ القدْرِ والصِّفةِ لا يُزادُ عَليهِ ولا يُنْقَصُ منهُ كما في حدِّ القَذْفِ، بلْ كانَ قدْرُ العُقوبَةِ فيها وَصفَتُها مُوكُولةً إلى اجتِهادِ الأئِمةِ بحَسبِ الحاجَةِ، فمِن أدناها أربَعونَ بالجَريدِ والنِّعالِ وأطرافِ الثِّيابِ، وهذا مِنْ أخفِّ العُقوباتِ
[ ١٧ / ١٣٩ ]
قَدْرًا وصِفةً، ثمَّ أربَعونَ بالسِّياطِ، وهذا أعلَى في الصِّفةِ دُونَ القَدرِ، ثمَّ ثَمانونَ بالسِّياطِ، وهذا أعلى مِنهُما، وهلْ يُعاقَبُ فيها بالقَتلِ بعْدَ الثَّالثةِ أو الرَّابعةِ إذا لَم يَنتَهُوا إلَّا بذلكَ؟ فيهِ أحاديثُ ونزاعٌ ليسَ هذا مَوضعَهُ.
فحَديثُ عَبدِ يَزيدَ أو رُكانةَ مَرويٌّ مِنْ هَذينِ الوجهَينِ، وأقلُّ أحوالِهِ حِينَئذٍ أنْ يكونَ حسَنًا، فإنَّ الحسَنَ عندَ التِّرمذيِّ هوَ ما رُويَ مِنْ وجهَينِ ولم يُعلَمْ في رِواتهِ مُتَّهَمٌ بالكَذبِ، ولم يُعارِضْهُ ما يَدلُّ على غَلطِهِ، وهو مِنْ أحسَنِ ما يَحتَجُّ بهِ الفُقهاءُ، وقدْ يُقالُ: هوَ صَحيحٌ، وابنُ حبَّانَ وإنْ كانَ قدْ صحَّحَ حَديثَ «البَتَّة»؛ فإنَّه يُصحِّحُ حَديثَ ابنِ إسحاقَ هوَ وغَيرُهُ كابنِ خُزيمَةَ وابنِ حزْمٍ وغَيرِهِما، وابنُ حَزمٍ وغَيرُه يُضعِّفونَ حَديثَ «البَتَّة» كما ضَعَّفَه أحمَدُ ﵀.
وابنُ إسحاقَ إمامٌ حافِظٌ، لكنْ يُخافُ أنْ يُدلِّسَ ويَخلِطَ الأحاديثَ بعضَها ببَعضٍ، فإذا قالَ: «حدَّثني» زالَتِ الشُّبهَةُ، وقدْ ذَكرَ أنَّ داودَ بنَ الحُصينِ حدَّثَه وعَمِلَ بما حَدَّثَه بهِ.
ولا يَستَريبُ أهلُ العِلمِ بالحَديثِ أنَّ هذا الإسنادَ أرجَحُ مِنْ إسنادِ «البَتَّة»، هذا لو انفَردَ، وأمَّا معَ مُوافقَتِه لحَديثِ أبِي الصَّهباءِ الَّذي في «صَحِيح مُسلِمٍ» فإنَّ ذلكَ ممَّا يُؤكِّدُ الاحتِجاجَ بذلكَ الحَديثِ، ويُرَدُّ على مَنْ علَّلَهُ بما لا يَقدَحُ في صحَّتِه، كقَولِ مَنْ قالَ: إنَّ ابنَ عبَّاسٍ رُويَ عنهُ بخِلافِهِ، فصارَ حَديثُ عِكرمةَ يُروَى عنِ ابنِ عبَّاسٍ مِنْ وَجهَينِ، وجَهالةُ
[ ١٧ / ١٤٠ ]
الرَّاوِي في أحدِهِما كجَهالةِ أولادِ رُكانةَ، فإنَّهم لا يُعرَفونَ بعِلمٍ ولا حِفظٍ، والإسنادُ الآخَرُ رِجالُهُ مِنْ مَشاهِيرِ أهلِ العِلمِ والفِقهِ والصِّدقِ، وحَديثُ طاوسٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ الَّذي لا رَيبَ في صِحتِه مُوافقٌ، فصارَتِ الأحادِيثُ بأنَّ الثَّلاثَ كانَتْ واحدةً يصدقُ بَعضُها بَعضًا، ولم يَرْوِ أحدٌ مِنْ أهلِ العِلمِ حَديثًا ثابِتًا بأنَّ النَّبيَّ ﷺ ألزَمَ بثَلاثٍ مُفرِّقةٍ.
وقدْ جاءَ حَديثٌ ثالِثٌ في الثَّلاثِ مُجتَمعةً، رَواهُ النَّسائيُّ فقالَ: أخبَرَنا سُليمانُ بنُ داودَ، أبَنَا ابنُ وَهبٍ، أخبَرَني مَخرمَةُ عنْ أبيهِ قالَ: سَمِعتُ مَحمودَ بنَ لَبيدٍ قالَ: «أُخبِرَ رَسولُ اللهِ ﷺ عن رجُلٍ طلَّقَ امرأتَهُ ثلاثَ تَطليقاتٍ جَميعًا، فقامَ غضبانًا ثمَّ قالَ: أيُلعَبُ بكِتابِ اللهِ وأنا بيْنَ أظهُرِكُم؟ حتَّى قامَ رَجلٌ وقالَ: يا رسُولَ اللهِ ألَا أقتلُه؟» (^١).
ففي هذا الحَديثِ أنَّهُ غَضِبَ على مَنْ طلَّقَ ثلاثًا بكَلمةٍ واحدَةٍ، وجعَلَ هذا لَعبًا بكتابِ اللهِ، وأنكَرَ أنْ يُفعَلَ هذا وهَو بيْنَهم، حتَّى استَأذنَهُ رجُلٌ في قَتْلِه، ومعَ هذا فلَم يُذكَرْ أنَّهُ فرَّقَ بيْنَه وبيْنَ امرأتِهِ، وتأخيرُ البَيانِ عَنْ وَقتِ الحاجةِ لا يَجوزُ، ولا يُقالُ: كانَ هذا مَعلومًا بيْنَهم، فإنَّ هذا يَشتَبِهُ، وقَد ثبَتَ أنَّهم كانُوا يَجعلُونَ الثَّلاثَ واحدَةً، ونَفسُ التَّحريمِ يَشتَبِهُ على العُلماءِ فضلًا عنِ العامَّةِ، حتَّى أنَّ كَثيرًا مِنهمْ يَقولُونَ: ليسَ هو بحَرامٍ.
فإنْ قيلَ: المُطلِّقُ كانَ يعتَقدُ وُقوعَ الطَّلاقِ بالثَّلاثِ.
_________________
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه النسائي (٣٤٠١).
[ ١٧ / ١٤١ ]
قيلَ: كما كانَ يَعتَقدُ إباحَتَه، ولم يَنقُلْ أحدٌ بإسنادٍ ثابِتٍ أنَّ أحَدًا طلَّقَ امرأتَهُ ثلاثًا بكَلمةٍ واحدَةٍ وهيَ ممَّنْ يُباحُ لهُ إمساكُها فأوقَعَ بهِ النَّبيُّ ﷺ، وقدْ رَوى طائِفةٌ مِنَ المُصنِّفِينَ في الحَديثِ والفِقهِ والخِلافِ أحاديثَ ضَعيفةً بلْ مَوضُوعةً عِنْدَ أهلِ العِلمِ بالحَديثِ، فلا حاجةَ إلى ذِكرِها، ولكنَّ الَّذي يُظنُّ أنَّ فيهِ حُجَّةً ثَلاثةُ أحاديثَ:
حَديثُ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ، ففي رِوايةِ غَيرِ واحِدٍ أنَّها قالَتْ: «طلَّقَنِي ثَلاثًا»، وفي لَفظِ بَعضِهم: «طلَّقَنِي البتَّةَ»، ولكنَّ هذا مُجمَلٌ فسَّرَهُ ما ثَبتَ في الصَّحيحِ مِنْ رِوايَةِ الزُّهريِّ عن أبي سَلمَةَ وعُبيدِ اللهِ عَنها: «أنَّ زَوْجَها أبا حَفصِ ابنَ المُغيرَةِ خرَجَ معَ عليٍّ إلى اليَمَنِ، وأرسلَ إليها بتَطليقةٍ كانَتْ بَقِيتْ مِنْ طَلاقِها».
والثَّانِي: حَديثُ العجلانِيِّ، قالَ أبو بكرِ ابنُ أبي عاصِمٍ لمَّا ذكَرَ اختِلافَهُم في طَلاقِ العجلانِيِّ: قالَ مالِكُ بنُ أنسٍ في حَديثِهِ: فطَلَّقَها ثَلاثًا قبْلَ أنْ يَأمُرَه رَسولُ اللهِ ﷺ. وقالَ إبراهِيمُ بنُ سعْدٍ: فَفارَقَها، وقالَ ابنُ إسحَاقَ: هيَ طَلاقُ البتةِ، وقالَ ابنُ أبِي ذِئبٍ: فَفَارقَها، وقالَ الأَوزاعِيُّ: فَفارَقَها، وقالَ عَقيلٌ: ثمَّ فارَقَها، ولَم ينْقلْ عنهُ لَفْظ طَلاقٍ، بلْ قالَ: كَذبْتُ عَليها إنْ أمسَكْتُها، ولكنَّ الرَّاوِي عبَّرَ عَنْ مُفارَقتِه إيَّاها بهَذهِ الألفاظِ الَّتي تَدلُّ على أنَّهُ فارَقَها فِراقًا باتًّا قبْلَ أنْ يُؤمَرَ بذلكَ، فإنْ كانَ الرَّاوِي عبَّرَ عَنْ مُفارَقتِه بقَولِهِ: «طَلَّقَها ثلاثًا» -لأنَّ مَقصُودَهُ أنَّهُ حرَّمَها عَليهِ- فلَيسَ فيهِ
[ ١٧ / ١٤٢ ]
حُجَّةٌ؛ وإنْ كانَ هوَ تَكلَّمَ بلفظِ الطَّلاقِ بقَولِهِ: «طَلَّقهَا ثَلاثًا» قدْ يُرادُ بهِ مُفرَّقةً، كقولِهِ: «هيَ طالِقٌ، هيَ طالِقٌ، هِيَ طالِقٌ»، كما في حَديثِ فاطِمةَ وغَيرِها أنَّ زَوْجَها طلَّقَها ثلاثًا، وكانَ المُرادُ ثلاثًا مُفرَّقاتٍ، فلا حُجَّةَ فيهِ أيضًا؛ وإنْ قالَ: «هيَ طالِقٌ ثلاثًا» فَلا حُجَّةَ فيهِ أيضًا كما سَنذكرُهُ.
والثَّالثُ: حَديثُ امرأةِ رفاعَةَ، وهوَ أيضًا لَفظٌ مُجمَلٌ، فقدْ يَكونُ الطَّلاقُ الثَّلاثُ وقَعَ مُفرَّقًا كما وَقعَ في حَديثِ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ.
بلْ وأمَّا حَديثُ «البَتَّة» إنْ صحَّ ففِيهِ أنَّه أتَى إلى النَّبيِّ ﷺ وقالَ: «ما أردْتُ إلَّا واحِدةً، وأنَّهُ استَحلفَهُ: ما أردْتَ إلَّا واحِدةً؟».
ومَنطُوقُ هذا لا حجَّةَ فيهِ؛ لأنَّهُ إذا لم يُرِدْ إلَّا واحِدةً لم يَقعْ بهِ إلَّا واحدةٌ، وفيهِ حُجَّةٌ على مَسألةِ النِّزاعِ المَشهورةِ بيْنَ الفُقهاءِ، وأمَّا مَفهومُهُ فمُجمَلٌ، لو قالَ: أردْتُ ثَلاثًا حتَّى كانَ يَغضبُ عَليهِ ويُؤدِّبُه لِفعلِهِ المُحرَّمَ الَّذي نَهَى عنهُ، كما غَضبَ على غَيرِه، ويُؤخِّرُ إذنَهُ لهُ في الرَّجعةِ تأديبًا لهُ، أو كانَ يُوقِعُها بهِ، وليسَ في الحَديثِ بَيانٌ لأحدِهِما، والطَّريقُ الآخَرُ الَّذي هوَ أصحُّ فإنَّهُ أوقَعَ ثَلاثًا، ولا يَجوزُ أنْ يَثبُتَ تَحريمٌ عامٌّ يَلزمُ الأمَّةَ بمَسكُوتٍ مُجمَلٍ أو بِحَديثٍ مُضعَّفٍ قدْ عارَضَهُ ما هُو أصحُّ مِنْه لا بَيانَ فيهِ للوُقوعِ، وإنَّما فِيهِ الفَرقُ بيْنَ أنْ يُريدَ الواحدَةَ أو أكثرَ، والفرْقُ ثابِتٌ بِدونِ إيقاعِ الثَّلاثِ.
وقدْ رَوى مُسلمٌ في صَحيحِه عَنْ عائِشةَ قالَتْ: «طلَّقَ رَجلٌ امرأتَهُ ثَلاثًا قبْلَ أنْ يَدخُل بها، فأرادَ زوْجُها الأوَّلُ أنْ يَتزوَّجَها، فسُئلَ رَسولُ اللهِ
[ ١٧ / ١٤٣ ]
ﷺ عنْ ذلكَ، فقالَ: «لا، حتَّى يَذوقَ الآخَرُ مِنْ عُسَيلَتِها ما ذاقَ الأوَّلُ»، وهذِهِ هي قصَّةُ تَميمةَ الَّتي تزوَّجَها رفاعَةُ، وكانَ يدَّعِي أنَّهُ وطِئَها.
وتَطليقُها ثلاثًا قدْ يكونُ مُفرَّقةً، وقَد يكونُ طلَّقَها ثلاثًا بكَلمةٍ واحدةٍ، ولكنْ بانَتْ بواحدَةٍ إذا لم يَكنْ دَخلَ بها، فليسَ فيهِ دلالَةٌ على أنَّ النَّبيَّ ﷺ جعَلَ ذلكَ ثَلاثًا …
ثمَّ قالَ ﵀: وبَقيتُ على ذلكَ مدَّةً … فلم أجدْ دليلًا شَرعيًّا يُوجِبُ إيقاعَ الثَّلاثِ بكَلمةٍ واحدَةٍ، لا مِنَ الكِتابِ ولا مِنَ السُّنَّةِ ولا مِنَ الإجماعِ ولا مِنَ القياسِ.
أمَّا القُرآنُ … إلَّا على طلاقٍ يَستَلزِمُ الرَّجعَةَ إذا كانَ بعْدَ الدُّخولِ … الثَّالثة، كما قالَ أحمدُ بنُ حنْبلٍ في آخِرِ الرِّوايتَينِ: تَدبَّرتُ القُرآنَ فلَم أجدْ فيهِ إلَّا طَلاقًا رَجعيًّا، ولا يَدلُّ قطُّ إلَّا على طلقَةٍ واحِدةٍ …
والمَقصُودُ في هذا المَقامِ أنَّ القُرآنَ ليسَ فيهِ ما يَدلُّ على وُقوعِ الثَّلاثِ جُملةً.
وأمَّا السُّنَّةُ فليسَ فيها أيضًا شيءٌ مِنْ ذلكَ، بلْ لا يُعرَفُ أنَّ أحدًا أوقَعَ الثَّلاثَ جُملةً على عَهدِ النَّبيِّ ﷺ وأنَّها وَقعَتْ بهِ، وما رُويَ في ذلكَ مِنَ الأحاديثِ فهيَ ضَعيفةٌ، بلْ مَوضُوعةٌ كَذِبٌ عندَ أهلِ العِلمِ بالحَديثِ، بلْ قدْ نُقِلَ نَقيضُ ذلكَ.
وحَديثُ فاطِمةَ بنْتِ قَيسٍ لمَّا طَلَّقَها زوْجُها ثَلاثًا إنَّما كانتِ الثَّالثةُ آخِرَ
[ ١٧ / ١٤٤ ]
ثلاثِ تَطليقاتٍ، كما جاءَ ذلكَ مُفسَّرًا في الصَّحيحِ، وحَديثُ المُتلاعنَينِ: طلَّقَها ثَلاثًا بعْدَ اللِّعانِ، واللِّعانُ حرَّمَها عليهِ أشدَّ مِنْ تَحريمِ الطَّلاقِ، فكانَ وُجودُ الطَّلاقِ كعَدمِهِ.
وإذا قيلَ: فلِماذا لَم يَنهَهُ عَنْ التَّكلُّمِ بالثَّلاثِ إنْ كانَتْ لا تُوجِبُ طلاقًا في هذهِ الحالِ؟
قيلَ: كما أنَّهُ لَم يَنهَهُ عَنْ أصلِ التَّطليقِ في هذهِ الحالِ معَ أنَّهُ عِنْدَهُمْ لا يُفيدُ ولا يَقعُ بها طلاقٌ؛ وذلكَ لأنَّ النَّهيَ إنِّما كانَ لِمَفسدةِ الوُقوعِ، فلمَّا لَم يَكنْ هُنا مَحلٌ يَقعُ بهِ الطَّلاقُ لم تَكنْ هُنا مَفسدَةٌ، كما لو طلَّقَ أختَهُ الَّتي تزوَّجَها، فإذا تزوَّجَ مَنْ تَحرُمُ عليهِ على التَّأبيدِ وطلَّقَها كانَ هذا تَوكيدًا للتَّحريمِ، فكذلكَ طَلاقُ المُلاعنَةِ تَوكيدٌ لمَقصودِ الشَّارعِ، فإنَّهُ بيَّنَ أنَّ مَقصودَهُ تَحريمُها عليهِ، والشَّارعُ قصَدَ ذلكَ أيضًا، بخِلافِ مَنْ قصَدَ الشَّارعُ أنْ لا يُحرِّمَها عليهِ بالثَّلاثِ، بَلْ نهَاهُ عَنْ إيقاعِ الثَّلاثِ جُملةً بها، ولهذا غَضِبَ النَّبيُّ ﷺ على مَنْ أوقَعَ الثَّلاثَ في غَيرِ المُلاعنَةِ، دُونَ مَنْ أوقَعَه في المُلاعَنَةِ.
وأمَّا حَديثُ رُكانةَ بنِ عبدِ يَزيدَ فقدْ رُويَ أنَّهُ طلَّقَها ثلاثًا فردَّهَا علَيهِ بعْدَ الثَّلاثِ، ورُويَ أنَّهُ طلَّقَها البَتَّة، وأنَّهُ حلَّفَهُ ما أرادَ إلَّا واحدةً، فقالَ: مَا أردْتُ إلَّا واحِدةً»، فرَدَّهَا، وقدْ رَوى أهلُ السُّننِ أبو داودَ وغَيرُه هذهِ وهذهِ، ورَجَّحُوا الثَّانيةَ؛ لأنَّها مِنْ رِوايةِ أهلِ بَيتِه، لكنَّ أحمدَ وأبا عُبيدٍ وابنَ حزْمٍ
[ ١٧ / ١٤٥ ]
وغيْرَهم مِنَ العُلماءِ ضعَّفُوا حَديثَ رُكانةَ، وذلكَ أنَّ رُواتَهُ قَومٌ لم يُعرَفُوا بحَمْلِ العِلمِ، ولا يُعرَفُ مِنْ عدْلِهم وضَبْطِهم ما يُوجِبُ أنْ تَثبُتَ بمِثلِ نقْلِهم سُنَّةٌ للمُسلمِينَ تُوجِبُ حُكمًا عامًّا للأمَّةِ.
وأيضًا فالرِّوايةُ الثَّانيةُ لا تَدلُّ بمَنطُوقِها، بل غايَةُ ما تَدلُّ بمَفهُومِها، وهوَ لو قالَ: «أردْتُ ثَلاثًا» كانَ يحْتَملُ أنْ يُؤدِّبَه على ذلكَ ويُعاقبَه؛ لكونِ ذلكَ مُحرَّمًا، ويحْتَملُ أنَّهُ كانَ يُوقِعُها بهِ، فاستِفهامُهُ لهُ يَدلُّ على اختِلافِ الحُكمِ بيْنَ إرادَةِ الواحِدةِ وإرادَةِ الثَّلاثِ، لكنْ هَلْ كانَ الإحلافُ لأجْلِ التَّحريمِ والمَعصيةِ؟ أمْ لأجْلِ الوُقوعِ؟ هذا ليسَ في الحَديثِ ما يُبيِّنهُ.
وفي «سُنَن النَّسائِيِّ»: «أنَّ رَجلًا طلَّقَ امرأتَهُ ثلاثًا على عَهدِ النَّبيِّ ﷺ فغَضِبَ عليهِ وقالَ: أتَتَلاعَبُ بكِتابِ اللهِ وأنا بيْنَ أظهُرِكُم؟ فقالَ الرَّجلُ: أفأَقتُلُه يا نَبيَّ اللهِ؟»
فهذا فيهِ غَضبُه عليهِ حتَّى استَأذنَهُ بعْضُ المُسلمِينَ في قتْلِهِ، وليسَ فيهِ أنَّهُ أوقَعَ بهِ الثَّلاثَ، فدلَّ ذلكَ على أنَّ هذا كانَ مُنكَرًا عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ، وفاعِلُه مُستَحِقٌ للذَّمِّ والعِقابِ، وليسَ فيهِ أنَّهُ أوقَعَهُ بهِ، فقَدْ يكونُ استِفهامُ رُكانةَ لهذا، فهذا الحَديثُ لا يَدلُّ على وُقوعِ الثَّلاثِ، بلْ على تَحريمِها، ودلالَتُهُ على أنَّها لا تقَعُ أقْوَى.
ثمَّ قدْ ثَبَتَ في «صَحيحِ مُسلِمٍ» وغَيرِه عنِ ابنِ عبَّاسٍ: «أنَّ الثَّلاثَ كانَتْ واحِدةً على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأبي بَكرِ وصَدرًا مِنْ خِلافةِ عُمرَ،
[ ١٧ / ١٤٦ ]
ثمَّ قالَ عُمَرُ: إنَّ النَّاسَ قدِ استَعجلُوا في أمْرٍ كانَتْ لهُم فيهِ أَناةٌ، فلو أنَّا أَمضَيناهُ عَليهِم، فأمضاهُ عَليهِم».
وأمَّا قَولُ القائِلِ: «إنَّ ابنَ عبَّاسٍ أفْتَى بخِلافِه»؛ فقدِ اختَلفَتْ فُتيا ابنِ عبَّاسٍ في ذلكَ، فنُقِلَ عنهُ إيقاعُ الثَّلاثِ بكَلمةٍ واحدةٍ، ورُويَ عنهُ أنَّه لا تَقَعُ، كما ذكَرَ ذلكَ أبو داودَ في سُنَنِه وغَيرُه.
والمَقصودُ هنا أنَّه ليسَ في السُّنَّةِ قطُّ أنَّ أحدًا طلَّقَ ثلاثًا جُملةً على عَهدِ النَّبيِّ ﷺ فأوقَعَها بهِ، وهذا لا رَيبِ فيهِ.
وأمَّا الإجماعُ فلا إجماعَ في المَسألةِ، بلْ قَدْ نُقِلَ عَنْ أكابِرِ الصَّحابةِ -مِثلِ الزُّبيرِ وعَبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ وعليٍّ وابنِ مَسعُودٍ وابنِ عبَّاسٍ- أنَّهُ لا تقَعُ الثَّلاثُ بكَلمةٍ واحدَةٍ، وهوَ قَولُ غَيرِ واحدٍ مِنَ التَّابعِينَ ومَن بَعدَهُم كطَاوسٍ وعِكرمةَ وابنِ إسحاقَ والحجَّاجِ بنِ أرطاةَ، وقولُ طائِفةٍ مِنْ أصحابِ مالِكٍ مِنْ أهلِ قُرطُبةَ وغَيرِهم، وقولُ طائِفةٍ مِنْ فُقهاءِ الحَديثِ مِنْ أصحابِ أحمدَ وغَيرِهم، وكانَ جَدُّنا أبو البَرَكاتِ يُفتِي بذلكَ أحيانًا، وقولُ طائِفةٍ مِنَ النَّاسِ مِنْ أهلِ الحَديثِ والكَلامِ والفِقهِ، وهوَ أحَدُ قَولَي الظَّاهِريَّةِ بلْ أكثرِهم، وقولُ الشِّيعةِ.
وأمَّا القِياسُ فلا قِياسَ في وُقوعِهِ، بلِ القِياسُ أنَّهُ لا يَقعُ؛ لأنَّهُ مَنهيٌّ عنْهُ، والنَّهيُ يَقتضي فَسادِ المَنهيِّ عنهُ، بمَعنَى أنَّهُ لا يَحصلُ للمَنهيِّ قَصدُه، والمَنهيُّ عَنِ الطَّلاقِ المُحرَّمِ قَصدُهُ وقوعُهُ، ففَسادُهُ يُوجِبُ أنْ لا يَحصلَ
[ ١٧ / ١٤٧ ]
مَقصُودُه، كما أنَّ المُكرِهَ الظَّالمَ لمَّا كانَ قَصدُهُ وُقوعَ الطَّلاقِ بالمُكرَهِ لم يَقعِ الطَّلاقُ مِنْ المُكرَهِ …
فإنْ قيلَ: فعُمَرُ بنُ الخطَّابِ ألزَمَ النَّاسَ بوُقوعِ الثَّلاثِ جُملةً كما ذكَرْتُم، وعُمَرُ لم يَكنْ ليُخالِفَ سُنَّةَ رَسولِ اللهِ ﷺ، فعُلِمَ أنَّهُ اطَّلعَ على دَليلٍ شَرعيٍّ يُوجِبُ ذلكَ، وقدْ وافَقَهُ عليٌّ وابنُ مَسعودٍ وابنُ عبَّاسٍ وابنُ عُمَرَ وأبو هُرَيرةَ وعَبدُ اللهِ بنُ عَمرٍو، فهؤلاءِ أفتَوا فيمَن أوقَعَ الثَّلاثَ جُملةً أنْ تقَعَ، واشتَهرَ ذلكَ عِنْدَ عامَّةِ العُلماءِ حتَّى ظنَّهُ مَنْ ظنَّهُ إجماعًا، وصارَ نَقيضُ ذلكَ يُحكَى عَنْ أهلِ البدَعِ كالرَّافِضةِ، ولهذا لمَّا ذُكِرَ هذا القَولُ عَنِ الرَّافضةِ لأحمَدَ قالَ: «قَولُ سوءٍ» أو نَحوَ ذلكَ.
قيلَ: أمَّا المَنقولُ عَنْ عُمَرَ ﵁ فظاهِرُهُ أنَّهُ عاقَبَ النَّاسَ بإيقاعِها جُملَةً لمَّا أكثَرُوا مِنْ فعْلِ ما نُهُوا عَنهُ، ولهذا قالَ: «إنَّ النَّاسَ قَدْ أسرَعُوا في أمْرٍ كانَتْ لَهمْ فِيهِ أناةٌ، فلو أنَّا أمضَيناهُ عَليهِمْ، فأمْضَاهُ عَليهِم».
والَّذينَ أفتَوا بذلكَ مِنَ الصَّحابةِ رَأَوْا رَأيَ عُمرَ في ذلكَ، وألفاظُهُم تَدلُّ على أنَّهمْ فَعَلُوا ذلكَ عُقوبَةً لِمَنْ فعَلَ ما نُهِيَ عَنهُ، كقَولِ ابنِ مَسعُودٍ لمَّا سُئِلَ عمَّنْ طلَّقَ ثلاثًا: «أيُّهَا النَّاسُ مَنْ أتَى الأمْرَ علَى وجْهِهِ فقدْ تَبيَّنَ لهُ، وإلَّا فَواللهِ مَا لنَا طاقَةٌ بكُلِّ مَا تُحدِثونَ». وفي لَفظٍ: «مَنْ أتَى بِدعَةً ألزَمْناهُ بِدعتَهُ»، فعُلِمَ أنَّ هذا كانَ عِندَهُ ممَّا نُهُوا عَنهُ، فألزَمَهم بِهِ، وكذلكَ ابنُ عبَّاسٍ قالَ لِمَنْ طلَّقَ ثلاثًا: «إنَّكَ لوِ اتَّقَيتَ اللهَ لَجعَلَ لكَ فرَجًا ومَخرَجًا،
[ ١٧ / ١٤٨ ]
ولكنَّكَ لم تَتَّقِ اللهَ فلَم يَجعَلْ لكَ فرَجًا ومَخرَجًا»، وكذلكَ عَبدُ اللهِ بنُ عُمرَ يَقولُ: «إذا فَعلْتَ ذلكَ فَقدْ عَصَيتَ اللهَ وبانَتْ مِنْكَ امرَأتُكَ»، ومِثلُ ذلكَ كَثيرٌ في كَلامِهم، يَذمُّونَ فاعِلَ ذلكَ معَ إيقاعِهِم بهِ الثَّلاثَ، وهذا يَقتَضي أنَّ فاعِلَ ذلكَ كانَ مَذمُومًا عِنْدَهُمْ معَ إيقاعِ الثَّلاثِ بهِ.
وقدْ كانَ للصَّحابةِ ﵃ اجتِهادٌ في أنواعٍ مِنَ العُقوباتِ، وفي المَنعِ مِنْ بَعضِ المُباحاتِ؛ لِمَا يَرَونَهُ مِنْ مَصلحةِ الأمَّةِ، كاجتهادِ عُمرَ وغَيرِه في حَدِّ الشَّاربِ حتَّى حَدُّوهُ ثَمانِينَ، وحتَّى كانَ عُمرُ يَنفيهِ ويَحلِقُ رَأسَهُ، وكما كانَ عُمرُ يَنهَى عَنْ مُتعةِ الحَجِّ؛ ليَعتَمرَ النَّاسُ في غَيرِ أشهُرِ الحَجِّ، فمَنعَهُم مِنَ المُباحِ لمَّا رَآهُم يَتركونَ بهِ ما هوَ مَشرُوعٌ للأمَّةِ، ولِمَا رَأى في ذلكَ مِنْ حَضِّ النَّاسِ على الطَّاعةِ بهِ، ويَمنَعُهم مِنَ المُباحِ ليَفعلُوا خيرًا أو لِئلَّا يَفعلُوا شَرًّا، فلمَّا كَثُرَ مِنهُم إيقاعُ الثَّلاثِ جُملَةً ورَأى أنَّهم لا يَنْتَهُونَ عَنْ ذلكَ إلَّا بإلزامِهِم بها، ومنعِه مِنَ المَرأةِ إذا قالَ ذلكَ، فمَنعَهُم مِنْ نِكاحِها بعْدَ الثَّلاثِ جُملةً ومُفرَّقًا؛ لِئلَّا يَفعلُوا الشَّرَّ الَّذي كانُوا يَفعلونَهُ، كما مَنعَهم مِنْ مُتعةِ الحَجِّ؛ ليَفعلُوا الخيرَ -وهُو العُمرةُ- في سائِرِ السَّنَةِ، وكما حرَّمَ على النَّاكِحِ في العِدَّةِ أنْ يَتزوَّجَ المَنكوحةَ أبدًا؛ ليَمنَعَهم بذلكَ مِنْ الشَّرِّ الَّذي فَعَلوهُ، وهوَ التَّزوُّجُ في العدَّةِ، وكما مَنَعَ شارِبَ الخَمرِ أنْ يُقيمَ ببَلدِه؛ ليَمنعَه بذلكَ مِنْ شُربِ الخَمرِ.
وهذهِ العُقوباتُ لها أصْلٌ في الشَّرعِ؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ نَفَى
[ ١٧ / ١٤٩ ]
المُخنَّثَ والزَّاني، ومَنعَ الحِمْيَريَّ مِنَ السَّلبِ الَّذي أمَرَ خالِدًا أنْ يُعطيَهُ إيَّاهُ، فحَرَّمَهُ عليهِ بعْدَ أنْ أوجَبَهُ لهُ؛ ليَزجرَ بذلكَ عَنْ التَّعدِّي على وُلاةِ الأُمورِ لمَّا اعتَدَى عَوفُ بنُ مالِكٍ على خالدٍ، وكذلكَ ما رُوِيَ مِنْ مَنعِ الغالِّ سَهمَهُ، وأيضًا فإنَّهُ لمَّا أمرَ بهَجْرِ الثَّلاثةِ الَّذينَ خُلِّفُوا أمَرَ أزواجَهَم بهَجْرِهم، ومَنعَهنَّ أنْ يُمكِّنُوهِم مِنْ مُضاجَعَتِهم، معَ أنَّ هذا حَلالٌ للزَّوجِ معَ امرأتِهِ، وهذا أبلَغُ مِنْ مُوجَبِ الظِّهارِ؛ فإنَّ هذا تَحريمٌ لنِسائِهِم عَليهِم إلى أنْ يَتوبَ اللهُ عَليهِم أو يَحكُمَ اللهُ بحُكْمٍ آخَرَ، والمُظاهِرُ تَحرُمُ عليهِ إلى أنْ يُكفِّرَ، فأثبَتَ مُوجَبَ الظِّهارِ تَعزيرًا لِمَنْ استَحقَّ التَّعزيرَ بالهجرَةِ، وعاقَبَ المُتلاعنَينِ بتَحريمِ كلٍّ مِنهُما على الآخَرِ، وهذا أبلَغُ مِنْ مُوجَبِ الطَّلاقِ، فإذا كانَ قَدْ عاقَبَ بتَحريمٍ أخَفَّ مِنْ مُوجَبِ الطَّلاقِ وبتَحرِيمٍ أبلَغَ مِنْ مُوجَبِ الطَّلاقِ، وجعَلَ الثَّاني شَرعًا مُطلقًا، وجعَلَ الأوَّلَ تَعزيزًا يَسوغُ أنْ يَفعلَهُ الأئِمَّةُ بمَن أذنَبَ مِثلَ ذلكَ الذَّنبِ، لم يَمتَنِعْ أنْ يكونَ أميرُ المُؤمنِينَ عُمرُ بنُ الخَّطابِ -معَ كَمالِ عِلمِه ونُصْحِه للأمَّةِ- رَأى أنْ يُعاقِبَ المُستكثِرينَ ممَّا نَهَى اللهُ عنهُ، الَّذينَ لم يَرتَدِعُوا بمُجرَّدِ نَهيِ الشَّارعِ، بما هوَ مِنْ جِنسِ العُقوباتِ المَشروعةِ، وقد كانَ أحيانًا يَهُمُّ بنَهيِهم عَنْ أشياءَ وعُقوبتِهم بالمَنْعِ ثمَّ يَتبيَّنُ لهُ الصَّوابُ في ذلكَ، كما هَمَّ أنْ يَمنعَهم مِنَ الزِّيادَةِ في قَدْرِ الصَّداقِ على ما فعَلَهُ النَّبيُّ ﷺ بأزواجِهِ وبَناتِه، ويجعلُ فِعْلهُ شَرعًا لازمًا لهمْ لا يَزْدادُونَ عليهِ، وأنْ يُعاقِبَ مَنْ جاوَزَ فعْلَ
[ ١٧ / ١٥٠ ]
النَّبيِّ ﷺ بجَعْلِ الزِّيادةِ في بَيتِ المالِ، حتَّى تَبيَّنَ لهُ أنَّ ذلكَ ممَّا أباحَهُ اللهُ لهم، فلا يُمنَعونَ منهُ ولا يُعاقَبونَ عليهِ.
وإلَّا فهَلْ يَظنُّ مَنْ يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ ويَعرِفُ حالَ السَّابقِينَ الأوَّلينَ أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ أو غيْرَهُ مِنَ الخُلفاءِ الرَّاشِدينَ كانَ يَعمدُ إلى نَسْخِ شَرعِ النَّبيِّ ﷺ؟ وأنَّ المُسلِمينَ يُقرُّونَهُ على ذلكَ معَ عِلمِه وعِلمِهِم بأنَّ هذا نَسْخٌ لِشَرعِه، نَعمْ، الأمُورُ الاجتهاديَّةُ الَّتي يَفعَلُها أحَدُ الخُلفاءِ تارةً يُوافِقُه عَليها جَماعَتُهم، وتارَةً يُوافِقُه عَليها بَعضُهم ويُنكِرُها بَعضُهم إنكارَ مُجتهِدٍ على مُجتهِدٍ، كما أنكَرَ عِمرانُ بنُ حُصينٍ وغيرُهُ على عُمرَ ما قالَهُ في مُتعةِ الحَجِّ، معَ أنَّهُ قدْ ثبَتَ عَنْ عُمرَ أنَّهُ لم يُحرِّمْها، وأنَّهُ كانَ لهُ فيها اجتهادٌ مُتنوِّعٌ.
وإذا كانَ هذا مَخرَجَ ما فعَلَهُ عُمرُ فيُقالُ: مَنْ كانُوا عالِمِينَ بالتَّحريمِ وأقدَمُوا عليهِ بعْدَ علْمِهم بالتَّحرِيمِ واستَكثَروا منْهُ بعْدَ عِلمِهم بالتَّحرِيمِ، فمَن ألزَمَهم بهِ فقَدِ اقتَدَى بعُمَرَ في ذلكَ وبمَن وافَقَه مِنَ الصَّحابةِ.
وأمَّا مَنْ لم يَعلَمْ أنَّ ذلكَ مُحرَّمٌ أوِ اعتَقدَ أنَّهُ مُباحٌ وفعَلَهُ فهذا لا يَستَحِقُّ أنْ يُعاقَبَ، ولا يُمكِنُ إلزامُهُ بهِ على وَجهِ العُقوبَةِ، إلَّا أنْ يَكونَ الشَّارعُ ألزَمَهُ بالثَّلاثِ، وظهَرَ مَقصُودُ عُمرَ؛ فإنَّهُم إذا كانُوا يَعتَقدُونَ تَحريمَهُ والشَّارِعُ نهَاهُم عنْهُ، وإذا أوقَعُوهُ جعَلَهُ واحدَةً، فإذا صارُوا يُوقِعونَهُ قاصِدِينَ للثَّلاثِ صارُوا يَقصِدُونَ ما نُهُوا عَنهُ، وقدْ يَعتَقدُ عامَّتُهم وُقوعَ
[ ١٧ / ١٥١ ]
الثَّلاثِ بهِ، فعاقَبَهم عُمرُ على ذلكَ بإلزامِهم ما قَصدُوهُ وما اعتَقدُوهُ.
فإنْ قيلَ: فقدْ تقدَّمَ أنَّ الشَّارِعَ لَم يُعاقِبْ بوُقوعِ الطَّلاقِ.
قُلنا: نَعمْ، ليسَ في الكتابِ والسُّنةُ عُقوبةٌ بوُقوعِ الطَّلاقِ، ولكنْ جعْلُ هذا عُقوبَةً هو ممَّا يَقولُهُ كَثيرٌ مِنَ السَّلفِ والخلَفِ بالاجتهادِ، كما يَقولُ كَثيرٌ مِنَ الفُقهاءِ: إنَّما يُوقَعُ الطَّلاقُ بالسَّكرانِ عُقوبةً لهُ، ونحنُ ذكَرْنا مَقاصِدَ اجتهادِ عُمرَ ﵁.
وأيضًا فعُمَرُ ﵁ رأَى أنَّ في إلزامِهم بهِ مَنعًا لهُمْ مِنْ إيقاعِهِ، فرَأى أنَّ ما يَنتفِي مِنْ وُقوعِ الطَّلاقِ البَغيضِ إلى اللهِ أكثرُ ممَّا يَقعُ منهُ، فدَفَعَ أعظَمَ الفسادَينِ بالتِزامِ أدناهُما، فإنَّهم إذا كانُوا يُوقِعونَ الثَّلاثَ المُحرَّمةَ ولا يَرَونَها إلَّا واحدَةً، وكانُوا يَقصِدونَ الثَّلاثَ أوَّلًا بالقَولِ المُحرَّمِ معَ علْمِهم أنَّهُ لا يَلزَمُهم ذلكَ، يَكثُرُ مِنهُم تَكلُّمُهم بالثَّلاثِ وقَصْدُهم إيقاعَها، وذلكَ بَغيضٌ إلى اللهِ، ووُقوعُهُ أيضًا بَغيضٌ، لكنْ ما فعَلَهُ أوجَبَ دفْعَ أكبَرِ البَغيضَينِ وُقوعًا بأدناهُما وُقوعًا، فإنَّهم إذا عَلِمُوا أنَّهُ يَلزَمُهمْ بالثَّلاثِ الثَّلاثُ امتَنعُوا عنِ التَّكلُّمِ بالثَّلاثِ، فكانَ في ذلكَ دَفعُ أمورٍ كَثيرةٍ بَغيضةٍ إلى اللهِ بإلزامِ أُمورٍ أقلَّ مِنها، ولمَّا رَأى أنَّهم لا يَنتَهونَ إلَّا بذلكَ فعَلَ ذلكَ.
وكانَ عُمرُ يَنهى عَنِ التَّحليلِ ويَقولُ: «لا أُوتَى بمُحلِّلٍ ومُحلَّلٍ لهُ إلَّا رَجمْتُهُما»، فلو رأَى عُمرُ أنَّ إيقاعَ الثَّلاثِ يُفضِي إلى التَّحليلِ الَّذي حرَّمَه اللهُ ورَسولُه وإلى كَثْرَتِه العَظيمةِ لم يَنْهَ عنهُ؛ لِعلمِهِ بأنَّ القولَ بأنَّ الثَّلاثَ لا
[ ١٧ / ١٥٢ ]
تَقعُ إلَّا واحدةً خَيرٌ مِنَ التَّحليلِ، وأنَّ المَفسدَةَ في التَّحليلِ أضعافُ المَفسدَةِ في أنْ يَتكلَّمُوا بالثَّلاثِ فلا يَقعُ بهمْ إلَّا واحدةٌ، فمَتى دارَ الأمْرُ بيْنَ أنْ تقَعَ الثَّلاثُ ويُحلّلَ، وبيْنَ أنْ لا تقَعَ الثَّلاثُ، كانَ أنْ لا يَقعَ أَولَى، ولا يَرتابُ في هذا مَنْ نَوَّرَ اللهُ قلْبَهُ بالإيمانِ، فإنَّ التَّحليلَ فيهِ شرٌّ كَبيرٌ ليسَ في عَدمِ إيقاعِ الثَّلاثِ جُملةً مِنها شَيءٌ.
وكانَ نِكاحُ التَّحليلِ قَليلًا جِدًّا في زمَنِ الصَّحابةِ، ولهذا سُئِلُوا عنهُ في وَقائِعَ مَخصُوصةٍ، وقالَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ: «لا أُوتَى بمُحلِّلٍ ومُحلَّلٍ لهُ إلَّا رَجمْتُهُما»، وقدْ لعَنَ النَّبيُّ ﷺ المُحلِّلَ والمُحلَّلَ لهُ.
ولم يَكنْ على عَهدِهِ مَنْ يُظاهرُ بذلكَ، لَكنْ قَدْ يَكونُ مَنْ يَفعلُ ذلكَ باطِنًا ومَن يَقصدُهُ، فلَعَنَهُ كما لعَنَ آكِلَ الرِّبَا ومُوكِلَهُ وشاهِدَيهِ وكاتِبَهُ؛ لِتنزَجِرَ النُّفوسُ بذلكَ عَنْ قصْدِ التَّحليلِ، فلا يَقعُ مِنهُ شَيءٌ لوَجهَينِ:
أحدُهما: لتَتِمَّ عُقوبَةُ اللهِ للمُطلِّقِ الَّذي طلَّقَ الثَّالثةَ بعْدَ طَلقتَينِ، فلا يَقصِدُ أحدٌ إعادةَ امرأتِهِ إليهِ، فيَنزجُرُ بذلكَ عَنْ إيقاعِ الثَّلاثِ مُفرَّقةً.
والثَّاني: لأنَّ التَّحليلَ مِنْ جِنسِ السِّفاحِ لا مِنْ جِنسِ النِّكاحِ، فإنَّهُ غَيرُ مَقصُودٍ، ولهذا كانَ الزَّوجُ مُشبَّهًا فيهِ بالتَّيسِ المُستَعارِ الَّذي يُقصَدُ استِعارَتُه لا مُصاحَبتُه.
فلمَّا كانَ مُفسدَةُ وُقوعِ الثَّلاثِ قليلةً لقِلَّةِ التَّحليلِ، وكانَ النَّاسُ قَدْ أكثَرُوا ممَّا نُهُوا عَنهُ مِنْ إيقاعِ الثَّلاثِ جُملةً، رأَى عُمرُ أنْ يُعاقِبَهم بإنفاذِ
[ ١٧ / ١٥٣ ]
ذلكَ عَليهِم؛ لِئلَّا يَفعلُوا ذلكَ، فالشَّارِعُ حرَّمَ عليهِمُ المَرأةَ بعْدَ الثَّالثةِ عُقوبَةً لهُم، فرَأى عُمرُ وغَيرُه أنَّهم إذا أكثَرُوا مِنْ إيقاعِها مُجتَمعةً استَحقُّوا هذهِ العُقوبةَ، بخِلافِ ما كانَ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأبي بَكرٍ وأوَّلِ خِلافتِه، فإنَّها كانَتْ قَليلةً في النَّاسِ، وكانُوا يَنتَهونَ بنَهيِ الشَّارعِ، فلم يَكنْ في وُقوعِها قَليلًا حاجةٌ إلى عُقوبَةٍ، ولا رَيبَ أنَّهُ إذا كَثُرَ المَحظورُ احتاجَ النَّاسُ فيهِ إلى زجْرٍ أكثرَ ممَّا إذا كانَ قَليلًا.
ولهذا لمَّا رَأى الصَّحابةُ ﵃ كَثرَةَ شُربِ النَّاسِ الخَمرَ واستَخفافَهُم بالعُقوبَةِ الَّتي هي أربَعونَ جَلَدُوا ثَمانِينَ، وكانَ عُمرُ معَ ذلكَ يَنفِي ويَحلقُ الرَّأسَ؛ لأنَّ عُقوبةَ الشَّاربِ لم يُقدِّرِ النَّبيُّ ﷺ فيها قَدرًا مُؤبَّدًا كما قَدَّرَ في القَذفِ، لا عددًا ولا صِفةً، بل أقلُّ ما ضَرَبَ أربعِينَ، وكانَ يَضربُ بالجَريدِ والنِّعالِ وأطرافِ الثِّيابِ، وقدْ أمَرَ بقَتلِ الشَّاربِ في الرَّابعةِ، فكانَ صِفةُ عُقوبتُهُ وقَدرُها مُفوَّضًا إلى اجتِهادِ الأئِمةِ، ولو كانَ النَّبيُّ ﷺ أوجَبَ فيها حدًّا حَرُمَ ما زادَ عَليهِ لامتَنَعَ عَليهم أنْ يُبدِّلُوا شَريعَتُه، فإنَّهم لا يتَّفقُونَ على ضَلالةٍ.
وإذا كانَ هذا فعَلَهُ عُمرُ على وَجهِ العُقوبةِ والتَّعزيرِ بذلكَ لكَثرةِ إقدامِ النَّاسِ على المَحظورِ، لا لأنَّهُ شرْعٌ لازِمٌ لكلِّ مَنْ تَكلَّمَ بذلكَ، سواءٌ كانَ عالِمًا بالتَّحريمِ أو جاهِلًا، وسواءٌ كانَ النَّاسُ يَحتاجونَ إلى العُقوبةِ بذلكَ أو لا يَحتاجُونَ؛ لم يَكنْ على أنَّ إيقاعَ الثَّلاثِ بكَلمةٍ واحدةٍ لِكلِّ مَنْ تكلَّمَ
[ ١٧ / ١٥٤ ]
بها دَليلٌ شَرعيٌّ أصلًا، وإذا كانَ كَثيرٌ مِنَ الفُقهاءِ يُوقِعونَ الطَّلاقَ بالسَّكرانِ ويقولُونَ: نُوقِعُهُ عُقوبةً ونَجعلُ ذلكَ ممَّا يَسوغُ فيهِ الاجتِهادُ -معَ أنَّ هذا لا يُوجِبُ انتِهاءَ النَّاسِ عنِ السُّكرِ- فكيفَ لا يكونُ ما فعَلَهُ عُمرُ ﵁ مِنَ العُقوبةِ ممَّا يَسوغُ فيهِ الاجتهادُ؟ معَ أنَّ ذلكَ أقربُ إلى الأدلَّةِ الشَّرعيَّةِ ومَقصُودِ المُعاقِبِ مِنْ هذا.
ولو قُدِّرَ أنَّ بعضَ الصَّحابةِ رَأى وُقوعَ الثَّلاثِ جُملةً بكُلِّ مَنْ تَكلَّمَ بها، ورَأى هذا شَرْعًا عامًّا لازمًا، فقَدْ نازَعَهُ في ذلكَ غَيرُه، معَ أنَّ هذا بَعيدٌ، فإنَّ الَّذينَ رُويَ عَنهمْ إيقاعُ الثَّلاثِ جُملةً رُويَ عَنهمْ نَفيُ ذلكَ، كَعُمرَ وعَليٍّ وابنِ مَسعودٍ وابنِ عبَّاسٍ، فحَملُ كَلامِهم على اختِلافِ حالَينِ أَولَى مِنْ حَملِ كَلامِهم على التَّناقُضِ واعتِقادِهِم فَسادَ أحَدِ القولَينِ، وقدْ قالَ تعالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ …
ثمَّ قالَ ﵀: أصْلُ مَقصُودِ الشَّارعِ أنْ لا يقَعَ الطَّلاقُ إلَّا للحاجَةِ، والحاجَةُ تَندَفعُ بثَلاثٍ مُتفرِّقةٍ، كلُّ واحدةٍ بعدَ رَجعةٍ أو عقْدٍ، فما زادَ على هذا فلا حاجَةَ إليهِ فلا يُشرَعُ، فإنَّهُ إذا فرَّقَ الثَّلاثةَ عَليها في ثلاثَةِ أطْهارٍ لم تَكنْ بهِ حاجَةٌ إلى الثَّانيةِ والثَّالثةِ، فإنَّ مَقصودَهُ مِنَ الطَّلاقِ يَحصلُ بالأُولى، كما أنَّه لا حاجَةَ بهِ إلى الثَّلاثِ …
وإذا عُرِفَ أنَّ هذا مَقصودُ الشَّارعِ فالطَّلاقُ المُسمَّى الشَّرعيُّ لا يترتَّبُ عَليهِ مَفسدةٌ راجِحةٌ، بخِلافِ غَيرِه مِنْ أنواعِ الطَّلاقِ البِدعيِّ المَنهيِّ عنهُ، فإنَّ
[ ١٧ / ١٥٥ ]
فيهِ مِنَ المَفسدةِ الرَّاجحةِ ما أوجَبَ أنَّ اللهَ يَنهَى عنهُ، والفَسادُ الحاصِلُ في الطَّلاقِ والتَّحليلِ وخُلْعِ اليَمينِ وغيرِ ذلكَ إنَّما هو لخُروجِهِم عَنْ طاعةِ اللهِ ورَسولِه فيمَا شرَعَ لَهم مِنَ الطَّلاقِ، فلمَّا فَعلُوا ما نُهُوا عَنهُ أوجَبَ ذلكَ لهم ضَررًا في دِينِهم أو دُنياهُم، فإنَّهم إنْ لَم يُخالِفُوا أمْرًا آخَرَ حَصلَ لَهُمْ ضَررٌ في دُنياهُم بمُفارَقةِ الأهْلِ وخَرابِ البَيتِ وتَشتيتِ الشَّملِ وتَفرُّقِ الأولادِ، وبالمُطالَبةِ بالصَّدقاتِ المُتأخِّرةِ وفَرضِ النَّفقاتِ، وغَيرِ ذلكَ مِنْ أنواعِ الشُّرورِ الحاصلةِ بالطَّلاقِ في الدُّنيا، وإنْ دَخلُوا فيما نُهُوا عَنهُ مِنْ تَحليلٍ وغَيرِه حصَلَ لَهم ضَررٌ في دِينِهم معَ الضَّررِ في الدُّنيا أيضًا، بالعارِ بدُخولِهم فيما نُهُوا عَنهُ مِنَ الطَّلاقِ البِدعيِّ، يُوجِبُ لهمُ الضَّررَ والشَّرَّ لا مَحالةَ، فإذا أوقَعُوهُ فقيلَ «إنَّهُ يقَعُ» حصَلَ هذا الضَّررُ، فإنَّ الضَّررَ لم يَنشَأْ مِنْ إيقاعٍ لا وُقوعَ مَعهُ، وإنَّما نَشأَ مِنْ إيقاعٍ معهُ وقوعٌ، فإذا قيلَ: «إنَّهُ يَقعُ» فالضَّررُ حاصِلٌ لم يَزَلْ، والفَسادُ واقِعٌ لم يرتَفعْ، ولم يكُنْ في النَّهيِ ما يَرفعُ الفَسادَ ويُصلحُ العِبادَ، بلْ كانَ أنْ لا يُنْهَوا عَنهُ ويَحرُمَ عَليهم أقلَّ لضَررِهم، فإنَّ الضَّررَ حاصِلٌ بوقوعِهِ إذا أوقَعُوهُ، لكنْ إذا كانَ مُحرَّمًا زادَ الضَّررُ بالإثْمِ، فيَبقَونَ آثِمينَ مَضرُورِينَ، وفَسادُ النَّهيِ عنهُ حاصِلٌ معَ أنَّ المَنهيَّ عنهُ مِنْ بابِ العُقودِ، والكَلامُ الَّذي يَقبَلُ الصِّحةَ والفَسادَ ليسَ مِنْ بابِ الأفعالِ والتَّأثيراتِ الَّتي لا يُمكِنُ رفْعُ مُوجَبِها، فإنَّ الطَّلاقَ كالنِّكاحِ والعِتاقِ والظِّهارِ ونحوِ ذلكَ ممَّا إذا تَكلَّمَ بهِ يَقعُ تارَةً ولا يَقعُ أُخرَى، ليسَ وُقوعُهُ مِنْ لَوازمِ إيقاعِهِ.
[ ١٧ / ١٥٦ ]
والطَّلاقُ عِنْدَ أصحابِنا وغَيرِهم يَنقسِمُ إلى صَحيحٍ وفاسِدٍ، كما قالُوا -واللَّفظُ لأبي الخطَّابِ في «الانتِصَار» - في مَسألةِ المُكرَهِ: «إنَّهُ قَولٌ حُمِلَ عَليهِ بغَيرِ حقٍّ فلَم يَلزمْهُ حُكمُهُ كالإقرارِ بالطَّلاقِ»، قالَ: وهذا لأنَّ لفْظَ الطَّلاقِ يَنقسمُ إلى صَحيحٍ وفاسِدٍ، وليسَ نُفوذُهُ أمْرًا مَحسُوسًا لا مَردَّ لهُ، فإذا كانَ مَحمولًا عليهِ بالباطلِ كانَ مَردودًا؛ لأنَّ الشَّرعَ يحكمُ في الرَّدِّ والقَبولِ، وقَرَّرَ ذلكَ …
ثمَّ قالَ ﵀: هذا معَ أنَّ الشَّارعَ يُضيِّقُ إيقاعَهُ، فنَهَى عَنْ إيقاعِهِ في الحَيضِ وفي طُهرٍ أصابها فيهِ، وعَن إيقاعِ الثَّلاثِ جُملةً، بلْ أمَرَ أنْ لا يُطلِّقَ إلَّا واحدَةً في طُهرٍ لَم يُصبْها فيهِ، ولا يُردِفَها بطَلاقٍ حتَّى تَقضيَ العدَّةَ إنْ لم يَكنْ لهُ غرَضٌ في رَجعَتِها، وهذا مِنَ الشَّارِعِ تَضييقٌ لوُقوعِه.
والنِّكاحُ يُشرَعُ وقْتَ حَيضِ المَرأةِ ونِفاسِها وصَومِها واعتِكافِها وصَومِ الرَّجلِ واعتِكافِهِ، وإنْ كانَ الوَطءُ مُتعذِّرًا، ويُشرَعُ في الأوقاتِ الفاضِلةِ، فالواجِبُ مَنعُ وُقوعِ ما يُبغِضُه اللهُ، إلَّا حَيثُ يَكونُ في وُقوعِه مَصلحةٌ راجِحةٌ، وتَيسيرُ وُقوعِ ما يُحبُّهُ اللهُ إلَّا إذا كانَ في وُقوعِهِ مَفسدَةٌ راجِحةٌ، وحَيثُ لا تكونُ مَصلحةُ وُقوعِه راجِحةً فالأُصولُ تَقتضِي أنَّهُ لا يَقعُ؛ لأنَّ الشَّارعَ لا يُوقِعُ إلَّا ما تَكونُ مَصلحتُهُ مَحْضَةً أو راجِحةً، وما كانَ مَفسدتُهُ مَحْضَةً أو راجِحةً فإنَّهُ يَرفعُهُ ولا يُوقعِهُ، واللهُ أعلَمُ (^١).
_________________
(١) «جامع المسائل» لابن تيمية (١/ ٢٨٠، ٣٤٩)، ويُنظَر ما بعْدَها.
[ ١٧ / ١٥٧ ]
وأمَّا الإمامُ ابنُ القَيِّمِ ﵀ فقَدْ قالَ كَلامًا طَويلًا أيضًا، وهوَ قَريبٌ ممَّا قالَهُ شَيخُهُ ابنُ تَيميةَ ﵀، ولكنْ سأذكُرُ بعضَ كلامِهِ فَقطْ.
قالَ ﵀: مَنْ تأمَّلَ القُرآنَ حقَّ التَّأمُّلِ تبيَّنَ لهُ ذلكَ وعَرفَ أنَّ الطَّلاقَ المَشروعَ بعْدَ الدُّخولِ هوَ الطَّلاقُ الَّذي يَملكُ بهِ الرَّجعةَ، ولَم يَشرعِ اللهُ سُبحانَه إيقاعَ الثَّلاثِ جُملةً واحدَةً أَلبتَّة، قالَ تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، ولا تَعقِلُ العَربُ في لُغتِها وُقوعَ المرَّتَينِ إلَّا مُتعاقِبتَينِ كما قالَ النَّبيُّ ﷺ: «مَنْ سبَّحَ اللهَ دُبُرَ كلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وثَلاثينَ وحَمدهُ ثَلاثًا وثَلاثينَ وكبَّرَهُ أَربعًا وثَلاثينَ» ونَظائِرهُ فإنَّهُ لا يُعقَلُ مِنْ ذلكَ إلَّا تَسبيحٌ وتَكبيرٌ وتَحميدٌ مُتَوالٍ يَتلُو بَعضُه بَعضًا، فلو قالَ: «سُبحانَ اللهِ ثلاثًا وثَلاثينَ والحَمدُ للهِ ثلاثًا وثلاثِينَ واللهُ أكبَرُ أربعًا وثلاثينَ» بهذا اللَّفظِ لَكانَ ثلاثَ مَرَّاتٍ فقَطْ، وأصْرَحُ مِنْ هذا قَولُهُ سُبحانَه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦]، فلو قالَ: «أشهَدُ باللهِ أربعَ شَهاداتٍ إنِّي لَمِنَ الصَّادِقينَ» كانَتْ مرَّةً، وكذلكَ قَولُهُ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨)﴾ [النور: ٨]، فلو قالَتْ: «أشهَدُ باللهِ أربعَ شَهاداتٍ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبينَ» كانَتْ واحدَةً، وأصْرَحُ مِنْ ذلكَ قولُه تعالَى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١] فهذا مرَّةً بعدَ مَرَّةٍ …
وممَّا يَدلُّ على أنَّ اللهَ لَم يَشرعِ الثَّلاثَ جُملةً أنَّهُ قالَ تعالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ إلى أنْ قالَ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ
[ ١٧ / ١٥٨ ]
فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] فهذا يَدلُّ على أنَّ كُلَّ طَلاقٍ بعْدَ الدُّخولِ فالمُطلِّقُ أحَقُّ فيهِ بالرَّجعةِ سِوى الثَّالثةِ المَذكورةِ بعْدَ هذا، وكَذلكَ قولُه تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ إلى قولِه: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، فهذا هو الطَّلاقُ المَشروعُ، وقَد ذكَرَ اللهُ ﷾ أقسامَ الطَّلاقِ كُلَّها في القُرآنِ وذكَرَ أحكامَها، فذَكرَ الطَّلاقَ قبْلَ الدُّخولِ وأنَّهُ لا عدَّةَ فيهِ، وذكَرَ الطَّلقةَ الثَّالثةَ وأنَّها تُحرِّمُ الزَّوجةَ على المُطلِّقِ حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غيرَهُ، وذكَرَ طلاقَ الفِداءِ الَّذي هوَ الخُلعُ، وسمَّاه فِديةً ولمْ يَحسبْهُ مِنَ الثَّلاثِ كما تقدَّمَ، وذكَرَ الطَّلاقَ الرَّجعيَّ الَّذي المُطلِّقُ أحَقُّ فيهِ بالرَّجعةِ، وهو ما عَدا هذهِ الأقسام الثَّلاثة (^١).
ثمَّ قالَ: وأمَّا المَسألةُ الثَّانيةُ؛ وهيَ وُقوعُ الثَّلاثِ بكَلمةٍ واحدَةٍ، فاختَلفَ النَّاسُ فيها على أربعةِ مَذاهِبَ:
أحدُها: أنَّها تَقعُ، وهذا قَولُ الأئمَّةِ الأربعةِ وجُمهورِ التَّابعِينَ وكَثيرٍ مِنَ الصَّحابةِ ﵃.
الثَّاني: أنَّها لا تَقعُ، بلْ تُرَدُّ؛ لأنَّها بِدعةٌ مُحرَّمةٌ، والبِدعةُ مَردودةٌ؛ لقولِهِ ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَملًا ليسَ عَليهِ أمْرُنا فهوَ رَدٌّ»، وهذا المَذهبُ حكاهُ أبو مُحمَّدٍ ابنُ حَزمٍ، وحُكيَ للإمامِ أحمدَ فأنكرَهُ وقالَ: هو قولُ الرَّافضةِ.
_________________
(١) «زاد المعاد» (٥/ ٢٤٤، ٢٤٦).
[ ١٧ / ١٥٩ ]
الثَّالثُ: أنَّهُ يَقعُ بهِ واحدةٌ رَجعيَّةٌ، وهذا ثابِتٌ عنِ ابنِ عبَّاسٍ، ذكَرَه أبو داودَ عنهُ، قالَ الإمامُ أحمدُ: وهذا مَذهبُ ابنِ إسحاقَ، يقولُ: خالَفَ السُّنةُ فيُردُّ إلى السُّنَّةِ. انتهى، وهوَ قولُ طاووسٍ وعِكرمةَ، وهو اختيارُ شَيخِ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ.
الرَّابِعُ: أنَّهُ يُفرَّقُ بيْنَ المَدخولِ بها وغَيرِها، فتقَعُ الثَّلاثُ بالمَدخولِ بها، ويقَعُ بغَيرِها واحدةٌ، وهذا قَولُ جَماعةٍ مِنْ أصحابِ ابنِ عبَّاسٍ، وهوَ مَذهبُ إسحاقَ بنِ راهويهِ فيما حَكاهُ عنهُ مُحمَّدُ بنُ نَصرٍ المروزيُّ في كِتابِ «اختِلاف العُلماءِ».
فأمَّا مَنْ لم يُوقِعْها جُملةً فاحتَجُّوا بأنَّهُ طلاقُ بدعَةٍ مُحرَّمٌ، والبِدعةُ مَردُودةٌ، وقدِ اعتَرفَ أبو مُحمَّدٍ ابنُ حَزمٍ بأنَّها لو كانَتْ بِدعةً مُحرَّمةً لَوجَبَ أنْ تُردَّ وتَبطُلَ، ولكنَّهُ اختارَ مَذهبَ الشَّافعيِّ أنَّ جمْعَ الثَّلاثِ جائِزٌ غيرُ مُحرَّمٍ، وستأتي حُجَّةُ هذا القولِ.
وأمَّا مَنْ جعَلَها واحدَةً فاحتَجَّ بالنَّصِّ والقِياسِّ، فأمَّا النَّصُّ فما رواهُ مَعمرٌ وابنُ جُريجٍ عنِ ابنِ طاووسٍ عَنْ أبيهِ أنَّ أبا الصَّهباءِ قالَ لابنِ عبَّاسٍ: «ألَمْ تَعلمْ أنَّ الثَّلاثَ كانَتْ تُجعَلُ واحدَةً على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأبي بكرٍ وصَدرًا مِنْ إمارَةِ عُمرَ؟ قالَ: نَعمْ» رَواهُ مُسلمٌ في صَحيحِهِ.
وفي لَفظٍ: «أَلمْ تَعلَمْ أنَّ الثَّلاثَ كانَتْ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأبي بكرٍ وصَدرًا مِنْ خِلافةِ عُمرَ تُردُّ إلى واحدَةٍ؟ قالَ: نعَمْ».
[ ١٧ / ١٦٠ ]
وقالَ أبو داودَ: حدَّثَنا أحمدُ بنُ صالِحٍ حدَّثنَا عَبدُ الرَّزاقِ أنَّ ابنَ جُريجٍ قالَ: أخبَرَني بَعضُ بَني أبي رافعٍ مَولَى رَسولِ اللهِ ﷺ عَنْ عِكرمَةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «طلَّقَ عَبدُ يَزيدَ أبُو رُكانةَ وإخوتِهِ أمَّ رُكانةَ، ونكَحَ امرَأةً مِنْ مُزَينةَ، فجاءَتِ النَّبيَّ ﷺ فقالتْ: ما يُغنِي عنِّي إلَّا كمَا تُغنِي هذهِ الشَّعرةُ -لشَعرةٍ أخذَتْها مِنْ رأسِها-، ففَرِّقْ بَينِي وبيْنَه، فأخذَتِ النَّبيَّ ﷺ حَميَّةٌ فدَعا بِرُكانةَ وإخوتِهِ ثمَّ قالَ لجُلسائِه: ألَا تَرونَ أنَّ فُلانًا يُشبِهُ مِنهُ كذا وكذا مِنْ عَبدِ بنِ يَزيدَ، وفُلانًا منهُ كذا وكذا؟ قالُوا: نعَمْ، قالَ النَّبيُّ ﷺ لعَبدِ يَزيدَ: طَلِّقْها، ففعَلَ، ثمَّ قالَ: راجِعِ امرأتَكَ أمَّ رُكانةَ وإخوتِهِ، فقالَ: إنِّي طَلَّقتُها ثلاثًا يا رَسولَ اللهِ، قالَ: قَدْ عَلمْتُ راجِعْها، وتَلا ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (^١).
وقالَ الإمامُ أحمَدُ: حَدَّثنا سَعدُ بنُ إبراهيمَ قالَ: حَدَّثنا أَبِي عَنْ مُحمَّدِ بنِ إسحاقَ قالَ: حدَّثَني داودُ بنُ الحُصينِ عَنْ عِكرمةَ مَولَى ابنِ عبَّاسٍ عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ قالَ: «طلَّقَ رُكانةُ بنُ عَبدِ يزِيدَ أخُو بنِي مُطَّلبٍ امرأتَهُ ثلاثًا في مجْلِسٍ واحِدٍ فحَزِنَ عَليها حُزنًا شديدًا، قالَ: فسألَهُ رَسولُ اللهِ ﷺ: كيفَ طلَّقتَها؟ قالَ: طلَّقتُها ثلاثًا، قالَ: فقالَ: في مَجلِسٍ واحِدٍ؟ قالَ: نعَمْ، قالَ: فإنَّما تلكَ واحدَةٌ فارْجعْها إنْ شِئتَ، قالَ: فرَجَعَها، فكانَ ابنُ عبَّاسٍ يرَى إنَّما الطّلاقُ عِنْدَ كل طهْرٍ» (^٢).
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه الإمام أحمد (٢٣٨٧).
[ ١٧ / ١٦١ ]
قالُوا: وأمَّا القياسُ فقَدْ تقدَّمَ أنَّ جمْعَ الثَّلاثِ مُحرَّمٌ وبِدعةُ والبدعَةُ مَردودةٌ؛ لأنَّها ليسَتْ على أمْرِ رَسولِ اللهِ ﷺ.
قالُوا: وسائِرُ ما تقدَّمَ في بَيانِ التَّحريمِ يَدلُّ على عَدمِ وُقوعِها جُملةً. قالُوا: ولو لم يَكنْ معنَا إلَّا قولُهُ تعالَى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦]، وقولُه: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٨]، قالُوا: وكذلكَ كلُّ ما يُعتبَرُ لهُ التّكرارُ مِنْ حَلفٍ أو إقرارٍ أو شَهادةٍ، وقدْ قالَ النَّبيُّ ﷺ: «تَحلفُونَ خَمسينَ يَمينًا وتَستَحقُّونَ دَمَ صاحِبِكُم»، فلو قالُوا: «نَحلِفُ باللهِ خَمسينَ يَمينًا إنَّ فلانًا قتَلَهُ» كانَتْ يَمينًا واحدَةً، قالُوا: وكذلكَ الإقرارُ بالزِّنى، كما في الحَديثِ: إنَّ بعْضَ الصَّحابةِ قالَ لماعِزٍ: إنْ أقرَرْتَ أربعًا رجَمَكَ رَسولُ اللهِ ﷺ، فهذا لا يُعقَلُ أنْ تَكونُ الأربَعُ فيهِ مَجموعةً بفَمٍ واحِدٍ (^١).
ثمَّ قالَ: قالَ المانِعونَ مِنْ وُقوعِ الثَّلاثِ: التَّحاكُمُ في هذهِ المَسألةِ وغَيرِها إلى مَنْ أقسَمَ اللهُ ﷾ أصدَقَ قسَمٍ وأبَرَّهُ أنَّا لا نُؤمِنُ حتَّى نُحكِّمَه فيما شجَرَ بَينَنا ثمَّ نَرضَى بحُكمِه ولا يَلحقَنا فيهِ حَرجٌ ونُسلِّمَ لهُ تَسليمًا لا إلى غَيرِه كائِنًا مَنْ كانَ، اللَّهمَّ إلَّا أنْ تُجمِعَ أمَّتُه إجماعًا مُتيقَّنًا لا نَشكُّ فيهِ على حُكمٍ، فهو الحقُّ الَّذي لا يَجوزُ خِلافُه، ويأبَى اللهُ أنْ تَجتمِعَ الأمَّةُ على خِلافِ سُنَّةٍ ثابتةٍ عنْهُ أبدًا، ونحْنُ قدْ أوجَدْناكُم مِنَ الأدلَّةِ ما تَثبُتُ
_________________
(١) «زاد المعاد» (٥/ ٢٤٧، ٢٥١).
[ ١٧ / ١٦٢ ]
المسألةُ بهِ، بلْ وبدُونِه، ونحْنُ نُناظِرُكم فيما طَعنْتُم بهِ في تِلكَ الأدلَّةِ وفيما عارَضْتُمونا بهِ، على أنَّا لا نُحكِّمُ على أنفُسِنا إلَّا نَصًّا عنِ اللهِ أو نَصًّا ثابتًا عنْ رَسولِ اللهِ ﷺ أو إجماعًا مُتيقَّنًا لا شَكَّ فيهِ، وما عدا هذا فعُرضَةٌ للنِّزاعِ، وغايَتُه أنْ يكونَ سائِغَ الاتِّباعِ لا لازِمَهُ، فلْتكُنْ هذهِ المُقدِّمةُ سلَفًا لنا عِندَكُم، وقدْ قالَ تعالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، فقدْ تَنازعْنا نحنُ وأنتُم في هذهِ المَسألةِ، فلا سَبيلَ إلى رَدِّها إلى غَيرِ اللهِ ورَسولِهِ ألبتَّةَ، وسيأتي أنَّنا أحقُّ بِالصَّحابةِ وأسعَدُ بهمْ فيها، فنَقولُ:
أمَّا منْعُكُم لتَحريمِ جمْعِ الثَّلاثِ فلا رَيبِ أنَّها مَسألةُ نِزاعٍ، ولكنَّ الأدلَّةَ الدالَّةَ على التَّحريمِ حُجَّةٌ عَليكُم.
أمَّا قَولُكم: «إنَّ القُرآنَ دلَّ على جَوازِ الجَمْعِ» فدَعَوى غَيرُ مَقبولةٍ، بلْ باطِلةٌ، وغايةُ ما تَمسَّكْتُم بهِ إطلاقُ القُرآنِ للَفظِ الطَّلاقِ، وذلكَ لا يَعُمُّ جائِزَهُ ومُحرَّمَه، كما لا يَدخلُ تحتَهُ طلاقُ الحائِضِ وطلاقُ المَوطوءةِ في طُهرِها، وما مَثَلُكم في ذلكَ إلَّا كمَثَلِ مَنْ عارَضَ السنَّةَ الصَّحيحةَ في تَحريمِ الطَّلاقِ المُحرَّمِ بهذهِ الإطلاقاتِ سواءٌ، ومَعلومٌ أنَّ القُرآنَ لم يَدلَّ على جَوازِ كلِّ طلاقٍ حتَّى تُحمِّلُوهُ ما لا يُطيقُه، وإنَّما دلَّ على أحكامِ الطَّلاقِ، والمُبيِّنُ عنِ اللهِ ﷿ بيَّنَ حَلالَهُ وحرامَهُ، ولا ريبَ أنَّا أسعَدُ بظاهِرِ القُرآنِ كما بيَّنَّا في صَدرِ الاستِدلالِ، وأنَّهُ سُبحانَهُ لم يشرعْ قطُّ طلاقًا بائِنًا بغَيرِ عِوضٍ لمَدخولٍ بها، إلَّا أنْ يكونَ آخِرَ العَدَدِ، وهذا كِتابُ اللهِ بَينَنا وبَينَكُم،
[ ١٧ / ١٦٣ ]
وغايَةُ ما تَمسَّكْتُم بهِ ألفاظٌ مُطلَقةٌ قيَّدَتْها السُّنةُ وبَيَّنتْ شُروطَها وأحكامَها.
وأمَّا استِدلالُكم بأنَّ المُلاعِنَ طلَّقَ امرأتُهُ ثلاثًا بحَضرةِ رَسولِ اللهِ ﷺ فما أصحَّهُ مِنْ حَديثٍ، وما أبعدَهُ مِنْ استِدلالِكم على جَوازِ الطَّلاقِ الثَّلاثِ بكَلمةٍ واحدَةٍ في نِكاحٍ يُقصَدُ بقاؤُهُ ودَوامُهُ، ثمَّ المُستدِلُّ بهذا إنْ كانَ ممَّن يَقولُ: إنَّ الفُرقةَ وَقعَتْ عَقيبِ لِعانِ الزَّوجِ وحدَهُ -كما يَقولُهُ الشَّافِعيُّ- أو عَقيبَ لِعانِهما وإنْ لَم يُفرِّقِ الحاكمُ -كما يَقولُه أحمدُ في إحدَى الرِّواياتِ عَنهُ- فالاستِدلالُ بهِ باطلٌ؛ لأنَّ الطَّلاقَ الثَّلاثَ حِينَئذٍ لَغوٌ لم يُفِدْ شَيئًا، وإنْ كانَ ممَّنْ يُوقِفُ الفُرقَةَ على تَفريقِ الحاكِمِ لم يَصحَّ الاستِدلالُ بهِ أيضًا؛ لأنَّ هذا النِّكاحَ لَم يَبْقَ سَبيلٌ إلى بقائِهِ ودَوامِهِ، بلْ هو واجِبُ الإزالَةِ ومُؤبَّدُ التَّحريمِ، فالطَّلاقُ الثَّلاثُ مُؤكِّدٌ لمَقصودِ اللِّعانِ ومُقرِّرٌ لهُ، فإنَّ غايتَهُ أنْ يُحرِّمَها عليهِ حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غيْرَه، وفُرقَةُ اللِّعانِ تُحرِّمُها عليهِ على الأبدِ، ولا يَلزمُ مِنْ نُفوذِ الطَّلاقِ في نِكاحٍ قدْ صارَ مُستحَّقَ التَّحريمِ على التَّأبيدِ نُفوذُهُ في نِكاحٍ قائمٍ مَطلوبِ البَقاءِ والدَّوامِ، ولهذا لو طلَّقَها في هذا الحالِ وهيَ حِائضٌ أو نُفساءُ أو في طُهرٍ جامَعَها فيهِ لم يكنْ عاصيًا؛ لأنَّ هذا النِّكاحَ مَطلوبُ الإزالةِ مُؤبَّدُ التَّحريمِ، ومِنَ العجَبِ أنَّكمْ مُتمسِّكونَ بتَقريرِ رَسولِ اللهِ ﷺ على هذا الطَّلاقِ المَذكورِ ولا تَتمسَّكونَ بإنكارِهِ وغَضبِه للطَّلاقِ الثَّلاثِ مِنْ غَيرِ المُلاعِنِ وتَسميتِه لَعِبًا بكتابِ اللهِ كما تَقدَّمَ، فكمْ بيْنَ هذا الإقرارِ وهذا الإنكارِ، ونَحنُ بحَمدِ اللهِ
[ ١٧ / ١٦٤ ]
قائِلونَ بالأمرَينِ، مُقرِّونَ لِمَا أقرَّهُ رَسولُ اللهِ ﷺ مُنكِرونَ لِمَا أنكرَهُ.
وأمَّا استِدلالُكُم بحَديثِ عائِشةَ ﵂ أنَّ رَجُلًا طلَّقَ امرأتَهُ ثلاثًا فتزوَّجَتْ، فسُئِلَ رَسولُ اللهِ ﷺ: هَلْ تَحِلُّ للأوَّلِ؟ قالَ: لا حتَّى تَذوقَ العُسَيلةَ، فهذا لا نُنازِعُكم فيهِ، نعَمْ هوَ حُجَّةٌ على مَنِ اكتَفَى بمُجرَّدِ عَقدِ الثَّاني، ولكنْ أينَ في الحَديثِ أنَّهُ طلَّقَ الثَّلاثَ بفَمٍ واحِدٍ؟ بلِ الحَديثُ حُجَّةٌ لنا؛ فإنَّهُ لا يُقالُ: فعَلَ ذلكَ ثلاثًا، وقالَ: ثلاثًا إلَّا مَنْ فعَلَ، وقالَ: مرَّةً بعْدَ مرَّةٍ، هذا هُوَ المَعقولُ في لُغاتِ الأُمَمِ عرَبِهم وعجَمِهم، كما يُقالُ: قذَفَه ثلاثًا وشتَمَه ثلاثًا وسلَّمَ عليهِ ثلاثًا.
قالُوا: وأمَّا استِدلالُكم بحَديثِ فاطمَةَ بنتِ قَيسٍ فمِن العجَبِ العُجابِ، فإنَّكُم خالَفتُموهُ فيما هوَ صَريحٌ فيهِ لا يَقبلُ تأويلًا صَحيحًا، وهوَ سُقوطُ النَّفقةِ والكِسوَةِ للبائِنِ معَ صِحَّتِه وصَراحتِه وعَدمِ ما يُعارِضُه مُقاوِمًا له، وتَمسَّكتُم بهِ فيما هوَ مُجمَلٌ، بلْ بَيانُه في نفْسِ الحَديثِ ممَّا يُبطِلُ تَعلُّقَكم بهِ، فإنَّ قولَه: «طلَّقَها ثلاثًا» ليسَ بصَريحٍ في جمْعِها، بلْ كما تَقدَّمَ، كيفَ وفي الصَّحيحِ في خبَرِها نَفسِه مِنْ رِوايةِ الزُّهريِّ عَنْ عُبيدِ اللهِ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ «أنَّ زوْجَها أرسلَ إليها بتَطليقةٍ كانَتْ بَقيتْ لها مِنْ طلاقِها».
وفي لفظٍ في الصَّحيحِ: «أنَّهُ طَلَّقَها آخِرَ ثَلاثِ تَطليقَاتٍ»، وهوَ سَندٌ صَحيحٌ مُتَّصلٌ مثلُ الشَّمسِ، فكيفَ ساغَ لكُمْ تَركُه إلى التَّمسُّكِ بلَفظٍ مُجمَلٍ، وهو أيضًا حُجَّةٌ عَليكُم كما تقدَّمَ.
[ ١٧ / ١٦٥ ]
قالُوا: وأمَّا استِدلالُكم بحَديثِ عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ الَّذي رَواهُ عَبدُ الرَّزاقِ فخَبَرٌ في غايةِ السُّقوطِ؛ لأنَّ في طَريقِه يَحيَى بنُ العلاءِ عنْ عُبيدِ اللهِ بنِ الوليدِ الوَصافِيِّ عَنْ إبراهِيمَ بنِ عُبيدِ اللهِ، ضَعيفٌ عَنْ هالِكٍ عَنْ مَجهولٍ، ثمَّ الَّذي يَدلُّ على كَذبِه وبُطلانِه أنَّهُ لم يُعرَفْ في شَيءٍ مِنْ الآثارِ صَحيحِها ولا سَقيمِها ولا مُتَّصلِها ولا مُنقطِعها أنَّ والدَ عُبادةَ بنِ الصَّامتِ أدركَ الإسلامَ، فكيفَ بجَدِّهِ؟ فهذا مُحالٌ بلا شَكٍّ.
وأمَّا حَديثُ عَبدِ اللهِ بنِ عُمرَ فأصلُهُ صَحيحٌ بلا شَكٍّ، لكنَّ هذهِ الزِّيادةَ والوَصلةَ الَّتي فيهِ «فقَلتُ: يا رَسولَ اللهِ لو طَلَّقتُها ثلاثًا أكانَتْ تَحِلُّ لي؟» إنَّما جاءَتْ مِنْ رِوايةِ شُعيبِ بنِ زُريقٍ وهوَ الشَّامِيُّ، وبَعضُهُم يَقلِبُه فيقولُ: زُريقُ بنُ شَعيبٍ، وكيفَما كانَ فهو ضَعيفٌ، ولو صَحَّ لم يكنْ فيهِ حُجَّةٌ؛ لأنَّ قولَهُ: «لَو طلَّقتُها ثلاثًا» بمَنزلةِ قَولِه: «لو سَلَّمتُ ثلاثًا، أو أقرَرْتُ ثلاثًا» أو نَحوِه ممَّا لا يُعقَلُ جَمعُهُ.
وأمَّا حَديثُ نَافعِ بنِ عُجيرٍ الَّذي رَواهُ أبو داودَ: «أنَّ رُكانةَ طلَّقَ امرأتَهُ ألبَتَّة فأحلَفَه رَسولُ اللهِ ﷺ ما أرادَ إلَّا واحدَةً» فمِنَ العجَبِ تَقديمُ نافعِ بنِ عُجيرٍ المَجهولِ الَّذي لا يُعرَفُ حالُهُ ألبَتَّة ولا يُدرَى مَنْ هو ولا ما هو على ابنِ جُريجٍ ومَعمَرٍ وعبدِ اللهِ بنِ طاووسٍ في قصَّةِ أبي الصَّهباءِ، وقدْ شَهدَ إمامُ أهلِ الحَديثِ مُحمدُ بنُ إسماعيلَ البُخاريُّ بأنَّ فيهِ اضطِرابًا، هكذا قالَ التِّرمذيُّ في «الجامِعِ»، وذكرَ عنهُ في مَوضعِ آخَرَ أنَّهُ مُضطرِبٌ،
[ ١٧ / ١٦٦ ]
فتارَةً يَقولُ: «طلَّقَها ثلاثًا»، وتارةً يَقولُ: «واحدَةً»، وتارةً يَقولُ: «ألبَتَّة»، وقالَ الإمامُ أحمَدُ: وطُرقُه كُلُّها ضَعيفةٌ، وضعَّفَه أيضًا البُخاريُّ، حكاهُ المُنذِريُّ عنهُ.
ثمَّ كيفَ يُقدَّمُ هذا الحَديثُ المُضطرِبُ المَجهولُ رِوايةً على حَديثِ عبدِ الرَّزاقِ عنِ ابنِ جُريجٍ لجَهالةِ بَعضِ بَني أبي رافِعٍ، هذا وأولادُه تَابعيُّونَ، وإنْ كانَ عُبيدُ اللهِ أشهَرَهم، وليسَ فيهمْ مُتَّهَمٌ بالكَذبِ، وقَد رَوى عَنهُ ابنُ جُريجٍ، ومَن يَقبلُ روايةَ المَجهولِ أو يَقولُ: «رِوايةُ العَدلِ عنهُ تَعديلٌ لهُ» فهذا حجَّةٌ عِندَه، فأمَّا أنْ يُضعِّفَه ويُقدِّمَ عليهِ روايةَ مَنْ هوَ مِثلُه في الجَهالةِ أو أشدُّ فكلَّا، فغايَةُ الأمرِ أنْ تَتساقطَ رِوايتَا هَذينِ المَجهولَينِ ويُعدَلَ إلى غَيرِهما، وإذا فعَلْنا ذلكَ نظَرْنا في حَديثِ سَعدِ بنِ إبراهِيمَ فوَجدْناهُ صَحيحَ الإسنادِ، وقدْ زالَتْ علَّةُ تَدليسِ مُحمَّدِ بنِ إسحاقَ بقَولهِ: حدَّثَني داودُ بنُ الحُصينِ، وقدِ احتَجَّ أحمدُ بإسنادِهِ في مَواضِعَ، وقدْ صَحَّحَ هو وغيرُهُ بهذا الإسنادِ بعَينِه أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ رَدَّ زَينبَ على زَوجِها أبي العاصِ بنِ الرَّبيعِ بالنِّكاحِ الأوَّلِ ولم يُحدِثْ شَيئًا.
وأمَّا داودُ بنُ الحُصينِ عَنْ عِكرمةَ فلَم تَزلِ الأئمَّةُ تَحتجُّ بهِ، وقدِ احتَجُّوا بهِ في حَديثِ العَرايا فيما شَكَّ فيهِ ولم يَجزِمْ بهِ مِنْ تَقديرِها بخَمسةِ أوسُقٍ أو دُونَها، مَع كَونِها على خِلافِ الأحاديثِ الَّتي نَهَى فيها عَنْ بَيعِ الرُّطَبِ بالتَّمرِ، فما ذنبُهُ في هذا الحَديثِ سِوى رِوايةِ ما لا يَقولُونَ بهِ، وإنْ قَدحْتُم في عِكرمةَ -ولَعلَّكُم فاعِلونَ- جاءَكُم ما لا قِبَلَ لكُم بهِ مِنَ التَّناقُضِ
[ ١٧ / ١٦٧ ]
فيما احتَجَجْتُم بهِ أنتُم وأئمَّةُ الحَديثِ مِنْ رِوايتِه وارتِضاءِ البُخاريِّ لإدخالِ حَديثِه في صَحيحِه.
فَصلٌ: وأمَّا تلكَ المَسالِكُ الوَعرةُ الَّتي سَلكْتُموها في حَديثِ أبِي الصَّهباءِ فلا يَصحُّ شيءٌ مِنها.
أمَّا المَسلَكُ الأوَّلُ وهوَ انفِرادُ مُسلمٍ بروايتِه وإعراضُ البُخاريِّ عنهُ فتِلكَ شَكاةٌ ظاهِرٌ عنهُ عارُها، وما ضَرَّ ذلكَ الحَديثَ انفِرادُ مُسلمٍ بهِ شيئًا، ثمَّ هلْ تَقبلُونَ أنتُم أو أحَدٌ مِثلَ هذا في كُلِّ حَديثٍ يَنفردُ بهِ مُسلمٌ عنِ البُخاريِّ؟ وهلْ قالَ البُخاريُّ قطُّ: إنَّ كلَّ حَديثٍ لم أُدخِلْه في كِتابِي فهوَ باطِلٌ، أو ليسَ بحُجَّةٍ أو ضَعيفٌ.؟ وكَم قدِ احتَجَّ البُخاريُّ بأحاديثَ خارِجَ الصَّحيحِ ليسَ لها ذكْرٌ في صَحيحِه؟ وكَم صَحَّحَ مِنْ حَديثٍ خارِجٍ عَنْ صَحيحِه؟
فأمَّا مُخالَفةُ سائِرِ الرِّواياتِ لهُ عنِ ابنِ عبَّاسٍ فلا رَيبَ أنَّ عنِ ابنِ عبَّاسٍ روايتَينِ صَحيحتَينِ بلا شَكٍّ، إحداهُما تُوافِقُ هذا الحَديثَ، والأُخرَى تُخالِفُه، فإنْ أسقَطْنا رِوايةً بروايةٍ سَلِمَ الحَديثُ، على أنَّهُ بحَمدِ اللهِ سالمٌ، ولوِ اتَّفقَتِ الرِّواياتُ عنهُ على مُخالَفتِه فلهُ أسوةُ أمثالِه، وليسَ بأوَّلِ حَديثٍ خالفَهُ رَاويهِ، فنَسألُكم: هلِ الأخْذُ بما رَواهُ الصَّحابيُّ عِندَكم أو بما رآهُ؟
فإنْ قُلتُم: الأخْذُ بروايتِهِ -وهوَ قولُ جُمهورِكُم، بلْ جُمهورُ الأمَّةِ على هذا- كَفَيتُمونا مُؤونةَ الجَوابِ.
[ ١٧ / ١٦٨ ]
وإنْ قُلتُم: الأخْذُ برَأيِه، أرَيناكُم مِنْ تَناقُضِكم ما لا حِيلةَ لكُم في دفْعِهِ، ولا سِيِّما عَنِ ابنِ عبَّاسٍ نَفسِه؛ فإنَّهُ رَوى حَديثَ بَريرَةَ وتَخييرِها ولَم يَكنْ بَيعُها طلاقًا، ورَأى خِلافَه، وأنَّ بَيعَ الأمَةِ طَلاقُها، فأخَذْتُم -وأصَبْتُم- بِروايتِهِ وتَركْتُم رَأيَهُ، فهَلَّا فعَلْتُم ذلكَ فيما نحنُ فيهِ وقُلتُم: الرِّوايةُ مَعصومةٌ وقَولُ الصَّحابيِّ غَيرُ مَعصومٍ، ومُخالَفتُه لمَا رَواهُ يَحتمِلُ احتِمالاتٍ عَديدةً مِنْ نِسيانٍ أو تَأويلٍ أو اعتِقادٍ مُعارِضٍ راجِحٍ في ظنَّهِ، أو اعتِقادِ أنَّهُ مَنسوخٌ أو مَخصوصٌ، أو غيْرِ ذلكَ مِنْ الاحتِمالاتِ، فكيفَ يَسوغُ تَركُ رِوايتِه معَ قِيامِ هذهِ الاحتِمالاتِ؟ وهلْ هذا إلَّا تَركُ مَعلومٍ لمَظنُونٍ بلْ مَجهُولٍ؟
قالُوا: وقَد رَوى أبو هُريرَةَ ﵁ حَديثَ التَّسبيعِ مِنْ وُلوغِ الكَلْبِ وأفتَى بخِلافهِ، فأخذْتُم بروايتِهِ وتَركْتُم فَتْواهُ، ولَو تَتبَّعْنا ما أخذْتُم فيهِ برِوايةِ الصَّحابيِّ دُونَ فَتواهُ لَطالَ.
قالُوا: وأمَّا دَعْواكُم نَسْخَ الحَديثِ؛ فمَوقُوفَةٌ على ثُبوتِ مُعارِضٍ مُقاوِمٍ مُتراخٍ، فأينَ هذا؟
وأمَّا حَديثُ عِكرمةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ في نسْخِ المُراجَعةِ بعدَ الطَّلاقِ الثَّلاثِ؛ فلو صَحَّ لم يكنْ فيهِ حُجَّةٌ؛ فإنَّهُ إنِّما فيهِ أنَّ الرَّجلَ كانَ يُطلِّقُ امرأتَهُ ويُراجِعُها بغَيرِ عَددٍ، فنُسخَ ذلكَ وقُصرَ على ثلاثٍ فيها تَنقطِعُ الرَّجعةُ، فأينَ في ذلكَ الإلزامُ بالثَّلاثِ بفَمٍ واحدٍ؟ ثمَّ كيفَ يَستمِرُّ المَنسوخُ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأبِي بكرٍ وصَدرًا مِنْ خِلافةِ عُمرَ لا تَعلمُ بهِ الأمَّةُ؟
[ ١٧ / ١٦٩ ]
وهو مِنْ أهمِّ الأُمورِ المُتعلِّقةِ بحِلِّ الفُروجِ، ثمَّ كيفَ يَقولُ عُمرُ: «إنَّ النَّاسَ قدِ استَعجَلُوا في شيءٍ كانَتْ لهُم فيهِ أَناةٌ»؟ وهل للأمَّةِ أَناةٌ في المَنسوخِ بوَجهٍ ما؟ ثمَّ كيفَ يُعارَضُ الحَديثُ الصَّحيحُ بهذا الَّذي فيهِ عَليُّ بنُ الحُسينِ بنِ واقِدٍ وضَعْفُه مَعلُومٌ؟
وأمَّا حَملُكم الحَديثَ على قَولِ المُطلِّقِ: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ» ومَقصودُه التَّأكيدُ بما بعْدَ الأوَّلِ؛ فسِياقُ الحَديثِ مِنْ أوَّلِه إلى آخِرِهِ يَردُّهُ؛ فإنَّ هذا الَّذي أوَّلْتُم الحَديثَ عليهِ لا يَتغيَّرُ بوَفاةِ رَسولِ اللهِ ﷺ، ولا يَختَلفُ على عَهدِه وعَهدِ خُلفائِهِ وهَلُمَّ جَرًّا إلى آخِرِ الدَّهرِ، ومَن يَنْويهِ في قَصْدِ التَّأكيدِ لا يُفرِّقُ بيْنَ بَرٍّ وفاجِرٍ، وصادقٍ وكاذِبٍ، بلْ يَردُّه إلى نِيتِه، وكذلكَ مَنْ لا يَقبلُه في الحُكمِ لا يَقبلُهُ مُطلَقًا، بَرًّا كانَ أو فاجِرًا.
وأيضًا فإنَّ قَولَه: «إنَّ النَّاسَ قدِ استَعجَلُوا وتَتايَعُوا في شَيءٍ كانَتْ لَهم فيهِ أَناةٌ، فلو أنَّا أمضَيناهُ عَليهِم» إخبارٌ مِنْ عُمرَ بأنَّ النَّاسَ قدِ استَعجَلُوا ما جعَلَهم اللهُ في فُسحَةٍ مِنهُ، وشَرَعَهُ مُتراخِيًا بَعضُهُ عَنْ بَعضٍ رَحمةً بهم ورِفقًا وأَناةً لهُم؛ لِئلَّا يَندَمَ مُطلِّقٌ فيَذهَبَ حَبيبُهُ مِنْ يَديهِ مِنْ أوَّلِ وَهْلَةٍ فيَعِزُّ عليهِ تَدارُكُه، فجُعِلَ لهُ أناةٌ ومُهلَةٌ يَستعتِبُه فيها ويُرضيهِ ويَزولُ ما أحدَثَه العَتبُ الدَّاعي إلى الفِراقُ، ويُراجِعُ كلٌّ مِنهُما الَّذي عَليهِ بالمَعروفِ، فاستَعجَلُوا فيما جُعلَ لهُم فيهِ أَناةٌ ومُهلَةٌ، وأوقَعُوهُ بفَمٍ واحِدٍ، فرَأى عُمرُ ﵁ أنَّهُ
[ ١٧ / ١٧٠ ]
يَلزَمُهم ما التَزَموهُ؛ عُقوبةً لهُم، فإذا عَلِمَ المُطلِّقُ أنَّ زَوجتَهُ وسَكنَه تَحرُمُ عليهِ مِنْ أوَّلِ مَرَّةٍ بجَمعِه الثَّلاثَ كفَّ عَنها ورَجعَ إلى الطَّلاقِ المَشروعِ المَأذونِ فيهِ، وكانَ هذا مِنْ تأديبِ عُمرَ لرَعيَّتِه لمَّا أكثَرُوا منَ الطَّلاقِ الثَّلاثِ، كما سَيأتي مَزيدُ تَقريرِه عِنْدَ الاعتِذارِ عَنْ عُمَرَ ﵁ في إلزامِه بالثَّلاثِ، هذا وجْهُ الحَديثِ الَّذي لا وَجهَ لهُ غَيرُه، فأينَ هذا مِنْ تَأويلِكُم المُستكرَهِ المُستبعَدِ الَّذي لا تُوافِقُه ألفاظُ الحَديثِ، بلْ تَنْبُو عنهُ وتُنافِرُه.
وأمَّا قولُ مَنْ قالَ: إنَّ مَعناهُ كانَ وُقوعَ الطَّلاقِ الثَّلاثِ الآنَ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ واحدَةً، فإنَّ حَقيقةَ هذا التَّأويلِ: كانَ النَّاسُ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ يُطلِّقونَ واحدةً، وعلى عَهدِ عُمرَ صارُوا يُطلِّقونَ ثلاثًا، والتَّأويلُ إذا وصَلَ إلى هذا الحَدِّ كانَ مِنْ بابِ الإلغازِ والتَّحريفِ، لا مِنْ بابِ بيانِ المُرادِ، ولا يَصِحُّ ذلكَ بوَجهٍ ما، فإنَّ النَّاسَ ما زالُوا يُطلِّقونَ واحدَةً وثلاثًا، وقَد طَلَّقَ رجالٌ نَساءَهُم على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ثلاثًا، فمِنهُم مَنْ رَدَّها إلى واحدَةٍ كما في حَديثِ عِكرمةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ، ومنهُم مَنْ أنكَرَ عليهِ وغَضبَ وجعَلَه مُتلاعِبًا بكتابِ اللهِ، ولم يُعرَفْ ما حكَمَ بهِ عَليهِم، وفيهِم مَنْ أقرَّهُ؛ لتأكيدِ التَّحريمِ الَّذي أوجَبَهُ اللِّعانُ، ومِنهُم مَنْ ألزَمَه بالثَّلاثِ؛ لِكَونِ ما أتَى بهِ مِنَ الطَّلاقِ آخِرَ الثَّلاثِ، فلا يَصحُّ أنْ يُقالَ: إنَّ النَّاسَ ما زالُوا يُطلِّقونَ واحدَةً إلى أثناءِ خِلافةِ عُمرَ فطلَّقُوا ثلاثًا، ولا يَصحُّ أنْ يُقالَ: إنَّهم قَدْ استَعجَلُوا في شيءٍ كانَتْ لهُم فيهِ
[ ١٧ / ١٧١ ]
أَناةٌ فنَمضيهِ عليهِم، ولا يُلائِمُ هذا الكَلامُ الفرْقَ بيْنَ عهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وبيْنَ عهَدِه بوَجهٍ ما، فإنَّهُ ماضٍ مِنْكُمْ على عَهدِه وبعْدَ عهدِه.
ثمَّ إنَّ في بعْضِ ألفاظِ الحَديثِ الصَّحيحةِ: «ألَمْ تَعلَمْ أنَّهُ مَنْ طلَّقَ ثلاثًا جُعلَتْ واحدةً على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ؟».
وفي لَفظٍ: «أمَا عَلمْتَ أنَّ الرَّجلَ كانَ إذا طلَّقَ امرأتَهُ ثلاثًا قبْلَ أنْ يَدخُلَ بها جَعلُوها واحدَةً على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأبِي بكرٍ وصَدرًا مِنْ خِلافةِ عُمرَ؟ فقالَ ابنُ عبَّاسٍ: بلَى، كانَ الرَّجلُ إذا طلَّقَ امرأتَهُ ثلاثًا قبْلَ أنْ يَدخُلَ بها جَعلُوها واحدَةً على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأبِي بكرٍ وصَدرًا مِنْ إمارةِ عُمرَ، فلمَّا رَأى النَّاسَ -يعنِي عُمَر- قدْ تَتايَعُوا فيها قالَ: أَجيزُوهنَّ عَليهِم»، هذا لَفظُ الحَديثِ، وهوَ بأصحِّ إسنادٍ، وهو لا يَحتمِلُ ما ذكَرْتُم مِنَ التَّأويلِ بوَجهٍ ما، ولكنَّ هذا كلَّه عَمَلُ مَنْ جعَلَ الأدلَّةَ تَبَعًا للمَذهَبِ، فاعتَقدَ ثمَّ استَدلَّ، وأمَّا مَنْ جعَلَ المَذهبَ تَبَعًا للدَّليلِ واستَدلَّ ثمَّ اعتَقدَّ لم يُمكِنْه هذا العَملُ.
وأمَّا قولُ مَنْ قالَ: ليسَ في الحَديثِ بَيانُ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ هوَ الَّذي يَجعَلُ ذلكَ، ولا أنَّهُ عَلِمَ بهِ وأقرَّهُ عليهِ، فجَوابُه أنْ يُقالَ: سُبحانَكَ هذا بُهتانٌ عَظيمٌ أنْ يَستمرَّ هذا الجَعْلُ الحَرامُ المُتضمِّنُ لتَغييرِ شرْعِ اللهِ ودِينِه، وإباحةِ الفرْجِ لِمَنْ هو عليهِ حَرامٌ، وتَحريمِهُ على مَنْ هوَ عليهِ حَلالٌ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأصحابِهِ خَيرِ الخلْقِ، وهُمْ
[ ١٧ / ١٧٢ ]
يَفعلُونَهُ ولا يَعلَمونَهُ ولا يَعلَمهُ هوَ، والوَحيُ يَنْزِلُ عَليهِ وهوَ يُقرِّهمْ عَليهِ، فهَبْ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لم يكنْ يَعلَمُه، وكانَ الصَّحابةُ يَعلَمونَهُ ويُبدِّلونَ دِينَه وشَرعَهُ، واللهُ يَعلَمُ ذلكَ ولا يُوحِيهِ إلى رَسولِهِ ولا يُعلِمُه بهِ، ثمَّ يَتوفَّى اللهُ رَسولَهُ ﷺ والأمْرُ على ذلكَ، فيَستَمرُّ هذا الضَّلالُ العَظيمُ والخَطأُ المُبِينُ عِندَكم مُدَّةَ خِلافةِ الصِّديقِ كلِّها، يُعمَلُ بهِ ولا يُغيَّرُ إلى أنْ فارَقَ الصِّديقُ الدُّنيا، واستَمرَّ الخَطأُ والضَّلالُ المُركَّبُ صَدرًا مِنْ خِلافةِ عُمَرَ، حتَّى رأَى بعْدَ ذلكَ برَأيِهِ أنْ يُلزِمَ النَّاسَ بالصَّوابِ، فهلْ في الجَهلِ بالصَّحابةِ وما كانُوا عليهِ في عَهدِ نَبيِّهم وخُلفائِهِ أقبحُ مِنْ هذا؟ وتاللهِ لو كانَ جعْلُ الثَّلاثِ واحدَةً خطأً مَحضًا لَكانَ أسهلَ مِنَ هذا الخطأِ الَّذي ارتَكبتُموهُ والتَّأويلِ الَّذي تَأوَّلتُموهُ، ولو تَركْتُم المسألةَ بهَيأتِها لَكانَ أقوَى لشَأنِها مِنْ هذهِ الأَدلَّةِ والأجوبةِ.
قالُوا: وليسَ التَّحاكُمُ في هذِهِ المَسألةِ إلى مُقلِّدٍ مُتعصِّبٍ ولا هيَّابٍ للجُمهورِ، ولا مُستَوحِشٍ مِنَ التَّفرُّدِ إذا كانَ الصَّوابُ في جانِبِه، وإنَّما التَّحاكُمُ فيها إلى راسِخٍ في العِلمِ، قدْ طالَ فيهِ باعُهُ، ورَحُبَ بِنَيلهِ ذِراعُهُ، وفرَّقَ بيْنَ الشُّبهَةِ والدَّليلِ، وتَلقَّى الأحكامَ مِنْ نَفسِ مِشكاةِ الرَّسولِ، وعرَفَ المَراتِبَ، وقامَ فيها بالواجِبِ، وباشَرَ قَلبُهُ أسرارَ الشَّريعةِ وحِكَمَها الباهِرةَ، وما تَضمَّنتْهُ مِنَ المَصالِحِ الباطِنةِ والظَّاهرةِ، وخاضَ في مِثلِ هذهِ المَضايِقِ لُجَجَها، واستَوفَى مِنَ الجانبَينِ حُجَجَها، واللهُ المُستعانُ وعليهِ التُّكلانُ.
[ ١٧ / ١٧٣ ]
قالُوا: وأمَّا قَولُكم: «إذا اختَلفَتْ عَلينا الأحاديثُ نَظرْنا فيما عليهِ الصَّحابَةُ ﵃» فنَعَمْ واللهِ وحَيَّهلا بِيَرَكِ الإسلامِ وعِصابةِ الإيمانِ ﵃.
فلا تَطلَّبْ ليَ الأعواضَ بَعْدَهمُ فإنَّ قَلبيَ لا يَرضَى بغَيرِهمُ
ولكنْ لا يَليقُ بكُم أنْ تَدْعُونا إلى شيءٍ وتَكونُوا أوَّلَ نافِرٍ عنهُ ومُخالِفٌ لهُ، فقدْ تُوفِّيَ النَّبيُّ ﷺ عن أكثَرَ مِنْ مِائةِ ألفِ عينٍ كلُّهمْ قد رَآهُ وسَمعَ منهُ، فهلْ صحَّ لكُم عَنْ هَؤلاءِ كلِّهم أو عُشرِهِم أو عُشرِ عُشرِهم أو عُشرِ عُشرِ عُشرِهمُ القَولُ بلُزومِ الثَّلاثِ بفَمٍ واحدٍ؟ هذا ولو جَهدْتُم كلَّ الجَهدِ لم تُطيقُوا نقْلَهُ عَنْ عِشرينَ نَفسًا منهُم أبدًا معَ اختِلافٍ عَنهُم في ذلكَ، فقدْ صَحَّ عنِ ابنِ عبَّاسٍ القولانِ، وصحَّ عَنِ ابنِ مَسعودٍ القولُ باللُّزومِ، وصحَّ عنهُ التَّوقُّفُ، ولو كاثَرْناكُم بالصَّحابَةِ الَّذينَ كانَ الثَّلاثُ على عَهدِهم واحدةً لَكانُوا أضعافَ مَنْ نُقِلَ عنهُ خِلافُ ذلكَ، ونحنُ نُكاثِرُكم بكلِّ صَحابيٍّ ماتَ إلى صَدرٍ مِنْ خِلافةِ عُمَرَ، ويَكفِينا مُقدَّمُهم وخَيرُهم وأفضَلُهم ومَن كانَ معهُ مِنَ الصَّحابةِ على عَهدِهِ، بلْ لو شِئنا لَقُلنا ولَصَدَقْنا: إنَّ هذا كانَ إجماعًا قَديمًا لم يَختَلفْ فيهِ على عَهدِ الصِّديقِ اثنانِ، ولكنْ لَم يَنقَرِضْ عَصرُ المُجمِعِينَ حتَّى حَدَثَ الاختِلافُ، فلَم يَستقرَّ الإجماعُ الأوَّلُ حتَّى صارَ الصَّحابةُ على قَولَينِ، واستَمرَّ الخِلافُ بَينَ الأمَّةِ في ذلكَ إلى اليومِ.
ثمَّ نَقولُ: لَمْ يُخالِفْ عُمَرُ إجماعَ مَنْ تَقدَّمَه، بلْ رأَى إلزامَهُم بالثَّلاثِ
[ ١٧ / ١٧٤ ]
عُقوبَةً لهُم لمَّا عَلِمُوا أنَّهُ حَرامٌ وتَتايَعوا فيهِ، ولا رَيبَ أنَّ هذا سائِغٌ للأئمَّةِ أنْ يُلزِمُوا النَّاسَ بما ضَيَّقُوا بهِ على أنفُسِهم ولم يَقبَلُوا فيهِ رُخصةَ اللهِ ﷿ وتَسهيلَهُ، بلِ اختارُوا الشِّدَّةَ والعُسرَ، فكيفَ بأميرِ المُؤمنِينَ عُمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁ وكَمالِ نظَرِه للأمَّةِ وتأديبِهِ لهُم، ولكنَّ العُقوبةَ تَختلِفُ باختِلافِ الأزمِنةِ والأشخاصِ، والتَّمكُّنِ مِنْ العِلمِ بتَحريمِ الفِعلِ المُعاقَبِ عليهِ وخَفائِهِ، وأميرُ المُؤمنِينَ عُمرُ ﵁ لَم يَقُلْ لهُم: إنَّ هذا عَنْ رَسولِ اللهِ ﷺ، وإنَّما هوَ رأيٌ رآهُ مَصلحةً للأمَّةِ يَكفُّهم بها عنِ التَّسارُعِ إلى إيقاعِ الثَّلاثِ، ولهذا قالَ: «فلو أنَّا أمضَيناهُ عَليهمْ»، وفي لَفظٍ آخَرَ: «فأَجيزُوهنَّ عَليهِم»، أفَلا يُرَى أنَّ هذا رأيٌ منهُ رأهُ للمَصلحةِ، لا إخبارٌ عَنْ رَسولِ اللهِ ﷺ، ولمَّا عَلِمَ ﵁ أنَّ تِلكَ الأَناةَ والرُّخصةَ نِعمةٌ مِنَ اللهِ على المُطلِّقِ ورَحمةٌ بهِ وإحسانٌ إليهِ، وأنَّهُ قابَلَها بضِدِّها ولَم يَقبلْ رُخصةَ اللهِ وما جعَلَهُ لهُ مِنَ الأَناةِ عاقَبَه بأنْ حالَ بَينَهُ وبَينَها، وألزَمَه ما ألزَمَه مِنَ الشِّدةِ والاستِعجالِ، وهذا مُوافِقٌ لِقَواعدِ الشَّريعةِ، بلْ هوَ مُوافِقٌ لحِكمةِ اللهِ في خَلْقِه قَدَرًا وشَرْعًا، فإنَّ النَّاسَ إذا تَعدَّوا حُدودَهُ ولَم يَقفُوا عِندَها ضيَّقَ عَليهِم ما جعَلَه لِمَنِ اتَّقاهُ مِنَ المَخرَجِ، وقدْ أشارَ إلى هذا المَعنَى بعَينِه مَنْ قالَ مِنَ الصَّحابةِ للمُطلِّقِ ثلاثًا: «إنَّكَ لوِ اتَّقَيتَ اللهَ لَجَعلَ لكَ مَخرَجًا»، كما قالَهُ ابنُ مَسعُودٍ وابنُ عبَّاسٍ، فهذا نَظَرُ أميرِ المُؤمنِينَ ومَن مَعهُ مِنَ الصَّحابةِ، لا أنَّهُ ﵁ غيَّرَ أحكامَ اللهِ وجعَلَ
[ ١٧ / ١٧٥ ]
حَلالَها حَرامًا، فهذا غايَةُ التَّوفيقِ بَينَ النُّصوصِ وفِعْلِ أميرِ المُؤمنِينَ ومَن معَهُ، وأنتُم لَم يُمكِنْكم ذلكَ إلَّا بإلغاءِ أحَدِ الجانِبَينِ، فهذا نِهايةُ أقدامِ الفَريقَينِ في هذا المَقامِ الضَّنْكِ والمُعتَرَكِ الصَّعبِ، وباللهِ التَّوفيقُ (^١).
_________________
(١) «زاد المعاد» (٥/ ٢٦٠، ٢٧١)، ويُنظر: «الصَّواعِقُ المُرسَلَةُ» (٢/ ٦١٩، ٦٢٥)، وقالَ صِدِّيق حَسَن خَان في «الرَّوضَة النَّديَّة»: (الرَّاجِحُ عَدمُ الوقُوعِ)؛ قالَ الماتِنُ: ذهَبَ الجُمهورُ إلى أنَّهُ يقَعُ، وأنَّ الطَّلاقَ يَتبعُ الطَّلاقَ، وذهبَ جماعةٌ مِنْ أهلِ العلمِ إلى أنَّ الطَّلاقَ لا يَتبعُ الطَّلاقَ؛ بل يَقعُ واحدةً، وقدْ حُكيَ ذلكَ عَنْ أبي مُوسَى وابنِ عبَّاسٍ وطاوُسٍ وعطاءٍ وجابرِ بنِ زَيدٍ وأحمدَ بنِ عيسَى وعَبدِ اللهِ بنِ مُوسَى، ورواية عَنْ عليٍّ ورواية عَنْ زيدِ بنِ عليٍّ، وإليهِ ذهبَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ والحافظُ ابنُ القيِّمِ، وقَد حكاهُ ابنُ مُغيثٍ في كتابِ «الوَثائِق» عَنْ عليٍّ وابنِ مَسعودٍ وعبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ والزُّبيرِ، وحكاهُ أيضًا عَنْ جماعةٍ مِنْ مَشايخِ قُرطُبةَ، ونقلَهُ ابنُ المُنذِرِ عَنْ أصحابِ ابنِ عبَّاسٍ. وقَد جمَعَ في ذلكَ شَيخُنا العلَّامةُ الشَّوكانِيُّ رسالةً بسَطَ فيها بعضَ البَسْطِ، وقد امتُحنَ بهذِهِ المسألةِ جَماعةٌ مِنَ العُلماءِ، منهُم شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ وجَماعةٌ مِنْ بعْدِه، والحقُّ بأيديهِم، ولكنْ لمَّا كانَ مَذهبُ الأربعةِ الأئمَّةِ أنَّ الطَّلاقَ يَتبعُ الطَّلاقَ؛ كانَ المُخالِفُ لذلكَ عندَ عامَّةِ أتباعِهِم وكثيرٍ مِنْ خاصَّتِهم كالمُخالِفِ للإجماعِ. وقدْ ظهَرَ ممَّا سُقناهُ هَهُنا مِنَ الأدلَّةِ والنُّقولِ أنَّ الطَّلاقَ ثلاثًا بلَفظٍ واحدٍ -أو ألفاظٍ في مَجلسٍ واحدٍ مِنْ دُونِ تَخلُّلِ رَجعةٍ- يقَعُ واحدةً، وإنْ كانَ بِدعيًّا؛ فتَكونُ هذهِ الصُّورةُ مِنْ صُورِ الطَّلاقِ البدعيِّ واقعةً مِنْ إثمِ الفاعِلِ دُونَ سائرِ صُوَرِ البدعيِّ؛ فلا يقَعُ الطَّلاقُ فيها؛ لِمَا قَدَّمْنا تَحقيقَه. وأطالَ ابنُ القيِّمِ في تَخريجِ أحاديثِ البابِ والكَلامِ عليها، وأثْبتَهُ بالكتابِ والسُّنَّةِ واللُّغةِ والعُرفِ وعَمَلِ أكثرِ الصَّحابةِ، ثمَّ قالَ بعْدَ ذلكَ:
[ ١٧ / ١٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) «فهذا كتابُ اللهِ تَعالى، وهذهِ سنَّةُ رَسولِ اللهِ ﷺ، وهذهِ لغةُ العَربِ، وهذا عرفُ التَّخاطُبِ، وهذا خَليفةُ رَسولِ اللهِ ﷺ، والصَّحابةُ كلُّهم معَهُ في عَصرِهِ وثلاثِ سِنينَ مِنْ عَصرِ عُمرَ على هذا المَذهبِ. فلَو عدَّهُم العادُّ بأسمائِهِم واحدًا واحِدًا أنَّهم كانُوا يَرَونَ الثَّلاثَ واحدةً إمَّا بفتوى وإمَّا بإقرارٍ عليها، ولو فُرِضَ مِنهُم مَنْ لم يكنْ يَرى ذلكَ فإنَّهُ لم يكنْ مُنكِرًا للفَتوى بهِ؛ بلْ كانُوا ما بَينَ مُفتٍ ومُقرٍّ بفُتيا وساكتٍ غَيرِ مُنكِرٍ. وهذا حالُ كلِّ صحابيٍّ مِنْ عَهدِ الصِّديقِ إلى ثلاثِ سِنينَ مِنْ خِلافةِ عُمرَ، وهُم يَزيدُونَ على الألفِ قَطعًا؛ كما ذكَرَ يُونسُ بنُ بُكيرٍ عن أبي إسحاقَ. فكُلُّ صحابيٍّ كانَ على أنَّ الثَّلاثَ واحدةٌ بفَتوى أو إقرارٍ أو سُكوتٍ. ولقَدِ ادَّعى بعضُ أهلِ العِلمِ أنَّ هذا إجماعٌ قديمٌ، ولم تُجمعِ الأمَّةُ -وللهِ الحَمدُ- على خِلافِه، بلْ لم يَزَلْ فيهم مَنْ يُفتي بهِ قَرنًا بعْدَ قَرنٍ وإلى يَومِنا هذا. فأفتَى بهِ حَبْرُ الأمَّةِ وتُرجمانُ القُرآنِ عَبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ، كما رَواهُ حمَّادُ بنُ زَيدٍ عن أيُّوبَ عن عِكرمةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ: إذا قالَ: أنْتِ طالِقٌ ثلاثًا بفَمٍ واحدٍ فهي واحدةٌ. وأفتَى بأنَّها واحدةٌ الزُّبيرُ بنُ العَوَّامِ وعبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ، حكاهُ عَنهُما ابنُ وضَّاحٍ. وأمَّا التَّابعونَ: فأفتَى بهِ عِكرمةُ وطاوسٌ. وأمَّا تَابِعُو التَّابعِينَ: فأفتَى بهِ مُحمَّدُ بنُ إسحاقَ وخلاسُ بنُ عَمرٍو والحارِثُ العكليُّ. وأمَّا أتباعُ تابِعي التَّابِعينَ: فأفتَى بهِ داودُ بنُ عليٍّ وأكثرُ أصحابِه، وأفتَى بهِ بَعضُ أصحابِ مالكٍ، وأفتَى بهِ بعضُ الحنفيَّةِ، وأفتَى بهِ بعضُ أصحابِ أحمدَ. والمَقصودُ: أنَّ هذا القولَ قدْ دلَّ عليهِ الكتابُ والسُّنةُ والقياسُ و«الإجماع» القَديمُ، ولَم يأتِ بعْدَه إجماعٌ يُبطِلُه، ولكنْ رأَى أميرُ المُؤمنِينَ عمَرُ ﵁ أنَّ النَّاسَ استَهانُوا بأمرِ الطَّلاقِ، وكَثُرَ منهم إيقاعُهُ جُملةً واحدةً، فرَأى مِنَ المصلحةِ عُقوبتَهم بإمضائِهِ عليهِم، فرَأى عُمرُ أنَّ هذَا مَصلحةٌ لهُم في زَمانِه. والَّذي نَدِينُ اللهَ تعالى بهِ ولا يَسَعُنا غيرُه وهوَ القَصدُ في هذا البابِ: أنَّ الحديثَ إذا =
[ ١٧ / ١٧٧ ]