اختَلفَ الفُقهاءُ في الرَّجلِ يُعلِّقُ طلاقَ زَوجَتِه على فِعلِ شيءٍ فيَفعلُه ناسِيًا، كأنْ يَحلِفَ الرَّجلُ بطَلاقِ امرَأتِه أنْ لا يَدخُلَ دارَ فُلانٍ أو لا يأكُلَ مِنْ طَعامِه أو لا يُكلِّمَ فُلانًا ونَحوهُ ثمَّ نَسِيَ فدخَلَ دارَه أو يَفعَلَ غيرَه ناسِيًا، هلْ يقَعُ الطَّلاقُ أم لا؟
فذهَبَ الحنفيَّةُ والمالكيَّةُ والشَّافعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في المذهَبِ إلى أنَّ العمدَ والنِّسيانَ سَواءٌ في الطَّلاقِ، فمَن علَّقَ طَلاقَ امرَأتِه على فِعلِ شيءٍ ففعَلَه ناسِيًا لَزِمَه الطَّلاقُ؛ لأنَّه فعَلَ ما حلَفَ عليهِ قاصِدًا لفِعلِه، فلَزمَه الطَّلاقُ كالذَّاكِرِ.
_________________
(١) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٥٨٠).
(٢) «شرح مختصر الروضة» (١/ ١٩٠).
[ ١٧ / ٣٥٢ ]
ولأنَّ الحَلِفَ بالطَّلاقِ مِنْ بابِ التَّعليقِ على الشَّرطِ، فإذا وُجِدَ الشَّرطُ وُجِدَ المَشروطُ، سَواءٌ كانَ مُختارًا لوُجودِه أو لم يَكنْ، كما لو قالَ: «إنْ قَدِمَ زَيدٌ فأنتِ طالِقٌ».
ولأنَّ هذا يَتعلَّقُ بهِ حَقُّ آدميٍّ، فتَعلَّقَ الحُكمُ بهِ معَ النِّسيانِ كالإتلافِ، ولأنهُ حُكمٌ عُلِّقَ على شَرطٍ، فيُوجَدُ بوجدانِ شَرطِه.
قالَ الإمامُ السُّغْدِيُّ الحنفِيُّ ﵀: وأمَّا طلاقُ النَّاسِي فليسَ بطَلاقٍ عندَ الشَّعبيِّ وعَطاءٍ وأبي عَبدِ اللهِ، وهوَ أنْ يَحلِفَ الرَّجلُ بطَلاقِ امرَأتِه أنْ لا يَدخُلَ دارَ فُلانٍ أو لا يَأكلَ مِنْ طَعامِه أو لا يُكلِّمَ فُلانًا ونَحوه ثمَّ نَسِيَ فدخَلَ دارَهُ؛ فإنَّه لا يَحنَثُ ولا تَطلُقُ امرَأتُه، وفي قَولِ أبي حَنيفةَ وأصحابِه يَحنَثُ وتَطلُقُ امرَأتُه (^١).
وقالَ ابنُ نُجيمٍ ﵀: فلَو طلَّقَ غافِلًا أو ساهِيًا أو مُخطِئًا وقَعَ (^٢).
_________________
(١) «فتاوى السغدي» (١/ ٣٤٨)، و«الهداية» (٢/ ٧٢)، و«شرح فتح القدير» (٥/ ٦٤، ٦٥)، و«تبيين الحقائق» (٣/ ١٠٩)، و«البحر الرائق» (٤/ ٣٠٤)، و«الأشباه والنظائر» ص (٢٤)، و«حاشية ابن عابدين» (٣/ ٢٤١، ٢٤٢)، و«شرح صحيح البخاري» (٦/ ١٢٦)، و(٧/ ٤١٥، ٤١٦)، و«شرح السنة» للبغوي (٩/ ٢٢١)، و«شرح مختصر خليل» (٣/ ٧٠، ٧١)، و«تحبير المختصر» (٢/ ٣٨٥)، و«أسنى المطالب» (٣/ ٣٣٠)، و«المغني» (٩/ ٣٩١، ٤٢٠)، و«إعلام الموقعين» (٤/ ٨٦، ٨٧)، و«الفروع» (٦/ ٣٤٧)، و«المبدع» (٧/ ٣٦٩، ٣٧٠)، و«شرح الزركشي» (٣/ ٣١٨)، و«الإنصاف» (٩/ ١١٤، ١١٦)، و«كشاف القناع» (٥/ ٣٦٣، ٣٦٤)، و«الروض المربع» (٢/ ٤٠٥، ٤٠٦).
(٢) «الأشباه والنظائر» ص (٢٤).
[ ١٧ / ٣٥٣ ]
إلَّا أنَّ الإمامَينِ الحَصكَفيَّ وابنَ عابدِينَ -رحمهما الله- يَرَونَ أنَّ طلاقَهُ يقَعُ قَضاءً لا دِيانةً، فيُدَيَّنُ فيما بَينَه وبيْنَ اللهِ تعالَى، وإنْ كانَ الحَنفيَّةُ كالسُّغدِيِّ وابنِ نُجيمٍ وغَيرِهما أطلَقُوا وقالُوا يَقعُ، ولَم يُفرِّقُوا بيْنَ القَضاءِ والدِّيانةِ.
قالَ الحَصكَفيُّ في «الدُّر المُختَار»: (أو مُخطِئًا) بأنْ أرادَ التَّكلُّمَ بغَيرِ الطَّلاقِ فجرَى على لسانِه الطَّلاقُ، أو تَلفَّظَ بهِ غيرَ عالِمٍ بمِعناهُ، أو غافِلًا أو ساهِيًا أو بألفاظٍ مُصحَّفَةٍ، يَقعُ قَضاءً فقَطْ.
قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: قولُهُ: (أو غافِلًا أو ساهِيًا) في «المِصباح»: الغَفلَةُ: غَيبةُ الشَّيءِ عَنْ بالِ الإنسانِ وعَدمُ تَذكُّرِه لهُ.
وفيهِ أيضًا: سهَا عَنِ الشَّيءِ يَسهُو، غفَلَ قلبُه عنهُ حتَّى زالَ عنهُ فلَم يَتذكَّرْهُ.
وفرَّقُوا بيْنَ السَّاهِي والنَّاسِي بأنَّ الناسِيَ إذا ذُكِّرَ تَذكَّرَ، والسَّاهِي بخِلافِه. اه.
فالظَّاهِرُ أنَّ المُرادَ هُنا بالغافِلِ النَّاسِي، بقَرينَةِ عَطفِ السَّاهِي عَليهِ، وصُورَتُه: أنْ يُعلِّقَ طلاقَها على دُخولِ الدَّارِ مَثلًا فدَخَلَها ناسِيًا التَّعليقَ أو ساهِيًا.
قَولُه: (أو بألفاظٍ مُصحَّفَةٍ) نحوُ: «طَلاغٍ وتَلاغٍ وطَلاكٍ وتَلاكٍ»، كما يَذكُرُه أوَّلُ البابِ الآتي.
قَولُه: (يقَعُ قَضاءً) مُتعلِّقٌ بالمُخطِئِ وما بعْدَهُ ح.
[ ١٧ / ٣٥٤ ]
لكنْ في وُقوعِه في السَّاهِي والغافِلِ على ما صَوَّرناهُ لا يَظهَرُ التَّقييدُ بالقَضاءِ؛ إذْ لا فرْقَ في مُباشَرةِ سَببِ الحِنثِ بيْنَ التَّعمُّدِ وغَيرِه.
تَنبيهٌ: في «الحاوِي الزَّاهديِّ»: ظَنَّ أنَّه وقَعَ الثَّلاثُ على امرَأتِه بإفتاءِ مَنْ لم يَكنْ أهلًا للفَتوَى، وكُلِّفَ الحاكِمُ كِتابتَها في الصَّكِّ فكُتبَتْ، ثمَّ استَفتَى ممَّن هوَ أقَلُّ للفَتوَى فأفتَى بأنَّه لا يَقعُ، والتَّطليقَاتُ الثَّلاثُ مَكتوبةٌ في الصَّكِّ بالظَّنِّ، فلَهُ أنْ يَعودَ إليها دِيانةً، ولكنْ لا يُصدَّقُ في الحُكمِ. اه (^١).
وذهَبَ الشَّافعيةُ في الأظهَرِ والحَنابلةُ في رِوايةٍ اختارَها شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ وابنُ القيِّمِ وابنُ مُفلِحٍ والمِرْداويُّ، وهو قَولُ عَطاءٍ وعَمرِو بنِ دِينارٍ والشَّعبيِّ إلى أنَّه لا يَقعُ طلاقُه؛ لقَولِه تعالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، وقَولِه تعالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، ولقَولِه ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَجاوَزَ عن أُمَّتي الخَطأَ والنِّسيانَ وما استُكرِهُوا عليهِ» (^٢). أي لا يُؤاخِذُهم بذلكَ، فيَعمُّ كلَّ حُكمٍ إلَّا ما قامَ الدَّليلُ على استِثنائِه كقِيَمِ المُتلَفَاتِ، ولأنَّ النَّاسيَ لا يُكلَّفُ حالَ نِسيانِه، فلا يَلزَمُه الحِنثُ كالحَلِفِ باللهِ تعالَى، ولأنه غَيرُ قاصِدٍ للمُخالَفةِ، فلَم يَحنَثْ كالنَّائمِ والمَجنونِ.
ولأنَّه أحَدُ طَرفي اليَمينِ، فاعتُبِرَ فيهِ القَصدُ كحالَةِ الابتِداءِ بها.
_________________
(١) «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٢٤١، ٢٤٢).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن ماجه (٢٠٤٣).
[ ١٧ / ٣٥٥ ]
ولقَولِه ﷺ: «إنَّما الأعمالُ بالنِّياتِ»، والنَّاسي لا نيَّةَ لهُ.
ولأنَّ المُكرَهَ على الطَّلاقِ لا يقَعُ طَلاقُه، فكذا المُكرَهُ على الصِّفةِ، ولا فرْقَ بيْنَ الحَلِفِ باللهِ تعالَى وبالطَّلاقِ (^١).
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: إذا حلَفَ لا يَفعَلُ شَيئًا ففعَلَه ناسِيًا ليَمينِه أو جاهِلًا بأنهُ المَحلوفُ عليهِ فلِلعُلماءِ فيهِ ثلاثةُ أقوالٍ:
(أحَدُها): لا يَحنَثُ بحالٍ في جَميعِ الأيمانِ، وهذا مَذهَبُ المَكِّيِّينَ كعَطاءٍ وابنِ أبي نَجِيحٍ وعَمرِو بنِ دِينارٍ وغَيرِهم، ومَذهبُ إسحاقَ ابنِ راهوَيهِ، وهوَ أحدُ قَولي الشَّافعيِّ بل أظهَرُهما، وهو إحدى الرَّوايتَينِ عَنْ أحمَدَ.
ونَظرتُ جَوابَه في هذهِ الرِّوايةِ فوَجدْتُ النَّاقلِينَ لهُ بقَدرِ النَّاقلِينَ لجَوابِه في الرِّوايةِ الثَّانيةِ الَّتي اختارَها الخَلَّالُ صاحِبُه والخِرقيُّ والقاضِي وغَيرُهم مِنْ أصحابِهِ، وهو الفرْقُ بيْنَ اليَمينِ المُكفّرَةِ كاليمين باللهِ تعالَى
_________________
(١) «شرح صحيح البخاري» (٦/ ١٢٦)، و(٧/ ٤١٥، ٤١٦)، و«شرح السنة» للبغوي (٩/ ٢٢١)، و«روضة الطالبين» (٥/ ٥٠١، ٥٠٢)، و«النجم الوهاج» (٧/ ٥٧٩، ٥٨٠)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٤٦٩)، و(٤/ ٥٢٦)، و«تحفة المحتاج» (٩/ ٥٤١، ٥٥٣)، «الديباج» (٣/ ٤٦٨، ٤٦٩)، و«أسنى المطالب» (٣/ ٣٣٠)، و«المغني» (٩/ ٣٩١، ٤٢٠)، و«إعلام الموقعين» (٤/ ٨٦، ٨٧)، و«الفروع» (٦/ ٣٤٧)، والمبدع (٧/ ٣٦٩، ٣٧٠)، و«شرح الزركشي» (٣/ ٣١٨)، و«الإنصاف» (٩/ ١١٤، ١١٦)، و«كشاف القناع» (٥/ ٣٦٣، ٣٦٤)، و«الروض المربع» (٢/ ٤٠٥، ٤٠٦)، و«فتح الباري» (٩/ ٣٩٠).
[ ١٧ / ٣٥٦ ]
والظِّهارِ والحَرامِ، واليَمينِ الَّتي لا تُكفّرُ على مَنصوصِه وهي اليَمينُ بالطَّلاقِ والعِتاقِ.
و(القَولُ الثَّالثُ): أنهُ يَحنَثُ في جَميعِ الأيمانِ، وهوَ مَذهبُ أبي حَنيفةَ ومالكٍ وأحمَدَ في الرِّوايةِ الثَّالثةِ عنهُ.
والقَولُ الأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ الحَضَّ والمَنعَ في اليَمينِ بمَنزلةِ الطَّاعةِ والمَعصيةِ في الأمرِ والنَّهيِ، فإنَّ الحالِفَ على نَفسِه أو عَبدِه أو قَرابتِه أو صَديقِه الَّذي يَعتقِدُ أنَّه يُطيعُه هو طالِبٌ لِمَا حلَفَ على فِعلِه مانِعٌ لِمَا حلَفَ على تَركِه، وقدْ وَكَّدَ طلَبَه ومَنْعَه باليَمينِ، فهو بمَنزلةِ الأمرِ والنَّهيِ المُؤكَّدِ، وقدِ استَقرَّ بدَلالةِ الكِتابِ والسُّنةِ أنَّ مَنْ فعَلَ المَنهيَّ عنهُ ناسِيًا أو مُخطِئًا فلا إثمَ عليهِ، ولا يَكونُ عاصِيًا مُخالِفًا، فكذلكَ مَنْ فعَلَ المَحلُوفَ ناسِيًا أو مُخطِئًا فإنَّه لا يَكونُ حانِثًا مُخالِفًا ليَمينِه، ويَدخُلُ في ذلكَ مَنْ فعَلَه مُتأوِّلًا أو مُقلِّدًا لِمَنْ أفتاهُ، أو مُقلِّدًا لعالِمٍ مَيِّتٍ أو مُجتهِدًا مُصيبًا أو مُخطِئًا، فحَيثُ لم يَتعمَّدِ المُخالَفةَ ولكنِ اعتَقدَ أنَّ هذا الَّذي فعَلَه ليسَ فيهِ مُخالَفةٌ لليَمينِ فإنَّه لا يكونُ حانِثًا (^١).
قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرَةَ ﵀: واختَلفُوا فيمَا إذا فعَلَ المَحلُوفَ عليهِ ناسِيًا وكانَ اليَمينُ أنْ لا يَفعَلَه مُطلَقًا مِنْ غَيرِ تَقييدٍ، فقالَ مالِكٌ وأبو حَنيفةَ: يَحنَثُ بإطلاقِهِ، سَواءٌ كانَتِ اليَمينُ باللهِ أو بالظِّهارِ أو بالطَّلاقِ أو بالعِتاقِ.
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٢٠٨، ٢١٠).
[ ١٧ / ٣٥٧ ]
وقالَ الشَّافعيُّ في إحدَى قَولَيهِ: لا يَحنَثُ، وهوَ أظهَرُهما، واختارَ القَفَّالُ أنَّ الطَّلاقَ يقَعُ والحِنْثُ لا يَحصُلُ.
وعَن أحمَدَ رِوايتانِ: إحدَاهُما: إنْ كانَتِ اليَمينُ باللهِ أو بالظَّهارِ أنْ لا يَفعَلَ شَيئًا ففعَلَه ناسِيًا لم يَحنَثْ، وإنْ كانَ بالطَّلاقِ والعِتاقِ حنَثَ، والرِّوايةُ الثَّانيةُ: أنَّه يَحنَثُ في الجَميعِ، والرِّوايةُ الثَّالثةُ: لا يَحنَثُ في الجَميعِ (^١).