اختَلفَ الفُقهاءُ هل الأصلُ في الطَّلاقِ الإباحَةُ فيُباحُ الطَّلاقُ بِدونِ سَببٍ؟ أم الأصلُ فيهِ عَدمُ الإباحَةِ ولا يَكونُ مُباحًا إلَّا إذا كانَ هُناكَ سَببٌ؟
فقَالَ الحَنفيَّةُ: يُباحُ الطَّلاقُ لِلحاجَةِ؛ لِإطلاقِ الآياتِ، ومَتى وقَعَ الطَّلاقُ لِغَيرِ حاجَةٍ فهوَ مُباحٌ مَبغُوضٌ؛ لِحدَيثِ: «أَبْغَضُ الحَلالِ إِلى اللهِ الطَّلاقُ» (^١)، ولأنَّهُ قاطِعٌ لِلمَصالِحِ، وإنَّما أُبيحَتِ الواحِدَةُ لِلحاجَةِ وهوَ الخَلاصُ (^٢).
وقالَ الكَمالُ ابنُ الهُمامِ ﵀: الأَصحُّ حَظرُه -أي مَنْعُهُ- إلَّا لِحاجَةٍ كَرِيبَةٍ وكِبَرٍ، قالَ الحَصكَفيُّ: والمَذهبُ الأوَّلُ.
قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: وقَولُهم: «الأَصلُ فيهِ الحَظرُ» مَعناهُ أنَّ الشَّارعَ ترَكَ هذا الأَصلَ فأباحَهُ (^٣).
_________________
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٢١٧٨)، وابن ماجه (٢٠١٨)، والحاكم (٢/ ٢١٤).
(٢) «الاختيار» (٣/ ١٥١).
(٣) «حاشية ابن عابدين على الدر المختار» (٣/ ٢٢٧).
[ ١٧ / ١١ ]
وقالَ المالكيَّةُ: الأصلُ في الطَّلاقِ أنَّه جائِزٌ وإنْ كانَ خِلافَ الأَولَى، فالأَولَى عَدمُ ارتِكابِه؛ لِمَا فيهِ مِنْ قَطعِ الأُلفَةِ، إلَّا لِعارضٍ؛ لِحَديثِ: «أَبغَضُ الحَلالِ إِلى اللهِ الطَّلاقُ» (^١).
قالَ الصَّاوِي ﵀: اعلَمْ أنَّهُ استَشكَلَ هَذا الحَديثُ بَأنَّ المُباحَ ما استَوَى طرَفاهُ، ولَيسَ مِنهُ مَبغُوضٌ ولا أَشَدُّ مَبغُوضيَّةً، والحَديثُ يَقتَضي ذلكَ؛ لأنَّ «أَفْعَلَ» التَّفضيلِ بَعضُ ما يُضافُ إلَيهِ.
وأُجِيبَ بأنَ المَعنَى «أقربُ الحَلالِ لِلبُغضِ الطَّلاقُ»، فالمُباحُ لا يُبغَضُ بالفِعلِ، لكنْ قد يُقَرِّبُ لهُ إذا خالَفَ الأَولَى، والطَّلاقُ مِنْ أشدِّ أفرادِ خِلافِ الأَولَى، وهَذا ما أشارَ لهُ الشَّارحُ بقَولِه: وإنْ كانَ حلالًا، إلَّا أنَّ الأَولَى عَدَمُ ارتِكابِه.
وأُجِيبَ بجَوابٍ آخَرَ بأنَّه لَيسَ المُرادُ بالحَلالِ ما استَوى طَرَفاهُ، بلْ لَيسَ بحَرامٍ، فَيَصدُقُ بالمَكرُوهِ وخِلافِ الأَولَى، فخَلافُ الأَولَى مَبغُوضٌ، والمَكرُوهُ أشدُّ مَبغوضيِّةً، ولَيسَ المُرادُ بالبُغضِ ما يَقتَضِي التَّحريمَ، بلِ المُرادُ كَونُه لَيسَ مَرغوبًا فيهِ؛ لأنَّ فيهِ اللَّومَ، ويَكونُ التَّعبيرُ بالأبغضيَّةِ قَصْدَ التَّنفيرِ، وأنتَ خَبيرٌ بأنَّ الجَوابَ الثَّاني مَبنِيٌّ عَلى أنَّ حُكمَ الطَّلاقِ الأصلَيَّ الكَراهةُ، لا عَلى أنَّه خِلافُ الأَولَى الَّذي مَشَى عَليهِ الشَّارحُ، فالأَظهرُ الجَوابُ الأوَّلُ، وأمَّا حَمْلُهُ على سَببِ الطَّلاقِ مِنْ سُوءِ العِشرةِ فَفيهِ أنَّ
_________________
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٢١٧٨)، وابن ماجه (٢٠١٨)، والحاكم (٢/ ٢١٤).
[ ١٧ / ١٢ ]
هذا ليسَ مِنْ الحَلالِ، و«أَفْعَلُ» التَّفضيلِ بَعضُ ما يُضافُ إلَيهِ (^١).
وقالَ ابنُ عَبدِ البرِّ ﵀: قَولُ النَّبيِّ في الحَديثِ: «ثمَّ إنْ شاءَ طلَّقَ وَإنْ شاءَ أمْسَكَ» وهَذا غَايةٌ في الإباحَةِ، والقُرآنُ ورَدَ بإباحَةِ الطَّلاقِ، وطَلَّقَ رَسولُ اللهِ ﷺ بَعضَ نِسائِه، وهوَ أمْرٌ لا خِلافَ فيهِ (^٢).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: الطَّلاقُ هوَ حَلُّ العِصمةِ المُنعَقِدةِ بيْنَ الأزواجِ بألفَاظٍ مَخصُوصةٍ، والطَّلاقُ مُباحٌ بهذهِ الآيَةِ وبغَيرِها، وبقَولِه ﵇ في حَديثِ ابنِ عُمرَ: «فإنَّ شاءَ أمسَكَ وإنْ شاءَ طلَّقَ»، «وقدْ طلَّقَ رَسولُ اللهِ ﷺ حَفصةَ ثمَّ راجَعَها» خرَّجهُ ابنُ ماجَه، وأَجمعَ العُلماءُ على أنَّ مَنْ طَلَّقَ امرأتَه طاهِرًا في طُهْرٍ لَم يمسَّها فيهِ أنَّه مُطلِّقٌ للسُّنَّةِ وللعِدَّةِ الَّتي أمَرَ اللهُ تعالَى بها، وأنَّ له الرَّجعةَ إذا كانَتْ مَدخُولًا بها قبْلَ أنْ تَنقضِيَ عِدَّتُها، فإذا انقضَتْ فهوَ خاطِبٌ مِنْ الخُطَّابِ، فَدلَّ الكتابُ والسُّنَّةُ وإجماعُ الأمَّةِ على أنَّ الطَّلاقَ مُباحٌ غيرُ مَحظُورٍ، قالَ ابنُ المُنذِرِ: وليسَ في المنْعِ مِنهُ خبَرٌ يَثبُتُ (^٣).
وقالَ الحنابِلةُ: يُباحُ الطَّلاقُ عِنْدَ الحاجَةِ إليهِ لِسُوءِ خُلُقِ المرأةِ وسُوءِ
_________________
(١) «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٥/ ٢٨٠، ٢٨٢)، و«الشرح الكبير» (٣/ ٢٣٩).
(٢) «التمهيد» (١٥/ ١٧).
(٣) «تفسير القرطبي» (٣/ ١٢٦).
[ ١٧ / ١٣ ]
عِشرَتها، وكَذا يُباحُ للتَّضرُّرِ بها مِنْ غَيرِ حُصولِ الغرَضِ بها، فيباحُ له دَفعُ الضَّررِ عَنْ نفْسِه (^١).