قالَ الحَنفيَّةُ: يُستحَبُّ الطَّلاقُ لِمُؤذيَةٍ لهُ أو لغَيرِه بقَولِها أو بفِعلِها، وكذا إذا كانَتْ تارِكةً صَلاةً أو تارِكةً فَرائضَ غيْرَ الصَّلاةِ، وعَنِ ابنِ مَسعُودٍ: «لَأنْ ألقَى اللهَ تعالَى وصَداقُها بذمَّتي خَيرٌ مِنْ أنْ أُعاشِرَ امرأةً لا تُصلِّي».
ولهُ أنْ يَضرِبَها عَلى ترْكِ الصَّلاةِ، ولا إثْمَ عَليهِ بمُعاشَرة مَنْ لا تُصلِّي (^٢).
وقالَ المالِكيةُ: يُندَبُ الطَّلاقُ لِعارِضٍ، كما لَو كانَتْ بَذِيَّةَ اللِّسانِ يخافُ مِنها الوقُوع في الحَرامِ لَوِ استَمرَّتْ عِندَهُ، كأنْ يَضرِبَها ضَربًا مُبَرِّحًا أو يَسُبَّها ويُسَبَّ وَالِدَيها، أو كانَتْ قَليلةَ الحَياءِ تَتبَرَّجُ إلى الرِّجالِ، وأكثرُهنَّ يَسبُّ أمَّ الزَّوجِ إذا كانَتْ عِنْدَ ابنِهَا وغَيرِ ذلكَ (^٣).
وقالَ الشَّافعيةُ: يُستَحبُّ الطَّلاقُ بأنْ تقَعَ الخُصومَةُ بيْنَ الزَّوجَينِ وخافَا أنْ لا يُقيمَا حُدودَ اللهِ، فيُستَحبُّ لهُ أنْ يُطلِّقَها؛ لأنَّهُ إذا لَم يُطلِّقْها .. ربُّما أدَّى إلى الشِّقاقِ.
_________________
(١) «المغني» (٧/ ٢٧٧)، و«شرح الزركشي» (٢/ ٤٥٨)، و«كشاف القناع» (٥/ ٢٦٦)، و«شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٣٦٣)، و«منار السبيل» (٣/ ٨١).
(٢) «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٢٢٩).
(٣) «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٣/ ٢٣٩)، و«حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٥/ ٢٨٠).
[ ١٧ / ١٤ ]
أو تَكونَ المَرأةُ غيْرَ عَفيفَةٍ فيُستَحبُّ لهُ أنْ يُطلِّقَها؛ لِمَا رَوى جابِرٌ ﵁: أنَّ رَجلًا قالَ: يَا رَسولَ اللهِ إنَّ امرَأتي لا تَرُدُّ يَدَ لامِسٍ، فقالَ: «طَلِّقْهَا»، فقالَ: إِني أحبُّها، قالَ: «أَمْسِكْها» (^١)، أو يَكونَ حالُ المَرأةُ غيْرَ مُستَقيمٍ كسيِّئَةِ الخُلُقِ (^٢).
وقالَ الحَنابلةُ: يُستَحبُّ طَلاقُ الزَّوجَةِ عِنْدَ تَفرِيطِها في حُقوقِ اللهِ تعالَى الواجِبَةِ عَليها مِثلِ الصَّلاةِ ونَحوِها ولا يُمكِنُه إجبَارُهَا عَليها.
وإذا ترَكَ الزَّوجُ حقًّا للهِ تَعالَى فالمَرأةُ في ذلكَ مِثلُه، فيُستَحبُّ لها أنْ تَتخلَّصَ منهُ بالخُلعِ ونَحوِه؛ لتَركِه حُقوقَ اللهِ تعالَى.
وعَن الإمامِ أحمَدَ أنَّه يَجِبُ الطَّلاقُ لأنَّهُ قالَ: أخشَى أنْ لا يَحِلَّ لهُ المقامُ مع امرَأةٍ لا تُصلِّي.
وكَذا يُستَحبُّ الطَّلاقُ في الحالِ الَّتي تَحُوجُ المَرأةَ عَلى المُخالَفةِ في شِقاقٍ وغَيرِه لِيُزيلَ الضَّررَ.
ويُستَحبُّ الطَّلاقُ أيضًا لِتَضرُّرِها ببَقاءِ النِّكاحِ لِبُغضِه أو غَيرِه.
وكَذا يُستَحبُّ طلاقُها إذا كانَتْ غيْرَ عَفيفَةٍ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ؛ لأنَّ في إمساكِها نقْصًا لدِينِه ودَناءَةً، وربُّما أَفسدَتْ عَليهِ فِراشَهُ فتُلحقَ بهِ وَلدًا مِنْ غَيرِه.
وعَنهُ: يَجِبُ الطَّلاقُ هُنا؛ قالَ: لا يَنبَغِي لهُ إمسَاكُ غَيرِ عَفيفَةِ.
_________________
(١) صحيح الإسناد: رواه النسائي (٣٤٦٥)، والبيهقي في «الكبرى» (٥٣٣٩، ٥٦٥٩).
(٢) «البيان» (١٠/ ٧٧)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٤٩٨).
[ ١٧ / ١٥ ]
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وإذا كانَتِ المَرأةُ تَزنِي لَم يَكنْ لهُ أنْ يُمسِكَها عَلى تِلكَ الحالِ، بلْ يُفارِقُها وإلَّا كان ديوثًا (^١).
ولا بَأسَ بعَضْلِها في هَذا الحالِ والتَّضييقِ عَليها لِتفتَديَ منهُ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ والزِّنَا لا يَفسخُ نِكاحَها، لَكنْ يَستبْرِئُها إذا أمسَكَها بالعِدَّةِ (^٢).