ذكَرَ الفُقهاءُ عدَّةَ حالاتٍ يَحرُمُ الطَّلاقُ فيها، وهِيَ:
الحالةُ الأُولَى: الطَّلاقُ في الحَيضِ أو في طُهْرٍ جامَعَها فيهِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ عَلى أنَّ طَلاقَ المَرأةِ المَدخُولِ بها في الحَيضِ أو في الطُّهرِ الَّذي جامَعَها فيهِ قبْلَ أنْ يَتبيَّنَ حَمْلُها حَرامٌ، ويُسمَّى طَلاقَ البِدعَةِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ [الطلاق: ١]. أمَرَ اللهُ ﷾ الرِّجالَ إذا أرادُوا تَطلِيقَ نِسائِهمْ أنْ يُطلِّقوهنَّ طاهِراتٍ مِنْ غَيرِ جِماعٍ، وأنْ يُطلِّقوهنَّ في حالِ استِقبالِ عِدَّتِهنَّ، ولا يُتصَوَّرُ ذلكَ إلَّا بعْدَ الطُّهر مِنَ الدَّمِ، سَواءٌ في الحَيضِ
_________________
(١) «الاختيار» (٣/ ١٥١)، و«حاشية ابن عابدين على الدر المختار» (٣/ ٢٢٧).
(٢) «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٥/ ٢٨٠، ٢٨٢)، و«الشرح الكبير» (٣/ ٢٣٩).
(٣) «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٥/ ٢٨٢).
[ ١٧ / ١٩ ]
أو في النِّفاسِ، ومَن خالَفَ ذلكَ فليسَ بمُتَّقٍ للهِ (^١).
وعَن نافِعٍ عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄ أنَّهُ طلَّقَ امرأتَهُ وهِيَ حائِضٌ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ، فسَألَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ رسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذلكَ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «مُرْهُ فلْيُراجِعْها ثمَّ لِيُمسِكْها حتَّى تطْهُرَ ثمَّ تَحيضَ ثمَّ تطْهُرَ، ثمَّ إنْ شاءَ أمْسَكَ بعْدُ وإنْ شاءَ طلَّقَ قبْلَ أنْ يمَسَّ، فتِلكَ العِدَّةُ التي أمَرَ اللهُ أنْ تُطلَّقَ لها النِّساءُ» (^٢).
وفي رِوايَةِ سالِمٍ أنَّ عَبدَ اللهِ بنَ عُمرَ ﵄ أخبَرَه أنَّهُ طلَّقَ امرَأتَهُ وهِيَ حائِضٌ، فذكَرَ عُمرُ لِرسُولِ الله ﷺ، فتَغَيَّظَ فيهِ رَسولُ اللهِ ﷺ ثمَّ قالَ: «لِيُراجِعْها ثمَّ يُمسِكْها حتَّى تَطهُرَ ثمَّ تَحيضَ فتَطهُرَ، فإِنْ بدَا له أنْ يُطلِّقَها فلْيُطَلِّقْها طاهِرًا قبْلَ أنْ يمَسَّها، فتلكَ العِدَّةُ كما أمرَهُ اللهُ» (^٣).
وإنَّما تَغيَّظَ عَليهِ ﷺ مِنْ فِعْلِ مُحَرَّمٍ (^٤).
وقَد نقَلَ عَددٌ كبيرٌ مِنْ العُلماءِ الإجماعَ عَلى حُرمَةِ الطَّلاقِ في الحَيضِ أو في الطُّهرِ الَّذي جامَعَها فيهِ.
_________________
(١) «أحكام القرآن» لابن العربي (٤/ ٢٤٩)، و«مطالب أولي النهى» (٥/ ٣٣١).
(٢) رواه البخاري (٤٩٥٣)، ومسلم (١٤٧١).
(٣) رواه البخاري (٤٦٢٥)، ومسلم (١٤٧١).
(٤) «طرح التثريب» (٧/ ٨٢).
[ ١٧ / ٢٠ ]
قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: طَلاقُ البِدعَةِ في حَيضٍ أو في طُهرٍ مُجامَعٍ فيهِ، فهوَ مَحظورٌ مُحرَّمٌ بوِفاقٍ (^١).
وقالَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ ﵀: وأمَّا المَحظُورُ فالطَّلاقُ في الحَيضِ أو في طُهرٍ جامَعَها فيهِ، أجمَعَ العُلماءُ في جَميعِ الأمصَارِ وكُلِّ الأَعْصارِ عَلى تَحريمِهِ، ويُسمَّى طَلاقَ البدعَةِ؛ لأنَّ المُطَلِّقَ خالَفَ السُّنَّةَ وترَكَ أمْرَ اللهِ تعالَى ورَسولِه (^٢).
وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبَيرةَ ﵀: واتَّفقُوا عَلى أنَّ الطَّلاقَ في الحَيضِ لِمَدخُولٍ بها والطُّهرِ المُجامَعِ فيهِ مُحرَّمٌ، إلَّا أنَّه يقَعُ (^٣).
وعامَّةُ العُلماءِ عَلى أنَّ حُكمَ النُّفساءِ حُكمُ الحائِضِ في هَذا، وأنَّه مُحرَّمٌ بِدعيٌّ.
قالَ الإمامُ ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ ﵀: لا خِلافَ بيْنَ الأُمَّةِ في أنَّ حُكمَ النُّفَسَاءِ في هذا حُكمُ الحائِضِ (^٤).
وقالَ الإمامُانِ ابنُ حَجرٍ والرَّملِيُّ: ويَحرُمُ البدعيُّ، وهوَ طلاقُها في حَيضٍ أو نِفاسٍ، مَمسُوسَةً -أي: مَوطُوءَةً- وقد عَلِمَ ذلكَ إجماعًا (^٥).
_________________
(١) «الحاوي الكبير» (١٠/ ١١٥).
(٢) «المغني» (٧/ ٢٧٧).
(٣) «الإفصاح» (٢/ ١٦٧)، و«جواهر العقود» (٢/ ١٠٣).
(٤) «عارضة الأحوذي» (٥/ ٣٦).
(٥) «تحفة المحتاج» (٩/ ٤٦٢، ٤٦٣)، و«نهاية المحتاج» (٧/ ٣)
[ ١٧ / ٢١ ]
وسَيأتي بَيانُ ذلكَ في قِسمِ الطَّلاق السُّنيِّ والبِدعيِّ إنْ شاءَ اللهُ تعالَى.
الحالةُ الثَّانيَةُ: قالَ المالِكيَّةُ: قَدْ يَحْرُمُ الطَّلاقُ لَو عَلِمَ أنَّه إنْ طلَّقَها وقَعَ في الحَرامِ كالزِّنا ولا قُدرةَ له على زَواجِ غَيرِها (^١).