اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أوقَعَ الطَّلاقَ على زَوجةٍ مُعيَّنةٍ مِنْ زَوجتَينِ فأكثَرَ ثمَّ شَكَّ في المُوقعِ عليها أَهندُ هيَ أم غَيرُها؟ أو حلَفَ بطَلاقِ واحِدةٍ فحنَثَ ولم يَدرِ مَنْ هيَ مِنهُما أو مِنهنَّ.
فذهَبَ الحنفيَّةُ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا كانَ لهُ أربَعُ نِسوةٍ فطلَّقَ مِنهنَّ واحِدةً بعَينِها ثمَّ نَسِيَها فلم يَعرِفْها فليسَ لهُ أنْ يَقرَبَ مِنهنَّ شَيئًا بتَحرٍّ حتَّى يَعلمَ المُطلَّقةَ بعَينِها مِنْ غَيرِها، وكذلكَ إنْ متنَ كُلُّهنَّ إلَّا واحِدةً لم يَسعْهُ أنْ
_________________
(١) «مواهب الجليل» (٥/ ٣١٦).
(٢) «المغني» (٧/ ٣٧٩)، و«شرح الزركشي» (٢/ ٤٨٢)، و«المبدع» (٧/ ٣٨١).
[ ١٧ / ٤٠٢ ]
يقرَبَها حتَّى يَعلمَ أنَّها غَيرُ المُطلَّقةِ، وكذلكَ يَنبغي للقاضي إذا رفعَتْ إليهِ أن يَمنَعَه منها حتَّى يُبيِّنَ فيُخبِرَ أنَّها غَيرُ المُطلَّقةِ، فإذا أخبَرَ بذلكَ استَحلَفَه البتَّةَ ما طَلَّقَ هذهِ بعَينِها ثلاثًا، ثمَّ خلَّى بيْنَهُ وبيْنَها، فإنْ كانَ حلَفَ وهوَ جاهِلٌ بما حلَفَ عليهِ فليسَ يَنبغي لهُ أنْ يَقرَبَها (^١).
وقالَ المالكيَّةُ: جَميعَ نِسائِه تطلقُ عَليهِ، فإذا قالَ: «إحداكُما طالِقٌ» أو امرَأتُه طالِقٌ ولهُ امرأتانَ، أو لزَوجاتِهِ: «إحداكُنَّ طالِقٌ» ولم يَنوِ مُعيَّنةً في الجَميعِ، أو نَوَى واحِدةً ونَسِيَها؛ طَلُقَتا أو طَلُقنَ على المَشهورِ عِنْدَ المالكيَّةِ، وليسَ لهُ أنْ يَختارَ واحِدةً مِنهنَّ، وهذا قَولُ المِصريِّينَ، وقالَ المَدَنيُّونَ: يُخيَّرُ فيمَنْ شاءَ مِنهُما، فيُوقِعُ الطَّلاقَ عليها كالعِتقِ.
ولا خِلافَ بيْنَهم أنهُ يُصدَّقُ فيما لو قالَ: نَويْتُ واحِدةً بعَينِها.
جاءَ في «المُدَوَّنة الكُبْرَى»: قُلتُ: أرأَيتَ لَو أنَّ رَجلًا قالَ: «إحدَى امرَأتَيَّ طالقٌ ثلاثًا» ولم يَنوِ واحِدةً منهُما بعَينِها، أَيكونُ لهُ أنْ يُوقِعَ الطَّلاقَ على أيتِهما شاءَ؟ (قالَ): قالَ مالكٌ: إذا لم يَنوِ حينَ تَكلَّمَ بالطَّلاقِ واحدةً بعَينِها طَلُقَتا عليهِ جَميعًا، وذلكَ أنَّ مالِكًا قالَ في رَجلٍ لهُ امرأتانِ أو أكثرُ مِنْ ذلكَ فقالَ: «امرأةٌ مِنْ نِسائِي طالِقٌ ثلاثًا إنْ فعلْتُ كذا وكذا» ففَعَلَه، (قالَ): إنْ كانَ نَوَى واحدةً مِنهنَّ بعَينِها حينَ حلَفَ طَلُقَتْ عليهِ، وإلَّا طُلِّقنَ جَميعًا
_________________
(١) «الأصل» للشيباني (٢/ ٢٢٤، ٢٢٥)، و«العناية» (٤/ ٣٤٣)، و«الأشباه والنظائر» ص (٦٧).
[ ١٧ / ٤٠٣ ]
بما حلَفَ بهِ، وإنْ كانَ نَوَى واحدةً مِنهنَّ بعَينِها فنَسيَها طُلِّقنَ عليهِ جَميعًا، (قلتُ): وما حجَّةُ مالكٍ في هذا؟ (قالَ): لأنَّ الطَّلاقَ ليسَ يُختارُ فيهِ في قولِ مالكٍ، (وقالَ ابنُ القاسِمٍ): حَدَّثني يَحيَى بنُ عبدِ اللهِ بنِ سالِمِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ بنِ الخطَّابِ أنَّ عُمرَ بنَ عَبدِ العزيزِ قَضَى بهِ في رَجلٍ مِنْ أهلِ الباديةِ كانَ يَسقي على ماءٍ لهُ فأقبَلَتْ ناقةٌ له فنظَرَ إليها مِنْ بَعيدٍ فقالَ: «امرأتُه طالقٌ البَتَّة -وله امرَأتانِ- إنْ لَم تكنْ فُلانة» لناقةٍ لهُ، فأقبلَتْ ناقةٌ غيرُ تلكَ النَّاقةِ، فقَدمَ الأعرابيُّ المَدينةَ فدخَلَ على أبي بكرِ بنِ مُحمدِ بنِ عَمرِو بنِ حَزمٍ، وهو عامِلٌ لعُمرَ بنِ عَبدِ العَزيزِ على المَدينةِ، وعُمرُ يَومئذٍ خَليفةٌ، فقَصَّ عليهِ قصَّتَه، فأشكَلَ عليهِ القَضاءُ فيها، فكتَبَ إلى عُمرَ في ذلكَ، فكتَبَ إليهِ عُمرُ: إنْ كانَ نَوَى واحدةً مِنهُما حينَ حلَفَ فهوَ ما نَوَى، وإلَّا طَلُقَتا جَميعًا عَليهِ.
(قلتُ): فإنْ قالَ: «إحداكُما طالقٌ» وقالَ: «قد نَويتُ هَذهِ بعَينِها» وعَليهِ بيَّنةٌ حين حلَفَ فيهما أيُصدَّقُ في قولِ مالكٍ؟ قالَ: نعَمْ، (قُلتُ): أرأَيتَ إنْ طلَّقَ إحدَى امرأتَيهِ ثلاثًا فنَسيَها، أيَلزَمُه الطَّلاقُ فيهما جَميعًا أم لا في قولِ مالكٍ؟ (قالَ): قالَ مالكٌ: يَلزمُه الطَّلاقُ فيهما جَميعًا، (قلتُ): فهل يُقالُ لهُ: طلِّقْ مِنْ ذي قَبلِ الَّتي لَم تُطلِّقْ؟ أو يقالُ لهُ: طَلِّقهُما جَميعًا مِنْ ذي قبلُ؟ (قالَ): ما سَألْنا مالكًا عَنْ هذا، ولكنَّ مالكًا قالَ: تُطْلُقانِ عليهِ جَميعًا، (قُلتُ): أرأَيتَ إنْ قالَ: إحداكُما طالِقٌ؟ (قالَ): قالَ مالِكٌ: تَطْلُقانِ عليهِ جَميعًا إذا لم يَنوِ واحدةً منهُما (^١).
_________________
(١) «المدونة الكبرى» (٥/ ١٥، ١٦)، و«الجامع لمسائل المدونة» (٧/ ٥٥٢)، و«التبصرة» (٦/ ٢٦٣٠)، و«التاج والإكليل» (٣/ ١٠٠)، و«مواهب الجليل» (٥/ ٣١٤، ٣١٥)، و«شرح مختصر خليل» (٤/ ٦٥)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٣٠٥، ٣٠٦)، و«تحبير المختصر» (٣/ ٢٠٠، ٢٠١).
[ ١٧ / ٤٠٤ ]
وقالَ الشَّافعيةُ: إنْ كانَتْ لهُ امرأتانِ فطَلَّقَ إحداهُما بعَينِها ثمَّ نَسِيَها أو خَفِيَتْ عليهِ عَينُها بأنْ طلَّقَها في ظُلمةٍ أو مِنْ وَراءِ حِجابٍ رُجعَ إليهِ في تَعيينِها؛ لأنهُ هوَ المُطلِّقُ، ولا تَحلُّ لهُ واحِدةٌ مِنهُما قبْلَ أنْ يُعيِّنَ، ويُؤخَذُ بنَفقَتِهما إلى أنْ يُعيِّنَ؛ لأنهُما مَحبُوسَتانِ عليهِ.
فإنْ عَيَّنَ الطَّلاقَ في إحداهُما فكَذَّبَتاهُ حلَفَ للأُخرَى؛ لأنَّ المُعيَّنةَ لو رجَعَ في طَلاقِها لَم يُقبَلْ.
ولو بادَرَتْ واحِدةٌ وقالَتْ: «أنا المُطلَّقَةُ» فلا يقنعُ منهُ بقَولِه: «نَسيتُ، أو لا أدرِي»، بلْ يُطالَبُ بيَمينٍ جازِمةٍ أنَّه لمْ يُطلِّقْها، فإنْ نكَلَ حلَفَتْ وقُضيَ باليَمينِ المَردُودةِ.
وإنْ قالَ: «طَلَّقتُ هذهِ، لا بل هذهِ» طَلُقَتا في الحُكمِ؛ لأنهُ أقَرَّ بطلاقِ الأُولَى ثمَّ رجَعَ إلى الثَّانيةِ، فقَبِلْنا إقرارهُ بالثَّانيةِ ولم يُقبَلْ رُجوعُه في الأُولَى.
وإنْ كُنَّ ثلاثًا فقالَ: «طلَّقتُ هذهِ، لا بل هذهِ، لا بل هذهِ» طَلُقنَ جَميعًا، وإنْ قالَ: «طلَّقْتُ هذهِ أو هذهِ، لا بل هذهِ» طلقَتِ الثَّالثَةُ وواحدَةٌ مِنْ الأُولَيَينِ وأُخِذَ بتَعيينِها؛ لأنهُ أقَرَّ أنَّهُ طلَّقَ إحدَى الأُولَيَينِ ثمَّ رجَعَ إلى أنَّ المُطلَّقةَ هي الثَّالثةُ فلَزِمَه ما رجَعَ إليهِ، ولَم يُقبَلْ رُجوعُه عمَّا أقَرَّ بهِ.
[ ١٧ / ٤٠٥ ]
وإنْ قالَ: «طلَّقْتُ هذهِ، لا بل هذهِ أو هذهِ» طلقَتِ الأُولَى وواحدَةٌ مِنَ الأُخرَيَينِ.
وإنْ قالَ: «طلَّقْتُ هذهِ أو هذهِ وهذهِ» أُخِذَ ببَيانِ الطَّلاقِ في الأُولَى والأُخرَيَينِ، فإنْ عيَّنَ في الأُولَى بَقيَتِ الأُخرَيانِ على النِّكاحِ.
وإنْ قالَ: «لم أُطلِّقِ الأُولَى» طلقَتِ الأُخرَيانِ؛ لأنَّ الشَّكَّ في الأُولَى والأُخرَيَينِ، فهو كما لو قالَ: «طلَّقْتُ هذهِ أو هاتَينِ»، ولا يَجوزُ لهُ أنْ يُعيِّنَ بالوَطءِ، فإنْ وَطِئَ إحداهُما لَم يكنْ ذلكَ تَعيينًا للطَّلاقِ في الأُخرَى، فيُطالَبُ بالتَّعيينِ بالقَولِ، فإنْ عيَّنَ الطَّلاقَ في المَوطُوءةِ لَزمَه مَهرُ المِثلِ، وإذا عيَّنَ وجبَتِ العدَّةُ مِنْ حِينِ الطَّلاقِ (^١).
وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ مَنْ طلَّقَ امرَأةً مِنْ نِسائِهِ وأُنسِيَها أنَّها تخرجُ بالقُرعةِ؛ لأنهُ بعْدَ النِّسيانِ لا تُعلمُ المُطلَّقةُ مِنهُما، فوجَبَ أنْ تُشرَعَ القُرعةُ فيهَا، وحِينئذٍ تَجبُ النَّفقةُ حتَّى يُقرعَ، وتَحلُّ لهُ الباقياتُ بعْدَ المُخرَجةِ بالقُرعةِ؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ حِلِّهنَّ، وإنْ تَبيَّنَ لهُ أنَّ المُطلَّقةَ غَيرُ الَّتي خَرجَتْ عَليها القُرعةُ بأنْ تَذكَّرَ ذلكَ رُدَّتْ إليهِ؛ لأنهُ ظهَرَ أنَّها غَيرُ مُطلَّقةٍ، والقُرعةُ ليسَتْ بطَلاقٍ ولا كِنايةٍ، وهذا إذا لم تكنْ تَزوَّجَتْ؛ لأنهُ أمرٌ لا
_________________
(١) «المهذب» (٢/ ١٠٠)، و«الحاوي الكبير» (١٠/ ٢٧٨، ٢٨٣)، و«روضة الطالبين» (٥/ ٤٠٥)، و«كفاية الأخيار» ص (٤٦١)، و«النجم الوهاج» (٧/ ٥٤٣، ٥٤٥)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٤٩٤، ٤٩٥)، و«تحفة المحتاج» (٩/ ٤٥٣، ٤٥٥)، و«نهاية المحتاج» (٦/ ٥٤٧، ٥٤٩)، و«الديباج» (٣/ ٤٣٩، ٤٤٠).
[ ١٧ / ٤٠٦ ]
يُعرَفُ إلَّا مِنْ جِهَتِه فقُبِلَ؛ فإنْ تَزوَّجَتْ فلا تَرجِعُ إليهِ ولا يَبطلُ نِكاحُها؛ لأنَّها قَدْ تَعلَّقَ بها حَقُّ الزَّوجِ الثَّانِي، وقَولُه لا يُقبَلُ على غَيرهِ، أو تَكونُ القُرعةُ بحُكمِ حاكِمٍ؛ لأنَّ قُرعةَ الحاكِمِ بَينَهما حُكمٌ بالتَّفريقِ، وليسَ لأحدٍ رَفعُ ما حَكمَ بهِ الحاكِمُ.
وقالَ أبو بكرٍ وابنُ حامِدٍ: تُطلَّقُ المَرأتانِ؛ أمَّا المُطلَّقةُ فحَقيقةٌ، وأمَّا الَّتي خَرجَتْ بالقُرعةِ فلِأنَّ الطَّلاقَ إذا وقَعَ يَستَحيلُ رَفْعُه، ولأنَّها حَرُمَتْ عليهِ بقَولهِ، وتَرِثُه إنْ ماتَ ولا يَرِثُها، وعلى قَولِهما يَلزمُه نَفقَتُها ولا يَحلُّ له وُطؤُها، وعلى قَولِهما إنْ ماتَ قبْلَها أقرَعَ الوَرثةُ، فمَن قُرِعَتْ لم تَرثْ، وإنْ ماتَتا أو إحداهُما قبْلَه فمَنْ قُرِعَتْ لم يَرِثْها معَ طلاقٍ بائِنٍ.
والصَّحيحُ عِنْدَ ابنِ قُدامةَ وهُو رِوايةٌ أنَّ القُرعةَ لا مَدخَلَ لها هاهُنا، وتَحرُمانِ عليهِ جَميعًا، كما لوِ اشتَبهَتِ امرأتُه بأجنبيَّةٍ، ولأنَّ القُرعةَ لا تُزيلُ حُكمَ المُطلَّقَةِ ولا تَرفعُ الطَّلاقَ عمَّنْ وقَعَ عليها؛ لأنَّه لوِ ارتَفعَ لَمَا عادَ إذا تَبيَّنَ أنَّها مُطلَّقةٌ، وفارَقَ ما قاسُوا عليهِ؛ فإنَّ الحَقَّ لم يَثبُتْ لواحدٍ بعَينِه.
وإذا طلَّقَ واحِدةً لا بعَينِها أو بعَينِها ثمَّ نَسِيَها فانقَضَتْ عِدَّةُ الجَميعِ فلهُ نِكاحُ خامِسةٍ قبْلَ القُرعةِ في الأصحِّ.
ومتَى عَلِمناها بعَينِها فعِدَّتُها مِنْ حينِ طلَّقَها على الصَّحيحِ مِنَ المَذهبِ؛ لأنَّه صَدَرَ مِنْ أهلِهِ في مَحلِّهِ، ونِسيانُه لا يَرفَعُه.
وقيلَ: مِنْ حينِ التَّعيينِ، فإنْ ماتَ الزَّوجُ قبْلَ التَّعيينِ فعلَى الجَميعِ عدَّةُ
[ ١٧ / ٤٠٧ ]
الوَفاةِ عِنْدَ أهلِ الحِجازِ والعِراقِ، والصَّحيحُ أنهُ يَلزمُ كلَّ واحدةٍ الأَطولُ مِنْ عدَّةِ وَفاةٍ أو طلاقٍ (^١).