اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانَ العِوضُ في الخُلعِ مَجهولًا مِثلَ أنْ تقولَ لهُ: «اخلَعْنِي على ما في يَدي مِنْ الدَّراهِمِ» وهو لا يَعلمُ ما في يَدِها، هل يَصحُّ الخُلعُ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالكيَّةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَصحُّ الخُلعُ ولو كانَ العِوضُ المَبذولُ في الخُلعِ مَجهولًا، مِثلَ أنْ تُخالعَه على ما في يَدِها مِنْ الدَّراهمِ، وله ما جُعلَ لهُ؛ لأنَّ الطَّلاقَ معنًى يَجوزُ تَعليقُه بالشَّرطِ فجازَ أنْ يُستحقَّ به العِوضُ المَجهولُ كالوَصيةِ، ولأنَّ الخُلعَ إسقَاطٌ لحقِّهِ مِنْ البضعِ وليسَ فيهِ تَمليكُ شيءٍ، والإسقاطُ تَدخلُه المُسامَحةُ، ولذلكَ جازَ عن غَيرِ عوضٍ بخِلافِ النِّكاحِ، وإذا صَحَّ الخُلعُ فلا يَجبُ مَهرُ المِثلِ؛ لأنها لم تَبذلْه ولا فوتَتْ عليهِ ما يُوجِبُه، فإنَّ خُروجَ البُضعِ مِنْ مِلكِ الزَّوجِ غَيرُ مُتقوَّمٍ، بدليلِ ما لو أخرَجَتْه مِنْ مِلكِه برِدَّتِها أو رضاعِها لمَن يُفسَخُ به نِكاحُها لم يَجبْ عليها شيءٌ، ولو قتَلَتْ نفْسَها أو قتَلَها أجنَبيٌّ لم يَجبْ للزَّوجِ عِوضٌ إن طاوعَتْ لم يَكنْ للزَّوجِ شيءٌ، وإنَّما يُتقوَّمُ البُضعُ على الزَّوجِ في النِّكاحِ خاصَّةً، وأباحَ لها افتِداءَ نفْسِها لحاجتِها إلى ذلكَ، فيَكونُ الواجِبُ ما رضيَتْ ببَذلِه، فأمَّا إيجابُ شيءٍ لم ترْضَ بهِ فلا وجهَ له.
فعلى هذا إنْ خلَعَها على ما في يَدِها مِنْ الدَّراهمِ صَحَّ، فما كانَ في يَدِها مِنْ الدَّراهمِ فهي لهُ.
[ ١٦ / ٥٥٦ ]
قالَ الحَنابلةُ: إنْ لَم يكنْ في يَدِها شيءٌ فلهُ عليها ثلاثةٌ، نصَّ عليهِ أحمَدُ؛ لأنهُ أقَلُّ ما يقَعُ عليهِ اسمُ الدَّراهمِ حَقيقةً، ولَفظُها دلَّ على ذلكَ فاستَحقَّهُ، كما لو وصَّى لهُ بدَراهمَ.
وإنْ كانَ في يَدها أقلُّ مِنْ ثلاثةٍ احتُملَ أنْ لا يكونَ لهُ غَيرُها، لأنه مِنْ الدَّراهمِ وهو في يَدِها، واحتُملَ أنْ يكونَ لهُ ثلاثةٌ كامِلةٌ؛ لأنَّ اللَّفظَ يَقتضِيها فيما إذا لم يَكنْ في يَدِها شيءٌ، فكذلكَ إذا كانَ في يَدِها (^١).
وقالَ الحَنفيةُ: إذا قالَتْ لهُ: «خالِعْني على ما في يَدِي» فخالَعَها ولم يَكنْ في يَدِها شيءٌ فلا شيءَ لهُ عليها؛ لأنها لم تَغرَّه حَيثُ لم تُسمِّ مالًا ولا سمَّتْ لهُ شيئًا لهُ قيمةٌ، وكذا إذا قالَتْ: «على ما في بَيتِي» ولم يكنْ في بَيتِها شيءٌ صحَّ الخلعُ ولا شيءَ له.
وإذا قالَتْ لهُ: «خالِعْني على ما في يَدي مِنْ مالٍ» فخالَعَها ولمْ يَكنْ في يَدِها شيءٌ رَدَّتْ عليهِ مَهرَها؛ لأنها لمَّا سمَّتْ مالًا لم يكنْ راضِيًا بالزَّوالِ إلَّا بعِوضٍ، ولا وجهَ إلى إيجابِ المُسمَّى أو قيمتِه للجَهالةِ، ولا إلى قيمةِ البُضعِ -أي: مَهرِ المَثلِ-؛ لأنه غَيرُ متقوَّمٍ حالةَ الخُروجِ، فتَعيَّنَ ما قامَ بهِ على الزَّوجِ، ثمَّ إذا وجَبَ له الرُّجوعُ بالمَهرِ وكانَتْ قد أبرأَتْه منهُ لم يَرجعْ عليها بشيءٍ؛ لأنَّ عيْنَ ما يَستحقُّه قد سَلمَ له بالبَراءةِ، فلو رجَعَ عليها لَرجَعَ لأجلِ الهِبةِ، وهي لا تُوجِبُ على الواهِبِ ضَمانًا.
_________________
(١) «المغني» (٧/ ٢٥٣).
[ ١٦ / ٥٥٧ ]
وإنْ قالَتْ: «على ما في يَدِي مِنْ دَراهمَ، أو مِنْ الدَّراهمِ» ففعَلَ ولم يَكنْ في يَدِها شيءٌ فلهُ عليها ثَلاثةُ دَراهمَ؛ لأنها سمَّتِ الجمْعَ وأقلُّه ثلاثةٌ، وإنْ وُجدَ في يَدِها دَراهمُ مِنْ ثلاثةٍ إلى أكثرَ فهي للزَّوجِ، وإنْ كانَ في يَدِها أقلُّ مِنْ ثلاثةٍ فلهُ ثلاثةٌ، وإنْ وقَعَ الخُلعُ على المَهرِ صَحَّ، فإنْ لم تَقبضْه المَرأةُ سقَطَ عنهُ، وإنْ قَبضتْه استَردَّه منها، وإنْ خالَعَها على نَفقةِ عدَّتِها صحَّ الخُلعُ وسقَطَتْ عنه النَّفقةُ (^١).
وقالَ المالكيَّةُ: لا يُشترطُ في صِحةِ الخُلعِ كونُه سَليمًا مِنْ الغَررِ والجَهالةِ، بلْ لو خالَعَ على مَجهولٍ صحَّ الخُلعُ ووقَعَ الطَّلاقُ؛ إذْ ليسَ سَبيلُه سَبيلَ المعاوَضاتِ المَحضةِ كالمُبايَعاتِ الَّتي تُبتغَى فيها الأثمانُ، وإنَّما المُبتغَى في هذا تخلُّصُ الزَّوجةِ مِنْ الزَّوجِ ومِلكُها لنَفسِها، وفارَقَ النِّكاحَ؛ لأنَّ الصَّداقَ حَقٌّ للهِ سُبحانَه، وتَجويزُ الجَهالةِ فيهِ ذَريعةٌ إلى إخلاءِ النِّكاحِ عنهُ، وليسَ كذلكَ الخُلعُ.
فإذا قالَ لزَوجتِه: «إنْ دَفعْتِ لي ما في يَدكِ -وكانَتْ مَقبوضةً- فأنتِ طالِقٌ» ففتَحَتْها فإذا فيها شيءٌ تافهٌ مُتموَّلٌ ولو يَسيرًا كالدِّرهمِ، أو غَيرُ مُتموَّلٍ كخِرقةٍ أو زَبيبةٍ أو حبَّةٍ مَثلًا، أو لا مُتموَّلَ فيها بأنْ لا يكونَ شَيءٌ فيها أصلًا بأنْ تكونَ فارِغةً، أو شيءٌ غيرُ متموَّلٍ كتُرابٍ؛ فإنها تَبِينُ منه بذلكَ؛
_________________
(١) «الهداية» (٢/ ١٥)، و«تبيين الحقائق» (٢/ ٢٦٩)، و«العناية» (٥/ ٤٧٦، ٤٧٧)، و«الجوهرة النيرة» (٤/ ٥٢٠، ٥٢٢)، و«اللباب» (٢/ ١١٨، ١١٩).
[ ١٦ / ٥٥٨ ]
لدُخولِه على الغَررِ؛ لأنَّه طلَّقَ لشيءٍ يأخُذُه أو لا يأخُذُه، قالَ ابنُ عبدِ السَّلامِ: وهو الأقرَبُ.
لا إنْ خالعَتْه بمَا لا شُبهةَ لها فيهِ فلا يَلزمُه الخُلعُ، كما إذا قالَتِ المَرأةُ لزَوجِها: «خالِعْني على هذه الدَّابةِ» مَثلًا وأشارَتْ إليها فخالَعَها على ذلكَ فإذا الدَّابةُ ليسَتْ لها ولا مِلْكَ لها فيها ولا شُبهةَ مِلكٍ فإنَّه لا يَلزمُه الخُلعُ؛ لأنه خالَعَها على شيءٍ لم يَتمَّ لهُ، وظاهِرُه عَدمُ اللُّزومِ ولو أجازَ صاحِبُه.
أو بتافِهٍ كما إذا قالَ لزَوجتِه: «إنْ أعطَيتِنِي ما أخالِعُكِ به فأنتِ طالِقٌ، أو فقدْ خالَعْتُكِ»؛ فإنْ أتَتْه بخُلعِ المِثلِ فإنه يَلزمُه الخُلعُ، وإنْ أتَتْه بدُونِ خُلعِ المثلِ -وهو المُرادُ بالتَّافهِ- فإنه لا يَلزمُه الخُلعُ ويُخلَّى بيْنَه وبيْنَها، ولم يُوجِبْ عليهِ في الرِّوايةِ يَمينًا (^١).
وذهَبَ الشَّافعيةُ إلى أنَّه يُشترطُ في العِوضِ شُروطُ الثَّمنِ مِنْ كونِه مُتموَّلًا مَعلومًا مَقدورًا على تَسليمِه، فعلى هذا لو خالَعَ بمَجهولٍ كثَوبٍ مِنْ غيرِ تَعيينٍ ولا وَصفٍ، أو كأحدِ هذينِ العبدَينِ، أو بمَعلُومٍ ومَجهولٍ، أو بما في كَفِّها ولا شيءَ فيهِ وإنْ عَلمَ ذلكَ، أو نحوِ مَغصوبٍ أو خَمرٍ مَعلومةٍ وهُما مُسلمانِ، أو غيرِ ذلكَ مِنْ كلِّ فاسدٍ يُقصدُ؛ بانَتْ بمَهرِ المِثلِ؛ لأنه
_________________
(١) «عقد الجواهر الثمينة» (٢/ ٤٩٨)، و«الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٩٢، ٣٩٣)، رقم (١٢٢١)، و«التاج والإكليل» (٣/ ٣٤)، و«شرح مختصر خليل» (٤/ ٢٦)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٣٧)، و«تحبير المختصر» (٣/ ١٢٦، ١٢٧).
[ ١٦ / ٥٥٩ ]
عَقدٌ على مَنفعةِ بُضعٍ فلم يَفسدْ بفَسادِ عوضِه ورجَعَ إلى مُقابِله كالنِّكاحِ.
وفي قولٍ: يرجعُ ببدَلِ الخَمرِ، وهو قَدرُها مِنْ العَصيرِ (^١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وسَببُ الخِلافِ تردُّدُ العِوضِ هَهُنا بيْنَ العوضِ في البُيوعِ أو الأشياءِ المَوهوبةِ والمُوصَى بها.
فمَن شبَّهَها بالبُيوعِ اشتَرطَ فيهِ ما يُشترطُ في البُيوعِ وفي أعواضِ البُيوعِ، ومَن شبَّهُه بالهِباتِ لم يَشترطْ ذلكَ (^٢).