أجمَعُ أهلُ العِلمِ على أنَّ طلاقَ السَّفيهِ لازِمٌ لهُ، قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ طَلاقَ السَّفيهِ لازِمٌ لهُ، وانفَردَ عَطاءُ بنُ أبي رَباحٍ فقالَ: لا يَجوزُ نِكاحُهُ ولا طَلاقُه (^٢).
وقالَ القاضي عَبدُ الوَهابِ المالكيُّ ﵀: يَصحُّ طلاقُ السَّفيهِ المَحجورِ عليهِ وخُلعُه، وهوَ مَذهبُ العُلماءِ (^٣).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: طَلاقُ المَحجورِ عَليهِ بالسَّفهِ واقِعٌ، وهوَ قولُ جُمهورِ الفُقهاءِ، وقالَ ابنُ أبِي ليلَى وأبو يُوسُفَ: طلاقُهُ لا يَقعُ؛ لأنَّ الطَّلاقَ إتلافُ مالٍ كالعِتقِ؛ لأنَّ البُضعَ يُملَكُ بالمالِ ويَزولُ عنهُ المِلكُ بالمالِ، فلمَّا لمْ يَصحَّ عِتقُهُ وجَبَ أنْ لا يَصحَّ طلاقُهُ، ولأنَّ شاهدَينِ لو شَهِدَا على رَجلٍ بالطَّلاقِ الثَّلاثِ ومَضَى الحكْمُ بِشهادتِهما فرجَعَ الشَّاهدانِ لَزمَهُما مَهرُ المِثلِ، فلو لمْ يَكنْ ذلكَ إتلافَ مالٍ ما لَزمَهُما غُرمُ المالِ.
_________________
(١) «شرح صحيح البخاري» (٧/ ٤١٣)، ويُنظر: «تفسير القرطبي» (٥/ ٣٠٢).
(٢) «الإجماع» (٤١٠)، و«الإشراف» (٥/ ٢٣٧).
(٣) «عيون المسائل» ص (٥٤٦).
[ ١٧ / ٢٠٢ ]
ودَليلُنا عُمومُ قولِه تعالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وقولُهُ ﷺ: «الطَّلاقُ لِمَنْ أخَذَ بالسَّاقِ».
ولأنَّ السَّفيهَ أحسَنُ حالًا مِنَ العَبدِ؛ لحُريَّتِه وثُبوتِ مِلكِهِ، فلمَّا صحَّ طَلاقُ العَبدِ فأَولَى أنْ يَصحَّ طَلاقُ السَّفيهِ، ولأنَّهُ يَستَفيدُ بطَلاقِهِ سُقوطَ النَّفقةِ إنْ كانَ بعْدَ الدُّخولِ، ونصفَ المَهرِ إنْ كانَ قبْلَ الدُّخولِ، فلم يَجُزْ أنْ يُمنعَ مِنْ هذهِ الفائِدةِ ويُجبَرَ على التِزامِ النَّفقةِ، وقَولُهم أنَّهُ مالٌ كالعَبدِ غلَطٌ؛ لأنَّ العبدَ يَصحُّ بَيعُه ورَهنُه ويُورَثُ عنهُ، ولا يَصحُّ ذلكَ في الزَّوجةِ، وغُرمُ الشَّاهدَينِ المَهرَ إنَّما كانَ لأجْلِ ما أوقَعَا مِنَ الحَيلُولةِ بيْنَ الزَّوجَينِ وتَفويتِ الاستِمتاعِ عَليهِما وإنْ لَم يَتلقَّا بشَهادَتِهما مالًا، كما لو شَهِدَا بما أوجَبَ القَودَ لَزمَتْهما الدِّيةُ وإنْ لَم يَكنِ الحقُّ مالًا، واللهُ أعلَمُ بالصَّوابِ (^١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: فَصلٌ: فأمَّا السَّفيهُ فيَقعُ طَلاقُهُ في قَولِ أكثرِ أهلِ العِلمِ، مِنهُم القاسِمُ بنُ محمَّدٍ ومالكٌ والشَّافعيُّ وأبو حَنيفةَ وأصحابُهُ، ومِنهُ منَعَ عَطاءٌ، والأَولَى صِحَّتُه؛ لأنَّهُ مُكلَّفٌ مالكٌ لمَحلِّ الطَّلاقِ، فوقَعَ طَلاقُهُ كالرَّشيدِ، والحَجرُ عَليهِ في مالِهِ لا يَمنعُ تَصرُّفَه في غَيرِ ما هو مَحجورٌ عليهِ فيهِ كالمُفلِسِ (^٢).
_________________
(١) «الحاوي الكبير» (٦/ ٣٦٣، ٣٦٤).
(٢) «المغني» (٧/ ٢٨٩).
[ ١٧ / ٢٠٣ ]