قالَ في تاجِ العَرُوسِ: البِرْسامُ بالكَسرِ: عِلَّةٌ يُهْذَى فيها -نَعوذُ باللهِ منها-، وهَو وَرَمٌ حارٌّ يَعرضُ للحِجابِ الَّذي بيْنَ الكَبدِ والأمعاءِ ثمَّ يَتَّصلُ إلى الدِّماغِ، وقَد (بُرْسِمَ) الرَّجلُ -بالضَّمِّ- فهوَ مُبَرْسَمٌ، وكذلكَ بُلْسِمَ فهو مُبَلْسَمٌ، وكأنَّهُ مُعرَّبٌ مُرَكَّبٌ مِنْ بِر وسامٍ وبِر بالفارسيَّةِ: الصَّدْرُ، وسام: هو الموتُ، نَقَلَه الأزهَريُّ، ويُقالُ لهذهِ العلَّةِ المومَ، وقَد ميم الرَّجلُ (^٢).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: البِرْسامُ -بكسرِ الباءِ- وهوَ نوعٌ مِنْ اختِلالِ العَقلِ، ويُطلَقُ على وَرَمِ الرَّأسِ ووَرَمِ الصَّدرِ، وهو مُعرَّبٌ، وأصلُ اللَّفظةِ سُرْيانيَّةٌ (^٣).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀: البِرْسامُ -بكَسرِ المُوحَّدةِ- سُرْيانِيٌّ مُعرَّبٌ، أُطلِقَ على اختِلالِ العَقلِ وعلى وَرَمِ الرَّأسِ وعلى وَرَمِ الصَّدرِ (^٤).
_________________
(١) «المغني» (٧/ ٢٨٨، ٢٨٩)، ويُنظر: «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٩٨)، و«الكافي» لابنِ عَبدِ البَرِّ ص (٢٦٢)، و«النجم الوهاج» (٧/ ٤٨٠)، و«أسنى المطالب» (٣/ ٢٨٠)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٤٥٤)، و«كشاف القناع» (٥/ ٢٦٨)، و«منار السبيل» (٣/ ٨٥، ٨٦).
(٢) «تاج العروس» (٣١/ ٢٧٥).
(٣) «شرح صحيح مسلم» (١١/ ١٥٦، ١٥٧).
(٤) «فتح الباري» (١/ ٣٣٨).
[ ١٧ / ٢٣١ ]
وقالَ الخرشِيُّ ﵀: والبِرْسامُ وَرَمٌ في الرَّأسِ يَثقُلُ منهُ الدِّماغُ (^١).
وقدِ اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعةِ على أنَّ المُبَرْسَمَ لا يَقعُ طلاقُه.
قالَ الحنفيَّةُ: لا يَقعُ طَلاقُ المُبَرسَمِ ولا المَدهوشِ (^٢) ولا المَغمَى عليهِ (^٣).
وجاءَ في «المُدوَّنَة الكُبْرَى»: قالَ سحنونُ: (قلتُ): أَرأَيتَ المُبَرْسَمَ أو المَحْمومَ الَّذي يَهذِي إذا طلَّقَ امرأتَهُ أيَجوزُ طلاقُهُ؟ (قالَ): سَمعْتُ مالكًا وسُئِلَ عَنْ مُبرسمٍ طلَّقَ امرأتَهُ بالمَدينةِ فقالَ مالكٌ: إنْ لَم يكنْ معَهُ عَقلُه حينَ طلَّقَ فلا يَلزمُه مِنْ ذلكَ شَيءٌ (^٤).
وقالَ القاضِي عَبدُ الوَهابِ ﵀: طلاقُ النَّائمِ والمُبرسَمِ والهاذي في غَمْرةِ المرَضِ لا يَلزمُ؛ لأنَّهُم في معنَى المَغلوبِ بالجُنونِ (^٥).
وقالَ الإمامُ الشَّافعيُّ ﵀: ولا نُجيزُ طلاقَ المَعتوهِ ولا المُبرسَمِ ولا النَّائمِ (^٦).
_________________
(١) «شرح مختصر خليل» (٨/ ٢١).
(٢) المَدهُوشُ: هَو مَنْ غَلَبَ الخَللُ في أَقوالِهِ وأَفعالِهِ الخارِجَةِ عَنْ عادَتِهِ بِسبَبِ غَضَبٍ اعتَراهُ. (ابن عابدين ٣/ ٢٤٤).
(٣) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٠٠)، و«البحر الرائق» (٣/ ٢٦٨)، و«حاشية ابن عابدين» (٣/ ٢٤٣).
(٤) «المدونة الكبرى» (٥/ ٢٤).
(٥) «المعونة» (١/ ٥٦٦).
(٦) «الأم» (٧/ ١٧٣).
[ ١٧ / ٢٣٢ ]
وقالَ الحنابِلةُ: لا يَقعُ طلاقُ مَنْ زالَ عَقلُه بجُنونٍ أو إغماءٍ أو بِرْسامٍ أو نُشَافٍ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «رُفعَ القَلمُ عن ثلاثةٍ: عنِ النَّائمِ حتَّى يَستيقظَ، وعنِ الصَّغيرِ حتى يَكبرَ، وعنِ المَجنونِ حتَّى يَعقِلَ أو يُفيقَ» (^١)، ولأنَّ الطَّلاقَ قولٌ يُزيلُ المِلكَ فاعتُبِرَ لهُ العَقلُ كالبيعِ (^٢).