اتَّفقَ فُقهاءُ المذاهِبِ الأربعةِ على أنَّ طلاقَ المُغمَى عليهِ (^٢) لا يَقعُ، إلَّا أنَّ الإمامَ أحمَدَ ﵀ قالَ في المُغمَى عَليهِ إذا طلَّقَ فلمَّا أفاقَ عَلِمَ أنَّهُ كانَ مُغمًى عَليهِ وهوَ ذاكِرٌ لذلكَ فقالَ: إذا كانَ ذاكِرًا لذلكَ فليسَ هوَ مُغمًى عَليهِ يَجوزُ طلاقُهُ.
وقالَ في رِوايةِ أبي طالِبٍ في المَجنونِ يُطلِّقُ فقيلَ لهُ بعْدَما أفاقَ: «إنَّكَ طلَّقْتَ امرأتَكَ» فقالَ: «أنا أذكُرُ أنِّي طلَّقْتُ ولم يكنْ عَقلِي مَعي»، فقالَ: إذا كانَ يَذكرُ أنَّهُ طلَّقَ فقدْ طَلُقَتْ، فلم يَجعلْهُ مَجنونًا إذا كانَ يَذكرُ الطَّلاقَ ويَعلمُ بهِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهذا -واللهُ أعلَمُ- فيمَن جُنونُهُ بذَهابِ مَعرفَتِه بالكُلِّيةِ وبُطلانِ حَواسِّهِ، فأمَّا مَنْ كانَ جُنونُه لنُشافٍ أو كانَ مُبَرسَمًا
_________________
(١) «المحيط البرهاني» (٣/ ٤١١)، و«البحر الرائق» (٣/ ٢٦٨، ٢٦٩).
(٢) قالَ ابنُ عَابدينَ ﵀: قَالَ في «التَّحرِير»: الإِغماءُ آفَةٌ في القَلبِ أو الدِّماغِ تُعطِّلُ القوَى المُدرِكَةَ والمُحرِّكَةَ عَنْ أَفعالِها معَ بقَاءِ العَقلِ مَغلوبًا، وإلَّا عُصِمَ مِنهُ الأَنبياءُ، وهوَ فَوقَ النَّومِ فلَزِمَه ما لَزِمَه وزِيادَةً. «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٢٤٣).
[ ١٧ / ٢٣٠ ]
فإنَّهُ يَسقُطُ حكمُ تَصرُّفِه معَ أنَّ مَعرِفتَه غَيرُ ذاهِبةٍ بالكُليَّةِ، فلا يَضرُّهُ ذِكرُه للطَّلاقِ إنْ شاءَ اللهُ تعالَى (^١).