أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المرأةَ إذا اختلَعَتْ مِنْ زَوجِها بمِقدارِ ما أصدَقَها ولم يكنْ قد أضَرَّ بها أنَّ الخُلعَ جائزٌ.
_________________
(١) «روضة الطالبين» (٥/ ٢٣٩، ٢٤٠).
[ ١٦ / ٥٤٣ ]
قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على إجازَةِ الخُلعِ بالصَّداقِ الَّذي أصدَقَها إذا لم يَكنْ مُضرًّا بها وخافَا ألَّا يُقيمَا حُدودَ اللهِ (^١).
لكنَّ اللَّائقَ بحالِ المُسلمِ أنْ يأخُذَ ناقِصًا مِنْ المَهرِ حتَّى لا يَخلوَ الوطءُ عن المالِ (^٢).
إلَّا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا فيما لو خالَعَها على أكثَرَ مِنْ مَهرِها، هل يَجوزُ مُطلَقًا مِنْ غيرِ كَراهةٍ؟ أم يجوزُ معَ الكَراهةِ؟ أم لا يَجوزُ ويَجبُ عليهِ ردُّ الزِّيادةِ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ في قَولٍ والمالكيَّةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المذهَبِ إلى أنَّه يَجوزُ الخلعُ بقَليلِ المالِ وكَثيرِه وبأكثرَ مِنْ الصَّداقِ وبمالِها كلِّه إذا كانَ ذلكَ مِنْ قِبَلِها؛ لقَولِ اللهِ ﷿: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فعَمَّ، ولأنَّه عِوضٌ يَصحُّ تَمليكُه فجازَ الخُلعُ عليهِ كالصَّداقِ.
قالَ الإمامُ مالِكٌ ﵀: لم أزَلْ أسمَعُ إجازةَ الفِديةِ بأكثرَ مِنْ الصَّداقِ، لكنْ ليسَ مِنْ مكارِمِ الأخلاقِ، ولم أرَ أحَدًا مِنْ أهلِ العِلمِ يَكرهُ ذلكَ.
قالَ: فإذا كانَ النُّشوزُ مِنْ قِبَلِها جازَ للزَّوجِ ما أخَذَ منها بالخُلعِ وإنْ كانَ أكثَرَ مِنْ الصَّداقِ إذا رَضيَتْ بذلكَ وكانَ لم يَضرَّ بهَا، فإنْ كانَ لخَوفِ ضرَرِه
_________________
(١) «التمهيد» (٢٣/ ٣٦٨).
(٢) «مجمع الأنهر» (٢/ ١٠٢).
[ ١٦ / ٥٤٤ ]
أو لظُلمٍ ظلَمَها أو أضَرَّ بها لم يَجُزْ له أخذُه، وإنْ أخَذَ شيئًا مِنها على هذا الوَجهِ ردَّه ومَضى الخُلعُ عليهِ (^١).
قالَ الشافِعيةُ: يَصحُّ الخُلعُ بالمَهرِ المُسمَّى وبأقلَّ منهُ وبأكثَرَ منهُ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ولَم يُفرِّقْ، ولأنَّه عِوضٌ مُستفادٌ بعَقدٍ، فلم يَتقَّدرْ كالمَهرِ والثَّمنِ، ويَصحُّ بالدَّينِ والعَينِ والمَنفعةِ كما في المَهرِ (^٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (ولا يُستحبُّ له أنْ يأخُذَ أكثَرَ ممَّا أعطاها).
هذا القَولُ يدلُّ على صحَّةِ الخلعِ بأكثرَ مِنْ الصَّداقِ، وأنَّهما إذا تَراضيَا على الخُلعِ بشيءٍ صَحَّ، وهذا قَولُ أكثرِ أهلِ العِلمِ، رُويَ ذلكَ عَنْ عُثمانَ وابنِ عُمرَ وابنِ عبَّاسٍ وعِكرمةَ ومُجاهدٍ وقَبيصةَ بنِ ذُؤيبٍ والنَّخَعيِّ ومالِكٍ والشَّافعيِّ وأصحابِ الرَّأيِّ، ويُروى عَنْ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ عمرَ أنهما قالَا: لو اختلَعَتِ امرأةٌ مِنْ زَوجِها بميراثِها وعِقاصِ رأسِها كانَ ذلكَ جائِزًا.
وقالَ عَطاءٌ وطاوُسٌ والزُّهريُّ وعَمرُو بنُ شُعيبٍ: لا يَأخذُ أكثرَ ممِّا
_________________
(١) «التمهيد» (٥/ ٣٤١)، و(٢٣/ ٣٦٨)، و«الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٧٩، ٣٨٠)، رقم (١٢٠٩)، و«تفسير القرطبي» (٣/ ١٤١)، و«الإفصاح» (٢/ ١٦٣).
(٢) «البيان» (١٠/ ١٠)، و«روضة الطالبين» (٥/ ٢٥٢)، و«النجم الوهاج» (٧/ ٤٣٩)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٤٣٣، ٤٣٤).
[ ١٦ / ٥٤٥ ]
أعطاها، ورُويَ ذلكَ عن عليِّ بإسنادٍ مُنقطِعٍ، واختارَه أبو بكرٍ قالَ: فإنْ فعَلَ ردَّ الزِّيادةَ.
وعَن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ قالَ: ما أرَى أنْ يأخُذَ كلَّ مالِها، ولكنْ لِيدَعْ لها شَيئًا، واحتَجُّوا بما رُويَ أنَّ جَميلةَ بنتَ سَلولٍ أتَتِ النَّبيَّ ﷺ فقالَتْ: «واللهِ ما أَعِيبُ على ثابِتٍ في دِينٍ ولا خُلُقٍ، ولكنْ أكرَهُ الكُفرَ في الإسلامِ لا أُطيقُه بُغضًا، فقالَ لها النَّبيُّ ﷺ: أتَردِّينَ عليهِ حَديقتَه؟ قالَتْ: نعَمْ، فأمَرَه النَّبيُّ ﷺ أنْ يأخُذَ مِنها حَديقتَه ولا يَزدادَ» رَواه ابنُ ماجَة، ولأنَّه بَدلٌ في مقابَلةِ فَسخٍ، فلم يَزِدْ على قَدرِه في ابتِداءِ العَقدِ كالعِوضِ في الإقالةِ.
ولنا: قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ولأنه قَولُ مَنْ سَمِّينا مِنْ الصَّحابةِ، قالَتِ الرُّبيِّعُ بنتُ مُعوِّذٍ: «اختلَعْتُ مِنْ زَوجِي بما دُونَ عِقاصِ رَأسِي، فأجازَ ذلكَ عُثمانُ بنُ عفَّانَ ﵁»، ومِثلُ هذا يَشتهرُ فلم يُنكَرْ فيكونُ إجماعًا، ولم يَصحَّ عن عَليٍّ خِلافُه، فإذا ثبَتَ هذا فإنَّه لا يُستحبُّ له أن يأخُذَ أكثَرَ ممَّا أعطاها، وبذلِكَ قالَ سَعيدُ بنُ المُسيِّبِ والحسَنُ والشَّعبيُّ والحَكمُ وحَمَّادُ وإسحاقُ وأبو عُبيد، فإنْ فعَلَ جازَ معَ الكَراهةِ، ولَم يَكرهْه أبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشَّافعيُّ، قالَ مالِكٌ: لم أزَلْ أسمَعُ إجازةَ الفِداءِ بأكثرَ مِنْ الصَّداقِ.
ولنا: حَديثُ جَميلةَ، ورُويَ عن عَطاءٍ عَنْ النَّبيِّ ﷺ «أنَّه كَرِهَ أنْ يأخُذَ مِنْ المُختلِعةِ أكثَرَ ممَّا أعطاها» رَواهُ أبو حَفصٍ بإسنادِهِ، وهو
[ ١٦ / ٥٤٦ ]
صَريحٌ في الحُكمِ، فنَجمعُ بيْنَ الآيةِ والخبَرِ فنَقولُ: الآيةُ دالَّةٌ على الجَوازِ، والنَّهيُ عن الزِّيادةِ للكَراهةِ، واللهُ أعلَمُ (^١).
وذهَبَ الحنفيَّةُ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ اختارَها أبو بكرٍ إلى أنَّه لا يَجوزُ لهُ أخذُ أكثَرَ مما أعطاها؛ لحَديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ جَميلةَ بنتَ سَلولَ أتَتِ النَّبيَّ ﷺ فقالَتْ: واللهِ ما أَعتِبُ على ثابِتٍ في دِينٍ ولا خلُقٍ، ولكنِّي أكرَهُ الكُفرَ في الإسلامِ لا أُطيقُه بُغضًا، فقالَ لها النَّبيُّ ﷺ: أتَرُدِّينَ عليهِ حَديقتَه؟ قالَتْ: نعَمْ، فأمَرَه رَسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يأخُذَ منها حدِيقتَه ولا يَزدادَ» (^٢).
وعَن عَطاءٍ قالَ: جاءَتِ امرأةٌ إلى النَّبيِّ ﷺ تَشكُو زوْجَها، فقالَ: «أتَرُدِّينَ عليهِ حَديقتَه»، قالَتْ: نعمْ وزِيادةٌ، قالَ: «أَمَّا الزِّيادةُ فلا» (^٣).
ورَوى الدَّارقطنيُّ عن أبي الزُّبيرِ «أنَّ ثابتَ بنَ قَيسِ بنِ شمَّاسٍ كانَتْ عندَه زَينبُ بنتُ عَبدِ اللَّهِ بنِ أبيِّ ابنِ سَلُولٍ وكانَ أصدَقَها حَديقةً فكَرهَتْه، فقالَ النَّبيُّ ﷺ: «أَترُدِّينَ عليهِ حَديقتَهُ الَّتي أعطاكِ؟» قالَتْ: نَعمْ وزيادةً، فقالَ النَّبيُّ ﷺ: «أمَّا الزِّيادةُ فلا ولكنْ حَديقتُه»، قالَتْ: نَعمْ، فأخَذَها لهُ وخلَّا سبيلَهَا، فلمَّا بلَغَ ذلكَ ثابِتَ بنَ قَيسٍ
_________________
(١) «المغني» (٧/ ٢٤٧)، و«الكافي» (٣/ ١٥٢)، و«شرح الزركشي» (٢٥/ ٤٥١)، و«المبدع» (٧/ ٢٣٠)، و«الإنصاف» (٨/ ٣٩٨)، و«منار السبيل» (٣/ ٧٢)
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن ماجه (٢٠٥٦).
(٣) رواه أبو داود في المراسيل (٢٣٥)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٤٦٢١).
[ ١٦ / ٥٤٧ ]
قالَ: قدْ قَبلْتُ قَضاءَ رَسولِ اللَّهِ ﷺ» قالَ الدَّارقطنيُّ: سَمعَه أبو الزُّبَيرِ مِنْ غيرِ واحِدٍ (^١).
ولأنَّه بَدلٌ في مقابَلةِ فَسخٍ، فلم يَزدْ على قَدرِه في ابتِداءِ العَقدِ كالعِوضِ في الإقالةِ (^٢).
قالَ الحنفيَّةُ: النُّشوزُ إذا كانَ مِنْ قِبلِ الزَّوجِ كُرهَ لهُ أنْ يأخُذَ منها قَليلًا ولا كَثيرًا؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، نهَى عَنْ أخذِ شيءٍ ممَّا أتاها مِنْ المَهرِ، وأكَّدَ النَّهيَ بقَولِه: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾ [النساء: ٢٠]، وقَولِه: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] أي: لا تُضيِّقوا عَليهنَّ لتَذهبُوا ببَعضِ ما آتَيتمُوهنَّ ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] أي: إلَّا أنْ يَنشزْنَ، نهَى الأزواجَ عن أخذِ شيءٍ ممَّا أعطَوهنَّ واستَثنى حالَ نُشوزِهنَّ، وحُكمُ المُستَثنى يُخالِفُ حُكمَ المُستَثنى منهُ، فيَقتضي حُرمةَ أخذِ شيءٍ ممَّا أعطَوهنَّ عندَ عدمِ النُّشوزِ مِنهنَّ، وهذا في حُكمِ الدِّيانةِ، فإنْ أخَذَ جازَ ذلكَ في الحُكمِ ولَزمَ حتَّى لا يَملِكَ
_________________
(١) رواه الدارقطني في «سننه» (٣٦٢٩) قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ في «فتح الباري» (٩/ ٤٠٢): رجالُ إسنادِه ثِقاتٌ، وقَد وقَعَ في بعضِ طرُقِه: سمِعَه أبو الزُّبيرِ مِنْ غيرِ واحدٍ، فإنْ كانَ فيهم صَحابيٌّ فهو صَحيحٌ، وإلَّا فيَعتضِدُ بما سبَقَ.
(٢) «المغني» (٧/ ٢٤٧)، و«الكافي» (٣/ ١٥٢)، و«شرح الزركشي» (٢٥/ ٤٥١)، و«المبدع» (٧/ ٢٣٠)، و«الإنصاف» (٨/ ٣٩٨)، و«منار السبيل» (٣/ ٧٢)
[ ١٦ / ٥٤٨ ]
استِردادَه، لأنَّ الزَّوجَ أسقَطَ مِلكَه عنها بعِوضٍ رَضيَتْ بهِ، والزَّوجُ مِنْ أهلِ الإسقاطِ والمَرأةُ مِنْ أهلِ المُعاوَضةِ والرِّضا، فيَجوزُ في الحُكمِ والقَضاءِ.
وإنْ كانَ النُّشوزُ مِنْ قبَلِها أو خافَا لسُوءِ خلُقِها أو بُغضِ كلِّ واحدٍ منهُما لصاحبِه جازَ لهُ أنْ يأخُذَ ما أعطاها لا يَزدادَ، ويُكرهُ لهُ أنْ يأخُذَ أكثرَ ممَّا أعطاها؛ لِما رَواهُ أبو داودَ في المَراسيلِ عن عَطاءٍ قالَ: جاءَتِ امرأةٌ إلى النَّبيِّ ﷺ تَشكُو زوْجَها، فقالَ: «أتَردِّينَ عليهِ حَديقتَه؟ قالَتْ: نَعمْ وزِيادةً، قالَ: أمَّا الزِّيادةُ فلا» (^١)، ولأنَّه لا يُملِّكُها شيئًا، إنَّما يَرفعُ العَقدَ فيَحلُّ له أنْ يأخُذَ منها قدْرَ ما ساقَ إليها بالعقدِ، ولا يَحلُّ له الزِّيادةُ على ذلكَ.
لكنَّ اللَّائقَ بحالِ المُسلمِ أنْ يأخُذَ ناقِصًا مِنْ المَهرِ حتَّى لا يَخلوَ الوَطءُ عن المالِ (^٢).
وأمَّا قَولُه تعالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤] فهذا في غيرِ حالِ الخُلعِ، بل في حالِ الرَّضا بتَركِ المَهرِ بطيبةٍ مِنْ نَفسِها بهِ، وقَولُ مَنْ قالَ: «إنهُ لمَّا أجازَ أخْذَ مالِها بغيرِ خُلعٍ فهو جائزٌ في الخُلعِ» خطأٌ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قد نَصَّ على المَوضعَينِ في أحَدِهما بالحَظرِ وهو قولُه تعالَى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ [النساء: ٢٠] وقولُه تعالَى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا
_________________
(١) رواه أبو داود في «المراسيل» (٢٣٥)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٤٦٢١).
(٢) «مجمع الأنهر» (٢/ ١٠٢).
[ ١٦ / ٥٤٩ ]
يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وفي الآخَرِ بالإباحةِ وهو قولُه تعالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤].
قالَ أبو بكرٍ الجصَّاصُ ﵀: فقَولُ القائلِ: «لمَّا جازَ أنْ يأخُذَ مالَها بطيبةِ نَفسِها مِنْ غَيرِ الخُلعِ جازَ في الخُلعِ» قَولٌ مخالِفٌ لنَصِّ الكِتابِ، وقد رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ في الخُلعِ ما حَدَّثنا مُحمدُ بنُ بكرٍ قالَ: حدَّثَنا أبو داودَ قالَ: حدَّثَنا القَعنبيُّ عن مالكٍ عن يَحيى بنِ سَعيدٍ عن عَمرةَ بنتِ عَبدِ الرَّحمنِ بنِ سَعدِ بنِ زُرارةَ عن حَبيبةَ بنتِ سَهلٍ الأنصاريَّةِ «أنها كانَتْ تحتَ ثابتِ بنِ قَيسِ بنِ الشَّماسٍ، وأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ خرَجَ إلى الصُّبحِ فوجَدَ حَبيبةَ بنتَ سهلٍ عندَ بابِه في الغلَسِ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: مَنْ هذهِ؟ قالَتْ: أنا حَبيبةُ بنتُ سَهلٍ، قالَ: ما شَأنُكِ؟ قالَتْ: لا أنا ولا ثابِتُ بنُ قَيسٍ -لزَوجِها- فلمَّا جاءَه ثابتُ بنُ قَيسٍ قالَ لهُ: هذهِ حَبيبةُ بنتُ سَهلٍ، فذكَرَتْ ما شاءَ اللهُ أنْ تَذكرَ، فقالَتْ حَبيبةُ: كلُّ ما أعطاني عندِي، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ لثابتٍ: خُذْ مِنها، فأخَذَ منها وجلَسَتْ في أهلِها»، ورُويَ فيهِ ألفاظٌ مُختلِفةٌ في بَعضِها: «خَلِّ سبيلَها»، وفي بَعضِها: «فارِقْها»، وإنَّما قالُوا: إنَّه لا يسَعُه أنْ يأخُذَ منها أكثَرَ ممَّا أعطاها؛ لِمَا حدَّثنا عبدُ الباقِي بنُ قانِعٍ قالَ: حدَّثَنا عَبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حَنبلٍ قالَ: حدَّثَنا محمَّدُ بنُ يَحيى بنِ أبي سَمينةَ قالَ: حدَّثَنا الوَليدُ بنُ مُسلمٍ عَنْ ابنِ جُريجٍ عن عطاءٍ عَنْ ابنِ عبَّاسٍ أنَّ رَجلًا خاصَمَ امرأتَه إلى النَّبيِّ ﷺ،
[ ١٦ / ٥٥٠ ]
فقالَ النَّبيُّ ﷺ: تَردِّينَ إليه ما أخَذْتِ منه؟ قالَتْ: نعَمْ وزِيادةً، فقالَ النَّبيُّ ﷺ: «أمَّا الزِّيادَةُ فلا»، وقالَ أصحابُنا: لا يأخُذُ منهُ الزِّيادةَ لهذا الخبَرِ، وخَصُّوا به ظاهرَ الآيةِ (^١).
وفي رِوايةِ في «الجامِع الصَّغير»: لا بأسَ بأخذِ الزِّيادةِ؛ لِما رُويَ «أنَّ امرأةً ناشِزةً أُتيَ بها عُمرُ ﵁ فحبَسَها في مَزبلةٍ ثلاثةَ أيَّامٍ، ثمَّ دعاها وقالَ: كيفَ وجَدْتِ مَبيتَكِ؟ فقالَتْ: ما مَضتْ عليَّ لَيالٍ هُنَّ أقرُّ لعَينِي مِنْ هذهِ اللَّيالي لأنِّي لم أرَهُ، فقالَ عمَرُ ﵁: وهَل يَكونُ النُّشوزُ إلَّا هكذا؟! اخلَعْها ولو بقُرطِها».
وعن ابنِ عُمرَ ﵁ «أنَّ مَولاةً اختلَعَتْ بكُلِّ شيءٍ لها، فلم يَعِبْ ذلكَ عليها».
وعن ابنِ عبَّاسٍ ﵄: «لو اختلَعَتْ بكُلِّ شيءٍ لَأجزْتُ ذلكَ»؛ وهذا لأنَّ جوازَ أخذِ المالِ هُنا بطَريقِ الزَّجرِ لها عن النُّشوزِ، ولهذا لا يَحلُّ إذا كانَ النُّشوزُ مِنْ الزَّوجِ، وهذا لا يَختصُّ بما ساقَ إليها مِنْ المَهرِ دُونَ غيرِه، فأمَّا في الحُكمِ: الخُلعُ صَحيحٌ والمالُ واجِبٌ (^٢).
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وأمَّا بَيانُ قَدرِ ما يَحلُّ للزَّوجِ مِنْ أخذِ العِوضِ وما لا يَحلُّ فجُملةُ الكَلامِ فيه أنَّ النُّشوزَ لا يَخلُو إمَّا أنْ كانَ مِنْ قِبَلِ
_________________
(١) «أحكام القرآن» للجصاص (٢/ ٩١، ٩٣).
(٢) «المبسوط» (٦/ ١٨٣).
[ ١٦ / ٥٥١ ]
الزَّوجِ، وإمَّا إنْ كانَ مِنْ قِبَلِ المرأةِ، فإنْ كانَ مِنْ قِبلِ الزَّوجِ فلا يَحلُّ لهُ أخذُ شيءٍ مِنْ العوضِ على المُخلِعِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] نهَى عَنْ أخذِ شيءٍ ممَّا أتاهَا مِنْ المَهرِ، وأكَّدَ النَّهيَ بقولِه: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾ [النساء: ٢٠]، وقولُه: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] أي: لا تُضيِّقوا عليهنَّ لتَذهبُوا ببَعضِ ما آتَيتمُوهنَّ ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] أي: إلَّا أنْ يَنشزْنَ، نهَى الأزواجَ عَنْ أخذِ شيءٍ ممَّا أعطَوهنَّ واستَثنى حالَ نُشوزِهنَّ، وحُكمُ المُستَثنى يُخالِفُ حُكمَ المُستَثنى منهُ، فيَقتضي حُرمةَ أخذِ شيءٍ ممَّا أعطَوهنَّ عندَ عدمِ النُّشوزِ منهنَّ، وهذا في حُكمِ الدِّيانةِ، فإنْ أخَذَ جازَ ذلكَ في الحُكمِ ولَزمَ حتَّى لا يَملِكَ استِردادَه، لأنَّ الزَّوجَ أسقَطَ مِلكَه عنها بعِوضٍ رَضيَتْ بهِ، والزَّوجُ مِنْ أهلِ الإسقاطِ والمرأةُ مِنْ أهلِ المُعاوَضةِ والرِّضا، فيَجوزُ في الحُكمِ والقَضاءِ.
وإنْ كانَ النُّشوزُ مِنْ قِبلِها فلا بأسَ بأنْ يأخُذَ مِنها شيئًا قَدرَ المَهرِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] أي: إلَّا أنْ يَنشزْنَ، والاستِثناءُ مِنْ النَّهيِ إباحةٌ مِنْ حَيثُ الظَّاهرِ، وقَولُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] قيلَ: أي لا جُناحَ على الزَّوجِ في الأخذِ وعلى المَرأةِ في الإعطاءِ.
وأمَّا الزِّيادةُ على قَدرِ المَهرِ ففيها رِوايتانِ، ذُكرَ في كِتابِ الطَّلاقِ أنها مَكروهةٌ، وهكذا رُويَ عَنْ عليٍّ ﵁ أنه كَرهَ للزَّوجِ أنْ يأخُذَ منها أكثَرَ
[ ١٦ / ٥٥٢ ]
ممَّا أعطاها، وهوَ قَولُ الحسَنِ البَصريِّ وسَعيدِ بنِ المُسيِّبِ وسَعيدِ بنِ جُبيرٍ وطاوُسٍ.
وذكَرَ في «الجامِع الصَّغير» أنها غيرُ مَكروهةٍ، وهوَ قولُ عُثمانَ البَتيِّ، وبهِ أخَذَ الشَّافعيُّ.
وجهُ هذهِ الرِّوايةِ ظاهِرُ قولِه تعالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] رفَعَ الجُناحَ عنهُما في الأخذِ والعَطاءِ مِنْ الفداءِ مِنْ غيرِ فَصلٍ بينَ ما إذا كانَ مَهرَ المِثلِ أو زِيادةً عليهِ، فيَجبُ العملُ بإطلاقِ النَّص، ولأنها أعطَتْ مالَ نَفسِها بطِيبةٍ مِنْ نَفسِها، وقَد قالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤]، بخِلافِ ما إذا كانَ النُّشوزُ مِنْ قِبلِه؛ لأنَّ النُّشوزَ إذا كانَ مِنْ قِبلِ الزَّوجِ كانَتْ هي مَجبورةً في دَفعِ المالِ؛ لأنَّ الظَّاهرَ أنها معَ رَغبتِها في الزَّوجِ لا تُعطِي إلَّا إذا كانَتْ مُضطرةً مِنْ جهتِه بأسبابٍ أو مغتَرَّةً بأنواعِ التَّغريرِ والتَّزويرِ، فكُرهَ الأخذُ.
وجهُ رِوايةِ الأصلِ قولُه تعالَى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] إلى قَولِه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ نهَى عَنْ أخذِ شيءٍ ممَّا أعطاها مِنْ المَهرِ واستَثنى القدْرَ الَّذي أعطاها مِنْ المَهرِ عندَ خَوفِهما ترْكَ إقامةِ حُدودِ اللهِ على ما نَذكرُ، والنَّهيُ عَنْ أخذِ شيءٍ مِنْ المَهرِ نهيٌ عَنْ أخذِ الزِّيادةِ على المَهرِ مِنْ طريقِ الأَولى، كالنَّهيِ عن التَّأفيفِ أنه يَكونُ نهيًا عن الضَّربِ الَّذي هو فَوقَه بالطَّريقِ الأَولى.
[ ١٦ / ٥٥٣ ]
ورُويَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لمَّا قالَ لامرأةِ ثابتِ بنِ قَيسِ بنِ شمَّاسٍ: «أتَردِّينَ عَليهِ حديقتَهُ؟ فقالَتْ: نعَمْ وزِيادةً، قالَ: أمَّا الزِّيادةُ فلا» نهَى عَنْ الزِّيادةِ معَ كَونُ النُّشوزِ مِنْ قِبلِها، وبهِ تَبيَّنَ أنَّ المُرادَ مِنْ قولِه: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ﴾ [البقرة: ٢٢٩] قدْرُ المَهرِ لا الزِّيادةُ عليهِ، وإنْ كانَ ظاهِرُه عامًّا عرَفْنا ببَيانِ النَّبيِّ ﷺ الَّذي هو وَحيٌّ غَيرُ مَتلوٍّ.
والدَّليلُ عليهِ أيضًا قَولُه تعالَى في صَدرِ الآيةِ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩] ذكَرَ في أوَّلِ الآيةِ ما آتاها، فكانَ المَذكورُ في آخِرِها -وهوَ قولُه: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ - مَردودًا إلى أوَّلِها، فكانَ المُرادُ مِنْ قولِه: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ﴾ أي: بما آتاها، ونحنُ بهِ نقَولُ أنه يَحلُّ لهُ قَدرُ ما آتاها.
وأمَّا قولُه: «أنها أعطَتْه مالَ نَفسِها بطِيبةٍ مِنْ نَفسِها» فنعَمْ، لكنَّ ذاكَ دَليلُ الجَوازِ، وبهِ نَقولُ أنَّ الزِّيادةَ جائزةٌ في الحُكمِ والقَضاءِ، ولأنَّ الخُلعَ مِنْ جانِبِها معاوَضة حالة عن الطَّلاقِ، وإسقاطُ ما عليها مِنْ المِلكِ ودَفعُ المالِ عِوضًا عمَّا ليسَ بمالٍ جائِزٌ في الحُكمِ إذا كانَ ذلكَ ممَّا يُرغَبُ فيهِ، ألَا تَرى أنَّه جازَ العِتقُ على قليلِ المالِ وكَثيرِه، وأخذُ المالِ بدَلًا عَنْ إسقاطِ المِلكِ والرِّقِّ، وكذلكَ الصُّلحُ عَنْ دَمِ العمدِ، وكذلكَ النِّكاحُ لمَّا جازَ على أكثَرَ مِنْ مَهرِ مثلِها وهو بدَلُ البُضعِ فكذا جازَ أنْ تَضمَنَه المرأةُ بأكثَرَ مِنْ مَهرِ مِثلِها؛ لأنه بَدلٌ مِنْ سَلامةِ البُضعِ في الحالَينِ جَميعًا، إلَّا أنه نهَى عَنْ الزِّيادةِ على قَدرِ المهرِ لا لمَعنًى في نَفسِ العَقدِ؛ بلِ المَعنى في غَيرِه، وهو شُبهةُ
[ ١٦ / ٥٥٤ ]
الرِّبا والإضرارِ بها، ولا يُوجدُ ذلكَ في قَدرِ المَهرِ، فحلَّ له أخذُ قَدرِ المَهرِ، واللهُ أعلَمُ (^١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: أمَّا مِقدارُ ما يَجوزُ لها أنْ تَختلِعَ به: فإنَّ مالِكًا والشَّافعيَّ وجَماعةً قالُوا: جائزٌ أنْ تَختلعَ المَرأةُ بأكثرَ ممَّا يَصيرُ لها مِنْ الزَّوجِ في صَداقِها إذا كانَ النُّشوزُ مِنْ قِبلِها وبمِثلِه وبأقلَّ منهُ.
وقالَ قائِلونَ: ليسَ لهُ أنْ يأخُذَ أكثَرَ ممَّا أعطاها على ظاهرِ حَديثِ ثابتٍ.
فمَن شَبَّهه بسائرِ الأعواضِ في المُعامَلاتِ رأى أنَّ القدْرَ فيهِ راجعٌ إلى الرِّضا، ومَن أخَذَ بظاهرِ الحَديثِ لم يُجِزْ أكثرَ مِنْ ذلكَ، وكأنَّه رآهُ مِنْ بابِ أخذِ المالِ بغيرِ حقٍّ (^٢).