أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الطَّلاقَ لا يُشترطُ فيهِ أنْ يكونَ المُطلِّقُ جادًّا في طلاقِهِ، فلَو طلَّقَ هازِلًا أو لاعِبًا وقَعَ طلاقُهُ عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ، فإذا قالَتِ المَرأةُ في مُلاعَبتِها: «طلِّقْنِي ثلاثًا» فقالَ: «نعَمْ أنتِ طالِقٌ ثلاثًا» كاللَّاعِبِ المُستهزِئِ وقَعَ الطَّلاقُ؛ لوُجودِ قَصدِ لَفظِ الطَّلاقِ، ولم يُعدَمْ إلَّا القَصدُ إلى الحُكمِ؛ لِمَا رَواهُ أبو هَريرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وهَزلُهنَّ جِدٌّ، النِّكاحُ والطَّلاقُ والرَّجعةُ» (^٣)، فدَلَّ على وُقوعِ الطَّلاقِ مِنَ الهازِلِ، وأنَّهُ لا يَحتاجُ إلى النِّيةِ في الصَّريحِ؛ لأنَّ النَّبيَّ سوَّى فِيهنَّ بيْنَ الجادِّ والهازِلِ، ولأنَّ الفرْقَ بيْنَ الجِدِّ والهَزلِ أنَّ الجادَّ قاصِدٌ إلى اللَّفظِ وإلى إيقاعِ حُكْمِه، والهازِلَ قاصِدٌ إلى اللَّفظِ غَيرُ مُريدٍ
_________________
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: وقد تقدم.
(٢) «المغني» (٧/ ٢٩١)، و«الإنصاف» (٤/ ٤٣٢)، و«كشاف القناع» (٥/ ٢٦٨)، و«شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٣٦٥)، و«منار السبيل» (٣/ ٨٥).
(٣) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٢١٩٤)، والترمذي (١١٩٤)، وابن ماجه (٢٠٣٩).
[ ١٧ / ٢٣٣ ]
لإيقاعِ حُكمِهِ، فعَلِمْنا أنَّهُ لا حَظَّ للإرادَةِ في نَفيِ الطَّلاقِ، وأنَّهما جَميعًا مِنْ حَيثُ كانَا قاصدَينِ للقولِ أنْ يَثبتَ حُكمُه عَليهِما (^١).
ولأنَّ الهازِلَ أتَى بالقَولِ غَيرَ مُلتزِمٍ لحُكمِه، وتَرتيبُ الأحكامِ على الأسبابِ إنَّما هي للشَّارِعِ لا للعاقِدِ، فإذا أتَى بالسَّببِ لَزمَهُ حُكمُه شاءَ أم أبَى؛ لأنَّ ذلكَ لا يَقفُ على اختِيارِه، وذلكَ أنَّ الهازِلَ قاصِدٌ للقَولِ مُريدٌ لهُ معَ عِلمِه بمَعناهُ ومُوجَبِه، وقَصدُ اللَّفظِ المُتضمِّنِ للمَعنَى قَصدٌ لذلكَ المَعنَى؛ لتَلازُمِهما، ثمَّ إنَّ اللَّعبَ والهَزلَ في حُقوقِ اللهِ تعالَى غَيرُ جائزٍ، فيكونُ جِدُّ القَولِ وهَزلُه سواءً، بخِلافِ جانبِ العِبادِ (^٢).
قالَ الإمامُ البَغويُّ ﵀: اتَّفقَ أهلُ العِلمِ على أنَّ طلاقَ الهازِلِ يَقعُ، وإذا جَرَى صَريحُ لَفظِ الطَّلاقِ على لِسانِ العاقِلِ البالِغِ لا يَنفعُه أنْ يقولَ: «كنتُ فيهِ لاعِبًا أو هازِلًا»؛ لأنَّه لو قُبِلَ ذلكَ منهُ لَتَعطَّلتِ الأحكامُ ولَم يَشأْ مُطلِّقٌ أو ناكِحٌ أو مِعتِقٌ أنْ يقولَ: «كنتُ في قَولي هازِلًا»، فيَكونُ في ذلكَ إبطالُ أحكامِ اللهِ تعالَى، فمَنْ تَكلَّمَ بشيءٍ ممَّا جاءَ ذِكرُه في هذا الحَديثِ لَزمَهُ حُكمُه، وخَصَّ هذهِ الثَّلاثَ بالذِّكرِ لتَأكيدِ أمرِ الفَرجِ، واللهُ أعلمُ (^٣).
_________________
(١) «أحكام القرآن» للجصاص (٥/ ١٤).
(٢) «الفتاوى الكبرى» (٣/ ١٥٠)، و«إعلام الموقعين» (٣/ ١٢٤).
(٣) «شرح السنة» (٩/ ٢٢٠).
[ ١٧ / ٢٣٤ ]
وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عَنهُ مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ جِدَّ الطَّلاقِ وهَزلَه سَواءٌ (^١).
وقالَ الإمامُ أبو بكرٍ الجصَّاصُ ﵀: جِدُّ الطَّلاقِ ولَعِبُه سواءٌ، ورُويَ ذلكَ عَنْ جَماعةٍ مِنَ التَّابعِينَ، ولا نَعلمُ فيهِ خِلافًا بيْنَ فُقهاءِ الأمصارِ (^٢).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وكذَا كَونُهُ جادًّا ليسَ بشَرطٍ، فيَقعُ طَلاقُ الهازِلِ بالطَّلاقِ واللَّاعِبِ؛ لِمَا رُويَ عَنْ رَسولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ثَلاثٌ جِدَّهُنَّ وهَزلُهنَّ جِدٌّ، النِّكاحُ والطَّلاقُ والعِتاقُ»، ورُويَ: «النِّكاحُ والطَّلاقُ والرَّجعةُ».
وعن أبي الدَّرداءِ ﵁ عَنْ رَسولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَنْ لَعِبَ بطَلاقٍ أو عِتاقٍ لَزمَهُ»، وقيلَ: فيهِ نَزَلَ قولُه ﷾: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾، وكانَ الرَّجلُ في الجَاهليَّةِ يُطلِّقُ امرَأتُه ثمَّ يُراجِعُ فيَقولُ: «كُنْتُ لاعِبًا»، ويُعتِقُ عَبدَه ثمَّ يَرجعُ فيَقولُ: «كُنْتُ لاعِبًا»، فنزَلتِ الآيةُ فقالَ ﷺ: «مَنْ طلَّقَ أو حرَّرَ أو نَكحَ فقالَ: «إنِّي كنتُ لاعِبًا» فهوَ جائِزٌ مِنهُ» (^٣) (^٤).
_________________
(١) «الإجماع» (٤٠٦)، و«الإشراف» (٥/ ٢٣٠، ٢٣١).
(٢) «أحكام القرآن» (٢/ ٩٩).
(٣) صَحِيحٌ موقوفًا على أبي الدرداء: رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٨٧١٩).
(٤) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٠٠)، و«البحر الرائق» (٣/ ٢٦٣).
[ ١٧ / ٢٣٥ ]
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: ولا خِلافَ بيْنَ العُلماءِ أنَّ مَنْ طلَّقَ هازِلًا أنَّ الطَّلاقَ يَلزمُه (^١).
وقالَ الإمامُ الخطَّابيُّ ﵀: اتَّفقَ عامَّةُ أهلِ العِلمِ على أنَّ صَريحَ لَفظِ الطَّلاقِ إذا جَرَى على لِسانِ البالغِ العاقِلِ فإنَّهُ مُؤاخَذٌ بهِ، ولا يَنفعُه أنْ يقولَ: «كُنْتُ لاعِبًا أو هازِلًا، أو لَم أَنوِ بهِ طلاقًا» أو ما أشبَهَ ذلكَ مِنَ الأُمورِ.
واحتَجَّ بَعضُ العُلماءِ في ذلكَ بقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١] وقالَ: لو أطلقَ للنَّاسِ ذلكَ لَتَعطَّلتِ الأحكامُ ولَم يَشأْ مُطلِّقٌ أو ناكِحٌ أو مُعتِقٌ أنْ يقولَ: «كنتُ في قَولي هازِلًا»، فيَكونُ في ذلكَ إبطالُ أحكامِ اللهِ ﷾، وذلكَ غَيرُ جائزٍ، فكلُّ مَنْ تَكلَّمَ بشَيءٍ ممَّا جاءَ ذِكرُه في هذا الحَديثِ لَزمَهُ حُكمُه، ولَم يُقبَلْ منهُ أنْ يَدَّعيَ خِلافَه، وذلكَ تأكيدٌ لأمرِ الفُروجِ واحتِياطٌ لهُ، واللهُ أعلمُ (^٢).
وقالَ الإمامُ الزُّرقانِيُّ ﵀: فيَقعُ طلاقُ اللَّاعبِ إجماعًا (^٣).
وقالَ الماوَرْديُّ ﵀: اعلَمْ أنَّهُ لا يَخلُو حالُ مَنْ تَلفَّظَ بصَريحِ الطَّلاقِ مِنْ أربعَةِ أقسامٍ:
_________________
(١) «تفسير القرطبي» (٣/ ١٥٧).
(٢) «معالم السنن» (٣/ ٢٤٣).
(٣) «شرح الزرقاني» (٣/ ٢١٤).
[ ١٧ / ٢٣٦ ]
أحَدُها: أنْ يَقصدَ اللَّفظَ ويَنويَ الفُرقةَ، فيَقعُ بهِ الطَّلاقُ إجماعًا إذا كانَ المُتلفِّظُ مِنْ أهلِ الطَّلاقِ.
والقِسمُ الثَّاني: أنْ يَقصدَ اللَّفظَ ولا يَنوي الفُرقةَ، فيَقعُ بهِ الطَّلاقُ؛ لأنَّ الصَّريحَ لا يَفتقِرُ إلى نيَّةٍ، وهوَ قولُ جُمهورِ الفُقهاءِ، وقالَ داودُ: لا يَقعُ بهِ الطَّلاقُ إلَّا معَ النِّيةِ، استِدلالًا بقولِ النَّبيِّ ﷺ: «وإنَّما لكُلِّ امرِئٍ ما نوَى»، وهذا خَطأٌ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ: «ثَلاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ وهَزلُهنَّ جِدٌّ، النِّكاحُ والطَّلاقُ والعِتاقُ»، ولأنَّ الفُرقةَ تَقعُ بالفَسخِ تارةً وبالطَّلاقِ أُخرَى، فلمَّا لم يَفتقِرِ الفَسخُ إلى النِّيةِ لَم يَفتقِرِ الطَّلاقُ إليها، ولأنَّهُ لمَّا لَم يَفتقِرْ صَريحُ العِتقِ إلى النِّيةِ لَم يَفتقِرْ صَريحُ الطَّلاقِ إلى النِّيةِ، ولأنَّهُ قد افتَرقَ في الطَّلاقِ حُكمُ الصَّريحِ والكِنايةِ، فلَوِ افتَقرَ الصَّريحُ إلى النِّيةِ لَصارَ جَميعُه كِنايةً، وإذا كانَ كذلكَ فقَدْ وقَعَ الطَّلاقُ معَ عَدمِ النِّيةِ ظاهرًا وباطنًا (^١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وإذا أتَى بصَريحِ الطَّلاقِ لَزمَهُ، نَواهُ أو لَم يَنوِه).
قَدْ ذكَرْنا أنَّ صَريحَ الطَّلاقِ لا يَحتاجُ إلى نيَّةٍ، بلْ يَقعُ مِنْ غَيرِ قَصدٍ، ولا خِلافَ في ذلكَ، ولأنَّ ما يُعتبَرُ لهُ القولُ يُكتفَى فيهِ بهِ مِنْ غَيرِ نيَّةٍ إذا كانَ صَريحًا فيهِ كالبيعِ، وسَواءٌ قصَدَ المَزحَ أو الجِدَّ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ:
_________________
(١) «الحاوي الكبير» (١٠/ ١٥٣، ١٥٤).
[ ١٧ / ٢٣٧ ]
«ثَلاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ وهَزلُهنَّ جِدٌّ، النِّكاحُ والطَّلاقُ والرَّجعَةُ»، رَواهُ أبو داودَ والتِّرمذيُّ وقالَ: حَديثٌ حَسَنٌ.
قالَ ابنُ المُنذِرِ: أجمَعَ كلُّ مَنْ أحفظُ عَنهُ مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ جِدَّ الطَّلاقِ وهَزلَه سواءٌ، رُويَ هذا عَنْ عُمرَ بنِ الخطَّابِ وابنِ مَسعودٍ، ونُحوهُ عَنْ عَطاءٍ وعُبيدةَ، وبهِ قالَ الشَّافعيُّ وأبو عُبيدٍ، قالَ أبو عُبيدٍ: وهوَ قولُ سُفيانَ وأهلِ العِراقِ، فأمَّا لَفظُ الفِراقِ والسَّراحِ فيَنبنِي على الخِلافِ فيهِ، فمَن جعَلَهُ صَريحًا أوقَعَ بهِ الطَّلاقَ مِنْ غَيرِ نيَّةٍ، ومَن لَم يَجعلْهُ صَريحًا لم يُوقِعْ بهِ الطَّلاقَ حتَّى يَنويَهُ، ويَكونُ بمَنزلةِ الكِناياتِ الخَفيَّةِ (^١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: فأمَّا طلاقُ الهازِلِ فيَقعُ عندَ العامَّةِ (^٢).
وقالَ الإمامُ الخرشِيُّ ﵀: ولَزمَ الطَّلاقُ إنْ هَزَلَ بإيقاعِهِ اتِّفاقًا، بلْ ولَو هَزلَ بإطلاقِ لَفظِه عَليهِ على المَعرُوفِ (^٣).
إلَّا أنَّ لِلمالكيَّةِ قَولًا بِعَدمِ وُقوعِ طَلاقِ الهازِلِ، قَالَ الإِمامُ المَوَّاقُ ﵀: قَول (ولَزمَ ولو هَزلَ) ابنُ عَرفةَ: هَزْلُ إيقاعِ الطَّلاقِ لازِمٌ اتِّفاقًا، وهَزلُ إطلاقِ لَفظِه عَليهِ المَعروف لُزومُه.
_________________
(١) «المغني» (٧/ ٣٠٣)، ويُنظر: «منار السبيل» (٣/ ٩٤).
(٢) «الفتاوى الكبرى» (٣/ ١٤٩)، ويُنظر: «إعلام الموقعين» (٣/ ١٢٤).
(٣) «شرح مختصر خليل» (٤/ ٣٢).
[ ١٧ / ٢٣٨ ]
اللَّخميُّ: أرَى إنْ قامَ دليلُ الهَزلِ لم يَلزمْهُ طلاقٌ.
وقالَ ابنُ القاسِمِ: مَنْ قالَ لامرَأتِهِ: «قَدْ وَلَّيْتُكِ أمْرَكِ إنْ شاءَ اللهُ» فقالَتْ: «فارَقْتُكَ إنْ شاءَ اللهُ» وهُمَا لاعبانِ لا يُريدانِ طلاقًا فلا شيءَ عَليهما.
وقالَ ابنُ القاسمِ في رَجلٍ قالَ لهُ رجلٌ: «أَطلَّقْتَ امرأتَكَ؟» قالَ: «نَعم كما طلَّقْتَ أنتَ امرأتَكَ»، فإذا بالآخَرِ قدْ طلَّقَ امرأتَهُ والآخَرُ لم يَعلمْ: لا شيءَ عليهِ؛ إذْ لم يُرِدْ طلاقًا، ويَحلِفُ أنَّهُ لم يَعلمْ بطلاقِ الآخَرِ، ولا يَحلفُ أنَّهُ كانَ لاعِبًا؛ لأنَّ اللَّاعِبَ يَلزمُه الطَّلاقُ (^١).
وهو أيضًا رِوايةٌ للحَنابلةِ، فقدْ قالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: وقَد ألغَى طلاقَ الهازِلِ بَعضُ الفُقهاءِ، وهوَ إحدَى الرِّوايتَينِ عَنْ الإمامِ أحمَدَ، حَكاها أبو بكرٍ عَبدُ العَزيزِ وغَيرُه، وبهِ يَقولُ بعضُ أصحابِ مالكٍ إذا قامَ دَليلُ الهَزلِ، فلَم يَلزَمْه عِتقٌ ولا نِكاحٌ ولا طلاقٌ؛ ولا رَيبَ أنَّ الغَضبانَ أَولَى بعَدمِ وُقوعِ طَلاقِه مِنْ هذا (^٢).