الغَضَبُ: حالةٌ مِنَ الاضطِرابِ العَصَبيِّ، وعَدمُ التَّوازُنِ الفِكريُّ، تَحلُّ بالإنسانِ إذا عَدَا عليهِ أحدٌ بالكَلامِ أو غَيرِه.
وقد قَسَّمَ العُلماءُ الغَضَبَ إلى ثلاثةِ أقسامٍ، واتَّفقُوا على أنَّ قِسمًا مِنْ هذهِ الأقسامُ يَقعُ به الطَّلاقُ، وقِسمًا لا يَقعُ به الطَّلاقُ، وقسمٌ مُختلَفٌ فيهِ بيْنَهم، هل يَقعُ بهِ الطَّلاقُ أم لا؟
القِسمُ الأوَّلُ: أنْ يَحصلَ للإنسانِ مَبادِئُه وأوائِلُهُ، بحَيثُ لا يَتغيَّرُ عليهِ عَقلُهُ ولا ذِهنُه، ويَعلمُ ما يَقولُ ويَقصِدُه، فهذا لا إشكالَ في وُقوعِ طلاقِهِ وعِتقِه وصحَّةِ عُقودِه بإجماعِ العُلماءِ، ولا سِيَّما إذا وقَعَ منهُ ذلكَ بعْدَ تَردُّدِ فِكرِه (^١).
القِسمُ الثَّاني: أنْ يَبلغَ بهِ الغَضبُ نهايَتَه، بحيثُ يَنغلِقُ عَليهِ بابُ العِلمِ والإرادةِ، فلا يَعلمُ ما يَقولُ ولا يُريدُه، قالَ ابنُ القَيِّمِ ﵀: فهذا لا يَتوجَّهُ خِلافٌ في عَدمِ وُقوعِ طلاقِهِ، والغَضَبُ غُفولُ العَقلِ، فإذا اغتالَ الغَضَبُ عَقلَه حتَّى لم يَعلمْ ما يَقولُ فلا رَيبَ أنَّه لا يَنفذُ شَيءٌ مِنْ أقوالِه في
_________________
(١) «إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان» ص (١٩)، و«مطالب أولي النهى» (٥/ ٣٢٣)، و«حاشية ابن عابدين» (٣/ ٢٤٤).
[ ١٧ / ٣١٠ ]
هذهِ الحالَةِ، فإنَّ أقوالَ المُكلَّفِ إنَّما تَنفذُ معَ عَلمِ القائلِ بصُدورِها مِنهُ ومَعناها وإرادَتِه للتَّكلُّمِ.
فالأوَّلُ: يُخرِجُ النَّائِمَ والمَجنونَ والمُبَرسَمَ والسَّكرانَ، وهذا الغَضبانَ.
والثَّاني: يُخرِجُ مَنْ تَكلَّمَ باللَّفظِ وهوَ لا يَعلمُ مَعناهُ ألبتَةَ، وهو لا يلزَمُ مُقتضاهُ.
والثَّالثُ: يُخرِجُ مَنْ تَكلَّمَ بهِ مُكرَهًا وإنْ كانَ عالِمًا بمَعناهُ (^١).
القسمُ الثَّالثُ: مَنْ تَوسَّطَ في الغضَبِ بيْنَ المَرتبتَينِ فتَعدَّى مَبادِئَه، ولَم يَنْتَهِ إلى آخِرِه بحَيثُ صارَ كالمَجنونِ، فهذا مَوضِعُ الخِلافِ، ومَحلُّ النَّظرِ بيْنَ العُلماءِ.
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ والمالكيَّةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ طلاقَ الغَضبانِ يَقعُ وإنْ اشتَدَّ غَضَبُه، إلَّا إذا غابَ عَقلُهُ وصارَ كالمَجنونِ؛ لأنَّ طلاقَ النَّاسِ غالبًا إنَّما هوَ في حالِ الغضَبِ، فلو جازَ عَدمُ وُقوعِ طلاقِ الغَضبانِ لَكانَ لِكلِّ أحَدٍ أنْ يقولَ: «كُنْتُ غَضبانَ فلا يَقعُ عَليَّ طلاقٌ»، وهوَ باطِلٌ.
وقدْ صحَّ عنِ ابنِ عبَّاسٍ وعائشةَ أنَّه يَقعُ طَلاقُ الغَضبانِ، وأفتَى بهِ جَمْعٌ مِنَ الصَّحابةِ (^٢).
_________________
(١) «إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان» ص (١٩)، و«مطالب أولي النهى» (٥/ ٣٢٣)، و«حاشية ابن عابدين» (٣/ ٢٤٤).
(٢) «شرح الزرقاني» (٣/ ٢٨٠).
[ ١٧ / ٣١١ ]
قالَ المالكيَّةُ: يَلزمُ طَلاقُ الغَضبانِ ولوِ اشتَدَّ غَضَبُه، خِلافًا لبَعضِهم، ودَعوَى أنَّهُ مِنْ قَبيلِ الإكراهِ باطِلٌ، وكُلُّ هذا ما لَم يَغِبْ عَقلُه بحَيثُ لا يَشعُرُ بما صدَرَ منهُ، فإنَّه كالمَجنونِ (^١).
وقالَ ابنُ حَجَرٍ الهَيثميُّ ﵀: «لا طلاقَ في إغلاقٍ» وفسَّرَه كَثيرونَ بالإكراهِ، كأنَّه أُغلِقَ عَليهِ البابُ أو انغَلَقَ عَليهِ رَأيُه، ومَنعُوا تَفسيرَهُ بالغَضبِ؛ للاتِّفاقِ على وُقوعِ طَلاقِ الغَضبانِ، قالَ البَيهَقيُّ: وأفتَى بهِ جَمْعٌ مِنَ الصَّحابةِ، ولا مُخالِفَ لهُم مِنهم (^٢).
وقالَ الجَمَلُ ﵀: قَولُه: «لا طلاقَ في إغلاقٍ» أي إكراهٍ، فسَّرُوا الإغلاقَ بالإكراهِ؛ لأنَّ المُكرَهَ أُغلِقَ عليهِ البابُ أو انغَلَقَ عَليهِ رأيُه، ومَنعُوا تَفسيرَهُ بالغَضبِ؛ للاتِّفاقِ على وُقوعِ طَلاقِ الغَضبانِ (^٣).
وجاءَ في «فَتْح المُعينِ بشَرحِ قُرَّةِ العَينِ» للإمامِ زَينِ الدِّينِ بنِ عَبدِ العَزيزِ المليباري: واتَّفقُوا على وُقوعِ طلاقِ الغَضبانِ وإنِ ادَّعَى زَوالَ شُعورِه بالغَضبِ.
قالَ ابنُ شَطَا في شَرحِه: (قَولُه: واتَّفقُوا على وُقوعِ طَلاقِ الغَضبانِ) في
_________________
(١) «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٣/ ٢٤٧)، و«حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٥/ ٢٩٣).
(٢) «تحفة المحتاج» (٩/ ٣٧٧).
(٣) «حاشية الجمل على شرح المنهج» (٤/ ٣٢٤).
[ ١٧ / ٣١٢ ]
«تَرغيب المُشتاقِ»: سُئِلَ الشَّمسُ الرَّمليُّ عن الحَلِفِ بالطَّلاقِ حالَ الغَضبِ الشَّديدِ المُخرِجِ عنِ الإشعارِ: هَلْ يَقعُ الطَّلاقُ أم لا؟ وهل يُفرَّقُ بيْنَ التَّعليقِ والتَّنجِيزِ أم لا؟ وهل يُصدَّقُ الحالِفِ في دَعواهُ شدَّةَ الغَضبِ وعَدم الإشعارِ؟
فأجابَ: بأنَّهُ لا اعتِبارَ بالغَضبِ فيها، نعَمْ إنْ كانَ زائِلَ العَقلِ عُذِرَ. اه. بحَذفٍ.
وقَولهُ: (وإنِ ادَّعَى زَوالَ شُعورِه): أي إدراكِهِ.
وقَولهِ (بالغَضبِ): أي بسَببِ الغَضبِ، وهوَ مُتعلِّقٌ بزَوالٍ (^١).
وأمَّا الحَنابلةُ فقالَ الإمامُ ابنُ رَجبٍ الحَنبليُّ ﵀: ما يَقعُ مِنْ الغَضبانِ مِنْ طَلاقٍ وعِتاقٍ أو يَمينٍ، فإنَّه يُؤاخَذُ بذلكَ كلِّه بغَيرِ خِلافٍ.
وفي «مُسنَد الإمامِ أحمَدَ» عَنْ خَولةَ بنتِ ثَعلَبةَ امرأةَ أَوْسِ بنِ الصَّامِتِ أنَّها راجَعَتْ زَوْجَها فغَضِبَ فظاهَرَ منها، وكانَ شَيخًا كَبيرًا قَدْ ساءَ خُلُقُه وضَجِرَ، وأنَّها جاءَتْ إلى النَّبيِّ ﷺ فجَعلَتْ تَشكُو إليهِ ما تَلقَى مِنْ سُوءِ خُلُقِه، فأنزَلَ اللهُ آيةَ الظِّهارِ، وأمَرَه رَسولُ اللهِ ﷺ بكفَّارِةِ الظِّهارِ في قِصَّةٍ طَويلةٍ، وخرَّجَها ابنُ أبي حاتِمٍ مِنْ وَجهٍ آخَرَ عن أبي العالِيةِ «أنَّ خَولةَ غَضِبَ زَوجُها فظاهَرَ مِنها، فأتَتِ النَّبيَّ ﷺ فأخبَرتْه
_________________
(١) «إعانة الطالبين» (٤/ ١١، ١٢).
[ ١٧ / ٣١٣ ]
بذلكَ وقالَتْ: إنَّهُ لَم يُرِدِ الطَّلاقَ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ: «مَا أَراكِ إلَّا حَرُمْتِ عَليهِ»، وذكَرَ القِصَّةَ بطُولِها، وفي آخِرِها قالَ: فحَوَّلَ اللهُ الطَّلاقَ فجعَلَهُ ظِهارًا، فهذا الرَّجلُ ظاهَرَ في حالِ غَضبِهِ، وكانَ النَّبيُّ ﷺ يَرَى حِينئذٍ أنَّ الظِّهارَ طَلاقٌ، وقَد قالَ إنَّها حَرُمَتْ عَليهِ بذلكَ، يَعني لَزِمَه الطَّلاقُ، فلمَّا جعَلَهُ اللهُ ظِهارًا مُكفَّرًا ألزَمَه بالكفَّارَةِ ولَم يُلغِه.
وعَن مُجاهِدٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيشٍ إلى ابنِ عَبَّاسٍ فقالَ: يا ابنَ عَبَّاسٍ: «إنِّي طَلَّقتُ امرأتِي ثلاثًا وأنا غَضبانُ، فقالَ: إنَّ ابنَ عَبَّاسٍ لا يَستطيعُ أنْ يُحِلَّ لكَ ما حُرِّمَ عليكَ، عَصَيتَ رَبَّكَ وحُرِّمَتْ عليكَ امرأتُكَ، إنَّكَ لَم تَتَّقِ اللَّهَ فيجعل لكَ مَخرَجًا، ثُمَّ قَرأَ ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] طاهِرًا مِنْ غَيرِ جِماعٍ» (^١). خَرَّجَه الجَوزَجانِيُّ والدَّارَقُطنيُّ بإسنادٍ على شَرطِ مُسلِمٍ.
وخرَّجَ القاضي إسماعِيلُ بنُ إسحاقَ في كتابِ «أحكام القُرآنِ» بإسنادٍ صَحيحٍ عَنْ عائِشةَ ﵂ قالَتْ: «اللَّغوُ في الأيمانِ ما كانَ في المِراءِ والهَزلِ والمُزاحَةِ، والحَديثِ الَّذي لا يُعقَدُ عليهِ القَلبُ، وأيمانُ الكفَّارةِ على كُلِّ يَمينٍ حَلَفْتَ عليها على جِدٍّ مِنَ الأمرِ في غَضبٍ أو غَيرِه: لَتَفعَلنَّ أو لَتَتْرُكَنَّ، فذلكَ عَقدُ الأيمانِ فيها الكَفَّارةُ»، وكذا رَواهُ ابنُ وَهْبٍ عَنْ يُونسَ عَنِ الزُّهريِّ عَنْ عُروةَ عَنْ عائشةَ، وهذا مِنْ أصحِّ الأسانيدِ، وهذا يَدلُّ على
_________________
(١) رواه الدارقطني (٣٩٢٧)
[ ١٧ / ٣١٤ ]
أنَّ الحَديثَ المَرويَّ عنها مَرفوعًا: «لا طلاقَ ولا عِتاقَ في إغلاقٍ» إمَّا أنَّه غَيرُ صَحيحٍ، أو أنَّ تَفسيرَهُ بالغَضبِ غيرُ صَحيحٍ.
وقَد صَحَّ عَنْ غيرِ واحِدٍ مِنَ الصَّحابةِ أنَّهُم أَفتَوا أنَّ يَمينَ الغَضبانِ مُنعقِدةٌ وفيها الكفَّارَةُ، وما رُويَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ ممَّا يُخالِفُ ذلكَ فلا يَصحُّ إسنادُهُ، قالَ الحسَنُ: «طلاقُ السُّنةِ أنْ يُطلِّقَها واحدَةً طاهِرًا مِنْ غَيرِ جِماعٍ، وهوَ بالخيارِ ما بَينَهُ وبيْنَ أنْ تَحيضَ ثلاثَ حِيَضٍ، فإنْ بَدَا لهُ أنْ يُراجِعَها كانَ أملَكَ بذلكَ، فإنْ كانَ غَضبانَ ففي ثلاثِ حِيَضٍ، أو في ثلاثةٍ أشهُرٍ إنْ كانَتْ لا تَحيضُ ما يُذهِبُ غَضَبَه»، وقالَ الحسَنُ: «لقَدْ بيَّنَ اللهُ لِئلَّا يَندَمَ أحدٌ في طلاقٍ كما أمرَهُ اللهُ» خرَّجَه القاضي إسماعِيلُ.
وقَد جعَلَ كَثيرٌ مِنَ العُلماءِ الكِناياتِ مَعَ الغَضبِ كالَّصريحِ في أنَّه يقَعُ بها الطَّلاقُ ظاهِرًا، ولا يُقبَلُ تَفسيرُها مَعَ الغَضبِ بغَيرِ الطَّلاقِ، ومِنهُم مَنْ جعَلَ الغَضبَ معَ الكِناياتِ كالنِّيةِ، فأوقَعَ بذلكَ الطَّلاقَ في الباطِنِ أيضًا، فكَيفَ يُجعَلُ الغَضبُ مانِعًا مِنْ وُقوعِ صَريحِ الطَّلاقِ؟! (^١).
وقالَ الإمامُ البُهوتيُّ ﵀: والغَضبانُ مُكلَّفٌ في حالِ غَضبِهِ بما يَصدرُ مِنهُ مِنْ كُفرٍ وقَتلِ نفْسٍ وأخذِ مالٍ بغَيرِ حَقٍّ وطلاقٍ وغَيرِ ذلكَ.
قالَ ابنُ رَجبٍ في «شَرْح الأربعِينَ النَّواويَّة»: ما يَقعُ مِنَ الغَضبانِ مِنْ طلاقٍ وعِتاقٍ أو يَمينٍ فإنَّه يُؤاخَذُ، وفي نُسخَةٍ: بذلكَ كلِّه بغَيرِ خِلافٍ.
_________________
(١) «جامع العلوم والحكم» ص (١٤٩).
[ ١٧ / ٣١٥ ]
واستَدلَّ لذلكَ بأدلَّةٍ صَحيحةٍ منها حَديثُ خُوَيلةَ بِنتِ ثَعلَبةَ امرَأةِ أَوْسِ ابنِ الصَّامِتِ الآتي في الظِّهارِ، وفيهِ: غَضِبَ زَوجُها فظاهَرَ منها، فأتَتِ النَّبيَّ ﷺ فأخبَرتْه بذلكَ وقالَتْ: إنَّه لَم يُرِدِ الطَّلاقَ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ: «ما أَراكِ إلَّا حَرُمْتِ عَليهِ» أخرَجَه ابنُ أبي حاتِمٍ، وذكَرَ القصَّةَ بطُولِها وفي آخِرِها قالَ: «فحَوَّلَ اللهُ الطَّلاقَ فجعَلَه ظِهارًا».
ومنها ما رُوِيَ عَنِ ابنِ عبَّاسٍ وعائشةَ وغَيرِهِما في ذلكَ وأطالَ. وذلكَ في شَرحِ الحَديثِ السَّادسَ عَشَرَ مِنْ الأحاديثِ المَذكُورةِ، (وأَنكَرَ على مَنْ يَقولُ بخلافِ ذلكَ)؛ لأنَّه مُكلَّفٌ على ما دلَّتْ عَليهِ الأخبارُ.
لكنْ إنْ غَضِبَ حتَّى أُغمِيَ أو أُغشِيَ عليهِ لَم يَقعْ طَلاقُه في تِلكَ الحالِ؛ لزَوالِ عَقلِه، أشبَهَ المَجنُونَ (^١).
وقالَ الإمامُ الرّحيبانِيُّ الحَنبليُّ ﵀: (و) يقَعُ الطَّلاقُ (مِمَّنْ غَضِبَ) ولم يَزُلْ عَقلُه بالكُليَّةِ؛ لأنَّه مُكلَّفٌ في حالِ غضَبِه بما يَصدُرُ منهُ مِنْ كُفرٍ وقَتلِ نَفْسٍ وأخذِ مالٍ بغَيرِ حقٍّ وطَلاقٍ وغَيرِ ذلكَ.
قالَ ابنُ رَجبٍ في «شَرح الأربعِينَ النَّوويَّةِ»: ما يَقعُ مِنْ الغَضبانِ مِنْ طلاقٍ وعِتاقٍ أو يَمينٍ فإنَّه يُؤاخَذُ بهِ، وفي نُسخَةٍ: بذلكَ كلِّه بغَيرِ خِلافٍ، واستَدلَّ لذلكَ بأدلَّةٍ صَحيحةٍ منها حَديثُ خَولةَ بِنتِ ثَعلَبةَ امرَأةِ أَوْسِ بنِ الصَّامِتِ الآتي في الظِّهارِ، ومنه: «غَضِبَ زَوجُها فظاهَرَ منها، فأتَتِ النَّبيَّ
_________________
(١) «كشاف القناع» (٥/ ٢٧٠).
[ ١٧ / ٣١٦ ]
ﷺ فأخبَرتْهُ بذلكَ وقالَتْ: إنَّهُ لم يُرِدِ الطَّلاقَ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ: «ما أَراكِ إلَّا حَرُمْتِ عليهِ» أخرَجُه ابنُ أبي حاتِمٍ، وذكَرَ القصَّةَ بطُولِها، ففي آخِرِها قالَ: «فحوَّلَ اللهُ الطَّلاقَ فجعَلَه ظِهارًا».
ومنها: ما رُويَ عَنْ ابنِ عبَّاسٍ وعائِشةَ وغَيرِهِما في ذلكَ وأطالَ. وذلكَ في شَرحِ الحَديثِ السَّادسَ عشَرَ مِنْ الأحاديثِ المَذكورةِ، وأنكَرَ على مَنْ يَقولُ بخِلافِ ذلكَ؛ لأنَّهُ مُكلَّفٌ على ما دَلَّتْ عليهِ الأخبارُ، وقَولُهُ: (خِلافًا لابنِ القَيِّمِ) فيهِ نَظَرٌ؛ فإنَّ ابنَ القيِّمِ لم يَقُلْ بعَدمِ وُقوعِ طَلاقِ الغَضبانِ مُطلَقًا، بل أَفرَدَ هذهِ المَسألةَ برِسالةٍ سمَّاها «إغاثَة اللَّهفانِ في حُكمِ طلاقِ الغَضبانِ».
وفصَّلَ فيها فقالَ: الغَضبُ ثلاثةُ أقسامٍ:
أحَدُها: أنْ يَحصُلَ للإنسانِ مَبادِئُه وأوائِلُه، بحَيثُ لا يَتغيَّرُ عليهِ عَقلُه ولا ذِهنُه، ويَعلمُ ما يَقولُ ويَقصِدُه؛ فهذا لا إشكالَ في وُقوعِ طَلاقِه وعِتقِه وصحِّةِ عُقودِهِ، ولا سِيَّما إذا وقَعَ مِنهُ ذلكَ بعْدَ تَردُّدِ فِكرِه.
القِسمُ الثَّاني: أنْ يَبلُغَ بهِ الغَضبُ نهايَتَه بحَيثُ يَنغلِقُ عليهِ بابُ العِلمِ والإرادةِ، فلا يَعلَمُ ما يَقولُ ولا يُريدُه؛ فهذا لا يَتوجَّهُ خِلافٌ في عَدمِ وُقوعِ طَلاقِهِ، والغضَبُ غُفولُ العَقلِ، فإذا اغتالَ الغَضبُ عقْلَهُ حتَّى لَم يَعلمْ ما يَقولُ فلا رَيبَ أنَّه لا يَنفُذُ شَيءٌ مِنْ أقوالِهِ في هذهِ الحالةِ، فإنَّ أقوالَ المُكلَّفِ إنَّما تَنفُذُ معَ عَلمِ القائِلِ بصُدورِها منهُ ومَعناها وإرادَتِه للتكلُّمِ.
[ ١٧ / ٣١٧ ]
فالأوَّلُ: يَخرجُ مِنَ النَّائمِ والمَجنونِ والمُبَرسَمِ والغَضبانِ.
والثَّاني: يَخرُجُ ممَّنْ تَكلَّمَ باللَّفظِ وهوَ لا يَعلمُ مَعناهُ ألبَتَّةَ، وهو لا يَلزمُ مُقتضاهُ.
والثَّالثُ: يَخرُجُ مِمَّنْ تَكلَّمَ بهِ مُكرَهًا وإنْ كانَ عالِمًا بمَعناهُ.
القِسمُ الثَّالثُ: مَنْ تَوسَّطَ في الغَضبُ بيْنَ المَرتبتَينِ، فتَعدَّى مبادَئَه ولَم يَنْتَهِ إلى آخِرِهِ بحَيثُ صارَ كالمَجنونِ، فهذا مَوضِعُ الخِلافِ ومَحلُّ النَّظرِ، والأدلَّةُ الشَّرعيةُ تَدلُّ على عَدمِ نُفوذِ طَلاقِهِ وعِتقِه وعُقودِه الَّتي يُعتبَرُ فيها الاختِيارُ والرِّضا، وهَو فَرعٌ مِنَ الإغلاقِ كمَا فَسَّرَه بهِ الأئمَّةُ. انتهى.
وكَأنَّ المُصنِّفَ أشارَ لخلافِ ابنِ القيِّمِ في هذا القِسمِ الثَّالثِ، معَ أنَّ ابنَ القيِّمِ لَم يَجزِمْ بعَدمِ الوُقوعِ في هذا القِسمِ، غيرَ أنَّهُ مالَ إليهِ، وقَد ذكَرَ هَذهِ الثَّلاثةَ أقسامٍ أيضًا في «الهَدي النَّبَويِّ» باختِصارٍ، وأمَّا في هَذهِ الرِّسالةِ فقَدْ أطالَ وأكثَرَ فيها مِنَ الأدلَّةِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ وأقوالِ الأئمَّةِ.
وقالَ: وأمَّا الاعتِبارُ وأُصولُ الشَّريعةِ فمِن وُجوهٍ، وساقَ لها أربعَةً وعِشرينَ وَجهًا.
قالَ في «الفُرُوع»: ويَدخُلُ ذلكَ في كَلامِهمِ مَنْ غَضِبَ حتَّى أُغمِيَ أو أُغشِيَ عليهِ، قالَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ: يَدخلُ ذلكَ في كَلامِهِم بلا رَيبٍ (^١).
_________________
(١) «مطالب أولي النهى» (٥/ ٣٢٢، ٣٢٣).
[ ١٧ / ٣١٨ ]
أمَّا الحَنفيَّةُ فقالَ الإمامُ ابنُ عابدِينَ ﵀: مَطلَبٌ في طلاقِ المَدهوشِ.
وقالَ في «الخَيريَّة»: غَلِطَ مَنْ فسَّرَه هُنا بالتَّحيُّرِ؛ إذْ لا يَلزمُ مِنَ التَّحيُّرِ -وهو التَّردُّدُ في الأمرِ- ذَهابُ العَقلِ.
وسُئِلَ نَظمًا فيمَن طلَّقَ زوْجتَهُ ثلاثًا في مَجلِسِ القاضي وهوَ مُغتاظٌ مَدهوشٌ، فأجابَ نَظمًا أيضًا: بأنَّ الدَّهشَ مِنْ أقسامِ الجُنونِ، فلا يَقعُ، وإذا كانَ يَعتادُهُ بأنْ عُرِفَ منهُ الدَّهشُ مرَّةً يُصدَّقُ بلا بُرهانٍ. اه.
قلتُ: وللحافِظِ ابنِ القَيِّمِ الحَنبليِّ رِسالةٌ في طلاقِ الغَضبانِ، قالَ فيها إنَّه على ثلاثةِ أقسامٍ:
أحدُها: أنْ يَحصلَ لهُ مَبادِئُ الغَضبِ بحَيثُ لا يَتغيَّرُ عَقْلُه ويَعلمُ ما يَقولُ ويَقصِدُه، وهذا لا إشكالَ فيهِ.
الثَّاني: أنْ يَبلُغَ النِّهايةَ، فلا يَعلمُ ما يَقولُ ولا يُريدُه، فهذا لا رَيبَ أنَّه لا يَنفُذُ شيءٌ مِنْ أقوالِهِ.
الثَّالثُ: مَنْ تَوسَّطَ بيْنَ المَرتبتَينِ، بحَيثُ لَم يَصِرْ كالمَجنونِ، فهذا مَحلُّ النَّظرُ، والأدلَّةُ تدُلُّ علَى عَدمِ نُفوذِ أقوالِهِ. اه مُلخَّصًا مِنْ «شَرْح الغايةِ الحَنبليَّةِ».
لكنْ أشارَ في «الغايَة» إلى مُخالَفَتِه في الثَّالثِ، حَيثُ قالَ: ويَقعُ طلاقُ مَنْ غَضِبَ خِلافًا لابنِ القيِّمِ. اه.
[ ١٧ / ٣١٩ ]
وهذا المُوافِقُ عِندَنا لِمَا مرَّ في المَدهوشِ، لكنْ يَرِدُ عَليهِ أنَّا لم نَعتبِرْ أقوالَ المَعتوهِ معَ أنَّه لا يَلزمُ فيهِ أنْ يَصلَ إلى حالةٍ لا يَعلمُ فيها ما يَقولُ ولا يُريدُه.
وقَد يُجابُ بأنَّ المَعتوهَ لمَّا كانَ مُستمِرًّا على حالةٍ واحدةٍ يُمكنُ ضبْطُها اعتُبِرَتْ فيهِ، واكتُفِيَ فيهِ بمُجرَّدِ نقْصِ العَقلِ، بخِلافِ الغَضبِ؛ فإنَّهُ عارِضٌ في بعضِ الأحوالِ، لكنْ يَرِدُ عليهِ الدَّهشُ فإنَّه كذلكَ.
والَّذي يَظهَرُ لي أنَّ كُلًّا مِنَ المَدهوشِ والغَضبانِ لا يَلزمُ فيهِ أنْ يَكونَ بحَيثُ لا يَعلمُ ما يَقولُ، بل يُكتَفَى فيهِ بغَلبةِ الهذَيانِ واختِلاطِ الجَدِّ بالهَزلِ، كما هوَ المُفتَى بهِ في السَّكرانِ على ما مرَّ، ولا يُنافِيهِ تَعريفُ الدَّهشِ بذَهابِ العَقلِ؛ فإنَّ الجُنونَ فُنونٌ، ولذا فسَّرَه في «البَحر» باختِلالِ العَقلِ، وأدخَلَ فيهِ العَتَهَ والبرسامَ والإغماءَ والدَّهشَ، ويُؤيِّدُه ما قُلنا قولُ بَعضِهِم: العاقِلُ مَنْ يَستَقيمُ كَلامُه وأفعالُه إلَّا نادِرًا، والمَجنونُ ضِدُّهُ.
وأيضًا فإنَّ بعضَ المَجانينِ يَعرفُ ما يَقولُ ويُريدُه، ويَذكُرُ ما يَشهَدُ الجاهِلُ بهِ بأنَّه عاقِلٌ، ثمَّ يَظهَرُ مِنهُ في مَجلِسِه ما يُنافيهِ، فإذا كانَ المَجنونُ حَقيقةً قدْ يَعرِفُ ما يَقولُ ويَقصِدُه، فغَيرُه بالأَولَى، فالَّذي يَنبغي التَّعويلُ عليهِ في المَدهوشِ ونَحوِه إناطَةُ الحُكمِ بغَلبةِ الخَللِ في أقوالِهِ وأفعالِهِ الخارِجةِ عَنْ عَادتِه، وكذا يُقالُ فيمَن اختَّلَ عَقلُه لكِبَرٍ أو لمَرضٍ أو لمُصيبةٍ فاجأَتْه، فما دامَ في حالِ غَلبةِ الخلَلِ في الأقوالِ والأفعالِ لا تُعتبَرُ أقوالُهُ وإنْ
[ ١٧ / ٣٢٠ ]
كانَ يَعلَمُها ويُريدُها؛ لأنَّ هذهِ المَعرِفةَ والإرادةَ غَيرُ مُعتبَرةٍ؛ لعَدمِ حُصولِها عَنْ إدراكٍ صَحيحٍ، كما لا تُعتبَرُ مِنَ الصَّبيِّ العاقِلِ، نعَمْ يُشكِلُ عَليهِ ما سَيأتي في التَّعليقِ عَنْ «البَحر»، وصرَّحَ بهِ في «الفَتح» و«الخانيَّة» وغَيرِهِما، وهو: لَو طلَّقَ فشَهِدَ عِندَهُ اثنانِ «أنَّكَ استَثنَيتَ» وهوَ غَيرُ ذاكِرٍ؛ إنْ كانَ بحَيثُ إذا غَضِبَ لا يَدري ما يَقولُ وَسِعَه الأخذُ بشهادَتِهما، وإلَّا لا. اه.
مُقتَضاهُ أنَّهُ إذا كانَ لا يَدري ما يَقولُ يَقعُ طَلاقُهُ، وإلَّا فلا حاجَةَ إلى الأخذِ بقَولِهِما «إنَّكَ استَثنَيتَ»، وهذا مُشكِلٌ جِدًّا، إلَّا أنْ يُجابَ بأنَّ المُرادَ بكَونِه لا يَدري ما يَقولُ أنَّهُ لقَوَّةِ غَضبِه قدْ يَنْسَى ما يَقوُل ولا يَتذكَّرُهُ بعْدُ، وليسَ المُرادُ أنَّهُ صارَ يَجري على لِسانِهِ ما لا يَفهمُهُ أو لا يَقصدُهُ، إذْ لا شَكَّ أنَّه حِينئذٍ يَكونُ في أَعلَى مَراتِبِ الجُنونِ، ويُؤيدُه هذا الحَملُ أنَّه في هذا الفَرعِ عالِمٌ بأنَّه طلَّقَ وهو قاصِدٌ لهُ، لكنَّهُ لم يَتذكَّرِ الاستِثناءَ لشدَّةِ غَضَبهِ، هذا ما ظهَرَ لي في تَحريرِ هذا المَقامِ، واللهُ أعلَم بحَقيقةِ المَرامِ.
ثُمَّ رَأيتُ ما يُؤيِّدُ ذلكَ الجَوابَ، وهو أنَّهُ قالَ في «الوَلوالِجيَّة»: إنْ كانَ بحالٍ لو غَضِبَ يَجرِي على لسانِه ما لا يَحفظُهُ بعْدَهُ جازَ لهُ الاعتِمادُ على قَولِ الشاهدَينِ، فقَولُه (لا يَحفَظُه بعْدَهُ) صَريحٌ فيما قُلنا، واللهُ أعلَمُ (^١).
وذهَبَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ الحَنبليُّ ﵀ في رِسالَتِه الماتِعةِ «إغاثَة اللَّهفَانِ في حُكمِ طلاقِ الغَضبانِ» -وهو مَا يُشيرُ إليهِ كلامُ ابنِ عابدينَ المُتقدِّمِ- إلى
_________________
(١) «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٢٤٤).
[ ١٧ / ٣٢١ ]
أنَّ طلاقَ مَنْ هذا حالُهُ لا يَقعُ، وأفرَدَ في ذلكَ رِسالةً، واستَدلَّ على ذلكَ بحَديثِ عائِشةَ أمِّ المُؤمنِينَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لا طلاقَ ولا عتاقَ في إغلاقٍ» (^١). قالَ أبو داودَ: «في غِلاقٍ»، ثمَّ قالَ: والغِلاقُ أظنُّهُ الغَضبَ.
وقالَ حَنبَلٌ: سَمِعتُ أبا عَبدِ اللهِ -يَعني أحمدَ بنَ حَنبلٍ- يقولُ: هو الغَضبُ، ذكَرَه الخَلَّالُ وأبو بكرٍ عَبدُ العَزيزِ، ولَفظُ أحمَدَ يَعني الغَضبَ.
قالَ أبو بكرٍ: سَألتُ أبا مُحمَّدٍ وابنَ دُرَيدٍ وأبا عَبدِ اللهِ وأبا طاهِرٍ النَّحْويّينَ عن قَولِهِ: «لا طلاقَ ولا عِتاقَ في إغلاقٍ» قالُوا: يُريدُ الإكراهَ؛ لأنَّه إذا أُكرِهَ انغلَقَ عليهِ رَأيُهُ، ويَدخلُ في هذا المَعنَى المُبرسَمُ والمَجنونُ.
فقلتُ لبَعضِهم: والغَضبُ أيضًا؟ فقالَ: ويَدخلُ فيهِ الغَضبُ؛ لأنَّ الإغلاقَ لهُ وَجهانِ: أحدُهُما الإكراهُ، والآخَرُ ما دخَلَ عليهِ ممَّا يَنغلِقُ بهِ رَأيُه عليهِ.
وهذا مُقتضَى تَبويبِ البُخاريِّ؛ فإنَّه قالَ في صَحيحِه: «بابٌ: الطَّلاقُ في الإغلاقِ والكُرهِ والسَّكرانِ والمَجنونِ» (^٢). يُفرّقُ بَينَ الطَّلاقِ في الإغلاقِ
_________________
(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٢١٩٣)، وابن ماجه (٢٠٤٦)، وأحمد (٢٦٤٠٣).
(٢) قالَ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀: وقَولُه: «الإغلاقُ» هوَ بكَسرِ الهَمزَةِ وسُكونِ المُعجَمةِ: الإكراهُ على المَشهورِ، قيلَ لهُ ذلكَ؛ لأنَّ المُكرَهَ يَتَغلَّقُ عليهِ أمرُه ويَتضيَّقُ عليهِ تَصرُّفُه، وقيلَ: هوَ العَملُ في الغَضبِ، وبالأوَّلِ جزَمَ أبو عُبيدٍ وجَماعةٌ، وإلى الثَّاني أشارَ أبو داودَ؛ فإنَّه أخرَجَ حَديثَ عائشةَ: «لا طلاقَ ولا إعتاقَ في غلاقٍ» قال أبو داودَ: والغِلاقُ =
[ ١٧ / ٣٢٢ ]
وبيْنَ هذهِ الوُجوهِ، وهو أيضًا مُقتضَى كَلامِ الشَّافعيِّ؛ فإنَّه يُسمِّي نَذرَ اللَّجاجِ والغَضَب يَمينَ الغَلَقِ ونَذرَ الغَلَقِ، هذا اللَّفظُ يُريدُ بهِ نَذرَ الغَضبِ، وهوَ قولُ غَيرِ واحِدٍ مِنْ أئِمةِ اللُّغةِ، والقَولُ بمُوجَبِه هوَ مُقتضَى الكِتابِ والسَّنةِ وأقوالِ الصَّحابةِ والتَّابِعينَ وأئمَّةِ الفُقهاءِ، ومُقتضَى القِياسِ الصَّحيحِ والاعتِبارِ وأصولِ الشَّريعةِ.
ثمَّ ذكَرَ ﵀ خَمسَةَ أوجُهٍ مِنَ القُرآنِ، وثلاثةً مِنَ السُّنةِ، ووَجهانِ عَنِ الصَّحابَةِ، وخَمسةً وعِشرِينَ وَجهًا مِنَ الاعتِبارِ وأُصولِ الشَّريعَةِ.
وهوَ أوَّلُ مَنْ قسَّمَ الغَضبَ إلى ثلاثةِ أقسامٍ، ونقَلَ هذهِ الأقسامَ الثَّلاثةَ ابنُ عابدِينَ الحَنفيِّ والرُّحَيبانِيُّ الحَنبلِيُّ وغَيرُهُما.
_________________
(١) = أظنُّه الغَضبَ، وتَرجمَ على الحَديثِ الطَّلاقُ على غَيظٍ ووقَعَ عِندَه بغَيرِ أَلِفٍ في أوَّلِه، وحكَىَ البَيهقيُّ أنَّهُ روِيَ على الوجهَينِ، ووقَعَ عِنْدَ ابنِ ماجَه في هذا الحَديثِ الإغلاقُ بالألِفِ وتَرجَمَ عليهِ: طلاقُ المُكرَهِ، فإنْ كانَتِ الرِّوايةُ بغَيرِ ألِفٍ هيَ الرَّاجِحةُ فهوَ غيرَ الإغلاقِ، قالَ المُطَرِّزِيُّ: قولُهُم: إيَّاكَ والغَلْقَ، أي الضَّجَرَ والغضَبَ، ورَدَّ الفارسيُّ في «مَجمَع الغَرائبِ» على مَنْ قالَ: الإغلاقُ الغضَبُ، وغلَّطَه في ذلكَ وقالَ: إنَّ طلاقَ النَّاسِ غالبًا إنَّما هوَ في حالِ الغضَبِ، وقالَ ابنُ المرابِطِ: الإغلاقُ حَرَجُ النَّفسِ، وليسَ كلُّ مَنْ وقَعَ لهُ فارَقَ عقْلَه، ولو جازَ عَدمُ وُقوعِ طلاقِ الغضبانِ لَكانَ لِكلِّ أحدٍ أنْ يقولَ فيما جَناهُ: كُنْتُ غَضبانًا. اه، وأرادَ بذلكَ الرَّدَ على مَنْ ذَهبَ إلى أنَّ الطَّلاقَ في الغَضبِ لا يَقعُ، وهو مَرويٌّ عَنْ بَعضِ مُتأخِّرِي الحَنابلةِ، ولم يُوجَدْ عن أحدٍ مِنْ مُتَقدِّميهم إلَّا ما أشارَ إليهِ أبو داودَ، وأمَّا قَولُه في «المَطالِع»: الإغلاقُ الإكراهُ، وهو مِنْ أغلَقْتُ البابَ، وقيلَ: الغَضبُ، وإليهِ ذهَبَ أهلُ العِراقِ، فليسَ بمَعروفٍ عنِ الحَنفيَّةِ. «فتح الباري» (٩/ ٣٨٩).
[ ١٧ / ٣٢٣ ]
فقالَ ﵀:
الغَضبُ ثلاثةُ أقسامٍ:
أحدُها: أنْ يَحصلَ للإنسانِ مَبادِئُه وأوائِلُه، بحَيثُ لا يَتغيَّرُ عليهِ عَقلُه ولا ذِهْنُه، ويَعلمُ ما يَقولُ ويَقصِدُه؛ فهذا لا إشكالَ في وُقوعِ طلاقِهِ وعِتقِه وصحِّةِ عُقودِه، ولا سِيَّما إذا وقَعَ منهُ ذلكَ بعْدَ تَردُّدِ فِكرِه.
القِسمُ الثَّاني: أنْ يَبلُغَ بهِ الغَضبُ نهايتَه بحَيثُ يَنغلِقُ عليهِ بابُ العِلمِ والإرادةِ، فلا يَعلَمُ ما يَقولُ ولا يُريدُه؛ فهذا لا يَتوجَّهُ خِلافٌ في عَدمِ وُقوعِ طلاقِهِ، كما تَقدَّمَ.
والغضَبُ غُولُ العَقلِ، فإذا اغتَالَ الغَضبُ عقْلَهُ حتَّى لم يَعلمْ ما يَقولُ فلا رَيبَ أنَّه لا يَنفُذُ شيءٌ مِنْ أقوالِهِ في هذهِ الحالةِ، فإنَّ أقوالَ المُكلَّفِ إنَّما تَنفُذُ معَ عِلمِ القائِلِ بصُدورِها منهُ ومَعناها وإرادَتِه للتكلُّمِ بها.
فالأوَّلُ: يُخرِجُ النَّائمَ والمَجنونَ والمُبرسَمَ والسَّكرانَ، وهذا الغَضبانَ.
والثَّاني: يُخرِجُ مَنْ تَكلَّمَ باللَّفظِ وهوَ لا يَعلمُ مَعناهُ البتَّةَ، فإنَّه لا يَلزمُ مُقتضاهُ.
والثَّالثُ: يُخرِجُ مَنْ تَكلَّمَ بهِ مُكرَهًا وإنْ كانَ عالِمًا بمَعناهُ.
القِسمُ الثَّالثُ: مَنْ تَوسَّطَ في الغَضبُ بيْنَ المَرتبتَينِ، فتَعدَّى مَبادئَه ولَم يَنْتَهِ إلى آخِرِه بحَيثُ صارَ كالمَجنونِ، فهذا مَوضِعُ الخِلافِ ومَحلُّ النَّظرِ.
[ ١٧ / ٣٢٤ ]
والأدلَّةُ الشَّرعيَّةُ تَدلُّ على عَدمِ نُفوذِ طلاقِهِ وعِتقِه وعُقودِهِ الَّتي يُعتبَرُ فيها الاختِيارُ والرِّضا، وهَو فَرعٌ منَ الإغلاقِ كما فَسَّرَه بهِ الأئمَّةُ.
وقَد ذكَرْنا دَلالةَ الكِتابِ على ذلكَ مِنْ وُجوهٍ.
وأمَّا دَلالةُ السُّنَّةِ فمِن وُجوهٍ: … ثمَّ ذكَرَها ﵀، وأنا أذكُرُ كامِلَ كَلامِهِ في الحاشِيةِ (^١).
_________________
(١) قال ﵀: فعِندَ رَسولِ اللهِ ﷺ السّعَةُ والرَّحمةُ، وعِندَ غَيرِه الشدَّةُ والنقمَةُ، فما جاءَهُ مَكروبٌ إلَّا وجَدَ عِندَه تَفريجَ كُربَتِه، ولا لَهفانُ إلَّا وجَدَ عِندَه إغاثةَ لَهفَتِه، فما فرَّقَ بيْنَ زَوجَينِ إلَّا عَنْ وَطَرٍ واختِيارٍ، ولا شتَّتَ شَمْلَ مُحبَّينِ إلَّا على إرادةٍ مِنهُما وإيثارٍ، ولَم يُخرِّبْ دِيارَ المُحبِّينَ بغَلطِ اللِّسانِ، ولم يُفرِّقْ بَينَهم بما جَرَى عليهِ مِنْ غَيرِ قَصدِ الإنسانُ، بل رَفعَ المُؤاخَذةَ بالكَلامِ الَّذي لم يَقصِدْه المُتكلِّم، بل جَرَى على لِسانِه بحُكمِ الخطأِ والنِّسيانِ، أو الإكراهِ والسَّبقِ على طَريقِ الاتِّفاقِ، فقالَ فيما رَواهُ عَنه أهلُ السُّنَنِ من حديثِ عائشةَ أمِّ المُؤمنينَ: «لا طلاقَ ولا عِتاقَ في إغلاقٍ». رَواهُ الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ وابنُ ماجَه والحاكِمُ في «صَحيحِه» وقالَ: هذا حَديثٌ صَحيحٌ على شرطِ مُسلمٍ ولَم يُخرِّجاهُ. قال أبو داودَ: «في غِلاقٍ»، ثمَّ قالَ: والغِلاقُ أظنُّه الغَضبَ. وقالَ حَنبلٌ: سَمعتُ أبا عَبدِ اللهِ -يَعني أحمدَ بنَ حَنبلٍ- يَقولُ: هوَ الغَضبُ. ذكَرَه الخلَّالُ وأبو بَكرٍ عَبدُ العَزيزِ. ولفظُ أحمدَ: يَعني الغَضبَ. قالَ أبو بكرٍ: سَألتُ أبا مُحمَّدٍ وابنَ دُريدٍ وأبا عَبدِ اللهِ وأبا طاهِرٍ النَّحْويينَ عَنْ قولِه: «لا طلاقَ ولا عِتاقَ في إغلاقٍ». قالُوا: يُريدُ الإكراهَ؛ لأنَّه إذا أُكرِهَ انغلَقَ عليهِ رأيُه، ويَدخُلُ في هذا المَعنى المُبرسَمُ والمَجنونُ. فقلتُ لبَعضِهم: والغَضبُ أيضًا؟ فقالَ: ويَدخلُ فيهِ الغَضبُ؛ لأنَّ الإغلاقَ لهُ وَجهانِ: أحَدُهما الإكراهُ، والآخَرُ ما دخَلَ عَليهِ ممَّا يَنغلِقُ بهِ رَأيُه عليهِ. =
[ ١٧ / ٣٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وهذا مُقتضَى تَبويبِ البُخاريِّ؛ فإنَّه قالَ في صَحيحِه: «بابٌ: الطَّلاقُ في الإغلاقِ والكُرهِ والسَّكرانِ والمَجنونِ». يُفرّقُ بَينَ الطَّلاقِ في الإغلاقِ وبيْنَ هذهِ الوُجوهِ، وهو أيضًا مُقتَضَى كلامِ الشَّافعيِّ؛ فإنَّه يُسمِّي نَذرَ اللَّجَاجِ والغَضبِ يَمينَ الغَلَقِ ونَذرَ الغَلقِ، هذا اللَّفظُ يُريدُ بهِ نَذرَ الغَضبِ، وهوَ قَولُ غَيرِ واحِدٍ مِنْ أئِمةِ اللُّغةِ، والقَولُ بمُوجَبِه هوَ مُقتضَى الكتابِ والسَّنةِ وأقوالِ الصَّحابةِ والتَّابِعينَ وأئمَّةِ الفُقهاءِ، ومُقتضَى القياسِ الصَّحيحِ والاعتِبارِ وأُصولِ الشَّريعةِ. أمَّا الكتابُ، فمِن وُجوهٍ: أحدُها: قَولُه تعالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]. عنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «لَغوُ اليَمينِ أنْ تَحلِفَ وأنتَ غَضبانُ». وعَن طاووسٍ قالَ: «كُلُّ يَمينٍ حَلَفَ عليها رَجلٌ وهوَ غَضبانُ فلا كَفَّارةَ عَليهِ فيها، لقوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. وهذا أحدُ الأقوالِ في مَذهَبِ مالكٍ؛ أنَّ لَغوَ اليَمينِ هو اليَمينُ في الغَضبِ، وهذا اختِيارُ أجلِّ المالكيَّةِ وأفضَلِهم على الإطلاقِ وهو القاضِي إسماعِيلُ بنُ إسحاقَ، فإنَّه ذهَبَ إلى أنَّ الغَضبانَ لا تَنعقِدُ يَمينُه. ولا تَنافيَ بيْنَ هذا القَولِ وبيْنَ قَولِ ابنِ عبَّاسٍ وعائِشةَ: «إنَّ لَغوَ اليَمينِ هوَ قولُ الرَّجلِ: لا واللهِ وبَلَى واللهِ». وقولُ عائِشةَ وغيرِها أيضًا: «إنَّه يَمينُ الرَّجلِ على الشَّيءِ يَعتقِدُه كما حلَفَ عليهِ، فيَتبيَّنُ بخِلافِه»، فإنَّ الجَميعَ مِنْ لَغوِ اليمينِ، والَّذي فسَّرَ لغوَ اليَمينِ بأنَّها: يَمينُ الغَضبِ يقولُ بأنَّ النَّوعَينِ الآخرَينِ مِنَ اللَّغوِ. وهذا هو الصَّحيحُ، فإنَّ اللهَ سُبحانَه جعَلَ لغوَ اليَمينِ مُقابِلًا لكَسبِ القَلبِ، ومَعلومٌ أنَّ الغَضبانَ والحالِفَ على الشَّيءِ يَظنُّهُ كما حَلَفَ عليهِ، والقائِل: «لا واللهِ، وبلى واللهِ» -مِنْ غَيرِ عقدِ اليَمينِ- لم يَكسبْ قَلبُه عقْدَ اليَمينِ ولا قصْدَها، واللهُ سبحانَه قدْ رفَعَ المُؤاخَذةَ بلَفظٍ جرَى على اللِّسانِ لَم يَكسبْهُ القَلبُ ولم يَقصِدْه، فلا تَجوزُ المُؤاخَذةُ بما رفَعَ اللهُ المُؤاخَذةَ بهِ، بلْ قدْ يُقالُ: لَغوُ الغَضبانِ أظهَرُ مِنْ لَغوِ القِسمَينِ الأخيرَينِ. =
[ ١٧ / ٣٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الوَجهُ الثَّاني مِنْ دَلالةِ الكِتابِ: قَولُه سبحانَه: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [يونس: ١١].
(٢) وفي تَفسيرِ ابنِ أبي نجيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ: هو قَولُ الإنسانِ لوَلَدِه ومالِهِ إذا غَضِبَ عَليهم: «اللَّهمَّ لا تُبارِكْ فيهِ والْعَنْهُ»، فلو يُعجَّلُ لهمُ الاستِجابةَ في ذلكَ كما يُستجابُ في الخَيرِ لَأهلَكَهُم. انتَهَضَ الغَضبُ مانِعًا مِنْ انعِقادِ سَببِ الدُّعاءِ الَّذي تأثيرُه في الإجابةِ أسرَعُ مِنْ تأثيرِ الأسبابِ في أحكامِها، فإنَّ اللهَ سُبحانَه يُجيبُ دعاءَ الصَّبيِّ والسَّفيهِ والمُبرسَمِ ومَن لا يَصِحُّ طلاقُه ولا عُقودُه، فإذا كانَ الغَضبُ قَدْ منَعَ كَونَ الدُّعاءِ سَببًا؛ لأنَّ الغَضبانَ لم يَقصِدْه بقَلبِه، فإنَّ عاقِلًا لا يَختارُ إهلاكَ نفْسِه وأهلِهِ وذَهابَ مالِهِ وقطْعَ يَدِه ورجْلِه وغَير ذلكَ بما يَدعُو بهِ، فاقتضَتْ رَحمةُ العَزيزِ العليمِ أنْ لا يُؤاخِذَه بذلكَ ولا يُجيبَ دُعاءَه؛ لأنَّه عَنْ غَيرِ قصْدٍ مِنهُ، بلِ الحامِلُ لهُ عليهِ الغَضبُ الَّذي هوَ مِنَ الشَّيطَانِ … والمَقصودُ أنَّ الغَضبَ مُؤثِّرٌ في عَدمِ انعِقادِ السَّبَبِ في الجُملةِ. ومِن هذا قَولُه تعالَى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١]، وهوَ الرَّجلُ يَدعُو على نَفسِه وأهلِه بالشَّرِّ في حالِ الغَضبِ. الوَجهُ الثَّالِثُ: قَولُه تعالَى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٠]. ووَجهُ الاستِدلالِ بالآيةِ أنَّ مُوسَى صَلواتُ اللهُ عليهِ لم يَكنْ لِيُلقيَ ألواحًا كتَبَها اللهُ تعالَى، فيها كَلامُه، مِنْ على رَأسِه إلى الأرضِ فيَكسِرَها اختيارًا مِنهُ لذلكَ، ولا كانَ فيهِ مَصلحةٌ لبَني إسرائيلَ، ولذلكَ جرَّه بلِحيَتِه ورَأسِه وهو أخوهُ، وإنَّما حمَلَه على ذلكَ =
[ ١٧ / ٣٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الغضَبُ، فعَذَرَه اللهُ سبحانَه بهِ، ولم يَعتِبْ عليهِ بما فعَلَ؛ إذْ كانَ مَصدَرُه الغَضَبُ الخارجُ عَنْ قُدرةِ العبدِ واختِيارِه، فالمُتولِّدُ عنهُ غيرُ مَنسوبٍ إلى اختيارِه ورِضاهُ به. وضِّحُه الوَجهُ الرَّابعُ: وهو قَولُه: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ [الأعراف: ١٥٤]. فعدَلَ سبحانَه عَنْ قَولِه: «سَكَنَ» إلى قَولِه: ﴿سَكَتَ﴾؛ تَنزيلًا للغَضبِ مَنزلةَ السُّلطانِ الآمِرِ النَّاهي الَّذي يَقولُ لصاحبِهِ: «افعَلْ، لا تَفعَلْ»، فهو مُستجيبٌ لداعي الغَضبِ النَّاطِقِ فيهِ المُتكلَّمِ على لِسانِه، فهو أَولَى بأنْ يُعذَرَ مِنَ المُكرَهِ الَّذي لم يَتسلَّطْ عليهِ غَضبٌ يأمُرُه ويَنهاهُ. وإذا كانَ الغَضبُ هو النَّاطقَ على لِسانِه، الآمرَ النَّاهيَ لهُ، لم يَكنْ ما جرَى على لِسانِه في هذهِ الحالِ مَنسوبًا إلى اختِيارِه ورِضاهُ، فلا يتمُّ مَنْ عليهِ أثَرُه. الوَجهُ الخامِسُ: قَولُه تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ في ثلاثةِ مَواضِعَ مِنْ القُرآنِ، وما يَتكلَّمُ بهِ الغَضبانُ في حالِ شدَّةِ غَضبِه مِنْ طلاقٍ أو شَتْمٍ ونحوِه هوَ مِنْ نَزغاتِ الشَّيطانِ، فإنَّه يُلجِئُه إلى أنْ يَقولَ ما لَم يَكنْ مُختارًا لقَولِه، فإذا سُرِّيَ عنهُ عَلِمَ أنَّ ذلكَ مِنْ إلقاءِ الشَّيطانِ على لِسانِه، ممَّا لم يَكنْ برِضاهُ واختِيارِه. والغَضَبُ مِنَ الشَّيطانِ وأثَرَه مِنهُ، كمَا في الصَّحيحِ أنَّ رَجلَينِ استَبَّا عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ حتَّى احمَرَّ وجْهُ أَحدِهِما وانتَفخَتْ أَوداجُهُ، فقَالَ النَّبيُّ ﷺ: «إنِّي لأَعلَمُ كَلمَةً لَو قَالَها لَذَهَبَ عَنهُ مَا يَجِدُ: أَعوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ». وفي السُّننِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ الغَضبَ مِنَ الشَّيطانِ، وإنَّ الشَّيطانَ مِنَ النَّارِ، وإنَّما تُطفَأُ النَّارُ بالماءِ، فإذا غَضِبَ أحدُكم فلْيَتوضَّأْ». وإذا كانَ هذا السَّببُ وأثَرُه مِنْ إلجاءِ الشَّيطانِ لم يَكنْ مِنْ اختيارِ العَبدِ فلا يَترتَّبُ عَليهِ حُكمُه. فأمَّا دَلالةُ السنَّةِ فمِن وُجوهٍ: أحدُها: حَديثُ عائِشةَ المُتقدِّمِ، وهو قولَهُ: «لا طلاقَ ولا عِتاقَ في إغلاقٍ». =
[ ١٧ / ٣٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقَدِ اختُلفَ في الإغلاقِ، فقالَ أهلُ الحِجازِ: هو الإكراهُ، وقالَ أهلُ العِراقِ: هوَ الغَضبُ، وقالَت طائِفةٌ: هوَ جمْعُ الثَّلاثِ بكلمةٍ واحدةٍ، حكَى الأقوالَ الثَّلاثةَ صاحِبُ كتابِ «مَطالِع الأنوارِ»، وكأنَّ الَّذي فسَّرُه بجَمعِ الثَّلاثِ أخَذَه مِنَ التَّغليقِ، وهو أنَّ المُطلِّقَ غَلَّقَ طَلاقَه كما يُغلِّقُ صاحِبُ الدَّينِ ما عليهِ، وهو مِنْ غَلْقِ البابِ، فكأنَّه أغلَقَ على نَفسِه بابَ الرَّحمةِ بجمْعِه الثَّلاثِ، فلم يَجعَلْ له الشَّارِعُ ذلكَ ولم يُملِّكْه إيَّاهُ رحمةً بهِ، إنَّما ملَّكَه طلاقًا يَملكُ فيهِ الرَّجعةَ بعْدَ الدُّخولِ، وحجَرَ عليهِ في وَقتِه ووَضعِه وقَدرِه، فلم يُمَلِّكْه إيَّاه في وَقتِ الحَيضِ ولا في وَقتِ طُهرٍ جامَعَها فيهِ، ولم يُملِّكْه أنْ يُبينَها بغَيرِ عِوضٍ بعْدَ الدُّخولِ، فيكونُ قد غَيَّرَ صِفةَ الكلامِ، وهذا عِنْدَ الجُمهورِ، فلو قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ طلْقَةً لا رَجعَةَ لي فيها، أو طَلقَةً بائِنةً» لَغَى ذلكَ وثَبَتَ لهُ الرَّجعةُ. كذلكَ لَم يُملِّكْهُ جمْعَ الثَّلاثِ في مَرَّةٍ واحدةٍ، بل حجَرَ عليهِ في هذا وهذا وهذا، وكانَ ذلكَ مِنْ حُجَّةِ مَنْ لم يُوقِعِ الطَّلاقَ المُحرَّمَ ولا الثَّلاثَ بكَلمةٍ واحدةٍ؛ لأنَّه طلاقٌ مَحجورٌ على صاحِبِه شَرعًا، وحَجْرُ الشَّارعِ يَمنعُ نُفوذَ التَّصرُّفِ وصحَّتَه، كما يَمنَعُ نُفوذَ التَّصرُّفِ في العُقودِ الماليَّةِ. فهذهِ حجَّةٌ مِنْ أكثرِ مِنْ ثلاثينَ حجَّةً ذكَرُوها على كَلامِ وُقوعِ الطَّلاقِ المَحجورِ على المُطلِّقِ فيه. والمَقصُودُ هاهُنا أنَّ هؤلاءِ فسَّروا الإغلاقَ بجَمعِ الثَّلاثِ؛ لكَونِه أغلَقَ على نَفسِه بابَ الرَّحمةِ الَّذي لم يُغلِقْه اللهُ عليهِ إلَّا في المرَّةِ الثَّالثةِ. وأمَّا الآخَرونَ فقالُوا: الإغلاقُ مأخُوذٌ مِنْ إغلاقِ البابِ، وهو إرتاجُه وإطباقُه، فالأمرُ المُغلَقُ ضدُّ الأمرِ المُنفرِجِ، والَّذي أُغلِقَ عليهِ الأمرُ ضدُّ الَّذي فُرِجَ لهُ وفُتِحَ عليهِ، فالمُكرَهُ الَّذي أُكرِهَ على أمرٍ إنْ لم يَفعَلْه وإلَّا حصَلَ لهُ مِنَ الضَّررِ ما أُكرِهَ إليهِ، قَدْ أُغلِقَ عليهِ بابُ القَصدِ والإرادةِ لِمَا أُكرِهَ عليهِ، فالإغلاقُ في حقِّه بمَعنَى إغلاقِ أبوابِ القَصدِ والإرادةِ لهُ، فلم يَكنْ قَلبُه مُنفتِحًا لإرادةِ القَولِ والفِعلِ الَّذي أُكرِهَ عليهِ، ولا =
[ ١٧ / ٣٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) =لاختِيارِهِما، فليسَ مُطلَقَ الإرادةِ و«الاختيار» بحَيثُ إنْ شاءَ طلَّقَ وإنْ شاءَ لَم يُطلِّقْ، وإنْ شاءَ تَكلَّمَ وإنْ شاءَ لم يَتكلَّمْ، بلْ أُغلِقَ عليهِ بابُ الإرادةِ إلَّا للَّذي قَدْ أُكرِهَ عليهِ. لهذا قالَ النَّبيُّ ﷺ: «لا يَقُلْ أحدُكُم: اللَّهمَّ اغفِرْ لي إنْ شِئتَ، اللَّهمَّ ارحَمني إنْ شئتَ، ولَكنْ لِيَعزمِ المَسألةَ؛ فإنَّ اللهَ لا مُكرِهَ له». فبَيَّنَ النَّبيُّ ﷺ أنَّ اللهَ لا يَفعلُ إلَّا إذا شاءَ، بخِلافِ المُكرَهِ الَّذي يَفعلُ ما لا يَشاؤُه، فإنَّه لا يُقالُ: «يَفعلُ ما يَشاءُ» إلَّا إذا كانَ مُطلَقَ الدَّواعي، وهو المُختارُ، فأمَّا مَنْ أُلزِمَ بفِعلٍ مُعيَّنٍ فلا. ولهذا يُقالُ: المُكرَهُ غَيرُ مُختارٍ، ويُجعَلُ قَسيمَ المُختارِ لا قِسمًا مِنهُ، ومَن سمَّاهُ مُختارًا فإنَّهُ يعني أنَّ لهُ إرادةً واختِيارًا بالقَصدِ الثَّاني، فإنَّه يُريدُ الخَلاصَ مِنَ الشَّرِّ، ولا خَلاصَ له إلَّا بفِعلِ ما أُكرِهَ عليهِ، فصارَ مُريدًا لهُ بالقَصدِ الثَّاني لا بالقَصدِ الأوَّلِ. والغَضبانُ: الَّذي يَمنعُه الغَضبُ مِنْ مَعرفةِ ما يَقولُ وقَصدِه، فهذا مِنْ أعظمِ الإغلاقِ، وهو في هذا الحالِ بمَنزلةِ المُبرسَمِ والمَجنونِ والسَّكرانِ، بل أسوءُ حالًا مِنْ السَّكرانِ؛ لأنَّ السَّكرانَ لا يَقتلُ نَفسَه، ولا يُلقي وَلدَهُ مِنْ عُلوٍّ، والغَضبانُ يَفعلُ ذلكَ، وهذا لا يَتوجَّهُ فيه نِزاعٌ أنه لا يَقعُ طَلاقُه، والحَديثُ يَتناوَلُ هذا القِسمَ قَطعًا. وحِينَئذٍ، فنَقولُ: الغَضبُ ثَلاثةُ أَقسامٍ: أحدُها: أنْ يَحصلَ للإنسانِ مَبادِئُه وأوائِلُه، بحَيثُ لا يَتغيَّرُ عليهِ عَقلُه ولا ذِهنُه، ويَعلمُ ما يقولُ ويَقصِدُه؛ فهذا لا إشكالَ في وُقوعِ طَلاقِه وعِتقِه وصحِّةِ عُقودِه، ولا سِيَّما إذا وقَعَ منهُ ذلكَ بعدَ تَردُّدِ فِكرِه. القِسمُ الثَّاني: أنْ يَبلُغَ بهِ الغَضبُ نهايَتَه بحَيثُ يَنغلِقُ عليهِ بابُ العِلمِ والإرادةِ، فلا يَعلَمُ ما يَقولُ ولا يُريدُه؛ فهذا لا يَتوجَّهُ خِلافٌ في عَدمِ وُقوعِ طلاقِه، كما تَقدَّمَ. والغضَبُ غُولُ العَقلِ، فإذا اغتالَ الغَضبُ عقْلَه حتَّى لَم يَعلمْ ما يقولُ، فلا رَيبَ أنَّه لا =
[ ١٧ / ٣٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) =يَنفُذُ شيءٌ مِنْ أقوالِه في هذهِ الحالةِ، فإنَّ أقوالَ المُكلَّفِ إنَّما تَنفُذُ معَ عِلمِ القائلِ بصُدورِها منهُ ومَعناها وإرادتِه للتكلُّمِ بها. الأوَّلُ: يَخرجُ النَّائمَ والمَجنونَ والمُبرسَمَ والسَّكرانَ، وهذا الغَضبانَ. والثَّاني: يُخرِجُ مَنْ تَكلَّمَ باللَّفظِ وهو لا يَعلَمُ مَعناهُ البَتَّةَ، فإنهُ لا يَلزمُ مُقتضاهُ. والثَّالثُ: يُخرِجُ مَنْ تَكلَّمَ بهِ مُكرَهًا وإنْ كانَ عالِمًا بمَعناهُ. القسمُ الثَّالثُ: مَنْ تَوسَّطَ في الغَضبُ بيْنَ المَرتبتَينِ، فتَعدَّى مَبادئَه ولم يَنْتَهِ إلى آخِرِه بحَيثُ صارَ كالمَجنونِ، فهذا مَوضِعُ الخِلافِ ومَحلُّ النَّظرِ. والأدلَّةُ الشَّرعيةُ تَدلُّ على عَدمِ نُفوذِ طَلاقِه وعِتقِه وعُقودِه الَّتي يُعتبَرُ فيها «الاختيار» والرِّضا، وهو فَرعٌ مِنَ الإغلاقِ كما فَسَّرَه بهِ الأئمَّةُ، وقَد ذكَرْنا دَلالةَ الكِتابِ على ذلكَ مِنْ وُجوهٍ. وأمَّا دَلالةُ السُّنةِ، فمِن وُجوهٍ: أحدُها: حَديثُ عائشةَ، وقَد تَقدَّمَ ذِكرُ وجهِ دَلالتِه. الثَّاني: ما رَواهُ أحمدُ والحاكِمُ في «مُستدرَكِه» مِنْ حَديثِ عِمرانَ بنِ حُصينٍ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «لا نَذْرَ في غَضبٍ، وكفَّارتُه كفَّارةُ يَمينٍ»، وهو حَديثٌ صَحيحٌ، وله طُرُقٌ. وجهُ الاستِدلالِ بهِ: أنَّهُ ﷺ ألغَى وُجوبَ الوفاءِ بالنَّذرِ إذا كانَ في حالِ الغَضبِ، معَ أنَّ اللهَ ﷾ أثنَى على المُوفِينَ بالنُّذورِ، وأمَرَ النَّبيُّ ﷺ النَّاذرَ لطاعةِ اللهِ بالوفاءِ بنَذرِه، وقالَ: «مَنْ نذَرَ أنْ يُطيعَ اللهَ فلْيُطعْهُ، ومَن نذَرَ أنْ يَعصيَهُ فلا يَعصِه»، فإذا كانَ النَّذرُ الَّذي أثنَى اللهُ على مَنْ أَوفَى بهِ وأمَرَ رَسولُه بالوَفاءِ بما كانَ منهُ طاعةً قد أثَّرَ الغضَبُ في انعقادِه؛ لكَونِ الغَضبانِ لم يَقصدْه، وإنَّما حمَلَه على إتيانِه الغضَبُ؛ فالطَّلاقُ بطَريقِ الأَولَى والأَحرَى. الثَّالِثُ: ما ثبَتَ في الصَّحيحِ عَنهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا يَقضي القاضي بيْنَ اثنَينِ وهوَ =
[ ١٧ / ٣٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = غَضبانُ»، ولولا أنَّ الغَضبَ يُؤثِّرُ في قصْدِه وعلْمِه لم يَنهَه عنِ الحُكمِ حالَ الغَضبِ. وقَد اختَلفَ الفُقهاءُ في صحَّةِ حُكمِ الحاكِم في حالِ غَضبِه على ثلاثةِ أقوالٍ. أمَّا آثارُ الصَّحابةِ، فمِن وُجوهٍ: أحدُها: ما ذكَرَه البُخاريُّ في صَحيحِه عنِ ابنِ عبَّاسٍ أنَّه قالَ: «الطَّلاقُ عَنْ وَطَرٍ، والعِتقُ ما يُبتَغَى بهِ وجهُ اللهِ». فحصَرَ الطَّلاقَ فيما كانَ عَنْ وطَرٍ، وهو الغرَضُ المَقصودُ، والغَضبانُ لا وطَرَ لهُ. وهذا في الطَّلاقِ عنِ ابنِ عبَّاسٍ نَظيرُ قولِه وقَولِ أصحابِه: «لَغوُ اليَمينِ أنْ تَحلِفَ وأنتَ غَضبانُ». الوَجهُ الثَّاني: أنَّ الزُّهريَّ روَى عَنْ أبانَ بنِ عُثمانَ عَنْ عُثمانَ أنَّه ردَّ طلاقَ السَّكرانِ، ولا يُعرَفُ لهُ مُخالِفٌ مِنَ الصَّحابةِ. وهذا القَولُ هو الصَّحيحُ، وهو الَّذي رجَعَ إليهِ الإمامُ أحمدُ أخيرًا، قالَ في روايةِ أبي طالِبٍ: والَّذي لا يَأمرُ فيهِ بالطَّلاقِ فإنَّما أتَى خصلةً واحدةً، والَّذي يأمُرُ بالطَّلاقِ قد أتَى خصلتَينِ: حرَّمَها عليهِ وأحلَّها لغَيرِه؛ فهذا خَيرٌ مِنْ هذا، وأنا أتَّقي جَميعَها. وقالَ في روايةِ عَبدِ المَلكِ المَيمونِيِّ: قد كُنْتُ أقولُ: إنَّ طلاقَ السَّكرانِ يَجوزُ، حتَّى تَبيَّنتُه، فغلَبَ عليَّ أنَّه لا يَجوزُ طلاقُه؛ لأنَّه لو أَقرَّ لم يَلزمْه، ولو باعَ لم يَجزْ بَيعُه. قالَ: وأُلزِمُه الجِنايةَ، وما كانَ مِنْ غَيرِ ذلكَ فلا يَلزمُه. قال أبو بكرٍ: وبهذا أقولُ. وقالَ في روايةِ أبي الحارثِ: أرفَعُ شيءٍ فيهِ حَديثُ الزُّهريِّ عَنْ أبانَ بنِ عُثمانَ عن عُثمانَ: «ليسَ لمَجنونٍ ولا سَكرانَ طَلاقٌ». وهو اختيارُ الطَّحاويِّ وأبي الحسَنِ الكَرخيِّ وإمامِ الحرَمَينِ وشيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ، وأحدُ قَولي الشَّافعيِّ. وإذا كانَ هَؤلاءِ لا يُوقِعونَ طلاقَ السَّكرانِ؛ لأنَّه غَيرُ قاصِدٍ للطَّلاقِ، فمَعلومٌ أنَّ الغَضبانَ كَثيرًا ما يَكونُ أسوأَ حالًا مِنَ السَّكرانِ.=
[ ١٧ / ٣٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والسُّكرُ نَوعانِ: سُكرُ طَرَبٍ، وسُكرُ غَضبٍ، وقد يَكونُ هذا أشدَّ، وقَد يكونُ الآخَرُ أشدَّ، فإذا اشتَدَّ بهِ الغَضبُ حتَّى صارَ كالسَّكرانِ كانَ أَولَى بعَدمِ وُقوعِ الطَّلاقِ منهُ؛ لأنهُ يُعذَرُ ما لا يُعذَرُ السَّكرانُ، ويَبلغُ بهِ الغَضبُ أشدَّ ما يَبلغُ بهِ السُّكرُ، كما يُشاهَدُ مِنْ حالِ السَّكرانِ والغَضبانِ. أمَّا الاعتبارُ وأُصولُ الشَّريعةِ، فمِن وُجوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ المُؤاخَذةَ إنَّما تَرتَّبتْ على الأقوالِ؛ لكَونها أدلَّةً على ما في القَلبِ مِنْ كَسْبِه وإرادتِه، كما قالَ تعالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، فجعَلَ سبَبَ المُؤاخَذةِ كَسْبَ القلبِ، وكَسبُهُ هو إرادتَهُ وقصدُه، ومَن جرَى على لسانِه الكَلامُ مِنْ غَيرِ قصدٍ واختيارٍ، بلْ لشدَّةِ غَضبٍ وسُكرٍ أو غَيرِ ذلكَ؛ لم يَكنْ مِنْ كَسبِ قَلبِه، ولهذا لم يُؤاخذِ اللهُ سبحانَه الَّذي اشتَّد فَرَحُه بوُجودِ راحِلتِه بعدَ الإياسِ مِنها، فلمَّا وجَدَها أخطأَ مِنْ شدَّةِ الفرَحِ وقالَ: اللَّهمَّ أنتَ عَبدِي وأنا ربُّكَ، فجَرى هذا اللَّفظُ على لِسانِه مِنْ غَيرِ قصدٍ، فلم يُؤاخِذْه بهِ، كما يَجرِي الغلَطُ في القُرآنِ على لِسانِ القارِئِ. لكنْ، قَدْ يُقالُ: هذا قصَدَ الصَّوابَ فأخطأَ، فلم يُؤاخَذْ؛ إذْ كانَ قصَدَ ضدَّ ما تَكلَّمَ بهِ، بخِلافِ الغَضبانِ إذا طلَّقَ، فإنهُ قاصِدٌ للطَّلاقِ. قيلَ: لا كَلامَ في الغَضبانِ العالِمِ بما يَقولُ، القاصِدِ المُختارِ لحُكمِهِ دَفعًا لمَكروهِ البَقاءِ معَ الزَّوجةِ، وإنَّما الكَلامُ في الَّذي اشتَدَّ غَضَبُه حتَّى ألجأَهُ الشَّيطانُ إلى التَّكلُّمِ بما لَم يَكُنْ مُختارًا للتَّكلمِ بهِ، كما يُلجِئُه إلى فِعلِ ما لم يَكنْ لولا الغَضب يَفعلُه. يُوضِّحُه الوَجهُ الثَّاني: وهو أنَّ الإرادةَ فيهِ هوَ مَحمولٌ عليها، مُلجَأٌ إليها كالمُكرَهِ، بل المُكرَهُ أحسنُ حالًا منهُ؛ فإنَّ لهُ قَصدًا وإرادةً حَقيقةً، لكنْ هوَ مَحمولٌ عليهِ، وهذا ليسَ لهُ قَصدٌ في الحَقيقةِ، فإذا لَم يَقعْ طلاقُ المُكرَهِ فطلاقُ هذا أَولَى بعَدمِ الوُقوعِ. يُوضِّحُه الوجهُ الثَّالثُ: وهو أنَّ الأمرَ الحامِلَ للمُكرَهِ على التَّكلُّمِ بالطَّلاقِ يُشبِهُ الحاملَ =
[ ١٧ / ٣٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = للغَضبانِ على التَّكلُمِ به؛ فإنَّ المُتكلِّمَ مُكرَهًا إنَّما يَقصِدُ الاستِراحةَ مِنْ تَوقُّعِ ما أُكرِهَ به إنْ لم يُباشِرْ به، أو مِنْ حُصولِه إنْ كانَ قد باشرَهُ شيءٌ منهُ، فيَتكلَّمُ بالطَّلاقِ قاصِدًا لراحتِه مِنْ ألَمِ ما أُكرِهَ به. هكذا الغَضبانُ، فإنهُ إذا اشتَدَّ به الغَضبُ يَألَم بحَملِه، فيقولُ ما يقولُ ويَفعلُ ما يَفعلُ؛ ليَدفعَ عن نَفسِه حَرارةَ الغَضبِ فيَستريحَ بذلكَ، وكذلكَ يَلطُمُ وَجهَه ويَصيحُ صِياحًا قَويًّا ويَشقُّ ثِيابَه ويُلقي ما في يَدِه؛ دَفعًا لألمِ الغَضبِ وإلقاءً لحِملِه عنهُ، وكذلكَ يَدعُو على نَفسِه وأحبِّ النَّاسِ إليه، فهو يَتكلَّمُ بصيغةِ الطَّلبِ والاستدعاءِ والدُّعاءِ وهو غَيرُ طالبٍ لذلكَ في الحقيقةِ، فكذلكَ يَتكلَّمُ بصيغةِ الإنشاءِ وهوَ غَيرُ قاصِدٍ لمَعناها. ولهذا يَأمُرُ المُلوكُ وغَيرُهم عِنْدَ الغَضبِ بأمورٍ يَعلَمُ خَواصُّهم أنَّهم تَكلَّمُوا بها دَفعًا لحَرارةِ الغَضبِ، وأنَّهم لا يُريدُونَ مُقتَضاها، فلا يَمتثِلُه خَواصُّهم بلْ يُؤخِّرونَه، فيَحمَدُونَهم على ذلكَ إذا سكَنَ غَضبُهم. وكذلكَ الرَّجلُ وقتَ شدَّةِ الغَضبِ يَقومُ ليَبطِشَ بولدِه أو صَديقِه فيَحولُ غَيرُه بيْنَه وبيْنَ ذلكَ، فيَحمَدُهم بعْدَ ذلكَ، كما يَحمدُ السَّكرانُ والمَحمومُ ونَحوُهما مَنْ يَحولُ بيْنَه وبيْنَ ما يَهمُّ بفِعلِه في تلكَ الحالةِ. الوَجهُ الرَّابعُ: أنَّ العاقِلَ لا يَستَدعي الغَضبَ ولا يُريدُه، بلْ هو أَكرَهُ شيءٍ إليهِ، وهو كما قالَ النَّبيُّ ﷺ: «جَمرَةٌ في قَلبِ ابنِ آدمَ، أمَا رَأيْتُم مِنْ احمرارِ عَينَيهِ وانتِفاخِ أَوداجِه؟!». والعاقِلُ لا يَقصدُ إلقاءَ الجَمرةِ في قَلبِه، فهو ناشِئٌ فيهِ بغَيرِ اختيارِه، وإذا كانَ هو السَّببَ الحامِلَ على التَّكلُّمِ بالطَّلاقِ وغَيرِه لم يَكنْ ذلكَ أيضًا مُضافًا إلى اختيارِه وإرادتِه، وهذا كما أنَّ إرادةَ السَّببِ إرادةٌ للمُسبَّبِ، فكَراهةُ السَّببِ وبُغضُه كَراهةٌ للمُسبِّبِ. يُوضِّحُه الوَجهُ الخامِسُ: وهو أنَّك تَقولُ للغضبانِ إذا اشتَدَّ غَضبُه ففعَلَ ما لم يَكنْ يَفعلُه أو تَكلَّمَ ما لم يَكنْ يَتكلَّمُ بهِ قبلَ الغَضبِ: هلْ أردتَ ذلكَ أو قَصدتَه؟ فيَحلفُ أنَّه ما أرادَه ولا قصَدَه، ولا كانَ لهُ باختيارٍ، ويَحلفُ أنَّه =
[ ١٧ / ٣٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقَعَ بغَيرِ اختيارِ، ولا تَنكِرْ هذا؛ فإنَّكَ تَجِدُه مِنْ نَفسِكَ. تَحقيقُ الأمرِ: أنَّ لهُ فيهِ إرادةً هوَ مَحمولٌ عليها، حمَلَه عليها الغَضبُ، فهي كإرادةِ المُكرَهِ، بلِ المُكرَهُ أدخَلُ في الإرادةِ كما تَقدَّمَ، وهذا يَدلُّ على أنَّ الغَضبانَ أَولَى بعَدمِ الوُقوعِ مِنَ المُكرَهِ. يُوضِّحُه الوَجهُ السَّادِسُ: وهو أنَّ الخَوفَ في قَلبِ المُكرَهِ كالغَضبِ في قَلبِ الغَضبانِ، لكنَّ المُكرَهَ مَقهورٌ بغَيرِه مِنْ خارجٍ، والغَضبانُ مَقهورٌ بغَضَبِه الدَّاخلِ فيه، وقَهرُ الإكراهِ يُبطِلُ حُكمَ الأقوالِ الَّتي أُكرِهَ عليها، ويَجعَلُها بمَنزلةِ كَلامِ النَّائمِ والمَجنونِ، دُونَ حُكمِ الأفعالِ، فإنهُ يُقتَلُ إذا قتَلَ، ويَضمنُ إذا أتلَفَ، فكذلكَ قَهرُ الغَضبِ يُبطِلُ حُكمَ أقوالِ الغَضبانِ دُونَ أفعالِه، حتَّى لو قَتلَ في هذهِ الحالةِ أو أتلَفَ شيئًا ضَمِنَه. هذا كُلُّه في الغَضبانِ الَّذي يَكرَهُ ما قالَه حَقيقةً، فأمَّا مَنْ هو مُريدٌ لهُ -على تَقديرِ عَدمِ غضَبِه لاقتِضاءِ سَببِ ذلكَ- فليسَ مِنْ هذا البابِ، كمَنْ زَنَتِ امرَأتُه فغَضِبَ فطلَّقَها؛ لأنَّه لا يَرَى المقامَ معَ زانيةٍ، فلم يَقصِدْ بالطَّلاقِ إطفاءَ نارِ الغضَبِ، بلِ التَّخلصَ مِنَ المقامِ معَ زانيةٍ، فهذا يَقعُ طلاقُه. فتأمَّلْ هذا الفرْقَ؛ فإنهُ حرفُ المسألةِ ونُكتَتُها، وهذا بخِلافِ مَنْ خاصَمَتْه امرأتُه وهو يَعلَمُ مِنْ نَفسِه إرادةَ المقامِ معها على الخُصومةِ وسُوءِ الخلُقِ، ولكنْ حمَلَه الغضَبُ على أنْ شَفَى نَفسَه بالتَّكلُّم بالطَّلاقِ كَسرًا لها وإطفاءً لنارِ غضَبِه. يُوضِّحُه الوَجهُ السَّابعُ: وهوَ أنَّ الغَضبانَ يَفعلُ أمُورًا مِنْ شَقِّ الثِّيابِ وإتلافِ المالِ وغَيرِ ذلكَ ممَّا لو أُكرِهَ بهِ حتَّى يَتكلَّمَ بالطَّلاقِ لم يَنفُذْ طلاقُه ولَغَتْ أقوالُهُ، فإذا فعَلَ هو هذهِ الأمورَ عُلِمَ أنَّ الَّذي ألجأَه إليها أعظَمُ مِنَ الإكراهِ؛ فإنَّ المُكرَهَ لو أُكرِهَ بها لم يَفعَلْها، وهذا قد فعَلَها، فعُلمَ أنَّ المُقتضي لفِعلِها فيه أَولَى مِنِ اقتِضاءِ الإكراهِ لفِعلِها، والمُكرَهُ لو فُعِلَ بهِ ذلكَ كانَ مُكرَهًا، فالغَضبانُ كذلكَ، وهذا واضِحٌ جِدًّا. =
[ ١٧ / ٣٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فإنْ قيلَ: المُكرَهُ إذا تَكلَّمَ بما أُكرِهَ عليهِ دَفَعَ عنهُ الضَّررَ، والغَضبانُ لا يَدفعُ عنه بهذا القَولِ ضَررًا، فليسَ كالمُكرَهِ. يلَ: لا رَيبَ أنَّهما يَفترقانِ في هذا الوجهِ، ولكنْ لا يُوجِبُ ذلكَ أنْ يكونَ الغَضبانُ مُختارًا مُريدًا لِمَا قالَه أو فعَلَه، بل هو أَكرَهُ شيءٍ إليهِ، وهذا أمرٌ لا يُمكِنُ دفْعُه. فإنْ قيلَ: فما الحامِلُ لهُ على فِعلِ ما يَكرَهُه ويُؤذِيه، مِنْ غَيرِ أنْ يَتوصَّلَ به إلى ما هو أحبُّ إليهِ منهُ؟ قيلَ: لمَّا كانَ الغَضبُ عَدوَّ العَقلِ، وهو لهُ كالذِّئبِ للشَّاةِ، قَلَّما يتَمكَّنُ منه إلَّا اغتالَ عقْلَهُ، فقصَدَ إزالةَ الغَضبِ وإطفاءَ نارِه، وهذا مَقصودٌ صَحيحٌ في نَفسِه، لكنْ لمَّا غابَ عنهُ عقْلُه قصَدَ إزالةَ ذلكَ -ممَّا فيه ضَررٌ عليهِ- ليُخفِّفَ عن نَفسِه ما هو فيهِ مِنَ البلاءِ، ولولا ذلكَ لم يَفعلْ ما لا يَفعَلُه في الرِّضا، ولا تَكلَّمَ بما لم يَكنْ يَتكلَّمُ به، فهو قصَدَ أنْ يَستريحَ ويَسكُنَ ويَبْرُدَ غَضبُه بتلكَ الأقوالِ والأفعالِ، وإنْ لم يَدفَعْ ذلكَ عنهُ بجُملتِه تلكَ الشَّدةَ، فإنَّها تُخفِّفُ وتُضعِفُ، فاقتَضتْ رَحمةُ الشَّارعِ به أنْ ألغَى أقوالَهُ في هذهِ الحالِ؛ إذْ يُمكِنُ أنْ لا يَترتَّبَ عليها أثَرُها، وتكونُ كأقوالِ المُبرسَمِ والمَجنونِ الهاجِرِ ونَحوِهما، وأمَّا الأفعالُ فلا يُمكنُ إلغاءُ أثَرِها؛ فرتَّبَ عليهِ مُوجَبَ فعلِه. الوَجهُ الثَّامِنُ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ شرَعَ للغَضبانِ أنْ يقولَ: «أَعوذُ باللهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ»، وأنْ يَتوضَّأَ، وأنْ يَتحوَّلَ عن حالَتِه، فإنْ كانَ قائِمًا فلْيَقعُدْ، وإذا كانَ قاعِدًا فلْيَضطَجِعْ، قالَ: «إنَّ الغَضبَ مِنَ الشَّيطانِ، وإنَّ الشَّيطانَ مِنَ النَّارِ، وإنَّما تُطفَأُ النَّارُ بالماءِ، فإذا غَضِبَ أحدُكم فلْيَتوضَّأْ»، وهذا يَدلُّ على أنهُ مَحمولٌ عليهِ مِنْ غيرِه، وأنَّ الشَّيطانَ يُغضِبُه ليَحمِلَه بغَضبِه على فِعلِ ما يُحبُّه الشَّيطانُ وعلى التَّكلُّمِ به، وما يُضافُ إلى الشَّيطانِ ممَّا يَكرَهُه العَبدُ ولا يُحبُّه فلا يُؤاخَذُ به الإنسانُ، كالوَسوسةِ والنِّسيانِ، كما قالَ فتَى مُوسَى لمُوسَى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]. فاللهُ تعالى لا يُؤاخِذُ بالوَسوسةِ ولا بالنِّسيانِ؛ إذ هُما مِنْ أثَرِ فِعلِ الشَّيطانِ في القَلبِ، وقد =
[ ١٧ / ٣٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أخبَرَ النَّبيُّ ﷺ أنَّ الغضَبَ مِنَ الشَّيطانِ، فيكونُ أثَرُه مُضافًا إليه أيضًا، فلا يُؤاخَذُ به العَبدُ كأثَرِ النِّسيانِ؛ فإنَّه لو حلَفَ أنْ لا يَتكلَّمَ بكذا فتكلَّمَ بهِ ناسيًا لم يَحنَثْ؛ لعَدمِ قَصدِه وإرادتِه لمُخالَفةِ ما عَقدَ يَمينَه عليهِ، وإنْ كانَ قاصِدًا للكَلامِ فإنَّه لَم يَقعْ منهُ إلَّا بقَصدِهِ وإرادتِه. هذِه حالُ الغَضبانِ، فإنَّه لم يَقصِدْ حقيقةَ ما تَكلَّمَ بهِ ومُوجَبَه، بلْ جَرَى على لسانِه كما جَرى كلامُ النَّاسي على لِسانِه، بل قصدُ النَّاسي للتَّكلُّمِ أظهَرُ مِنْ قَصدِ الغَضبانِ، ولهذا يقولُ النَّاسِي: «قَصدتُ أنْ أقولَ كذا وكذا»، والغَضبانُ يَحلِفُ أنه لم يَقصِدْ. الوجهُ التَّاسعُ: أنَّ القُصُودَ في العُقودِ مُعتبَرةٌ في عَقدِها كلِّها، والغَضبانُ ليسَ لهُ قصدٌ مُعتبَرٌ في حَلِّ عُقدةِ النِّكاحِ، كما ليسَ لهُ قصدٌ في قتلِ نفسِه ووَلدِه وإتلافِ مالِه، فإنَّه يَفعلُ في الغَضبِ هذا ويَقولُ هذا، فإذَّا لم يكنْ لهُ قصدٌ مُعتبَرٌ لم يَصحَّ طلاقُه. فإنْ قيلَ: فهذا يَنتقِضُ عليكُم بالهازِلِ؛ فإنَّه يَصِحُّ طلاقُه وإنْ لَم يكنْ لهُ فيهِ قصدٌ. قيلَ: الفرْقُ بيْنَهما أنَّ الهازِلَ قصَدَ التَّكلُّمَ باللَّفظِ وأرادَهُ رِضًا واختيارًا منهُ، لم يُحمَلْ على التَّلفظِ به، وغايَتُه أنه لَم يُرِدْ حُكمَه ومُوجَبَه، وذلكَ إلى الشَّارعِ ليسَ إليهِ، فالسَّببُ الَّذي إليهِ قد أتَى به اختيارًا وقصدًا معَ عَلمِه به، لَم يُحمَلْ عليهِ، والسَّببُ الَّذي إلى المُشرِّعِ ليسَ إِليه فلا يَصِحُّ اعتبارُ أحدِهما بالآخَرِ، وكيفَ يُقاسُ الغَضبانُ على المُتَّخِذِ آياتِ اللهِ هُزؤًا؟! وهذا مِنْ أفسَدِ القياسِ. الوَجهُ العاشِرُ: أنَّ الغَضبَ مَرضٌ مِنَ الأمراضِ وداءٌ مِنَ الأدواءِ، فهو في أمراضِ القُلوبِ نَظيرُ الحمَّى والوَسواسِ والصَّرَعِ في أمراضِ الأبدانِ، فالغَضبانُ المَغلوبُ في غَضبِه كالمَريضِ والمَحمومِ والمَصروعِ المَغلوبِ في مرَضِه والمُبرسَمِ المَغلوبِ في برسامِهِ. وهذا قِياسٌ صَحيحٌ في الغَضبانِ الَّذي قد اشتَدَّ بهِ الغَضبُ حتَّى لا يَعلمُ ما يقولُ، وأمَّا إذا كانَ يَعلمُ ما يَقولُ ولكنْ يَتكلَّمُ به حرَجًا وضِيقًا وغَلقًا لا قصدًا للوقوعِ فهوَ يُشبِهُ المُبرسَمَ والهاجِرَ مِنْ الحمَّى مِنْ وَجهٍ، ويُشبهُ المُكرَهَ القاصِدَ للتكلُّمِ مِنْ وَجهٍ، ويُشبهُ المُختارَ =
[ ١٧ / ٣٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = القاصِدَ للطَّلاقِ من وَجهٍ، فهوَ مُتردِّدٌ بيْنَ هذا وهذا وهذا، ولكنَّ جهةَ «الاختيار» والقَصدِ فيه ضعيفةٌ، فإنه يَعلمُ مِنْ نَفسِه أنهُ لم يَكنْ مُختارًا لِمَا صدَرَ منهِ، مِنْ خَرابِ بَيتهِ وفِراقِ حَبيبِه وكَونِه يَراهُ في يَدِ غَيرِه، فإنْ كانَ عاقِلًا لا يَختارُ هذا إلَّا ليَدفعَ بهِ ما هو أكرَهُ إليهِ منهُ، أو ليَحصُلَ به ما هو أحبُّ إليهِ، فإذا انتَفى هذا وهذا لَم يكنْ مُختارًا لذلكَ. هذا أمرٌ يَعلَمُه كلُّ إنسانٍ مِنْ نَفسِه، فصارَ تَردُّدُه بيْنَ المَريضِ المَغلوبِ والمُكرَهِ والمُحمولِ على الطَّلاقِ، وأيُّهُما كانَ فإنه لا يَنفُذُ طلاقُه. فإنْ قيلَ: الفَرقُ بيْنَهما أنَّ المَريضَ المَغلوبَ لا يَملِكُ نفسَه في الحالِ، والمُكرَهُ وإنْ مَلكَ نفسَه لكنَّه لا يَملِكُ دفْعَ المكروهِ عنهُ، وأمَّا الغَضبانُ فإنَّه يُمكنِهُ أنْ يَملكَ نفسَه، كما قالَ النَّبيُّ ﷺ: «ليسَ الشَّديدُ بالصُّرعةِ، ولكنهُ الَّذي يَملِكُ نفْسَه عندَ الغضَبِ». قيلَ: مِنَ الغَضبِ ما يُمكِنُ صاحبُه أنْ يَملكَ نفْسَه عِندَه، وهوَ الغَضبُ في مبادئِه، فإذا استَحكمَ وتَمكَّنَ منهُ لم يَملِكْ نفسَه عندَ ذلكَ، وكذلكَ الحُزنُ الحامِلُ على الجزَعِ يُمكِنُ صاحبُه أنْ يَملِكَ نفسَه في أوَّلِه، فإذا استَحكمَ وقهَرَ لم يَملكْ نفسَه، وكذلكَ الغَضبُ يُمكِنُ صاحِبُه أنْ يَملكَ نفسَه في أوَّلِه، فإذا تَمكَّنَ واستَولَى سُلطانُه على القَلبِ لم يَملكْ صاحبُه قلْبَه، فهوَ اختياريٌّ في أوَّلِه، اضطِراريٌّ في نهايتِه، كما قالَ القائِلُ: يا عاذِلِي والأمرُ في يَدِهِ … هلَّا عَذَلْتَ وفي يَدِي الأمرُ وهكذا السَّكرانُ، سَببُ السُّكرِ مَقدورٌ له، يُمكِنُه فِعلُه وتَركُه، فإذا أتَى بالسَّببِ خرَجَ الأمرُ عَنْ يَدِه، ولَم يَملكْ نَفسَه عِنْدَ السُّكرِ، فإذا كانَ السُّكرُ الَّذي هوَ مُفرِّطٌ بتَعاطِي أسبابِه ويَقدرُ على ملكِ نفسِه باجتِنابِها، قد عَذَرَ الصَّحابَةُ وغَيرُهم مِنَ الفُقهاءِ صاحِبَه إذا طلَّق في هذهِ الحال، مع كَونِه غيرَ مَعذورٍ في تَعاطي سَببِه، فلَأَنْ يُعذَرَ سَكرانُ الغَضبِ الَّذي لَم يُفرِّطْ -معَ شدَّةِ سُكرِه على سُكرِ الخَمرِ- أَولَى وأَحرَى. الوَجهُ الحادِي عَشرَ: وهو أنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ إذا لم يُنفِذْ غضَبَه قتَلَه غَضبُه، وماتَ أو مَرضَ أو غُشِيَ عليهِ، كما يُذكَرُ عَنْ بَعضِ العرَبِ أنَّ رَجلًا سبَّهُ، فأرادَ أنْ يَردَّ على=
[ ١٧ / ٣٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = السابِّ فأمسَكَ جَليسٌ لهُ بيَدِه على فَمِه، ثمَّ رفَعَ يَدَه لَمَّا ظنَّ أنَّ غضَبَه قدْ سكَنَ، فقالَ: قَتلتَنِي، ردَدْتَ غَضَبي في جَوفي، وماتَ مِنْ ساعتِه. إذا نفَذَ مثلُ هذا غَضبُه بقَتلِ أو ظُلمٍ لغَيرِه لم يُعذَرْ بذلكَ كالسَّكرانِ، وأمَّا إذا نفَذَ بقولٍ فإنَّه يُمكنُ إهدارُ قَولِه وأنْ لا يَترتَّبَ أثرُه عليهِ، كما أهدَرَ اللهُ سُبحانَه دُعاءَه ولم يُرتِّبْ أثرَه عليهِ ولَم يَستَجبْهُ لهُ. ولهذا ذهَبَ بعضُ الفُقهاءِ إلى أنه لا يُجلَدُ بالقَذفِ في حالِ الخُصومةِ والغضَبِ، وإنَّما يُجلَدُ بهِ إذا أتَى به اختيارًا وقَصدًا لقَذفِه، وهوَ قولٌ قويٌّ جِدًّا. ويَدلُّ عليهِ أنَّ الخَصمَ لا يُعذَرُ بجُرحِه لخَصمِه وطَعنِه فيهِ حالَ الخُصومةِ بقَولِه: هو فاجِرٌ ظالِمٌ غاشِمٌ يَحلِفُ على الكَذبِ ونَحوِ ذلكَ. ومَن يَحُدُّه في هذهِ الحالِ يُفرِّقُ بيْنَ قَذفِه وطلاقِه بأنَّ القَذفَ حقٌّ لآدَميٍّ وانتهاكٌ لعِرضِه، أو قدحِهِ في نَفسِه، فيَجرِي مَجرى إتلافِ نَفسِه ومالِه، فلا يُعذَرُ فيهِ بالغَضبِ، لا سيَّما ولو عُذِرَ فيهِ بذلكَ لَأمكَنَ كلَّ قاذِفٍ أنْ يقولَ: قَذفْتُه في حالِ الغَضبِ فيسقُطُ الحدُّ، بخلافِ الطَّلاقِ؛ فإنه يُمكنُ أنْ يُديَّنَ فيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ، والحقُّ لا يَعدُوهُ. والمَقصودُ أنَّه إذا تَكلَّمَ بالطَّلاقِ دواءً لهذا المَرضِ وشِفاءً لهُ بإخراجِ هذهِ الكَلمةِ مِنْ صَدرِه وتَنفُّسِه بها؛ فمِن كَمالِ هذهِ الشَّريعةِ ومَحاسِنها وما اشتَملَتْ عليهِ مِنَ الرَّحمةِ والحِكمةِ والمَصلَحةِ أنْ لا يُؤاخَدَ بها ويُلزَمَ بمُوجَبِها وهو لم يَلتَزمْه. الوَجهُ الثَّاني عشَرَ: أنَّ قاعِدةَ الشَّريعةِ أنَّ العَوارِضَ النَّفسيَّةَ لها تأثيرٌ في القَولِ إهدارًا واعتبارًا، وإعمالًا وإلغاءً، وهذا كعارِضِ النِّسيانِ والخَطأِ والإكراهِ والسُّكرِ والجُنونِ والخَوفِ والحُزنِ والغَفلةِ والذُّهولِ، ولهذا يُحتَملُ مِنَ الواحدِ مِنْ هؤلاءِ مِنَ القَولِ ما لا يُحتَملُ مِنْ غَيرِه، ويُعذَرُ بما لا يُعذَرُ بهِ غيرُه؛ لعَدمِ تَجرُّدِ القصدِ والإرادةِ ووُجودِ الحامِلِ على القَولِ. ولهذا كانَ الصَّحابةُ يَسألُ أحدَهُم النَّاذِرَ: أَفِي رِضًا قُلتَ ذلكَ أم في غَضبِ؟ فإنْ كانَ في =
[ ١٧ / ٣٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = غَضبٍ أمَرَه بكفَّارةِ يَمينٍ؛ لأنَّهمُ استَدلُّوا بالغَضبِ على أنَّ مَقصودَه الحضُّ والمَنعُ كالحالِفِ، لا التقرُّبُ. وقد قالَ تعَالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، فجَعلَ عارِضَ السُّكرِ مانِعًا مِنْ اعتبارِ قِراءةِ السَّكرانِ وذِكرِه وصلاتِه، كما جعَلَه النَّبيُّ ﷺ مانِعًا مِنْ صِحَّة إقرارِه لمَّا أمَرَ باستِنكاهِ مَنْ أقَرَّ بيْنَ يَديهِ بالزِّنا، وجعَلَه مانِعًا مِنْ تَكفيرِ مَنْ قالَ لهُ ولأصحابِه: «هَلْ أنتُم إلَّا عَبيدٌ لأبي؟!». جَعلَ اللهُ سُبحانَه الغَضبَ مانِعًا مِنْ إجابةِ الدَّاعِي على نَفسِه وأهلِه، وجعَلَ سُبحانَه الإكراهَ مانِعًا مِنْ كُفرِ المُتكلِّمِ بكلمةِ الكُفرِ، وجعَلَ الخطأَ والنِّسيانَ مانِعًا مِنَ المُؤاخَذةِ بالقَولِ والفِعلِ. وعارِضُ الغضَبِ قد يكونُ أقوَى مِنْ كَثيرٍ مِنْ هذهِ العَوارِضِ، فإذا كانَ الواحِدُ مِنْ هَؤلاءِ لا يَترتَّبُ على كَلامهِ مُقتضاهُ لعدَمِ القَصدِ؛ فالغَضبانُ الَّذي لم يَقصدْ ذلكَ إنْ لم يَكنْ أَولَى بالعُذرِ منهم لم يَكنْ دُونَهم. ويُوضِّحُه الوَجهُ الثَّالثَ عشَرَ: أنَّ الطَّلاقَ في حالِ الغَضبِ لهُ ثلاثُ صُوَرٍ: إحداها: أنْ يَبلُغَه عنِ امرَأتِه أمرٌ يَشتَّدُ غَضبُه لأجْلِه، ويَظنُّ أنه حَقٌّ، فيُطلِّقَها لأجلِه، ثمَّ يَتبيَّنُ أنَّها بَريئةٌ منهُ، فهذا في وُقوعِ الطَّلاقِ به وَجهانِ: أصَحُّهما أنَّه لا يَقعُ طلاقُه؛ لأنه إنَّما طلَّقَها لهذا السَّببِ والعِلَّةِ، والسَّببُ كالشَّرطِ، فكأنه قالَ: «إنْ كانَتْ فعَلَتْ ذلكَ فهي طالِقٌ»، فإذا لم تَفعلْهُ لم يُوجَدِ الشَّرطُ. وقَد ذكَرَ المَسألةَ بعَينِها أبو الوَفاءِ ابنُ عَقيلٍ، وذكَرَ الشَّريفُ ابنُ أبي مُوسَى في «إرشادِهِ» فيما إذا قالَ: «أنتِ طالِقٌ أنْ دَخلْتِ الدَّارِ» -بفَتحِ الهَمزةِ- مِرارًا وهو يَعرِفُ العربيَّةَ، ثمَّ تَبيَّنَ أنها لم تَدخُلْ لَم تَطلُقْ. ولا يُقالُ: هو هاهُنا قد صرَّحَ بالتَّعليلِ، بخِلافِ ما إذا لَم يُصرِّحْ بهِ، فإنَّ هذا لا تأثيرَ لهُ، فإنه قد أوقَعَ الطَّلاقَ لعلَّةٍ، فإذا انَتفَتِ العلَّةُ تَبيَّنَّا أنه لم يكنْ مُريدًا لوُقوعِه بدونِها، سَواءٌ =
[ ١٧ / ٣٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = صرَّحَ بالعلَّةِ أو لَم يُصرِّحْ بها، وغايةُ الأمرِ أنْ تكونَ العلَّةُ بمَنزلةِ الشَّرطِ، وهو لو قالَ: «أنتِ طالِقٌ» وقالَ: «أردتُ: إنْ فَعلتِ كذا وكذا» دُيِّنَ فيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ تعالَى. وقدْ ذكَرَ أصحابُ الشَّافعيِّ وأحمدَ فيما إذا كاتَبَ عبْدَه على عِوضٍ فأدَّاهِ إليهِ فقالَ: «أنتَ حُرٌّ» ثمَّ تبيَّنَ أنَّ العوضَ مُستحَقٌّ؛ لم يُعتَقْ، معَ تَصريحِه بالحُريَّةِ، فالطَّلاقُ أَولَى بعَدمِ الوُقوعِ في هذهِ الصُّورةِ. لصُّورةُ الثَّانيةُ: أنْ يكونَ قد غَضبَ عليها لأمرٍ قد عَلِمَ وُقوعَه مِنها، فتكلَّمَ بكلمةِ الطَّلاقِ قاصِدًا للطَّلاقِ عالِمًا بما يَقولُ عُقوبةً لها على ذلكَ، فهذا يَقعُ طَلاقُه؛ إذْ لو لم يَقعْ هذا الطَّلاقُ لَم يَقعْ أكثرُ الطَّلاقِ، فإنه غالبًا لا يقعُ معَ الرِّضَا. الصَّورةُ الثَّالثةُ: أنْ لا يَقصِدَ أمرًا بعَينِه، ولكنَّ الغضَبَ حمَلَه على ذلكَ وغيَّرَ عقْلَه ومنَعَه كمالَ التَّصوُّرِ والقَصدِ، فكانَ بمَنزلةِ الَّذي فيهِ نَوعٌ مِنَ السُّكرِ والجُنونِ، فليسَ هو غائِبَ العَقلِ بحَيثُ لا يَفهمُ ما يقولُ بالكُليَّةِ، ولا هو حاضِرُ العَقلِ بحَيثُ يكونُ قَصدُه مُعتبَرًا، فهذا لا يَقعُ به الطَّلاقُ أيضًا، كما لا يَقعُ بالمُبرسَمِ والمَجنونِ. يُوضِّحُه الوجهُ الرابعَ عشَرَ: أنَّ المَجنونَ والمُبرسَمَ والمُوسوِسَ والهاجِرَ قد يَشعُرُ أحدُهم بما قالَهُ ويَستحِي منهُ، وكذلكَ السَّكرانُ، ولهذا لم يَشتَرطْ أكثُر الفُقهاءِ في كَونِه سَكرانَ أنَّ يُعدَمَ تَمييزُه بالكُليَّةِ، بل قَدْ قالَ الإمامُ أحمدُ وغَيرُه: إنَّه الَّذي يَخلطُ في كَلامِه ولا يَعرِفُ رِداءَه مِنْ رِداءِ غَيرِه وفِعلَه مِنْ فِعلِ غَيرِه، والسُّنةُ الصَّريحةُ الصَّحيحةُ تَدلُّ عليهِ، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ أنْ يُستَنكَه مَنْ أقَرَّ بالزِّنا، معَ أنَّه حاضِرُ العقلِ والذِّهنِ، يَتكلَّمُ بكَلامٍ مَفهومٍ ومَنتظِمٍ، صحيحُ الحرَكةِ، ومعَ هذا فجوَّزَ النَّبيُّ ﷺ أنْ يكونَ به سُكرٌ يَحُولُ بيْنَه وبيْنَ كمالِ عَقلِه وعِلمِه، فأمَرَ باستِنكاهِه. والمَقصودُ أنَّ هؤلاءِ لَيسُوا مَسلُوبي التَّمييزِ بالكُليةِ، وليسُوا كالعُقلاءِ الَّذينَ لهُم قَصدٌ صَحيحٌ، فإنَّ ما عرَضَ لهم أوجَبَ تَغيُّرَ العَقلِ الَّذي منَعَ صحَّةَ القصدِ، فلَم يبْقَ أحدُهم يَقصِدُ قصدَ العُقلاءِ الَّذي مُرادُه جَلبُ ما يَنفعُ ودفْعُ ما يَضرُّ، فلم يَتصوَّرْ أحدُهم لَوازِمَ ما تَكلَّمَ بهِ، ولا غابَ عَقلُه عَنِ الشُّعورِ بهِ، بل هوَ ناقِصُ التَّصوُّرِ ضَعيفُ القَصدِ. =
[ ١٧ / ٣٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والغَضبانُ في حالِ غَضبِه قدْ يَكونُ أسوأَ حالًا مِنْ هَؤلاءِ وأشبَهَ بالمَجانينِ، ولهذا يقولُ ويَفعلُ ما لا يَقولُه المَجنونُ ولا يَفعلُه. فإنْ قيلَ: فهلْ يُحجَرُ عليهِ في هذهِ الحالِ كما يُحجَرُ على المَجنونِ؟ يلَ: لا، والفَرقُ بيْنَهما أنَّ هذهِ الحالَ لا تَدومُ، فهو كالَّذي يُجَنُّ أحيانًا نادرًا ثمَّ يُفيقُ، فإنَّه لا يُحجَرُ عليهِ، نعَمْ، لو صدَرَ منهُ في تلكَ الحالِ قولٌ عَنْ غَيرِ قَصدٍ منهُ كانَ مِثلَ القَولِ الصَّادرِ عَنِ المَجنونِ في عَدمِ تَرتُّبِ أثَرِه عليهِ. ولا رَيبَ أنَّه قَدْ يَحصلُ للغَضبانِ إغماءٌ وغَشْيٌ، وهو في هذهِ الحالِ غَيرُ مُكلَّفٍ قَطعًا، كما يَحصلُ ذلكَ للمَريضِ، فيُزيلُ تَكليفَهُ حالَ الإغماءِ، حتَّى إنَّ بعضَ الفُقهاءِ لا يُوجِبُ عليهِ قَضاءَ الصَّلاةِ في هذهِ الحالِ؛ إلحاقًا بالمَجنونِ، كما يَقولُه الشَّافعيُّ، وأحمدُ يُوجِبُ عليهِ القَضاءَ؛ إلحاقًا لهُ بالنَّائمِ، وأبو حَنيفةَ يُفرِّقُ بيْنَ الطَّويلِ الزَّائدِ على اليَومِ واللَّيلةِ، فيُلحِقُه بالجنونِ، وبيْنَ القَصيرِ الَّذي هوَ دُونَ ذلكَ، فيَلحِقُه بالنَّومِ. وقدْ يُنْكِرُ كثيرٌ مِنَ النَّاسِ أنَّ الغضَبَ يُزيلُ العَقلَ، ويَبلُغُ بصاحبِه إلى هذهِ الحالِ، فإنَّه لا يَعرفُ مِنَ الغضَبِ إلَّا ما يَجِدُ مِنْ نَفْسِه، وهو لم يَعلمْ غَضبًا انتَهى إلى هذهِ الحالِ. وهذا غلَطٌ؛ فإنَّ النَّاسَ مُتفاوِتونَ في الغضَبِ تَفاوتًا عَظيمًا، فمِنهُ ما هو كالنَّشوَةِ، ومِنهُ ما هوَ كالسُّكرِ، ومنهُ ما هو كالجُنونِ، ومنهُ ما هو سَريعُ الحُصولِ سَريعُ الزَّوالِ، وعَكسُه، ومِنهُ سَريعُ الحُصولِ بَطيءُ الزَّوالِ، وعَكسُه، كما قسَّمَه النَّبيُّ ﷺ إلى هذهِ الأقسامِ. وقِوَى النَّاسِ مُتفاوِتةٌ تَفاوتًا عَظيمًا في ملكِ تَقواهُم عِنْدَ الغَضبِ والطمَعِ والحُزنِ والخَوفِ والشَّهوَةِ، فمِنهُم مَنْ يَملِكُ ذلكَ ويتصرَّفُ فيهِ، ومِنهُم مَنْ يَملِكُه ذلكَ ويَتصرَّفُ فيهِ. الوَجهُ الخامِسَ عشَرَ: أنَّ الغَضبانَ الَّذي قدِ انغَلقَ عليهِ القَصدُ والرَّأيُ في الغَضبِ، وقد صارَ إلى الجُنونِ العارِضِ أقرَبَ منهُ إلى العَقلِ الثَّابِتِ أَولَى بعَدمِ وُقوعِ طلاقِه مِنَ =
[ ١٧ / ٣٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الهازِلِ المُتلفِّظِ بالطَّلاقِ في حالِ عقْلِه وإنْ لَم يُردْهُ بقَلبِه، وقدْ ألغَى طلاقَ الهازِلِ بعضُ الفُقهاءِ، وهو إحدى الرِّوايتَينِ عَنْ الإمامِ أحمَدَ، حكاها أبو بَكرٍ عَبدُ العَزيزِ وغَيرُه، وبه يقولُ بعضُ أصحابِ مالِكٍ إذا قامَ دَليلُ الهزلِ، فلَم يَلزَمْه عِتقٌ ولا نِكاحٌ ولا طَلاقٌ، ولا رَيبَ أنَّ الغَضبانَ أَولَى بعَدمِ وُقوعِ طلاقِه مِنْ هذا. لوجهُ السَّادسَ عشَرَ: أنَّ جماعةً مِنْ أصحابِنا لم يَشتَرطُوا في المَجنونِ والمُبرسَم أنْ لا يكونَ ذاكرًا لطلاقِه، وإنْ كانَ ظاهِرُ نصِّ أحمدَ أنَّه متَى ذكَرَ الطَّلاقَ لَزِمَه؛ فإنَّه قالَ في روايةِ أبي طالِبٍ في المَجنونِ يُطلِّقُ فقيلَ لهُ لمَّا أفاقَ: «إنَّكَ طلَّقْتَ امرأتَكَ، فقالَ: «أنا ذاكِرٌ أنِّي طلَّقْتُ ولم يكنْ عَقلِي معي»، فقالَ: إذا كانَ يَذكرُ أنهُ طلَّقُ فقَد طَلُقَتْ، قالَ أبو مُحمدٍ المَقدسيُّ: وهذا هوَ المَنقولُ عَنْ الإمامِ أحمَدَ فيمَن كانَ جُنونُه بذَهابِ مَعرفتِه بالكُليةِ وبُطلانِ حواسِّه، فأمَّا مَنْ كانَ جُنونُه لنَشافٍ أو كانَ مُبرسَمًا فإنَّ ذلكَ يُسقِطُ حُكمَ تَصرُّفِه، مع أنَّ مَعرفتَه غيرُ ذاهِبةٍ بالكُليةِ، فلا يَضرُّه ذكْرُ الطَّلاقِ إنْ شاءَ اللهُ. انتَهى كلامُه. ومَعلومٌ أنَّ الغَضبانَ المُمتلِئَ أسوأُ حالًا مِمَّنْ جُنونُه مِنْ نَشافٍ أو بَرسامٍ، وأقلُّ أحوالِهِ أنْ يكونَ مِثلَه. يُوضِّحُه الوجهُ السابعَ عشَرَ: وهو أنَّ المُوسوِسَ لا يَقعُ طلاقُه، صرَّحَ بهِ أصحابُ أبي حَنيفةَ وغَيرُهم؛ وما ذاكَ إلَّا لعَدمِ صحَّةِ العَقلِ والإرادةِ منهُ، فهكذا هذا. الوَجهُ الثَّامنَ عشَرَ: أنَّه لمْ يقُلْ أحَدٌ: إنَّ مُجرَّدَ التكلُّمِ بلَفظِ الطَّلاقِ مُوجِبٌ لوُقوعِه على أيِّ حالٍ كانَ، بل لا بُدَّ مِنْ أمرٍ آخَرَ وراءَ التكلُّمِ باللَّفظِ. فطائفةٌ اشتَرطَتْ أنْ يأتيَ بهِ في حالِ التَّكليفِ فقطْ، سواءٌ قصَدَه أو جرَىَ على لسانِه مِنْ غَيرِ قَصدٍ، سواءٌ أُكرِهَ عليهِ أو أتَى بهِ اختيارًا، وهذا مَذهبُ مَنْ يُوقِعُ طلاقَ المُكرَهِ والطَّلاقَ الَّذي يَجرِي على لسانِ العبدِ مِنْ غيرِ قَصدٍ مِنهُ، وهو المَنصوصُ عَنْ أبي حَنيفةَ في المَوضِعَينِ. وطائِفةٌ اشتَرطَتْ معَ ذلكَ أنْ يأتيَ باللَّفظِ مُختارًا قاصدًا له، وهو قولُ الجُمهورِ الَّذين لا يُنفِذُونَ طلاقَ المُكرَهِ. =
[ ١٧ / ٣٤٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ثمَّ مِنهُم مَنِ اشتَرطَ معَ ذلكَ أنْ يكونَ عالِمًا بمَعناهُ، فإنْ تَكلَّم بهِ اختيارًا غيْرَ عارِفٍ بمَعناهُ لم يَلزَمْه حُكمُه، وهذا قَولُ مَنْ يقولُ: لا يَلزَمُ المُكلَّفَ أحكامُ الأقوالِ حتَّى يكونَ عارِفًا بمَدلُولِها، وهذا هوَ الصَّوابُ. مِنهُم مَنِ اشتَرطَ معَ ذلكَ أنْ يكونَ مُريدًا لمَعناهُ ناوِيًا لهُ، فإنْ لم يَنوِ مَعناهُ ولم يُرِدْه لم يَلزَمْه حكمُه، وهذا قَولُ مَنْ يَشتَرطُ لصَريحِ الطَّلاقِ النَّيةَ، وقولُ مَنْ لا يُوقِعُ الهازِلَ، وهوَ قولٌ في مَذهبِ الإمامِ أحمَدَ ومالِكٍ في المَسألتَينِ، فيَشتَرطُ هؤلاءِ الرِّضا بالنُّطقِ اللِّسانِيِّ والعِلمَ بمَعناهُ وإرادةَ مُقتَضاهُ. ومِنهمْ مَنْ يَشتَرطُ معَ ذلكَ كَونَ الطَّلاقِ مأذونًا فيهِ مِنْ جِهةِ الشَّارعِ، وهو قولُ مَنْ لا يُوقِعُ الطَّلاقَ المُحرَّمَ، وهو قولُ طائفةٍ مِنَ السَّلفِ مِنَ الصَّحابةِ والتَّابعِينَ ومَن بَعدَهُم. وقالَ محمَّدُ بنُ عَبدِ السَّلامِ الخُشَنِيُّ: حدَّثنَا محمَّدُ بنُ بشَّارٍ قالَ: حَدَّثنا عَبدُ الوَهابِ بنُ عَبدِ المَجيدِ الثَّقفيُّ: حدَّثنا عُبيَدُ اللهِ بنُ عُمرَ عَنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمرَ أنه قالَ في الرَّجلِ يُطلِّقُ امرأتَه وهيَ حائِضٌ: «لا يُعتَدُّ بذلكَ»، وحَسبُكَ بهذا الإسنادِ إذا صَحَّ، رَواهُ أبو مُحمدٍ بنُ حَزمٍ قالَ: حدَّثنَا يُوسفُ بنُ عَبدِ اللهِ قالَ: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَبدِ اللهِ بنِ عَبدِ الرَّحيمِ قالَ: حَدَّثنا أحمَدُ بنُ خالدٍ قالَ: حدَّثنَا مُحمَّدُ بنُ عبدِ السَّلامِ، فذكَرَه، وهذا مَذهبُ أفقَهِ التَّابعِينَ على الإطلاقِ سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ، حَكاهُ عنهُ الثَّعلبيُّ في تَفسيرِ «سُورةِ الطَّلاقِ»، وهو مَذهبُ أفقَهِ التَّابعِينَ مِنْ أصحابِ ابنِ عبَّاسٍ، وهوَ طاووسٌ، قالَ عبدُ الرَّزاقِ: عنِ ابنِ جُريجٍ عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ طاووسٍ عَنْ أبيهِ: أنَّه كانَ لا يَرَى طلاقًا ما خالَفَ وجهَ الطَّلاقِ ووجْهَ العِدَّةِ، وكانَ يقولُ: وَجهُ الطَّلاقِ أنْ يُطلِّقَها طاهِرًا مِنْ غَيرِ جِماعٍ، وإذا استَبانَ حمْلُها، وهذا مَذهبُ خلاسِ بنِ عَمروٍ … أنهُ قالَ في الرَّجلِ يُطلِّقُ امرَأتَه وهيَ حائِضٌ، فقالَ: لا يعتَدُّ بهَا»، وهذا قولُ أبي قِلابةَ، قالَ: إذا طلَّقَ الرَّجلُ امرَأتَه وهيَ حائِضٌ فلا يعتَدُّ بها». وهذا اختيارُ ابنِ عَقيلٍ في كتابِه «الواضِح في أُصولِ الفِقهِ»، صرَّحَ بهِ في مَسألةِ: النَّهيُ =
[ ١٧ / ٣٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يَقتَضِي الفَسادَ، وهوَ اختيارُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ، وهوَ أحدُ الوَجهَينِ في مَذهبِ أحمَدَ. وقالَ أبو جَعفرٍ الباقِرُ: لا طلاقَ إلَّا على سُنَّةٍ، ولا طلاقَ إلَّا على طُهرٍ مِنْ غَيرِ جِماعٍ، وكلُّ طلاقٍ في غَضبٍ أو يَمينٍ أو عِتقٍ فليسَ بطَلاقٍ إلَّا لِمَنْ أرادَ الطَّلاقَ. المَقصودُ أنَّ هؤلاءِ يَشتَرطونَ في وُقوعِ الطَّلاقِ إذنَ الشَّارعِ فيهِ، وما لم يأذَنْ فيهِ الشَّارعُ فهوَ عندَهُم لاغٍ غَيرُ نافِذٍ. قالَ شَيخُ الإسلامِ: وقَولُهم أصَحُّ في الدَّليلِ مِنْ قَولِ مَنْ يُوقِعُ الطَّلاقَ الَّذي لم يَأذَنْ فيهِ اللهُ ورَسولُه، ويَراهُ صَحيحًا لازمًا. والمَقصودُ أنَّ أحدًا لَم يَقلْ: إنَّ مُجرَّدَ التَّكلُّمِ بالطَّلاقِ مُوجِبٌ لتَرتُّبِ أثَرِه على أيِّ وَجهٍ كانَ. الوَجهُ التَّاسعَ عشَرَ: أنَّ هذا مُقتَضَى نصِّ أحمَدَ كما تَقدَّمَ تَفسيرُه «الإغلاق» في روايةِ حَنبلٍ بالغَضبِ، وقالَ عبدُ اللهِ ابنُه في «مَسائِله»: سألْتُ أبي عَنِ المَجنونِ إذا طلَّق في وَقتِ زَوَلانِ عَقلِه أيَجوزُ؟ قالَ أبي: كلُّ مَنْ كانَ صَحيحَ العَقلِ فزالَ عَقْلُه عَنْ صحَّتِه فطلَّقَ فليسَ طلاقُه بشيءٍ. فهذا عُمومُ كَلامِه وذاكَ خاصُّه، فقَدْ جعَلَ تَغيُّرَ العَقلِ عَنْ صِحَّتِه مانِعًا مِنْ وُقوعِ الطَّلاقِ، ولا رَيبَ أنَّ إغلاقَ الغَضبِ يُغيِّرُ العَقلَ عَنْ صحَّتِه. الوَجهُ العشرُونَ: أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا في صِحَّةِ حُكمِ الحاكِمِ في الغَضبِ على ثلاثةِ أقوالٍ، وهيَ ثلاثةُ أوجُهٍ في مَذهبِ أحمَدَ: أحدُها: لا يَصِحُّ ولا يَنفذُ؛ لأنَّ النَّهيَ يَقتضِي الفَسادَ. والثَّاني: يَنفُذُ. والثَّالثُ: إنْ عرَضَ لهُ الغضَبُ بعْدَ فَهمِ الحُكمِ نفَذَ حُكمُه، وإنْ عرَضَ لهُ قبْلَ ذلكَ لم يَنفذْ، فإنَّ الحاكِمَ يَجبُ أنْ يكونَ عالِمًا عَدلًا. فمَن نفَّذَ حُكمَهُ قالَ: الغَضبُ لا يَمنعُه العِلمَ والعدلَ، فقَدْ حكَمَ النَّبيُّ ﷺ للزُّبيرِ في شِراجِ الحَرَّةِ وهوَ غَضبانُ. =
[ ١٧ / ٣٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ومَن لم يُنَفِّذْ حُكمَهُ قالَ: الغَضبُ يَمنَعُه كَمالَ المَقصودِ وحُسنَ القَصدِ، فيَمنَعُه العلمَ والعدلَ. لا يَصحُّ القِياسُ على النَّبيِّ ﷺ؛ فإنَّه مَعصومٌ في غَضبِه ورضاهُ، فكانَ إذا غَضِبَ لم يَقلْ إلَّا حقًّا، كما كانَ في رضاهُ كذلكَ. ومَن فرَّقَ قالَ: إذا عَلِمَ الحَقَّ قبْلَ الغَضبِ لَم يَمنَعْه الغَضبُ مِنَ العلمِ، وحِينئذٍ فيُمكِنُه أنْ يُنفذَ الحقَّ الَّذي عَلِمَه، وإذا غَضِبَ قبْلَ الفَهمِ لم يَنفُذْ حُكمُه؛ لإمكانِ أنْ يَحُولَ الغضَبُ بيْنَه وبيْنَ الفهْمِ، وهؤلاءِ يَحتجُّونَ بقَضيَّةِ الزُّبيرِ، وأنَّ النَّبيَّ ﷺ إنَّما عرَضَ لهُ الغضَبُ بعْدَ فهْمِ الحُكومةِ. والمَقصودُ أنَّ الغضَبَ إذا أثَّرَ عندَ هؤلاءِ في بُطلانِ الحُكمِ عُلِمَ أنَّ كلامَ الغَضبانِ غيرُ كَلامِ الرَّاضِي المُختارِ، وأنَّ للغَضبِ تأثيرًا في ذلكَ. الوجهُ الحادِي والعشرونَ: أنَّ وُقوعَ الطَّلاقِ حُكمٌ شَرعيٌّ، فيَستدعِي دليلًا شَرعيًّا، والدَّليلُ إمَّا كتابٌ أو سُنَّةٌ أو إجماعٌ أو قِياسٌ يَستوي فيهِ حُكمُ الأصلِ والفَرعِ، وليسَ شيءٌ منها موجودًا في مَسألتِنا، وإنْ شِئتَ قُلتَ: الدَّليلُ إمَّا نَصٌّ وإمَّا مَعقُولُ نَصٍّ، وكلاهُما مُنتَفٍ، وإنْ شِئتَ قُلتَ: لو ثبَتَ الوُقوعُ لَزِمَ وُجودُ دليلِه، واللَّازمُ مُنتَفٍ، فالمَلزومُ مِثلُه. الوَجهُ الثَّاني والعِشرونَ: أنَّ نِكاحَ هذا مُثبَتٌ ب «الإجماع»، فلا يَزولُ إلَّا بإجماعٍ مِثلِه، وإنْ شِئتَ قُلتَ: نِكاحُه قبْلَ صُدورِ هذا اللَّفظِ منهُ ثابِتٌ بإجماعٍ، والأصلُ بَقاؤُه حتَّى يَثبُتَ ما يَرفعُه. الوَجهُ الثَّالثُ والعِشرونَ: أنَّ جُمهورَ العُلماءِ يَقولونَ: إنَّ طلاقَ الصَّبيِّ المُميِّزِ العاقِلِ لا يَنفُذُ ولا يَصِحُّ، هذا قولُ أبي حَنيفةَ ومالكٍ والشَّافعيِّ وإحدَى الرِّوايتَينِ عَنِ الإمامِ أحمدَ اختارَها الشَّيخُ أبو مُحمدٍ، وهوَ قولُ إسحاقَ، معَ كَونِه عارِفًا باللَّفظِ ومُوجَبِه بكَلماتِه اختيارًا وقَصدًا، ولهُ قصدٌ صَحيحٌ وإرادةٌ صحيحةٌ، وقدْ أمَرَ اللهُ سبحانَه بابتِلائِه =
[ ١٧ / ٣٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) =واختبارِه في تَصرُّفاتِه، وقَد نَفَّدَ عُمرُ بنُ الخَطابِ وصيَّتَه، واعتبَرَ النَّبيُّ ﷺ قصْدَه واختيارَه في التَّخييرِ بيْنَ أبوَيهِ، فالغَضبانُ الشَّديدُ الغضَبِ الَّذي قَدْ أُغلقَ عليهِ بابُ القَصدِ والعِلمِ أَولَى بعَدمِ وُقوعِ طلاقِه مِنْ هذا بلا رَيبٍ. إنْ قيلَ: الغَضبانُ مُكلَّفٌ، وهذا غَيرُ مُكلَّفٍ؛ لأنَّ القلَمَ مَرفوعٌ عنهُ. قيلَ: نَعمْ، الأمرُ كذلكَ، ولكنْ لا يَلزمَ مِنْ كَونِه مُكلَّفًا أنْ يَترتَّبَ الحُكمُ على مُجرَّدِ لفْظِه كما تَقدَّمَ، كيفَ والمُكرَهُ مُكلَّفٌ ولا يَصحُّ طلاقُه، والسَّكرانُ مُكلَّفٌ، والمريضُ مُكلَّفُ؟! فلا يَلزمُ مِنْ كَونِ العَبدِ مُكلَّفًا أنْ لا يَعرِضَ له حالٌ يَمنعُ اعتبارَ أقوالِه ونَقْضَ أفعالِه. الوَجهُ الرَّابعُ والعِشرونَ: أنَّ غايةَ التَّلفُّظِ بالطَّلاقِ أنْ يَكونَ جُزءَ سَببٍ، والحُكمُ لا يَتمُّ إلَّا بعْدَ وُجودِ سبَبِه وانتفاءِ مانِعِه، وليسَ مُجرَّدُ التَّلفظِ سَببًا تامًّا باتِّفاقِ الأئمَّةِ كما تَقدَّمَ. وحِينئذٍ، فالقَصدُ والعِلمُ والتَّكليفُ إمَّا أنْ تكونَ بقيَّةَ أجزاءِ السَّببِ، أو تكونَ شُروطًا في اقتِضائِه، أو يكونَ عَدمُها مانِعًا مِنْ تأثيرِه، وعلى التَّقاديرِ الثَّلاثةِ فلا يُؤثِّرُ التكلُّمُ بالطَّلاقِ بدونِها. وليسَ معَ مَنْ أوقَعَ طلاقَ الغَضبانِ والسَّكرانِ والمكرَهِ ومَن جرَى على لسانهِ بغَيرِ قصدٍ منهُ إلَّا مُجرَّدُ السَّببِ أو جُزؤُه، بدُونِ شَرطِه وانتفاءِ مانِعِه، وذلكَ غيرُ كافٍ في ثُبوتِ الحُكمِ، واللهُ أعلمُ. الوجهُ الخامسُ والعشرونَ: أنَّه لو سبَقَ لسانُه بالطَّلاقِ ولم يُردْه دُيِّنَ فيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ تعالَى، ويُقبلُ منهُ ذلكَ في الحُكمِ في إحدى الرِّوايتَينِ عَنْ أحمدَ، إلَّا أنْ تُكذِّبَه قَرينةٌ، والرِّوايةُ الأُخرَى: يُدَيَّنُ ولا يُقبَلُ في الحُكمِ، وكذلكَ قالَ أصحابُ الشَّافعيِّ: إذا سبَقَ الطَّلاقُ إلى لسانِه بغَيرِ قصْدٍ فهو لَغوٌ، ولكنْ لا تُقبلُ دَعوى سبْقِ اللِّسانِ إلَّا إذا ظَهرَتْ قَرينةٌ تَدلُّ عليهِ، فقَبِلُوا منهُ في الباطِنِ دُونَ الحُكمِ إلَّا بقَرينةٍ. وكذلكَ قالَ أصحابُ مالكٍ: مَنْ سبَقَ لسانُه إلى الطَّلاقِ لم يَقعْ عليهِ الطَّلاقُ، قالُوا: ويَقبلُ في الفَتوى. =
[ ١٧ / ٣٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وأبو حَنيفةَ لا يرَى سبْقَ اللِّسانِ مانِعًا مِنْ وُقوعِ الطَّلاقِ، وعنهُ في سبْقِ اللِّسانِ في العِتقِ رِوايتَانِ، وقرَّرَ أصحابُه بأنَّ المرأةَ تَملكُ بُضعَها لسَببٍ يَستَوي فيهِ القَصدُ وعَدمُ القَصدِ، كالسَّكرانِ والمُكرَهِ والهازِلِ، وكالرَّضاعِ بالاتِّفاقِ؛ فزَوالُ البُضعِ لا يَختلفُ في سَببِه القَصدُ وعَدمُ القَصدِ، بخِلافِ العِتقِ؛ فإنَّ السَّببَ الَّذي يَملِكُ بهِ نفْسَه يَختلفُ فيهِ القَصدُ وعدَمُه، وروَى أبو يُوسفَ عن أبي حَنيفةَ التَّسويةَ بيْنَهما، ثمَّ اختَلفَ أصحابُه، فقالَتْ طائِفةٌ: هما سَواءٌ في الوُقوعِ، وقالَتْ طائِفةٌ: بل هُما سَواءٌ في عَدمِ الوُقوعِ. المَقصودُ أنَّ سبْقَ اللِّسانِ إلى الطَّلاقِ مِنْ غَيرِ قَصدٍ لهُ مانعٌ مِنْ وُقوعِه عِنْدَ الجُمهورِ، والغَضبانُ إذا عَلِمَ مِنْ نَفسِه أنَّ لسانَه سبَقَه بالطَّلاقِ مِنْ غَيرِ قَصدٍ جازَ لهُ الإقامةُ على نكاحِهِ، ويُدَيَّنُ في الفَتوى، وأمَّا قَبولُه في الحُكمِ فيُخرَّجُ على الخِلافِ، والأظهَرُ أنَّه إنْ قامَتْ قَرينةٌ ظاهِرةٌ تَدلُّ على صحَّةِ قَولِه قُبِلَ في الحُكمِ، والغضَبُ الشَّديدُ مِنْ أقوَى القَرائِن، خاصَّةً أنَّ كثيرًا ممَّن يُطلِّقُ في شدَّةِ الغضَبِ يَحلِفُ باللهِ جهْدَ يَمينِه أنَّه لَم يَقصِدِ الطَّلاقَ، وإنَّما سَبَقَ لِسانه، وحِينئذٍ فالجُمهورُ لا يُوقِعونَ عليهِ الطَّلاقَ، كما صرَّحَ بهِ أصحابُ أحمَدَ والشَّافعيِّ ومالِكٍ، وفي قَبولِه في القَضاءِ ثلاثةُ أقوالٍ، أصحُّها أنَّه إنْ قامَتْ قَرينةٌ ظاهِرةٌ على صِحَّةِ قَولِه قُبِلَ، وإلَّا فلا. فَصلٌ: وممَّا يُبيِّنُ أنَّ الغَضبانِ قد يَتكلَّمُ في الغَضبِ بما لا يُريدُه ما رَواهُ مُسلمٌ في «صَحيحِه» مِنْ حَديثِ أبي الزُّبيرِ أنَّه سَمعَ جابِرَ بنَ عَبدِ اللهِ يَقولُ: سَمعْتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «إنَّما أنا بَشرٌ، وإنِّي اشتَرطْتُ على رَبِّي ﷿: أيُّ عَبدٍ مِنْ المُسلمِينَ شَتمْتُه أو سَبَبتُه أنْ يكونَ ذلكَ لهُ زَكاةً وأجرًا»، وفي «مُسنَد الإمامِ أحمدَ» مِنْ حَديثِ مَسروقٍ عَنْ عائِشةَ قالَتْ: دخَلَ على النَّبيِّ ﷺ رَجلانِ، فأغلَظَ لهُما وسَبَّهُما، قالَتْ: فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ لمَن أصابَ منكَ خيرًا ما أصابَ هذانِ منكَ خَيرًا، قالَتْ: فقالَ: «أوَمَا عَلمْتِ ما عاهَدْتُ عَليهِ رَبِّي ﷿؟ قُلتُ: اللَّهمَّ أيُّما مُؤمِنٍ سَبَبتُه أو جَلدْتُه أو لَعنْتُه فاجْعَلْها لهُ مَغفِرةً وعافِيةً». =
[ ١٧ / ٣٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وفي الصَّحيحَينِ مِنْ حَديثِ أبي هُريرَةَ أنَّه سَمعَ النَّبيَّ ﷺ يَقولُ: «اللَّهمَّ أيُّما عَبدٍ مُؤمنٍ سَبَبتُه فاجعَلْ ذلكَ قُربَةً إليكَ يَومَ القِيامةِ»، وفي بَعضِ ألفاظِ الحَديثِ: «إنَّما أنا بَشرٌ، أَرضَى كما يَرضَى البَشرُ، وأَغضَبُ كما يَغضَبُ البَشرُ، فأيُّما مُؤمِنٍ سَبَبتُه أو لَعنْتُه فاجْعَلْها لهُ زَكاةً». لو كانَ النَّبيُّ ﷺ مُريدًا لَمَا دعَا بهِ في الغَضبِ، لَمَا شرَطَ على ربِّهِ وسألَ أنْ يَفعَلَ بالمَدعوِّ عليهِ ضدَّ ذلكَ؛ إذْ مِنَ المُمتَنعِ اجتِماعُ إرادةِ الضِّدَّينِ، وقَد صرَّحَ بإرادةِ أحَدِهما مُشتَرطًا له على رَبِّه، فدَلَّ على عَدمِ إرادتِه لِمَا دعَا بهِ في حالِ الغضَبِ. هذا وهوَ ﷺ مَعصومُ الغضَبِ كما هوَ مَعصومُ الرِّضَا، وهو مالِكٌ لفْظَه بتَصرُّفِه، فكيفَ بمَن لَم يُعصَمْ في غضَبِه وتَمليكِه، ويَتصرَّفُ فيهِ غَضبُه ويَتلاعَبُ الشَّيطانُ به فيه؟! وإذا كانَ الغَضبانُ يَتكلَّمُ بما لا يُريدُه ولا يُريدُ مَضمونَه فهو بمَنزلةِ المُكرَهِ الَّذي يُلجَأُ إلى الكَلامِ أو يَتكلَّمِ بهِ باختيارِه ولا يُريدُ مَضمُونَه، واللهُ أعلَمُ. فإنْ قيلَ: ما ذَكَرْتم مُعارَضٌ بما يَدلُّ على وُقوعِ الطَّلاقِ؛ فإنَّ الغَضبانَ أتَى بالسَّببِ اختيارًا، وأرادَ في حالِ الغضَبِ تَرتُّبَ أثَرِه عليهِ، ولا يَضرُّ عَدمُ إرادتِه لهُ في حالِ رِضاهُ؛ إذِ الاعتبارُ بالإرادةِ إنَّما هو حالَ التَّلفُّظِ، بخلافِ المُكرَهِ؛ فإنَّه مَحمولٌ على التكلُّمِ بالسَّببِ، غيرُ مُريدٍ لتَرتُّبِ أثَرِه عليهِ، وبخلافِ السَّكرانِ المَغلوبِ على عَقلهِ؛ فإنَّه غَيرُ مُكلَّفٍ، والغَضبانُ مُكلَّفٌ مُختارٌ، فلا وجهَ لإلغاءِ كلامِهِ. فالجَوابُ أنْ يُقالَ: إنْ أُريدَ ب «الاختيار» رضاهُ بهِ وإيثارُه له فليسَ بمُختارٍ، وإنْ أردْتُم أنَّه وقَعَ بِمَشيئتِه وإرادتِه الَّتي هو غَيرُ راضٍ بها ولا بأثَرِها فهذا بمُجرَّدِه لا يُوجِبُ تَرتُّبَ الأثرِ؛ فإنَّ هذا «الاختيار» ثابِتٌ للمُكرَهِ والسَّكرانِ؛ فإنَّا لا نَشتَرطُ في السَّكرانِ أنْ لا يُفرِّقَ بيْنَ الأرضِ والسَّماءِ، بلِ المُشتَرطُ في عَدمِ تَرتُّبِ أثرِ أقوالِه أنَّه يَهذِي ويَخلطُ في كَلامِه، وكذلكَ المَحمومُ والمَريضُ. =
[ ١٧ / ٣٤٩ ]