طلاقُ المُخطِئ هوَ مَنْ لم يَقصدِ التَّلفظَ بالطَّلاقِ أصلًا، وإنَّما قصَدَ لَفظًا آخَرَ فسبَقَ لسانُه إلى الطَّلاقِ مِنْ غَيرِ قَصدٍ، كأنْ يُريدَ أنْ يقولَ لزَوجتِهِ: «يا طالِبةُ»، فإذَا بهِ يَقولُ لها خَطأً: «يا طالِقةُ»، والمُخطئُ غَيرُ الهازِلِ؛ لأنَّ الهازِلَ قاصِدٌ للَفظِ الطَّلاقِ، إلَّا أنَّهُ غَيرُ قاصِدٍ للفُرقةِ بهِ، والمُخطِئُ لم يَقصدِ اللَّفظَ، وإنَّما سبَقَ لسانُه بهِ.
وقدِ اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ طلاقِ المُخطِئِ، كمَن أرادَ أنْ يَتلفَّظَ بغَيرِ لَفظِ الطَّلاقِ فزَلَّ لِسانُه وتَلفَّظَ بهِ، هل يقَعُ طلاقُه أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالكيَّةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّهُ لا يقَعُ؛ لقَولِه ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَجاوَزَ عن أُمَّتي الخَطأَ والنِّسيانَ وما استُكرِهُوا عليهِ» (^٢). فسوَّى ﷺ بيْنَ الثَّلاثةِ في التَّجاوُزِ.
_________________
(١) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٥٦٧).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن ماجه (٢٠٤٣).
[ ١٧ / ٢٥٣ ]
قالَ المالكيَّةُ: مَنْ أرادَ أنْ يَتكلَّمَ بغَيرِ الطَّلاقِ فزَلَّ لِسانُه فتَكلَّمَ بالطَّلاقِ فإنَّهُ يُعذَرُ بذلكَ، ولا شيءَ عَليهِ إنْ ثبَتَ سَبقُ لسانِهِ لا في الفَتوى ولا في القَضاءِ؛ لعَدمِ قَصدِ النُّطقِ باللَّفظِ الدَّالِّ على حَلِّ العِصمَةِ الَّذي هوَ رُكنٌ في الطَّلاقِ.
وإنْ لَم يَثبُتْ سَبقُ لسانِه فلا شيءَ عليهِ في الفَتوى، ويَلزمُه في القَضاءِ.
وقالَ المَوَّاقُ ﵀: مِنْ «المُدوَّنَة»: إنْ أرادَ أنْ يَلفظَ بأحرُفِ الطَّلاقِ فلفَظَ بغَيرِها غَلطًا، كقَولِه: «أنتِ حُرَّةٌ، أو كُلِي» فلا شيءَ عليهِ، إلَّا أنْ يَنويَ أنَّها بما يَلفظُ طالِقٌ فيَلزمُه، فسَبقُ اللِّسانِ لَغوٌ إنْ ثبَتَ، وإلَّا فَفي الفُتيا فقطْ (^١).
وقالَ الشَّافعيةُ: مَنْ سبَقَ لسانُه إلى لَفظِ الطَّلاقِ في مُحاوَرتِه وكانَ يُريدُ أنْ يَتكلَّمَ بكَلمةٍ أُخرى -وكذلكَ إذا تلفَّظَ بالطَّلاقِ حاكِيًا كَلامَ غَيرِه، وكذا الفَقيهُ إذا كرَّرَ لفْظَ الطَّلاقِ في تَصويرِهِ ودَرسِه- لَم يقَعْ طلاقُه، لكنْ لا تُقبَلُ دَعواهُ سبْقَ اللِّسانِ في الظاهِرِ إلَّا إذا وُجدِتْ قَرينةٌ تَدلُّ عليهِ، فإذا قالَ: «طلَّقتُكِ» ثمَّ قالَ: «سبَقَ لسانِي وإنَّما أردتُ طَلبْتُكِ» فنَصَّ الشَّافعيُّ ﵀ أنَّهُ لا يَسعُ امرأتَهُ أنْ تَقبلَ منهُ.
_________________
(١) «التاج والإكليل» (٣/ ٤٢)، ويُنظر: «مواهب الجليل» (٥/ ٢٦٥)، و«شرح مختصر خليل» (٤/ ٣٢، ٣٣)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٤٧)، و«تحبير المختصر» (٣/ ١٣٨)، و«حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٥/ ٢٩٧).
[ ١٧ / ٢٥٤ ]
وحكَى الرّويانِيُّ عَنْ صاحَبِ «الحاوِي» وغَيرِه أنَّ هذا فيما إذا كانَ الزَّوجُ مُتهَمًا، فأمَّا إنْ ظنَّتْ صِدقَهُ بأمارَةٍ فلها أنْ تَقبلَ قولَهُ ولا تُخاصِمَه، وأنَّ مَنْ سمِعَ ذلكَ منهُ إذا عرَفَ الحالَ يَجوزُ أنْ يَقبلَ قولَهُ ولا يَشهدَ عليهِ.
قالَ الرّويانِيُّ ﵀: وهذا هو الاختِيارِ.
ولو كانَتْ زَوجتُه تُسمَّى طالِقًا وعُبدُه يُسمَّى حُرًّا فقالَ لها: «يا طالِقُ، ولهُ: يا حُرُّ»؛ فإنْ قصَدَ النِّداءَ فلا طلاقَ ولا عِتقَ، وإنْ قصَدَ الطَّلاقَ والعِتقَ حصَلَا، قالَ النَّوويُّ: وإنْ أطلَقَ ولم يَنوِ شيئًا فعلى أيِّهما يُحمَلُ؟ وَجهانِ:
أصحُّهما: على النِّداءِ، وبهِ قطَعَ البَغويُّ.
ولو كانَ حُروفُ اسمِ امرأتِه تُقارِبُ حُروفَ طالِقٍ كطالِعٍ وطالِبٍ وطارِقٍ فقالَ: «يا طالِقُ» ثمَّ قالَ: «أردتُ أنْ أقولَ يا طارِقُ، أو يا طالِعُ، فالْتَفَّ الحَرفُ بلسانِي» قُبلَ قَولُه في الظَّاهرِ؛ لظُهورِ القَرينةِ.
ومِن صُوَرِ سَبقِ اللِّسانِ ما إذا طَهُرَتْ مِنَ الحَيضِ أو ظنَّ طُهرَها فأرادَ أنْ يقولَ: «أنتِ الآنَ طاهِرةٌ» فسبَقَ لسانُه فقالَ: «أنتِ الآنَ طالِقةٌ» (^١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ زكريَّا الأنصاريُّ ﵀: وكذا سَبقُ اللِّسانِ إلى لَفظِ الطَّلاقِ لَغوٌ؛ لأنَّهُ لم يَقصدِ اللَّفظَ، لكنْ يُؤاخَذُ بهِ ولا يُصدَّقُ في دَعواهُ
_________________
(١) «روضة الطالبين» (٥/ ٣٥٣، ٣٥٤، ٣٥٤)، ويُنظر: «النجم الوهاج» (٧/ ٤٩٩، ٥٠٠)، و«كنز الراغبين» (٣/ ٨١٥، ٨١٦)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٤٦٨)، و«تحفة المحتاج» (٩/ ٣٦٧، ٣٦٨)، و«نهاية المحتاج» (٦/ ٥١٠، ٥١١)، و«الديباج» (٣/ ٤١٣، ٤١٤).
[ ١٧ / ٢٥٥ ]
السَّبقَ ظاهرًا إنْ لم تكنْ قَرينةٌ؛ لتَعلُّقِ حقِّ الغَيرِ بهِ، بخِلافِ ما إذا كانَتْ قَرينةٌ، كأنْ دَعاها بعْدَ طُهرِها مِنَ الحيضِ إلى فراشِهِ وأرادَ أنْ يقولَ: «أنتِ الآنَ طاهِرةٌ» فسبَقَ لسانُه وقالَ: «أنتِ الآنَ طالِقةٌ»، ولو ظنَّتْ صِدقَه في دَعواهُ السَّبقَ بأمارَةٍ فلَها مُصادَقتُه -أي قَبولُ قولِه-، وكذا للشُّهودِ الَّذينَ سَمِعوا الطَّلاقَ منهُ وعَرفُوا صِدقَ دَعواهُ السَّبقَ بأمارةٍ أنْ لا يَشهدُوا عليهِ بالطَّلاقِ، كذا ذكَرَه الأصلُ هُنا، وذكَرَ أواخِرَ الطَّلاقِ أنَّهُ لو سمِعَ لفْظَ رَجلٍ بالطَّلاقِ وتَحقَّقَ أنَّه سبَقَ لِسانُه إليهِ لم يَكنْ لهُ أنْ يَشهَدَ عَليهِ بمُطلَقِ الطَّلاقِ، وكانَ ما هُنا فيما إذا ظنُّوا، وما هُناكَ فيما إذا تَحقَّقُوا، كما يُفهِمُه كَلامُهم، ومع ذلكَ فيما هُنا نَظرٌ، فإنْ كانَ اسمُها طالِقًا أو طارِقًا أو طالِبًا أو نَحوَها مِنَ الأسماءِ الَّتي تُقارِبُ حُروفَ طالقٍ فناداها: «يا طالِقُ» طَلُقَتْ، ولكنْ إنِ ادَّعَى سبْقَ اللِّسانِ إليهِ مِنْ تلكَ الألفاظِ قُبِلَ منهُ ظاهرًا؛ لظُهورِ القَرينةِ، أو كانَ اسمُها طالِقًا فناداها بهِ لم تَطلُقْ، وإنْ لَم يَنوِ نِداءَها باسمِها إلَّا إنْ نَوَى الطَّلاقَ فتَطلُقُ، وصُورةُ عَدمِ طلاقِها عِنْدَ الإطلاقِ أنْ تُوجَدَ التَّسميةُ بطالقٍ عِنْدَ النِّداءِ، فإنْ زالَتْ ضَعُفَتِ القَرينةُ؛ أخذًا ممَّا قالُوهُ في نَظيرِهِ مِنْ نِداءِ عَبدِه المُسمَّى بحَربيٍّ «حُرٌّ»، نبَّهَ عليهِ الإسنَويُّ وغَيرُه، قالَ الزَّركشيُّ: وضبَطَ النَّوويُّ في «المِنهاجِ» يا طالِقْ» بإسكانِ القافِ، وكأنَّه يُشيرُ إلى أنَّهُ إنْ قالَ: «يا طالِقُ» بالضَّمِّ لم يَقعْ؛ لأنَّ بناءَهُ على الضَّمِّ يُرشدُ إلى إرادةِ العَلَميَّةِ، وإنْ قالَ: «يا طالِقًا» بالنَّصبِ تَعيَّنَ صَرفُهُ إلى التَّطليقِ،
[ ١٧ / ٢٥٦ ]
ويَنبغِي في الحالَينِ أنَّا لا نَرجعُ لدَعوى خِلافِ ذلكَ، وفيما قالَهُ نَظرٌ، لأنَّ اللَّحنَ لا يُؤثِّرُ في الوُقوعِ وعَدمِه (^١).
وقالَ الحَنابلةُ: لو قالَ: «أردتُ أنْ أقولَ: طَلبْتُكِ، فسبَقَ لساني فقُلتُ: طَلَّقتُكِ» ونحو ذلكَ، أو قالَ: «أَطْلَقتُكِ، فسبَقَ لسانُه فقالَ: طَلَّقْتُكِ» أو ادَّعى أنَّهُ أرادَ أنْ يَقولَ: «طاهِرٌ» فسبَقَ لِسانُه فقالَ: «طالِقٌ»، أو ادَّعَى أنَّهُ أرادَ بقولِه: «أنتِ مُطلَّقةٌ» مِنْ زَوجٍ كانَ قَبْلَه لم تَطلُقْ فيما بَينَه وبيْنَ اللهِ تعالَى؛ لأنَّهُ أعلَمُ بنيَّتِه، ولَم يُقبلْ ذلكَ منهُ في الحُكمِ؛ لأنَّهُ خِلافُ ما يَقتضِيهِ الظَّاهِرُ عُرفًا، إذْ يَبعدُ إرادةُ ذلكَ.
وكذا الحُكمُ لو قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ، وقالَ: أردتُ إنْ قُمتِ، فتَركْتُ الشَّرطَ ولم أُرِدْ طلاقًا»، أو قالَ: «أنتِ طالِقٌ إن قُمتِ، وقالَ: أردتُ وقَعدْت فتَركْتُه ولم أُرِدْ طلاقًا» فيُدَيَّنُ ولا يُقبلُ حُكمًا (^٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أو قالَ: «أردتُ أنْ أقولَ: طَلبْتُكِ فسبَقَ لِسانِي فقُلتُ: طَلَّقتُكِ» ونحو ذلكَ دُيِّنَ فيما بينَه وبيْنَ اللهِ تعالَى، فمَتى عَلمَ مِنْ نَفسِه ذلكَ لم يَقعْ عليهِ فيما بيْنَه وبيْنَ ربِّهِ.
قالَ أبو بكرٍ: لا خِلافَ عَنْ أبي عبدِ اللهِ أنَّه إذا أرادَ أنْ يقولَ لزَوجتِهِ:
_________________
(١) «أسنى المطالب» (٣/ ٢٨٠، ٢٨١).
(٢) «إعلام الموقعين» (٤/ ٤١)، و«المبدع» (٧/ ٢٧٠)، و«الإنصاف» (٨/ ٤٦٥، ٤٦٦)، و«كشاف القناع» (٥/ ٢٨٣)، و«شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٣٨٣).
[ ١٧ / ٢٥٧ ]
«اسقِيني مَاءً» فسبَقَ لِسانُه فقالَ: «أنتِ طالِقٌ، أو أنتِ حرَّةٌ» أنَّهُ لا طلاقَ فيهِ، ونَقلَ ابنُ مَنصورٍ عنهُ أنَّهُ سُئلَ عنْ رجُلٍ حلَفَ فجَرَى على لسانِه غَيرُ ما في قَلبِه فقالَ: أرجو أنْ يكونَ الأمرُ فيهِ واسِعًا، وهلْ تُقبَلُ دَعواهُ في الحُكمِ؟ يُنظَرُ؛ فإنْ كانَ في حالِ الغضَبِ أو سُؤالِها الطَّلاقَ لم يُقبَلْ في الحُكمِ؛ لأنَّ لفْظَه ظاهِرٌ في الطَّلاقِ، وقَرينةُ حالِه تدلُّ عليهِ، فكانَتْ دَعواهُ مخالِفةً للظَّاهرِ مِنْ وِجهتَينِ فلا تُقبلُ، وإنْ لم تكُنْ في هذهِ الحالِ فظاهِرُ كلامِ أحمدَ في روايةِ ابنِ مَنصورٍ وأبي الحارثِ أنَّه يُقبَلُ قولُه، وهوَ قولُ جابرِ بنِ زيدٍ والشَّعبيِّ والحكَمِ، حَكاهُ عَنهُم أبو حَفصٍ؛ لأنَّهُ فسَّرَ كَلامَهُ بما يَحتَملُه احتِمالًا غيرَ بَعيدٍ، فقيلَ كما قالَ: «أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ، وقالَ: أردتُ بالثَّانيةِ إفهامَها».
وقالَ القاضِي: فيهِ روايتَانِ: هذهِ الَّتي ذكَرْنا، قالَ: وهيَ ظاهِرُ كَلامِ أحمَدَ، والثَّانيةُ: لا يُقبلُ، وهوَ مَذهبُ الشَّافعيِّ؛ لأنَّهُ خِلافُ ما يَقتضِيهِ الظَّاهرُ في العُرفِ، فلَم يُقبَلْ في الحُكمِ، كما لو أقَرَّ بعَشرةٍ ثمَّ قالَ:» زُيوفًا أو صِغارًا أو إلى شَهرٍ»، فأمَّا إنْ صرَّحَ بذلكَ في اللَّفظِ فقالَ: «طلَّقتُكِ مِنْ وَثاقِي، أو فارَقْتُكِ بجِسمِي، أو سرَّحْتُكِ مِنْ يدِي» فلا شَكَّ في أنَّ الطَّلاقَ لا يَقعُ؛ لأنَّ ما يتَّصلُ بالكَلامِ يَصرفُه عَنْ مُقتضاهُ كالاستِثناءِ والشَّرطِ، وذكَرَ أبو بكرٍ في قَولِه: «أنتِ مُطلَّقةٌ» أنَّه إنْ نَوى أنَّها مُطلَّقةٌ طلاقًا ماضِيًا أو مِنْ زَوجٍ كانَ قبْلَه لم يَكنْ عليهِ شَيءٌ، فإنْ لم يَنوِ شيئًا فعلى قولَينِ: أحدهُما: يَقعُ.
[ ١٧ / ٢٥٨ ]
والثَّاني: لا يَقعُ، وهذا مِنْ قَولِه يَقتضِي أنْ تكونَ هَذهِ اللَّفظةُ غيرَ صَريحةٍ في أحدِ القولَينِ، قالَ القاضِي: والمَنصوصُ عَنْ أحمَدَ أنَّهُ صَريحٌ، وهوَ الصَّحيحُ؛ لأنَّ هذهِ مُتصرِّفةٌ مِنْ لَفظِ الطَّلاقِ، فكانَتْ صَريحةً فيهِ كقَولِه: أنتِ طالِقٌ (^١).
وذهَبَ الحنفيَّةُ إلى أنَّ طلاقَ المُخطِئِ يَقعُ، قالَ الإمامُ السُّغدِيُّ ﵀: طلاقُ الغالِطِ والخاطئِ ليسَ بطَلاقٍ عِنْدَ الشَّعبيِّ ووَكيعٍ وأبِي عَبدِ اللهِ، وهوَ أنْ يَتكلَّمَ الرجُلُ فيَلفظَ فيَقولَ امرأتُه طالِقٌ، فإنَّه ليسَ بطلاقٍ.
وفي قولِ أبي حَنيفةَ وأصحابِه: هوَ طَلاقٌ (^٢).
إلَّا أنَّ الصَّحيحَ عِندَهم أنَّه يَقعُ قَضاءً لا دِيانةً، قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وكذا كَونُه عامِدًا ليسَ بشَرطٍ، حتَّى يَقَع طلاقُ الخاطِئِ، وهوَ الَّذي يُريدُ أنْ يتكلَّمَ بغَيرِ الطَّلاقِ فسبَقَ لسانُه بالطَّلاقِ؛ لأنَّ الفائِتَ بالخطأِ ليسَ إلَّا القَصدُ، وأنَّه ليسَ بشَرطٍ لوُقوعِ الطَّلاقِ، كالهازِلِ واللَّاعِبِ بالطَّلاقِ وكذلكَ العِتاق؛ لِمَا قُلنَا في الطَّلاقِ، وذكَرَ الكرخيُّ أنَّ في العِتاقِ رِوايتَينِ، فإنَّ هِشامًا رَوى عَنْ مُحمدٍ عَنْ أبي حَنيفةَ أنَّ مَنْ أرادَ أنْ يقولَ لامرأتِهِ: «اسقِيني ماءً، فقالَ لها: أنتِ طالقٌ» وقعَ، ولو أرادَ ذلكَ في العَبدِ فقالَ: «أنتَ حُرٌّ» لم يَقعْ، ورَوى بِشرُ بنُ الوَليدِ الكِنديُّ عَنْ
_________________
(١) «المغني» (٧/ ٢٩٥).
(٢) «فتاوى السغدي» (١/ ٣٤٩).
[ ١٧ / ٢٥٩ ]
أبي يُوسفَ عَنْ أبي حَنيفةَ أنَّهُما يَتساويانِ، وهوَ الصَّحيحُ لِمَا ذَكَرْنا (^١).
وقالَ الإمامُ ابنُ نُجيمٍ ﵀: وأفادَ أنَّ طلاقَ الهازِلِ واللَّاعبِ والمُخطِئِ واقعٌ كما قدَّمْناهُ، لكنَّهُ في القَضاءِ، وأمَّا فيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ تعالَى فلا يَقعُ على المُخطِئِ، وما في «الخُلاصَة» مِنْ أنَّ طلاقَ المُخطئِ واقعٌ، أي في القَضاءِ، بدَليلِ أنَّهُ قالَ بعْدَه: ولو كانَ بالعِتاقِ يُدَيَّنُ؛ لأنَّه لا فرْقَ بيْنَ العِتاقِ والطَّلاقِ، وهوَ الظَّاهرُ مِنْ قولِ الإمامِ كما في «الخانيةِ» خِلافًا لأبي يُوسفَ، ولا خِلافَ أنَّ المَنذورَ يَلزمُه، ولا خِلافَ أنَّهُ لو جَرَى على لِسانِه الكُفرُ مُخطِئًا لا يَكفرُ كما في «الخَانيةِ» أيضًا، وكذا إذا تَلفَّظَ بهِ غيرَ عالِمٍ بمَعناهُ، وإنَّما يَقعُ قَضاءً فقَط، بدَليلِ ما في «الخُلاصَة»:
قالَتْ لزَوجِها: «اقرَأْ عليَّ: اعتَدِّي أنتِ طالِقٌ ثلاثًا» ففعَلَ طَلُقَتْ ثلاثًا في القَضاءِ لا فيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ تعالَى إذا لم يَعلمِ الزَّوجُ ولم يَنوِ، بخِلافِ الهازِلِ فإنَّه يَقعُ عَليهِ قَضاءً ودِيانةً؛ لأنَّه مُكابِرٌ باللَّفظِ فيَستَحقُّ التَّغليظَ، وما في «الخُلاصَة» مَعزيًّا إلى «الأصل»: لهُ امرأتانِ زَينبُ وعَمرَةُ، فقالَ: «يا زَينبُ» فأجابتْهُ عَمرَةُ، فقالَ: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا» طَلُقَتِ المُجيبَةُ، فلو قالَ: «نَويتُ زَينبَ» طَلُقَتْ هذهِ بالإشارةِ وتلكَ بالاعتِرافِ. اه. مَحمولٌ على القَضاءِ، أمَّا في الدِّيانةِ فلا يَقعُ على واحِدةٍ مِنهُما؛ لمَا في «الحاوي» مَعزيًّا إلى «الجامِع الصَّغِير»: أنَّ أسدًا سُئِلَ عمَّنَ أرادَ أنْ يَقولَ: «زَينبُ طالقٌ» فجَرَى على لِسانِه «عَمرةُ» على أيِّهما يَقعُ الطَّلاقُ؟ فقالَ: في القَضاءِ تَطلُقُ
_________________
(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٠٠).
[ ١٧ / ٢٦٠ ]
الَّتي سمَّى، وفيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ تعالَى لا تَطلُقُ واحِدةٌ منهُما، أمَّا الَّتي سمَّى فلأنَّه لم يُرِدْها، وأمَّا غَيرُها فلأنَّها لو طَلُقَتْ طَلُقَتْ بمُجرَّدِ النِّيةِ، قالَ في «فَتْح القَديرِ»: وأمَّا ما رَوى عَنهُما نُصيرٌ مِنْ أنَّ مَنْ أرادَ أنْ يَتكلَّمَ فجَرَى على لِسانِه الطَّلاقُ يَقعُ دِيانةً وقَضاءً؛ فلا يُعوَّلُ عليهِ. اه.
والحاصِلُ: أنَّ قَولُهم: «الصَّريحُ لا يَحتاجُ إلى النِّيةِ» إنَّما هو في القَضاءِ، أمَّا في الدِّيانةِ فمُحتاجٌ إليها، لكنَّ وُقوعَه في القَضاءِ بلا نيَّةٍ إنَّما هو بشَرطِ أنْ يَقصدَها بالخِطابِ، بدَليلِ ما قالُوا: لو كرَّرَ مَسائلَ الطَّلاقِ بحَضرةِ زَوجتِه ويقولُ: «أنتِ طالقٌ» ولا يَنوِي لا تَطلُقُ، وفي مُتعلِّمٍ يَكتبُ ناقِلًا مِنْ كِتابِ رَجلٍ قالَ ثمَّ يَقفُ ويَكتبُ: «امرأتِي طالقٌ» وكُلَّما كَتبَ قرَنَ الكِتابةَ باللَّفظِ بقَصدِ الحكايةِ؛ لا يَقعُ عَليهِ، وما في «القُنيَة»: امرأةٌ كَتبَتْ: «أنتِ طالقٌ» ثمَّ قالَتْ لزَوجِها: «اقرَأْ عليَّ» فقَرأَ؛ لا تَطلُقُ. اه.
وأمَّا ما في «فَتح القَديرِ»: ولا بُدَّ مِنَ القَصدِ بالخِطابِ بلَفظِ الطَّلاقِ عالِمًا بمَعناهُ، أو النِّسبةِ إلى الغائِبةِ كما يُفيدُه فُروعٌ وذكر ما ذكَرْناه؛ فليسَ بصَحيحٍ؛ لأنَّه إنْ كانَ شَرطًا للوُقوعِ قَضاءً ودِيانةً فليسَ بصَحيحٍ؛ لأنَّه صرَّحَ بالوُقوعِ قَضاءً فيمَن سبَقَ لسانُه، وإنْ كانَ شَرطًا للوُقوعِ دِيانةً لا قَضاءً فكذلكَ؛ لأنَّهُ يَقتَضي الوُقوعَ قَضاءً فيما لو كَرَّرَ مَسائلَ الطَّلاقِ بحَضْرتِها وفي المُتعلِّمِ، وليسَ كذلكَ، فالحقُّ ما اقتَصرْنا عَليه (^١).
_________________
(١) «البحر الرائق» (٣/ ٢٧٧، ٢٧٨)، و«الأشباه والنظائر» ص (٢٤)، و«النهر الفائق» (٢/ ٣٢٥)، ويُنظر: «شرح فتح القدير» (٤/ ٤).
[ ١٧ / ٢٦١ ]
وقالَ الإمامُ ابنُ عابدِينَ ﵀: لو سبَقَ لِسانُه مِنْ قولِ: «أنتِ حائضٌ» مثلًا إلى «أنتِ طالِقٌ» فإنَّه يَقعُ قَضاءً فَقطْ (^١).
وقالَ الإمامُ الطَّحَاويُّ ﵀: مَنْ سبَقَه لِسانُه بالطَّلاقِ، قالَ أصحابُنا: يَقعُ في القَضاءِ فيما بَينَه وبيْنَ اللهِ، كذلكَ العِتقُ، وذكَرَ بِشرُ بنُ الوَليدِ عَنْ أبي يُوسفَ عَنْ أبي حَنيفةَ مثلَ ذلكَ، وقالَ فيمَن قالَ لامرأتِه: «طالقٌ» وأرادَ أنْ يَقولَ: «إنْ دخَلْتِ الدَّارِ» ثمَّ بدَا لهُ فسَكتَ أو شغَلَه شاغِلٌ، ونيَّتهُ «إنْ دخَلت الدَّارَ» ولكنَّهُ لم يَتكلَّمْ بهِ فالطَّلاقُ واقعٌ في القَضاءِ وفيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ تعالَى في قولِ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ، ولو حلَفَ بحَجٍّ أو غَيرِه أو هَدْيٍ أو مَشيٍ أو عَهدٍ أو نَذرٍ أو ما سِوى ذلكَ ما خَلا الطَّلاقَ والعِتاقَ ثمَّ شَغلَه شاغِلٌ عن تَمامِ الكَلامِ واليَمينِ لم يَلزمْه شَيءٌ، ولو أرادَ أنْ يَتكلَّمَ بكَلامٍ غَيرِ الطَّلاقِ فسبَقَهُ لِسانُه فقالَ: «أنتِ طالِقٌ» طَلُقَتْ في القَضاءِ وفيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ (^٢).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀: وكذلكَ اختُلفَ في طلاقِ المُخطِئِ، فذهَبَ الجُمهورُ إلى أنَّهُ لا يَقعُ، وعنِ الحَنفيَّةِ ممَّن أرادَ أنْ يَقولَ لامرأتِهِ شَيئًا فسبَقَه لِسانُه فقالَ: «أنتِ طالِقٌ» يَلزمُه الطَّلاقُ، وأشارَ البُخاريُّ بقَولِه: الغَلط والنِّسيان إلى الحَديثِ الواردِ عَنْ ابنِ عبَّاسٍ مَرفوعًا: «إنَّ اللهَ تَجاوزَ عَنْ أمَّتي الخَطأَ والنِّسيانَ وما استُكرِهُوا عليهِ»، فإنَّهُ سوَّى بيْنَ الثَّلاثةِ في
_________________
(١) «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٢٥٠).
(٢) «مختصر اختلاف العلماء» (٢/ ٤٣٠).
[ ١٧ / ٢٦٢ ]
التَّجاوُزِ، فمَن حمَلَ التَّجاوُزَ على رَفعِ الإثمِ خاصَّةً دُونَ الوُقوعِ في الإكراهِ لَزمَ أنْ يَقولَ مثلَ ذلكَ في النِّسيانِ، والحَديثُ قدْ أخرجَهُ ابنُ ماجَةَ وصحَّحَه ابنُ حِبَّانَ (^١).