١ - نصَّ الشَّافعيةُ والحَنابلةُ على أنَّه إذا رَأَى رَجلانِ طائِرًا فحلَفَ أحدُهُما بالطَّلاقِ أنَّهُ غُرابٌ وحلَفَ الآخَرُ بالطَّلاقِ أنَّه حَمامٌ فطارَ ولَم يَعلَما حالَهُ لَم يُحكَمْ بحِنثِ واحدٍ مِنهُما؛ لأنَّ يَقينَ النِّكاحِ ثَابتٌ ووُقوعَ الطَّلاقِ مَشكوكٌ فيهِ.
فإنِ ادَّعتِ امرأةُ أحدِهِما حِنثَه فيها فالقَولُ قَولُه؛ لأنَّ الأصلَ مَعهُ، واليَقينُ في جانبهِ عِنْدَ الحَنابلةِ، وكذا القَولُ قولُهُ عِنْدَ الشَّافعيةِ لكنْ يَلزمُه أنْ يَحلِفَ جَزمًا على نَفيِ الطَّلاقِ.
٢ - ولو كانَ الحالِفُ واحدًا فقالَ: «إنْ كانَ غُرابًا فنِساؤُهُ طَوالِقُ، وإنْ كانَ حَمامًا فعَبيدُهُ أحرارٌ»، أو قالَ: «إنْ كانَ غُرابًا فزَينبُ طالِقٌ، وإنْ كانَ حَمامًا فهِندُ طِالقٌ» وأشكَلَ حالُهُ ولَم يَعلَمْ ما هو لَم يُحكَمْ بحِنثِه في شيءٍ عِنْدَ الحَنابلةِ؛ لاحتِمالِ كَونِ الطَّائرِ ليسَ غُرابًا ولا حَمامًا، ولأنهُ مُتيِّقنٌ للنِّكاحِ شاكٌّ في الحِنثِ، فلا يَزولُ عَنْ يَقينِ النِّكاحِ والمِلكِ بالشَّكِّ.
_________________
(١) «المغني» (٧/ ٣٨٣، ٣٨٥)، و«الطرق الحكمية» (١/ ٤٢٩)، و«المبدع» (٧/ ٣٨٤، ٣٨٥)، و«الإنصاف» (٩/ ١٤٣، ١٤٤)، و«كشاف القناع» (٥/ ٣٨٦، ٣٨٧)، و«شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٤٩٩)، و«مطالب أولي النهى» (٥/ ٤٦٩).
[ ١٧ / ٤٠٨ ]
وقالَ الشَّافعيةُ: تُطلَّقُ إحداهُما وعليهِ اعتِزالُهُما جَميعًا حتَّى يَتبيَّنَ الحالَ، وعَليهِ البَحثُ والبَيانُ؛ لأنَّه لا يَخلُو إمَّا أنْ يكونَ غُرابًا أو غَيرَ غُرابٍ، فيُوقَفُ عَنْ وَطءِ الجَميعِ وعَنِ التَّصرُّفِ؛ لأنَّا نَتحقَّقُ التَّحريمَ إمَّا في الزَّوجاتِ وإمَّا في الإماءِ، وإنْ جَهِلْنا عَيْنَ المُحرَّمِ مِنهُما فوُقِفَ عَنِ الجَميعِ تَغليبًا للتَّحريمِ، ويُؤخَذُ بالبَيانِ؛ لأنهُ هوَ الحالِفُ ويَجوزُ أنْ يكونَ عِندَهُ عِلمٌ، فإنْ أقَرَّ أنَّ عِندَه عِلمًا وامتَنَعَ مِنَ البَيانِ .. حُبِسَ وعُزِّرَ إلى أنْ يُبيِّنَ، وعليهِ نَفقةُ الجَميعِ إلى أنْ يُبيِّنَ؛ لأنَّهنَّ في حَبْسِه.
فإنْ قالَ: «كانَ الطَّائِرُ غُرابًا» .. طَلُقْنَ النِّساءُ، سواءٌ صَدَّقْنَه أو كَذَّبْنَه.
وإنْ قالَ ابتِداءً: «كانُ الطَّائِرُ غَيرَ غُرابٍ» .. فإنْ صَدَّقنَه النِّساءُ أنَّه لَم يَكنْ غُرابًا .. فلا كَلامَ، وإنْ قُلْنَ النِّساءُ: «بلْ كانَ غُرابًا» .. فالقَولُ قَولُه معَ يَمينِه؛ لأنَّ الأصلَ بَقاءُ النِّكاحِ، فإنْ حَلَفَ .. بَقِينَ على الزَّوجيةِ، وإنْ نكَلَ فحَلَفْنَ .. طلقنَ بنُكولِه وأيمانِهنَّ.
وإنْ قالَ: «لا أعلَمُ هلْ كانَ غُرابًا أو غَيرَ غُرابٍ؟ فإنْ صَدَّقتْهُ النِّساءُ أنَّه لا يَعلمُ .. بَقِينَ على الوَقفِ، وإنْ كَذَّبْنَه وقُلْنَ: «بلْ هوَ يَعلمُ» .. حلَفَ لهنَّ أنَّهُ لا يَعلمُ، وبَقِينَ على الوَقفِ، وإنْ نكَلَ عَنْ اليَمينِ .. حلَفَ مَنِ ادَّعَى مِنهنَّ: أنهُ يَعلَمُ أنَّهُ حنَثَ في يَمينِهِ فيهِ، وكانَ كما لَو أَقرَّ.
٣ - وإنْ كانَ تَحتَهُ زَينبُ وهِندُ وطارَ طائِرٌ فقالَ: «إنْ كانَ هذا الطَّائِرُ غُرابًا فزَينبُ طالِقٌ، وإنْ لَم يَكنْ غُرابًا فهِندُ طالِقٌ» وأشكَلَ حالَهُ طلقَتْ
[ ١٧ / ٤٠٩ ]
إحدَاهُما عِنْدَ الشَّافعيةِ، وعليهِ اعتِزالُهُما جَميعًا حتَّى يُبيِّنَ الحالَ، وعليهِ البَحثُ والبَيانُ.
وقالَ الحَنابلةُ: تَكونُ كالمَنسيَّةُ يُقرِعُ بيْنَهما؛ لأنَّه لا سَبيلَ إلى مَعرفةِ المُطلَّقةِ مِنهُما عَينًا، فهُمَا سَواءٌ، والقُرعَةُ طَريقٌ شَرعيٌّ لإخراجِ المَجهولِ، فشُرِعَتِ القُرعةُ كما في المُبهَمةِ.
وقالَ المالكيَّةُ: ولو كانَ لرَجلٍ امرَأتانِ فرَأَى طائِرًا فقالَ: «إنْ كانَ هذا غُرابًا فزَينبُ طالِقٌ، وإنْ لَم يَكنْ غُرابًا فهِندُ طالِقٌ» والْتَبسَ عليهِ الأمرُ طلقَتَا؛ لأنهُ لا يُمكنُه دَعوَى التَّحقيقِ في الحالَتينِ.
٤ - فأمَّا إنْ قالَ أحدُ الرَّجلَينِ: «إنْ كانَ هذا الطَّائِرُ غُرابًا فامرأتُهُ طالِقٌ ثلاثًا» وقالَ الآخَرُ: «إنْ لم يَكنْ غُرابًا فامرَأتُه طالِقٌ ثلاثًا» أي يَحلفُ كلٌّ مِنهُما على نَقيضِ قَولِ صاحِبِه، فطارَ ولَم يَعلَمَا حالَهُ لَم يُحكَمْ بوُقوعِ الطَّلاقِ على واحِدٍ مِنهُما عِنْدَ الشَّافعيةِ (وأصحابِ الرَّأيِ كما نقَلَهُ عَنهمُ ابنُ قُدامةَ)، ولا يَحرُمُ على واحدٍ مِنهُما وَطءُ امرَأتِه؛ لأنهُ مَحكومٌ ببَقاءِ نِكاحِهِ، ولَم يُحكَمْ بوُقوعِ الطَّلاقِ عليهِ.
وقالَ الحَنابلةُ: قدْ حنَثَ أحدُهُما لا بعَينِه، ولا يُحكَمُ بهِ في حَقِّ واحِدٍ مِنهُما بِعَينِه، بَلْ تَبقَى في حَقِّه أحكامُ النَّكاحِ مِنَ النَّفقةِ والكسوَةِ والسُّكنَى؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنهُما يَقينُ نِكاحِه باقٍ ووُقوعُ طَلاقِه مَشكوكٌ فيهِ.
فأمَّا الوَطءُ فإنهُ يَحرُمُ عَليهِما؛ لأنَّ أحَدَهُما حانِثٌ بيَقينٍ وامرَأتُه
[ ١٧ / ٤١٠ ]
مُحرَّمةٌ عليهِ، وقَد أشكَلَ فحَرُمَ عَليهِما جَميعًا، كما لو حنَثَ في إحدَى امرأتَيهِ لا بعَينِها، وإنَّما تَحقَّقَ حِنثُه في واحِدةٍ غَيرِ مُعيَّنةٍ، وبالنَّظرِ إلى كُلِّ واحدةٍ مُفرَدَةٍ فيَقينُ نِكاحِها باقٍ وطلاقُها مَشكوكٌ فيهِ، لكنْ لمَّا تَحقَّقْنا أنَّ إحداهُمَا حَرامٌ ولَم يُمكِنْ تَمييزُهَا حَرُمَتَا عليهِ جَميعًا، وكذلكَ هاهُنا قَدْ عَلِمْنا أنَّ أحَدَ هذَينِ الرَّجلَينِ قَدْ طَلُقَتِ امرَأتُه وحَرُمَتْ عليهِ وتَعذَّرَ التَّمييزُ فيَحرمُ الوَطءُ عَليهما، ويَصيرُ كما لو تَنجَّسَ أحدُ الإناءَينِ لا بعَينِه، فإنهُ يَحرُمُ استِعمالُ كلِّ واحِدٍ مِنهُما، سَواءٌ كانَا لرَجلَينِ أو لرَجلٍ واحِدٍ.
فإنِ ادَّعى كلُّ واحِدٍ مِنهُما أنهُ عَلِمَ الحالَ وأنهُ لَم يَحنَثْ دُيِّنَ فيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ تعالَى؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يُمكِنُ صِدْقُه فيما ادَّعاهُ، وإنَّ أقَرَّ كُلُّ واحدٍ مِنهُما أنَّه الحانِثُ طَلُقَتْ زَوجَتاهُما بإقرارِهما على أنفُسِهما، وإنْ أقَرَّ أحدُهُما حنَثَ وحْدَه، وإنِ ادَّعَتِ امرَأةُ أحدِهِما عليهِ الحِنثَ فأنكَرَ فالقَولُ قَولُه، وهلْ يَحلِفُ؟ يُخرَّجُ عَلى رِوايتَينِ عِنْدَ الحَنابلةِ.
وقالَ المالكيَّةُ: لَو حلَفَ اثنانِ عَلى النَّقيضِ كأنْ رَأَى رَجلانِ طائِرًا فحلَفَ أحدُهُما أنَّهُ غُرابٌ وحلَفَ الآخَرُ على النَّقيضِ -وهوَ أنَّ الطَّائرَ المَذكورَ ليسَ بغُرابٍ-، أو قالَ لرَجلٍ: «امرَأتُه طالِقٌ لَقدْ قُلتَ لي كذا» فقالَ لهُ الآخَرُ: «امرَأتُه طالِقٌ ما قُلتُ لكَ كذا»، وكحَلِفِه «أنَّ فُلانًا يَعرِفُ أنَّ لي حَقًّا في كذا»، فحلَفَ الآخَرُ أنهُ لا يَعرِفُ أنَّ لهُ حقًّا في كذا، وتَعذَّرَ التَّحقيقُ؛ فإنِ ادَّعَيَا يَقينًا -أي حلَفَ كلٌّ مِنهُما على يَقينٍ منهُ- فإنهُما يُدَيَّنانِ
[ ١٧ / ٤١١ ]
-أي يُوكَلانِ إلى دِينِهِما- ويُقبَلُ قَولُهما، ولا حِنثَ على واحدٍ مِنهُما إلَّا أنْ يتبيَّنَ خِلافُ ما جزَمَ بهِ أحدُهُما أو هُمَا، فيَحنثُ أيضًا مَنْ بانَ خِلافُ ما جزمَ بهِ مِنهُما.
وإنْ لَم يَدَّعِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما أنَّهُ حلَفَ على يَقينِه -أي اعتِقادًا جازِمًا- وإنَّما حلَفَ على ما يَظُنُّ أو يَشُكُّ أو يَتوَهَّمُ ولو في ثاني حالٍ بأنْ كانَ جازِمًا حِينَ اليَمينِ ثمَّ شَكَّ بعْدَ ذلكَ فإنهُ يُنجَّزُ عليهما الطَّلاقُ على الأصحِّ.
وإنِ ادَّعَى أحَدُهما يَقينًا على ما حلَفَ عليهِ دُونَ الآخَرِ فلا حِنثَ على مَنِ ادَّعَى اليَقينَ، ويَحنَثُ الآخَرُ.
فإنْ لَم يَدَّعِ يَقينًا طَلقَتْ امرأةُ مَنْ لَم يَدَّعِ اليَقينَ، سواءٌ كانَ كُلًّا مِنهُما أو أحدَهُما (^١).
_________________
(١) «التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب» (٤/ ٤٢٢، ٤٢٣)، و«التاج والإكليل» (٣/ ٨٨، ٨٩)، و«شرح مختصر خليل» (٤/ ٥٩)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٩٢)، و«تحبير المختصر» (٣/ ١٨٩)، و«الحاوي الكبير» (١٠/ ٢٧٨)، و«المهذب» (٢/ ١٠١، ١٠٢)، و«البيان» (١٠/ ٢٣٣، ٢٣٤)، و«روضة الطالبين» (٥/ ٤٠٣، ٤١١، ٤١٤)، و«أسنى المطالب» (٣/ ٣٠٠)، و«النجم الوهاج» (٧/ ٥٤٠)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٤٩٢)، و«تحفة المحتاج» (٩/ ٤٤٩)، و«الديباج» (٣/ ٤٣٧)، و«المغني» (٧/ ٣٨٠، ٣٨١)، و«المحرر في الفقه» (٢/ ٦١)، و«الشرح الكبير» (٨/ ٤٦٦)، و«الإنصاف» (٩/ ١٤٤، ١٤٥)، و«كشاف القناع» (٥/ ٣٩٢، ٣٩٣)، و«شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٤٩٩، ٥٠٠)، و«مطالب أولي النهى» (٥/ ٤٧٢، ٤٧٣).
[ ١٧ / ٤١٢ ]