اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعَةِ على أنَّ الزَّوجَ إذا أضافَ الطَّلاقَ إلى جَميعِ أجزائِها أو إلى جُزءٍ جامِعٍ مِنها كالرَّأسِ والوَجهِ والرَّقَبةِ والفَرجِ أنهُ
_________________
(١) «المغني» (٧/ ٤٠٠)، ويُنظر: «الإشراف على مذاهب العلماء» (٥/ ٢٢٠)، و«الإجماع» (٤٥٠)، و«الدر المختار» (٣/ ٢٣٠)، و«الكافي» لابن عبد البر ص (٢٩٢)، و«الحاوي الكبير» (١٠/ ١٩)، و«المهذب» (٢/ ١١٢)، و«المغني» (٦/ ٢٦٨).
(٢) «شرح صحيح البخاري» (٧/ ٣٨٢).
[ ١٧ / ٤١٣ ]
يَقعُ الطَّلاقُ؛ لأنَّ هذهِ الأعضاءَ يُعبَّرُ بها عَنْ جَميعِ البَدنِ، يقالُ: فُلانٌ يَملكُ كذا وكذا رأسًا مِنَ الرَّقيقِ، وكذا وكذا رَقبةً، وقالَ اللهُ تعالَى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، والمُرادُ بها الجُملةُ، وقالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤)﴾، وفي الخبَرِ: «لَعَنَ اللهُ الفُرُوجَ على السُّروجِ»، والوَجهُ يُذكَرُ ويُرادُ بهِ الذَّاتُ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، أي إلَّا هُوَ، ومَن كفلَ بوَجهِ فُلانٍ يَصيرُ كَفيلًا بنَفسِه، فيَثبتُ أنَّ هذهِ الأعضاءَ يُعبَّرُ بها عَنْ جَميعِ البدَنِ، فكانَ ذِكْرُها ذِكرًا للبَدنِ، كأنهُ قالَ: «أنتِ طالِقٌ»، وكذا إذا أضافَ إلى وَجهِها؛ لأنَّ قَوامَ النَّفسِ بها، ولأنَّ الرُّوحَ تُسمَّى نَفْسًا، قالَ اللهُ ﷾: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾.
ولا خِلافَ أيضًا في أنهُ إذا أضافَ الطَّلاقَ إلى جُزءٍ شائِعٍ منها بأنْ قالَ: «نِصفُكِ طالِقٌ، أو ثُلثُكِ طالِقٌ، أو رُبعُكِ طالِقٌ، أو جُزءٌ مِنكِ» أنهُ يقَعُ الطَّلاقُ؛ لأنَّ الجُزءَ الشَّائعَ مَحلٌّ للنِّكاحِ، حتَّى تَصحُّ إضافةُ النِّكاحِ إليهِ، فيكونُ مَحلًّا للطَّلاقِ، ولأنَّ الإضافةَ إلى الجُزءِ الشَّائعِ تَقتضِي ثُبوتَ حُكمِ الطَّلاقِ فيهِ، وأنهُ شائِعٌ في جُملةِ الأجزاءِ؛ بعُذرِ الاستِمتاعِ بجَميعِ البَدنِ؛ لِمَا في الاستِمتاعِ بهِ استِمتاعٌ بالجُزءِ الحَرامِ، فلم يكنْ في إبقاءِ النِّكاحِ فائدةٌ، فيَزولُ ضَرورةً.
إلَّا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا فيما لو أضافَ الطَّلاقَ إلى جُزءٍ مُعيَّنٍ مِنْ بَدنِها لا يُعبَّرُ بهِ عَنْ جَميعِ البَدنِ كاليَدِ والرِّجلِ والأصبعِ ونَحوِها.
[ ١٧ / ٤١٤ ]
فذهَبَ الحنفيَّةُ خِلافًا لزُفَرَ إلى أنهُ لا يَقعُ الطَّلاقُ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، أمَرَ اللهُ تعالَى بتَطليقِ النِّساءِ، والنِّساءُ جَمْعُ المَرأةِ، والمَرأةُ اسمٌ لجَميعِ أجزائِها، والأمرُ بتَطليقِ الجُملةِ يكونُ نهيًا عَنْ تَطليقِ جُزءٍ مِنها لا يُعبَّرُ به عَنْ جَميعِ البَدنِ؛ لأنهُ تَركٌ لتَطليقِ جُملةِ البَدنِ، والأمرُ بالفِعلِ نهيٌ عَنْ تَركِه، والمَنهيُّ لا يكونُ مَشروعًا، فلا يَصحُّ شَرعًا، ولأنَّ قولَهُ: «يَدُكِ طالِقٌ» إضافةُ الطَّلاقِ إلى ما ليسَ مَحلَّ الطَّلاقِ فلا يَصِحُّ، كما لو أضافَ الطَّلاقَ إلى خِمارِها، ودَلالةُ الوَصفِ أنهُ أضافَ الطَّلاقَ إلى يَدِها، ويَدُها ليسَتْ بمَحلٍّ للطَّلاقِ لوَجهَينِ:
أحدُهُما: أنَّها ليسَتْ بمَحلٍّ للنِّكاحِ، حتَّى لا تَصحُّ إضافةُ النِّكاحِ إليها، فلا تكونُ مَحلًّا للطَّلاقِ؛ لأنَّ الطَّلاقَ رفْعُ ما يَثبُتُ بالنِّكاحِ، ألَا تَرَى أنَّها لمَّا لم تكنْ مَحلًّا للإقالةِ لأنَّها فَسْخُ ما ثَبتَ بالبَيعِ؟! كذا هذا.
والثَّاني: أنَّ مَحلَّ الطَّلاقِ مَحلُّ حُكمٍ في عُرفِ الفُقهاءِ، وحُكمُ الطَّلاقِ زَوالُ قَيدِ النِّكاحِ، وقَيدُ النِّكاحِ ثبَتَ في جُملةِ البَدنِ لا في اليَدِ وحْدَها؛ لأنَّ النِّكاحَ أُضيفَ إلى جُملةِ البَدنِ، ولا يُتصوَّرُ القَيدُ الثَّابتُ في جُملةِ البَدنِ في اليَدِ وحْدَها، فكانَتِ الإضافةُ إلى اليَدِ وحْدَها إضافةً إلى ما ليسَ مَحلَّ الطَّلاقِ فلا يَصحُّ، وكذا يُقالُ في الجُزءِ الشَّائِعِ؛ لأنهُ لا يَثبُتُ الحُكمُ في البَدنِ بالإضافةِ إلى الجُزءِ الشَّائعِ، بل لمَعنًى آخَرَ وهوَ عَدمُ الفائِدةِ في بَقاءِ النِّكاحِ، أو يُضافُ إليهِ؛ لأنهُ مِنْ ضَروراتِ الإضافةِ إلى الجُزءِ الشَّائِعِ، كمَنْ
[ ١٧ / ٤١٥ ]
قطَعَ حبْلًا مَملوكًا لهُ تعلَّقَ بهِ قِنديلُ غَيرِه، وههُنا لا ضَرورةَ لم تَثبتُ الحُرمةُ في الجُزءِ المُعيَّنِ مَقصُورًا عليهِ؛ لإمكانِ الانتِفاعِ بباقي البَدنِ، فكانَ بقاءُ النِّكاحِ مُفيدًا، لكنْ لا قائِلَ بهِ على ما عُرِفَ في الخِلافيَّاتِ (^١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالكيَّةُ والشَّافعيةُ والحنابلةُ وزُفرُ مِنَ الحَنفيَّةِ إلى أنَّ الزَّوجَ إذا طلَّقَ بعضَ بَدنِها كأنْ قالَ: «رَأسُكِ أو شَعرُكِ أو يَدكِ أو رِجلُكِ أو جُزءٌ مِنْ أجزائِكِ طَالِقٌ» فهي طالِقٌ، ولا يَقعُ على بَعضِها دُونَ بَعضٍ، فإذا طلَّقَ بعضَ بَدنِها طَلُقَ جَميعُها، سواءٌ كانَ ما طلَّقَهُ مِنها جُزءًا شائِعًا مُقدَّرًا كقَولِه: «رُبعكِ طالِقٌ أو نِصفُكِ طالِقٌ»، أو غَيرَ مُقدَّرٍ كقَولِه: «جُزءٌ مِنكِ طالِقٌ»، أو كانَ عُضوًا مُعيَّنًا كَقولِه: «رَأسُكِ طالِقٌ، أو يَدُكِ طالِقٌ أو شَعْرُكِ طالِقُ أو ظُفْرُكِ طالِقٌ»، وسَواءٌ كانَ العُضوُ ممَّا يُعبِّرُ عنِ الجُملةِ ولا يَحيَى كالرَّأسِ، أو كانَ ممَّا لا يُعبَّرُ بهِ عنِ الجُملةِ ويُحيَى بفَقدِه كاليَدِ والشَّعرِ.
وذلكَ لأنهُ طلَّقَ جُزءًا استباحَهُ بعَقدِ النِّكاحِ، فوجَبَ أنْ يقَعَ بهِ الطَّلاقُ إذا كانَ مِنْ أصلِه كالجُزءِ الشَّائِعِ.
_________________
(١) «تحفة الفقهاء» (٢/ ١٩٥)، و«بدائع الصنائع» (٣/ ١٤٣)، و«المبسوط» (٦/ ٨٩)، و«فتاوى السغدي» (١/ ٣٤٢، ٣٤٣)، و«الهداية شرح البداية» (١/ ٢٣٢)، و«العناية» (٥/ ٢٠٥، ٢٠٨)، و«الجوهرة النيرة» (٤/ ٤١٧، ٤٢٠)، و«الفتاوى الهندية» (١/ ٣٦٠).
[ ١٧ / ٤١٦ ]
ولأنَّها جُملةٌ لا تَتبعَّضُ في الحِلِّ والحُرمةِ، وُجِدَ فيها ما يَقتَضي التَّحريمَ والإباحةَ، فغُلِّبَ فيها حُكمُ التَّحريمِ، كما لوِ اشتَركَ مُسلِمٌ ومَجوسيٌّ في قَتلِ صَيدٍ.
فإنْ قيلَ: المَعنَى في الجُزءِ الشَّائعِ أنهُ يَجوزُ إفرادُهُ بالبَيعِ، فوقَعَ بهِ الطَّلاقُ، والجُزءُ المُعيَّنُ لا يَجوزُ إفرادُه بالبَيعِ، فلَم يَقعْ بهِ الطَّلاقُ.
قيلَ: لا يصحُّ اعتِبارُ الطَّلاقِ بالبَيعِ؛ لأنَّ البيعَ يَقفُ على ما تَناوَلِه، ولا يَسرِي إلى غَيرِه، فصَحَّ في الجُزءِ الشَّائعِ؛ لأنهُ مُنتفَعٌ بهِ، ولم يَصحَّ في الجُزءِ المُعيَّنِ؛ لأنهُ غَيرُ مُنتفَعٍ بهِ، وليسَ كذلكَ الطَّلاقُ؛ لأنهُ يَسرِي، فوقَعَ على الجُزءِ المُعيَّنِ والشَّائعِ جَميعًا؛ لسرَايتِها إلى الجَميعِ.
فإنْ قيلَ: فالجُزءُ المشاعُ هوَ شائعٌ في جَميعِ البَدنِ، فجازَ أنْ يَسرِي، والجُزءُ المُعيَّنُ ليسَ بشائعٍ في جَميعِ البَدنِ، فلَم يَجُزْ أنْ يَسرِي.
قيلَ: إذا جازَ أنْ يَسرِي مِنْ ذلكَ الجُزءِ الشائعِ إلى جَميعِ الأجزاءِ جازَ أنْ يَسرِي مِنْ ذلكَ العُضوِ المُعيَّنِ إلى جَميعِ الأعضاءِ.
فإنْ قيلَ: فالعُضوُ تابعٌ للجُملةِ، ولا يَجوزُ أنْ يَسرِيَ حُكمُ التَّابعِ إلى المَتبوعِ، كما لا يَسرِي عِتقُ الحَمْلِ إلى الحامِلِ؛ لأنَّ الحَملَ تابعٌ، ويَسرِي عِتقُ الحامِلِ إلى الحمْلِ؛ لأنهُ مَتبوعٌ.
قيلَ: العُضوُ تابعٌ للنَّفسِ، فلذلكَ دخَلَتْ دِيَاتُ الأطرافِ في ديَةِ النَّفسِ، وليسَ العُضوُ تابعًا للبَدنِ؛ لأنهُ لا يَدخلُ دِيَةُ عُضوٍ في دِيَةِ عُضوٍ، ثمَّ يَنتقضُ
[ ١٧ / ٤١٧ ]
بطَلاقِ الفَرجِ والأعضاءِ الخَمسةِ: الرَّأسِ والظَّهرِ والوَجهِ والرَّقَبةِ والفَرْجِ.
وقياسٌ ثانٍ: وهو أنَّه أشارَ بالطَّلاقِ إلى عُضوٍ مُتَّصلٍ بها اتِّصالَ الخِلقةِ، فوجَبَ أنْ يَكونَ كالإشارةِ بهِ إلى جَميعِ الجُملةِ كالأعضاءِ الخَمسةِ، وقَولُنا: «اتِّصَالَ الخِلقةِ» احتِرازًا مِنَ الأُذُنِ إذا أُلصِقَتْ بعْدَ قطْعِها، فإنهُ إذا وقَعَ الطَّلاقُ عليهِ لم يُطلّقْ بهِ.
فإنْ قيلَ: «المَعنَى في الأعضاءِ الخَمسةِ أنَّها قَوامُ البَدنِ، وأنَّها لا يُحيَى بفَقدِها» انتَقضَ بالكَبدِ والفُؤادِ؛ لأنَّهما قَوامُ البَدنِ، لا يُحيَى إلَّا بهما، ولا تُطلَّقُ عِنْدَ الحَنفيةِ بطَلاقِهما.
وأنْ يُقالَ: المَعنَى فيها أنهُ يُعبَّرُ بها عَنِ الجُملةِ، كانَ الجَوابُ عنهُ مِنْ ثلاثةِ أوجُهٍ:
أحدُها: أنهُ يُعبَّرُ عَنِ الجُملةِ على طَريقِ المَجازِ دُونَ الحَقيقةِ، وصَريحُ الطَّلاقِ يَتعلَّقُ بالحَقيقةِ دُونَ المَجازِ.
والثَّاني: أنهُ يُعبَّرُ بها عَنِ الجُملةِ إذا أُطلقَتْ مِنْ غَيرِ إضافةٍ، وهيَ هاهُنا مُضافةٌ؛ لأنهُ قالَ: «رَأسُكِ طالِقٌ»، فلَم يُعبِّرْ بها مع الإضافةِ إلَّا عنها، لا عَنِ الجُملةِ؛ لأنَّ الإضافةَ قَدْ مَيَّزتِ المُضافَ مِنَ المُضافِ إليهِ.
والثَّالثُ: أنهُ قد يُعبَّرُ عَنِ الجُملةِ بغَيرِ الأعضاءِ الخَمسةِ، أمَّا اليَدُ فبقَولِه تعالَى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١]، وأمَّا الرِّجلُ فلقَولِهم:
[ ١٧ / ٤١٨ ]
لفُلانٍ عِنْدَ السُّلطانِ قَدَمٌ، أي مَنزِلةٌ، وأمَّا الشَّعرُ فلقَولهِم: حيَّا اللهُ هذهِ اللِّحيةَ، أي الجُملةَ (^١).
قالَ المالكيَّةُ: مَنْ طلَّقَ جُزءًا مِنْ زَوجتِه فإنهُ يُؤدَّبُ على ذلكَ، كقَولِه لها: «يَدكِ طالِقٌ، أو عَينكِ طالِقٌ، أو نِصفُكِ» أو نحوُ ذلكَ؛ إذْ لا فرْقَ بيْنَ التَّجزئةِ بالنَّسبةِ للتَّطليقاتِ أو للزَّوجةِ، ويَقعُ الطَّلاقُ، وكذلكَ يَقعُ الطَّلاقُ ويَلزمُه على المَشهورِ إذا قالَ لزَوجتِهِ: «شَعرُكِ طالِقٌ، أو كَلامُكِ طالِقٌ» فإنهُ يَلزمُه ما نَواهُ؛ لأنَّ الشَّعرَ والكَلامَ مِنْ مَحاسِنِ المَرأةِ، ومِثلُه الرِّيقُ والعَقلُ، بخِلافِ العِلمِ، وهذا إذا قصَدَ الشَّعرَ المُتَّصِلَ بها أو لا قصْدَ لهُ، وأمَّا إنْ قصَدَ المُنفصِلَ فهو كالبُصاقِ.
ومَن قالَ لزَوجتِهِ: «سُعالِكُ، أو بُصاقُكِ، أو دمْعُكِ طالِقٌ» فإنهُ لا يَلزمُه شَيءٌ؛ لأنَّ ذلكَ ليسَ مِنْ مَحاسِنِها؛ لأنهُ لا يلتَذُّ بهِ، ومِثلُ ذلكَ شَعرُ غَيرِ حاجِبِها ورَأسِها، وما شابَ مِنْ شَعرِ رأسِها وحاجِبِها وما غَلظَ مِنْ صَوتِها، فلا يَلزمُ بطلاقِ ما ذُكِرَ طلاقٌ، إلَّا أنْ يَلتَذَّ هو بهِ؛ احتِياطًا للفُروجِ، أو يَنويَ بهِ حَلَّ العِصمةِ فكالكِنايةِ الخَفيَّةِ (^٢).
_________________
(١) «الحاوي الكبير» (١٠/ ٢٤٢، ٢٤٤)
(٢) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٤٣٣) رقم (١٢٤٨)، و«التاج والإكليل» (٣/ ٧٦، ٧٧)، و«شرح مختصر خليل» (٤/ ٥٣)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٨٢، ٢٨٣)، و«حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٥/ ٣٥٣).
[ ١٧ / ٤١٩ ]
وقالَ الشَّافعيةُ: لو قالَ شَخصٌ لزَوجَتِه: «أنتِ طالِقٌ، أو طَلَّقتُكِ» فذاكَ واضِحٌ، وكَذا لو قالَ: «جِسمُكِ أو جَسدُكِ أو رُوحُكِ أو شَخصُكِ أو جثَّتُكِ أو ذاتُكِ طالِقٌ»، وإنْ طلَّق جُزءًا مِنها كقولِه: «يَدُكِ أو رِجلُكِ أو نحوُ ذلكَ مِنْ أعضائِها المُتَّصِلةِ بها، أو رُبعُكِ أو بعضُكِ أو جُزؤُكِ، سواءٌ أكانَ مَعلومًا كالمِثالِ الأوَّلِ، أو مُبهَمًا كالمِثالِ الثَّاني والثَّالِثِ، أصلِيًّا كانَ أو زائِدًا، ظاهِرًا كما مرَّ أو باطِنًا، ككَبدِكِ، أو كانَ الجُزءُ ممَّا يَنفصِلُ منها في الحَياةِ كَ: «شَعرُكِ أو ظُفرُكِ طالِقٌ» وقَعَ الطَّلاقُ جَزمًا، واحتَجُّوا لهُ بالإجماعِ، ولأنهُ طلاقٌ صدَرَ مِنْ أهلِه فلا يَنبغِي أنْ يُلغَى، وتَبعيضُه مُتعذِّرٌ؛ لأنَّ المَرأةَ لا تَتبعَّضُ في حُكمِ النِّكاحِ فوجَبَ تَعميمُه، وبالقياسِ على العِتقِ؛ بجامِعِ أنَّ كُلًّا مِنهما إزالةُ مِلكٍ بالصَّريحِ والكِنايةِ.
وكذا «دَمُكِ طالِقٌ» يقَعُ بهِ الطَّلاقُ على المَذهبِ؛ لأنَّ بهِ قَوامُ البَدنِ كالرُّوحِ، وفي وَجهٍ: لا يَقعُ؛ لأنهُ كفَضلةٍ.
ولا يَقعُ الطَّلاقُ بفَضلةٍ كريقٍ وعرَقٍ وبَولٍ؛ لأنَّها غَيرُ مُتَّصلةٍ اتِّصالَ خِلقةٍ، بخلافِ ما قبْلَها، وكذا مَنيٌّ ولَبنٌ لا يَقعُ بهما في الأصحِّ؛ لأنهُما وإنْ كانَ أصلُهما دَمًا فقَدْ تهيَّآ للخُروجِ بالاستِحالةِ كالبولِ، والثَّاني: الوُقوعُ كالدَّمِ؛ لأنهُ أصلُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، وكالفضَلاتِ الأخْلاطُ كالبَلغَمِ، ولا بالجَنينِ؛ لأنهُ شَخصٌ مُستقِلٌّ بنَفسهِ وليسَ مَحَلًّا للطَّلاقِ، ولا بالعُضوِ المُلتحِمِ بالمَرأةِ بعْدَ الفَصلِ مِنها؛ لأنَّه كالمُنفصِلِ، بدَليلِ وُجوبِ قَطعِه وعَدمِ تَعلُّقِ القِصاصِ بهِ.
ولا بالمَعاني القائمةِ بالذَّاتِ كالسَّمعِ والبَصرِ والحَركةِ، وسائرِ الصِّفاتِ
[ ١٧ / ٤٢٠ ]
المَعنويَّةِ كالحُسنِ والقُبحِ والمَلَاحةِ؛ لأنَّها ليسَتْ جُزءًا مِنْ بَدَنها، والشَّحمُ والسّمنُ جُزءانِ مِنَ البَدنِ، فيَقعُ بالإضافةِ إلى كُلٍّ مِنهُما الطَّلاقُ.
ولو قالَ: «اسمُكِ طالِقٌ» لَم تَطلُقْ إنْ لَم يُردْ بهِ الذَّاتَ، فإنْ أرادَها بهِ طَلُقَتْ، وإنْ قالَ: «نَفْسُكِ -بإسكانِ الفاءِ- طالِقٌ» طَلُقَتْ؛ لأنَّها أصلُ الآدَميِّ، أمَّا بفَتحِ الفاءِ فلا؛ لأنهُ أجزاءٌ مِنَ الهَواءِ يَدخُلُ الرِّئةَ ويَخرُجُ مِنها، لا جُزءٌ مِنَ المَرأةِ ولا صِفةٌ لها، ولو قالَ: «حَياتُكِ طالِقٌ» طَلُقَتْ إنْ أرادَ بها الرُّوحَ، وإنْ أرادَ المَعنَى فلا، كسائرِ المَعاني، وإنْ أَطلَقَ فهوَ كالأوَّلُ.
تَنبيهٌ: الطَّلاقُ فيما مرَّ يقَعُ على الجُزءِ ثمَّ يَسرِي إلى باقي البَدنِ، كما في العِتقِ، فلو قالَ: «إنْ دَخلْتِ الدَّارَ فيَمينُكِ طالِقٌ» فقُطِعَتْ ثمَّ دَخلَتْ لم تَطلُقْ، كمَن خاطبَها بذلكَ، ولا يَمينَ لها كما قالَ، ولو قالَ لمَقطُوعةِ يَمينٍ مَثلًا: «يَمينُكِ» وذكَرَه على إرادةِ العُضوِ، ولو أنَّثَ قالَ: «يُمناكِ طالِقٌ» لَم يَقعْ على المَذهبِ المَنصوصِ؛ لفُقدانِ الَّذي يَسرِي منهُ الطَّلاقُ إلى الباقي كما في العِتقِ، وكما لو قالَ لها: «لِحْيتُكِ، أو ذَكَرُكِ طالِقٌ» (^١).
وقالَ الحَنابلةُ: إذا قالَ: «نِصفُكِ، أو جُزءٌ مِنكِ -سواءٌ كانَ مُعيَّنًا أو مَشاعًا أو مُبهَمًا-، أو إِصبَعُكِ أو دَمُكِ طالِقٌ» طُلِّقَتْ، نَصَّ عليهِ؛ لصحَّتِه في البَعضِ، بخِلافِ زَوَّجتُكَ بعضَ وَليَّتِي، وذَكَر ابنُ البَنَّا: لا تُطلَّقُ بدَمِها كلَبنِها، وإنْ أضافَه إلى سَوادِها أو بَياضِها لَم يقعْ؛ لأنهُ عَرَضٌ، وقيلَ: بلَى، فإنْ قالَ: «يَدُكِ
_________________
(١) «الحاوي الكبير» (١٠/ ٢٤٢، ٢٤٤)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٤٧٣، ٤٧٤)، و«النجم الوهاج» (٧/ ٥٠٨، ٥١٠)، و«الديباج» (٣/ ٤٢٠، ٤٢١)
[ ١٧ / ٤٢١ ]
طالِقٌ» ولا يَدَ لها، أو «إنْ قُمْت فهي طالِقٌ» فقامَتْ وقَد قُطِعَتْ فوَجهانِ، بناءً على أنهُ هل هوَ بطَريقِ السِّرايةِ أو بطَريقِ التَّعبيرِ بالبَعضِ عَنِ الكُلِّ؟
وإنْ قالَ: «شَعرُكِ أو ظُفرُكِ أو سِنُّكِ طالِقٌ» لم تُطلَّقْ، نَصَّ عليهِ؛ لأنَّها تَزولُ ويَخرُجُ عِوَضُها في الشَّعرِ، ولأنَّهُ لا رُوحَ فيهِ ولا يَنتَقضُ الوُضوءُ بمَسِّهِ، أشبَهَ العرَقَ، وقيلَ: تُطلَّقُ، وهوَ قولُ الحسَنِ وغيرِه؛ لأنهُ جُزءٌ يُستباحُ بنكاحِها، فتُطلَّقُ بهِ كالإصبَعِ، وجَوابُهُ بأنهُ جُزءٌ يَنفصِلُ عَنها في حالِ السَّلامةِ، بخِلافِ الإصبَعِ.
وإنْ أضافَهُ إلى الرِّيقِ والدَّمعِ والعرَقِ والحمْلِ لم تُطلَّقْ بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه؛ لأنهُ ليسَ مِنْ ذاتِها، وإنَّما هوَ مُجاوِرٌ لها، والحَمْلُ -وإنْ كانَ مُتَّصِلًا بها- فمَآلُه إلى الانفِصالٍ وهوَ مُودَعٌ فيها؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾، قيلَ: هوَ مُستودَعٌ في بَطنِ الأمِّ.
وإنْ قالَ: «رُوحُكِ طالِقٌ» طُلِّقَتْ؛ لأنَّ الجُملةَ لا تَبقَى بعَدمِ مُزايِلِها، أشبَهَ الحَياةَ والدَّمَ.
وقالَ أبو بكرٍ: لا تُطلَّقُ، قالَ أبو بكرٍ: لا يَختَلفُ قولُ أحمَدَ أنَّه لا يَقعُ طلاقٌ وعِتقٌ وظِهارٌ وحَرامُ بذِكرِ الشَّعرِ والظُّفرِ والسِّنِّ والرُّوحِ، فبذلكَ أقولُ، ولأنَّها ليسَتْ عُضوًا ولا شيئًا يُستَمتعُ بهِ، وحَكَى في «المُستَوعِب» عَنْ أحمَدَ التَّوقُّفَ عنها (^١).
_________________
(١) «المغني» (٧/ ٣٧٦)، و«شرح الزركشي» (٢/ ٤٨١)، و«المبدع» (٧/ ٣٠٠، ٣٠١)، و«الإنصاف» (٩/ ١٧، ١٨)، و«كشاف القناع» (٥/ ٣٠٤، ٣٠٥)، و«مطالب أولي النهى» (٥/ ٣٧٠).
[ ١٧ / ٤٢٢ ]