الطَّلاقُ لُغةً: الطَّلاقُ مَصدَرُ طَلُقَتْ المَرأةُ: بانَتْ مِنْ زَوجِها، وأصلُ الطَّلاقِ في اللُّغةِ التَّخليةُ، يُقال: «طُلِقَتِ النَّاقَةُ» إذَا سَرَحَتْ حَيثُ شاءَتْ، و«حُبِسَ فُلانٌ في السِّجنِ طَلْقًا بِغَيرِ قَيْدٍ»، وفَرَسٌ طَلقُ إحدى القوائمِ إذا كانَتْ إحدَى قوائِمِها غيْرُ مُحجَّلةٍ، والإطلاقُ الإرسالُ، فالطَّلاقُ شرعًا: حَلُّ قَيدِ النكاحِ، وهوَ راجعٌ إلى معناهُ لغةً؛ لأنَّ مَنْ حُلَّ قَيدُ نكاحِها فقَدْ خَلِيَتْ، ويُقال: «طَلَقَتِ المَرأةُ وطَلُقَتْ» بفَتحِ اللَّامِ وضمِّها، «تَطلُقُ» بضَمِّ اللَّامِ وفتْحِها، «طَلاقًا وطَلقةً»، وجَمعُها «طَلَقَاتٍ» بفَتحِ اللَّامِ لا غَيرَ، فهيَ «طالقٌ»، وطَلَّقَهَا زَوجُها فهيَ مُطلَّقَةٌ (^١).
_________________
(١) «المطلع على أبواب المقنع» (١/ ٣٣٣).
[ ١٧ / ٣ ]
وقالَ الزَّبِيدِيُّ ﵀: الطَّلاقُ: هوَ في اللُّغةِ عِبارَةٌ عَنْ إزالَةِ القَيدِ، وهوَ مَأخوذٌ مِنَ الإطلَاقِ، تَقولُ العَرَبُ: «أَطلَقْتُ إبِلِي وأَسيرِي وطَلَّقَتُ امرَأتِي» وهُمَا سَواءٌ، وإنَّما فرَّقُوا بيْنَ اللَّفظَينِ؛ لاختِلافِ المَعنيَيْنِ، فجَعلُوهُ في المَرأةِ طَلاقًا وفي غَيرِه إطْلاقًا، كمَا فرَّقُوا بيْنَ حَصَانٍ وَحِصَانٍ، فقَالُوا لِلمرَأةِ حَصَانٌ وَللفَرَسِ حِصَانٌ، وهوَ سَواءٌ في اللَّفظِ مُختَلفٌ في المَعنَى (^١).
الطَّلاقُ شَرعًا:
تَعدَّدتْ عِباراتُ الفُقهاءِ في تَعريفِ الطَّلاقِ، وإنْ كَانَ جَميعُها يَنصُّ عَلى أنَّهُ: حَلُّ ورَفعُ عَقدِ النِّكاحِ بلَفظٍ مَخصُوصٍ.
قَالَ الحَنفيَّةُ: الطَّلاقُ شَرعًا: عِبارةٌ عَنْ إزَالَةِ النِّكاحِ أو نُقصانِ حِلِّه بلَفظٍ مَخصُوصٍ (^٢).
وقِيلَ: عِبارةٌ عَنِ المَعنَى المَوضُوعِ لحَلِّ عُقدَةِ النِّكاحِ (^٣).
والمُرادُ برَفعِ العَقدِ رَفعُ أحكَامِه؛ لأنَّ العُقودَ كَلِماتٌ لا تَبقَى بعدَ التَّكلُّمِ بهَا (^٤).
ويُقالُ: عِبارةٌ عَنْ إسقَاطِ الحَقِّ عَنِ البُضعِ، ولِهذَا يَجوزُ تَعلِيقُهُ بالشَّرطِ، فَالطَّلاقُ عِنْدَهُمْ لا يُزيلُ المِلكَ، وإنَّما يَحصلُ زوالُ المِلكِ عَقِيبَه
_________________
(١) «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٨٩).
(٢) «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٢٢٧).
(٣) «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٨٩).
(٤) «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٢٢٦).
[ ١٧ / ٤ ]
إذَا كَانَ طَلاقًا قَبْلَ الدُّخولِ أو بائِنًا، وإنْ كَانَ رجعيًّا وَقَفَ على انقِضاءِ العدَّةِ، أي: لَم يُزل المِلكُ إلَّا بعْدَ انقِضائِها (^١).
وقِيلَ: لَفظٌ دَلَّ عَلى رفْعِ قَيدِ النِّكاحِ في الحَالِ بالبِائنِ أو المَآلِ بالرَّجعيِّ بلَفظٍ مَخصُوصٍ، وهوَ مَا اشتَملَ عَلى مَادَةٍ «طَلقَ» صَريحًا مِثلَ: «أنتِ طالِقٌ»، أو كِنايةً: «كَمُطْلَقَةٍ» بالتَّخفِيفِ.
فخَرَجَ بِذلكَ حَالاتُ الفُسوخِ وهيَ:
١ - تَفريقُ القاضِي في إبَاءِ الزَّوجةِ الإسلامَ بعْدَما أَسلَمَ زَوجُها المُشرِكُ أو المَجوسِيُّ؛ لأنَّ المُشرِكَةَ لا تَصلحُ لِنكاحِ المُسلِمِ، والفُرقَةُ جاءَتْ مِنْ قِبَلِها، والفُرقةُ مِنْ قِبَلِ المَرأةِ لا تَصلحُ طَلاقًا؛ لأنَّها لا تَتولَّى الطَّلاقَ، فيُجعَلُ فَسخًا، وأمَّا إنْ كانَ الإباءُ مِنَ الزَّوجِ فكَذلِكَ عِنْدَ أبِي يُوسفَ، وقَالَ أبُو حَنيفةَ ومُحمَّدٌ: تَكونُ الفُرقةُ طَلاقًا.
٢ - وَرِدَّةُ أحَدِ الزَّوجَينِ.
٣ - وتَبايُنُ الدَّارَيْن حَقيقَةً وحُكمًا: بأنْ خَرَجَ أحَدُ الزَّوجَينِ إلَى دارِ الإسلَامِ مُسلِمًا أو ذِميًّا، وترَكَ الآخَرَ كافِرًا في دارِ الحَربِ قِياسًا عَلى الرِّدةِ؛ لعَدمِ التَّمكينِ مِنَ الانتِفاعِ عادةً، أمَّا إنْ خرَجَ أحَدُهما مُستَأمنًا وبَقيَ الآخَرُ كافِرًا في دارِ الحرْبِ لا تقَعُ الفُرقةُ؛ لأنَّ عِنْدَ اختِلافِ الدَّارَينِ يَخرجُ المِلْكُ مِنْ أنْ يَكونَ مُنتفَعًا بهِ؛ لِعَدمِ التَّمكُّنِ مِنَ الانتفاعِ عادةً، فلَم يَكنْ في بَقائِهِ
_________________
(١) «الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٨٩).
[ ١٧ / ٥ ]
فائِدةٌ فيَزولُ، كالمُسلمِ إذا ارتَدَّ عَنِ الإسلَامِ ولَحِقَ بدارِ الحَربِ أنَّهُ يَزولُ مِلكُهُ عَنْ أموالِهِ وتُعتَقُ أمَّهاتُ أَولادِهِ ومُدبَّروهُ؛ لمَا قُلنا، كَذا هَذا.
٤ - وخِيارُ البُلوغِ: فإنَّهُ فَسخٌ لا طَلاقٌ.
٥ - وخِيارُ العِتقِ: بأنْ تُعتَقَ الأَمَةُ ويَبقَى زَوجُها عَبدًا.
٦ - والتَّفريقُ لِعَدمِ الكَفاءَةِ أو لِنُقصانِ المَهرِ: تَكونُ الفُرقَةُ فَسخًا (^١).
وأمَّا المالكيَّةُ فعَرَّفَ ابنُ عَرفَةَ ﵀ الطَّلاقَ بقَولِهِ: الطَّلاقُ صِفةٌ حُكمِيَّةٌ تَرفعُ حِلِّيَّةَ مُتعَةِ الزَّوجِ بزَوجَتِه، مُوجِبًا تَكرُّرُهَا مرَّتَينِ لِلحرِّ ومرَّةً لِذي رِقٍّ حُرمَتَها عَليهِ قبْلَ زَوجٍ (^٢).
وقَالَ الشَّافعيَّةُ: الطَّلاقُ شَرعًا: حَلُّ عَقْدِ النِّكاحِ بلَفظِ الطَّلاقِ ونَحوِه (^٣).
أو: اسمٌ لحَلِّ قَيْدِ النِّكاحِ (^٤).
وكِلاهمُا بمَعنًى واحدٍ.
وعرَّفهُ النَّوويُّ ﵀ بأنُّه: تَصرُّفٌ مَملُوكٌ للزَّوجِ يُحدِثُهُ بِلا سَببٍ فيَنقطِعُ النِّكاحُ به (^٥).
_________________
(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ٣٣٦، ٣٤٠)، و«البحر الرائق» (٣/ ٢٥٣)، و«الدر المختار مع حاشية ابن عابدين» (٣/ ٢٢٧).
(٢) «المختصر الفقهي» (٦/ ٥)، و«البهجة في شرح التحفة» (١/ ٥٣٦).
(٣) «مغني المحتاج» (٤/ ٤٥٤).
(٤) «النجم الوهاج» (٧/ ٤٧٩).
(٥) «تهذيب الأسماء» (٣/ ١٧٨).
[ ١٧ / ٦ ]
وقالَ الحَنابلَةُ: الطَّلاقُ شَرعًا: حَلُّ قَيْدِ النِّكاحِ أو حَلُّ بعضِهِ بالطَّلاقِ الرَّجعيِّ (^١).
وقِيلَ: حَلُّ قَيْدِ النِّكاحِ أو بَعضِه بوُقوعِ ما يَملِكُه مِنْ عَددِ الطَّلقاتِ أو بَعضِها.
وقِيلَ: هوَ تَحريمٌ بعْدَ تَحليلٍ، كالنِّكاحِ تَحليلٌ بعْدَ تَحريمٍ (^٢).
فعامَّةُ الفُقهاءِ متَّفِقونَ عَلى أنَّ الطَّلاقَ هوَ عِبارةٌ عَنْ حَلٍّ لِعَقدِ النِّكاحِ بلَفظٍ مَخصُوصٍ سَيأتي بَيانُه.
قالَ إمامُ الحرَمَينِ ﵀: وهوَ لفْظٌ جاهِليٌّ ورَدَ الشَّرعُ باستِعمالِه وتَقريرِهِ، وقِيلَ: كانَ الطَّلاقُ الجَاهليَّةِ عَلى أَنحاءٍ: الطَّلاقُ، والفِراقُ، والسَّراحُ، والظِّهارُ، والإيلاءُ، و«أنتِ عَليَّ حَرامٌ»، قالَتْ عائِشةُ ﵂: «جاءَ الشَّرعُ بنَسخِ البَعضِ وتَقريرِ البَعضِ» (^٣).
_________________
(١) «المغني» (٧/ ٢٧٧)، و«شرح الزركشي» (٢/ ٤٥٨)، و«كشاف القناع» (٥/ ٢٦٦)، و«شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٣٦٣).
(٢) «الإنصاف» (٨/ ٤٢٩).
(٣) «نهاية المطلب» (١٤/ ٥)، وينظر: «فتح الباري» (٩/ ٣٤٦).
[ ١٧ / ٧ ]