اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ تَعليقِ الخُلعِ على شَرطٍ، هل يَصحُّ أم لا؟ وإذا صَحَّ هل هُناكَ فرْقٌ بيْنَ أنْ يكونَ الشَّرطُ من جهَةِ الزَّوجِ أو الزَّوجةِ؟ أم لا بدَّ أنْ يكونَ مِنْ جهةِ الزَّوجِ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالكيَّةُ والشَّافعيةُ وابنُ قُدامةَ مِنْ الحَنابلةِ إلى أنه يَصحُّ تَعليقُ الخُلعِ على شَرطٍ وإضافتُه إلى وَقتٍ إذا كانَ مِنْ قِبلِ الزَّوجِ.
قالَ الحنفيَّةُ: يَصحُّ تَعليقُ الخُلعِ وإضافتُه إلى وَقتٍ إذا كان مِنْ قبَلِ الزَّوجِ، ولا يَصحُّ إذا كانَ مِنْ قِبلِ الزَّوجةِ، ويتوقَّفُ على قَبولِ الزَّوجةِ، حتَّى لو قالَ: «خالَعْتُ امرَأتي الغائبةَ على كذا» فبلَغَها الخبَرُ فقَبلَتْ جازَ.
وأمَّا مِنْ جانبِ المَرأةِ فلا يتوقَّفُ بالإجماعِ على قَبولِه، حتَّى لو قالَتْ: «اختَلعْتُ مَنْ زَوجي فُلانٍ الغائِبِ على كذا» فبلَغَه الخبَرُ فأجازَ لم يَجزْ.
ووَجهُ الفرْقِ أنَّ الخُلعَ في جانبِ الزَّوجِ يَمينٌ؛ لأنه تَعليقُ الطَّلاقِ بقَبولِ المالِ فكانَ يَمينًا، ولهذا لا يَملكُ الرُّجوعَ عنهُ، وتَصحُّ فيهِ الإضافةُ إلى
_________________
(١) «كشاف القناع» (٥/ ٢٤٦، ٢٤٧)، و«شرح منتهى الإرادات» (٥/ ٣٤٠، ٣٤٢)، و«منار السبيل» (٣/ ٧٦، ٧٧).
[ ١٦ / ٥٦٩ ]
الوَقتِ والتَّعليقُ بالشَّرطِ بأنْ يقولَ الزَّوجُ: «خالَعتُكِ غدًا، وإنْ قَدمَ فُلانٌ فقدْ خالَعتُكِ على كذا»، وإذا كانَ يَمينًا فغَيبةُ المَرأةِ لا تَمنعُ صِحةَ اليَمينِ كما في التَّعليقِ بدُخولِ الدَّارِ وغيرِ ذلكَ.
وأمَّا مِنْ جانِبِ المَرأةِ فهو مُعاوَضةٌ، ولهذا لا يَصحُّ تَعليقُه بالشَّرطِ مِنْ جانِبِها، ولا تَصحُّ إضافتُه إلى وَقتٍ، وتَملكُ الرُّجوعَ قبْلَ إجازةِ الزَّوجِ، وإذا كانَ مُعاوَضةً فالشَّرطُ في المُعاوَضاتِ لا يَتوقَّفُ كما في البَيعِ وغيرِه (^١).
قالَ الإمامُ ابنُ الهُمامِ ﵀: ويَصحُّ تَعليقُه وإضافتُه، حتَّى لو قالَ: «إذا جاءَ غَدٌ فقدْ خالَعتُكِ على ألفٍ، أو فقدْ طلَّقتُكِ على ألفٍ» وقَبلَتْ في الغَدِ في مَجلسِ عِلمِها وقَعَ ولَزمَها المالُ، ولا يَصحُّ قَبولُها قبلَ الغَدِ؛ لأنَّ نفْسَ الإيجابِ معلَّقٌ بالشَّرطِ، وهو عدمٌ قبْلَه، ولا يَصحُّ القَبولُ قبلَ الإيجابِ، ولا خِيارَ في الأيمانِ فبطَلَ خيارُهُ …
فَرعٌ مِنْ صُورِ تَعليقِ الخُلعِ أنْ يقولَ: «إنْ دخلْتِ الدَّارَ فقدْ خلَعتُكِ على ألفٍ» فتَراضيَا عليهِ ففعَلَتْ صَحَّ الخلعُ، ذكَرَه في علامةِ السِّينِ مِنْ التَّجنيسِ؛ لأنَّ التَّعليقَ مِنْ الزَّوجِ يَجوزُ؛ لأنه طلاقٌ، وهذا يُفيدُ أنَّ قَبولَها قبلَ الشَّرطِ، وفي «الوَجيز»: إذا قالَ: «إذا قَدمَ فلانٌ فقدْ خالَعتُكِ على ألفٍ، وإذا جاءَ غدٌ .. إلخ» كانَ القَبولُ إليها بعدَ مَجيءِ الوَقتِ وقدُومِ فُلانٍ (^٢).
_________________
(١) «بدائع الصنائع» (٥/ ١٣٨).
(٢) «شرح فتح القدير» (٤/ ٢٣١، ٢٣٢).
[ ١٦ / ٥٧٠ ]
وقالَ الإمامُ عليُّ بنُ خَليلٍ الطَّرابلسيُّ ﵀: (مَسألةٌ): تَعليقُ الخُلعِ بالشَّرطِ يَصحُّ منهُ لا مِنها، ثمَّ الخُلعُ لو عُلِّقَ بالشَّرطِ بأنْ قالَ: «إنْ دَخلْتِ الدَّارَ فقدْ خالَعتُكِ على كذا» يُعتبَرُ قَبولُها بعدَ دُخولِ الدَّارِ، وكذا لو قالَ لامرَأتِه: «كلُّ امرأةٍ أتزوَّجُها فقدْ بعْتُ طلاقَها مِنكِ بكذا» فالقَبولُ إليها بعدَ التَّزويجِ، حتَّى لو قَبلَتْ بعدَ التَّزويجِ أو قالَتْ: «شَرَيتُ طلاقَها» تَطلُقُ، لا لو قَبلَتْ قبلَ التَّزويجِ؛ لأنَّ هذا الكَلامَ مِنْ الزَّوجِ خُلعٌ بعدَ التَّزويجِ، فشُرطَ القبولُ بعدَه، ولو شُرطَ الخِيارُ للمَرأةِ جازَ عندَ أبي حَنيفةَ لا عندَهما، وخِيارُ الزَّوجِ لم يَجزْ وِفاقًا؛ لأنَّ الخُلعَ مِنْ جانبِه يمينٌ وهي لا تَقبلُ الخيارَ، ومِن جانِبِها مُعاوَضةٌ وهي تَقبلُه (^١).
وقالَ المالكيَّةُ: يَصحُّ تَعليقُ الخُلعِ على شَرطٍ، فإنْ علَّقَ الزَّوجُ الخُلعَ على الإقباضِ أو على الأداءِ -كما إذا قالَ الزَّوجُ لزَوجتِه: إنْ أقبضتِني كذا فأنتِ طالقٌ» أو قالَ لها: «إنْ أدَّيتِني كذا فأنتِ طالِقٌ، أو إذا أو مَتى أدَّيتِني فقدْ طلَّقْتكُ» - لم يَختصَّ إقباضُها أو أداؤُها بالمَجلسِ -أي: الَّذي قالَ لها فيهِ ذلكَ القَولَ-، بل إذا أقبضَتْه أو أتَتْ إليهِ بما طلَبَه مِنها فإنها تَطلقُ منهُ ولَو بعدَ المَجلسِ، ما لم يَطُلْ بحيثُ يُرى أنَّ الزَّوجَ لا يجعلُ التَّمليكَ إليهِ، اللَّهمَّ إلَّا أنْ تَقومَ قَرينةٌ تَدلُّ على أنه أرادَ المَجلسَ؛ فإنه يُعمَلُ على تلكَ القَرينةِ … وأمَّا القَبولُ فلا يُعتبَرُ هنا، وإنَّما يُناطُ
_________________
(١) «معين الحكام» (١/ ١٥٢).
[ ١٦ / ٥٧١ ]
الحُكمُ بوُجودِ المعلَّقِ عليهِ، فإنْ وُجدَ حصَلَ المعلَّقُ وإلَّا فلا (^١).
وقالَ الشَّافعيةُ: يَصحُّ الخُلعُ منجَّزًا؛ لِمَا فيهِ مِنْ المُعاوَضةِ، ويَصحُّ مُعلَّقًا بشَرطٍ؛ لِمَا فيهِ مِنْ الطَّلاقِ.
ف (المنجَّزُ): أنْ يُوقِعَ الفُرقةَ بعِوضٍ مثلَ أنْ يقولَ الزَّوجُ: «طلَّقتُكِ، أو خالَعتُكِ، أو خَلعتُكِ، أو فادَيتُكِ، أو فَديتُكِ بألفٍ» فتَقولَ الزَّوجةُ عَقيبَ قَولِه: «قبلْتُ»، كما يَقولُ البائعُ: «بِعتُكَ هذا بألفٍ» ويقولُ المُشتري: «قَبلْتُ»، وللزَّوجِ أنْ يَرجعَ في الإيجابِ قبْلَ القَبولِ كما قُلنا في البيعِ.
فإنْ قالَتِ الزَّوجةُ: «طلِّقنِي بألفٍ» فقالَ الزَّوجُ عَقيبَ استِدعائِها: «طلَّقتُكِ»، أو قالَتْ: «اخلَعنِي، أو خالِعْني بألفٍ» فقالَ عَقيبَ استِدعائِها: «خلَعتُكِ، أو خالَعتُكِ» ..؛ صحَّ، كما يَقولُ المُشتري: «بِعْني هذا بألفٍ» فيَقولُ البائعُ: «بِعتُكَ»، فإنْ تأخَّرتْ إجابَتُه لها على الفَورِ .. بَطلَ الاستِدعاءُ، ولها أنْ تَرجعَ قبْلَ أنْ يُجيبَها كما قُلنا في المُشتري.
فإنْ قالَتِ الزَّوجةُ: «خالَعتُكَ بألفٍ» فقالَ الزَّوجُ: «قبلْتُ» .. لم يَصحَّ ولم يَقعْ بذلكَ فُرقةٌ؛ لأنَّ الإيقاعَ إليهِ دُونَها، وقَولُه «قَبلْتُ» ليسَ بإيقاعٍ، فهو كما لو قالَتْ له: «طلَّقتُكَ بألفٍ» فقالَ: «قبلْتُ».
وإنْ قالَتْ لهُ: «إنْ طَّلقتَنِي، أو إذا طلَّقتَنِي، أو مَتى طلَّقتَنِي، أو مَتى ما
_________________
(١) «التاج والإكليل» (٣/ ٣٢)، و«شرح مختصر خليل» (٤/ ٢٤)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٣٤، ٢٣٥)، و«تحبير المختصر» (٣/ ١٢٣، ١٢٤).
[ ١٦ / ٥٧٢ ]
طَّلقتَنِي فلكَ عليَّ ألفٌ» فقالَ: «طلَّقتُكِ» .. وقَعَ الطَّلاقُ بائِنًا واستَحقَّ الألفَ عليها؛ لأنَّ الطَّلاقَ لا يَحتاجُ إلى استِدعائِها ورِضاها بهِ، ولهذا لو طلَّقَها بنَفسِه .. صَحَّ، وإنَّما الَّذي يحتاجُ إليهِ مِنها هو التِزامُها للمالِ وقد وُجدَ الالتِزامُ مِنها، ويُعتبَرُ أنْ يكونَ جوابُهُ على الفَورِ؛ لأنه مُعاوَضةٌ مَحضةٌ مِنْ جِهتها، فاقتَضى الجوابَ على الفَورِ.
وأمَّا (المُعلَّقُ): فمِثلُ أنْ يُعلِّقَ الطَّلاقَ على ضَمانٍ مالٍ أو إعطاءِ مالٍ، فيُنظرُ فيهِ:
فإنْ بدَأَ الزَّوجُ بصيغةِ تَعليقٍ في الإثباتِ ك: مَتى، أو مَتى ما -بزِيادةِ ما للتَّأكيدِ-، أو أيَّ حِينٍ، أو زَمانٍ، أو وَقتٍ أَعطيتِني كذا فأنتِ طالِقٌ» فتَعليقٌ مَحضٌ مِنْ جانِبِه، ولا نظَرَ فيهِ إلى شُبهةِ المُعاوَضةِ؛ لأنه مِنْ صَرائحِ ألفاظِ التَّعليقِ، فيَقعُ الطَّلاقُ عندَ تَحقُّقِ الصِّفةِ كسائرِ التَّعليقاتِ، وحِينئذٍ فلا رُجوعَ لهُ قبلَ الإعطاءِ كالتَّعليقِ الخالي عن العِوضِ في نحوِ: «إنْ دخلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ».
ولا يُشترطُ فيه القَبولُ لَفظًا؛ لأنَّ الصِّيغةَ لا تَقتضِيه، ولا الإعطاءُ فورًا في المَجلسِ، فمتى وُجدَ الإعطاءُ طَلُقَتْ وإنْ زادَتْ على ما ذكَرَه؛ لدَلالةِ اللَّفظِ على الزَّمانِ وعُمومِه في سائرِ الأوقاتِ، ولو قيَّدَ في هذهِ بزَمانٍ أو مَكانٍ تعيَّنَ، وخرَجَ بالإثباتِ ما إذا بدَأَ بصيغةِ تَعليقٍ بمَتَى ونحوِها في النَّفي كقَولِه: «مَتى لم تُعطِني كذا فأنتِ طالِقٌ» فهو للفَورِ؛ لأنَّ «متَى» ونحوَها في النَّفي تَقتضي الفَورَ، وبالزَّوجِ المَرأةَ فإنها لو قالَتْ: «مَتى طلَّقتَنِي فلَكَ عَليَّ
[ ١٦ / ٥٧٣ ]
ألفٌ» اختصَّ الجَوابُ بمَجلسِ التَّواجبِ، وفرَّقَ الغَزاليُّ بينَهُما بأنَّ الغالِبَ على جانِبِه التَّعليقُ وعلى جانبِها المُعاوَضةُ.
وإنْ قالَ: «إنْ -بكَسرِ الهَمزةِ-، أو إذا أعطَيتني كذا فأنتِ طالِقٌ» فكذلكَ، أي: فتَعليقٌ لا رُجوعَ لهُ فيهِ قبْلَ الإعطاءِ، ولا يُشتَرطُ القَبولُ لفظًا ولا الإعطاءُ في المَجلسِ؛ لأنهما مِنْ حُروفِ التَّعليقِ ك «متى»، وخرَجَ ب «إنَّ» المَكسورةِ المَفتوحةُ؛ فإنَّ بها يَقعُ الطَّلاقُ في الحالِ بائِنًا؛ لأنها للتَّعليلِ … لكنْ يُشترطُ في التَّعليقِ المَذكورِ إعطاءٌ على الفَورِ في مَجلسِ التَّواجبِ؛ لأنه قَضيةُ العِوضِ في المُعاوَضاتِ، وإنَّما تُركَتْ هذه القَضيةُ في «مَتى» ونحوِها؛ لأنها صَريحةٌ في جَوازِ التَّأخيرِ، معَ كَونِ المُغلَّبِ في ذلكَ مِنْ جِهةِ الزَّوجِ معنَى التَّعليقِ، بخلافِ جانِبِ الزَّوجةِ.
وإنْ بدأَتِ الزَّوجةُ بطلَبِ طَلاقٍ -سَواءٌ أكانَ على جِهةِ التَّعليقِ نحوُ: «إنْ، أو مَتى»، أو لم يَكنْ على جهتِهِ ك: «طلِّقْني على كذا» - فأجابَ الزَّوجُ قولَها فورًا فمُعاوَضةٌ مِنْ جانِبِها؛ لأنها تَملكُ البُضعَ بما تَبذلُه مِنْ العِوضِ فيها شَوبُ جَعالةٍ؛ لأنها تَبذلُ المالَ في مُقابلةِ ما يَستقلُّ بهِ الزَّوجُ وهو الطَّلاقُ، فإذا أتَى بهِ وقَعَ المَوقعَ وحصَلَ غرَضُها كالعامِلِ في الجَعالةِ، فلها الرُّجوعُ قبْلَ جَوابهِ؛ لأنَّ هذا حُكمُ المُعاوضاتِ والجَعالاتِ جَميعًا، ويُشترطُ فَورٌ لجَوابِه في مَحلِّ التَّواجبِ في الصِّيغِ السَّابقةِ المُقتضيةِ فَورًا وغيرِها كالتَّعليقِ ب «متى» تَغليبًا للمُعاوَضةِ مِنْ جانبِها، بخِلافِ جانبِ
[ ١٦ / ٥٧٤ ]
الزَّوجِ، فإنْ طلَّقَ مُتراخيًا كانَ مُبتدِئًا لا يَستحقُّ عِوضًا ويقَعُ الطَّلاقُ حينئذٍ رَجعيًّا، نعَمْ لو صرَّحتْ بالتَّراخي لم يُشترطِ الفَورُ.
ولا يُشترطُ تَطابقُ الإيجابِ والقَبولِ هُنا، فلو قالَتْ: «طلِّقْني بألفٍ» فطلَّقَها بخَمسِمائةٍ وقَعَ بها على الصَّحيحِ؛ لأنه سامَحَ ببَعضِ ما طلبَتْ أنْ يُطلِّقَها عليهِ، ولو طلبَتْ مِنْ الزَّوجِ ثلاثًا يَملكُها عليها بألفٍ فطلَّقَ طلقَةً بثُلثِه فواحِدةٌ تقَعُ بثُلثِه؛ تَغليبًا لشَوبِ الجَعالةِ، كما لو قالَ: «إنْ رَددْتَ عَبيدِي الثَّلاثَ فلَكَ ألفٌ» فرَدَّ واحِدًا استَحقَّ ثُلثَ الألفِ، ولو طلَّقَ طَلقتَينِ استَحقَّ ثُلثَي الألفِ (^١).
وذهَبَ الحَنابلةُ في المذهَبِ إلى أنَّ الخُلعَ لا يَصحُّ تَعليقُه على شَرطٍ كالبَيعِ، فلو قالَ لزَوجتِه: «إنْ بذلْتِ لي كذا فقدْ خالَعتُكِ» لم يَصحَّ الخُلعُ ولو بذلَتْ له ما سمَّاهُ كسائرِ المُعاوَضاتِ اللَّازمةِ.
وإنْ قالَتْ: «اجعَلْ أمرِي في يَدي وأعطُيكَ عَبدي هذا» ففعَلَ -أي جعَلَ أمْرَها بيَدها- وقبَضَ العَبدَ ملَكَه؛ لأنه وفَّاها ما جعَلَه لها في نَظيرِه، ولهُ التَّصرفُّ في العَبدِ ولو قبْلَ اختِيارِها نفْسَها كسائرِ أملاكِهِ، ومتى شاءَتْ تَختارُ لجَعلِه ذلكَ لها ما لم يطَأْ أو يَرجعْ فلا اختيارَ لها؛ لانعِزالِها بذلكَ،
_________________
(١) «المهذب» (٢/ ٧٢، ٧٣)، و«البيان» (١٠/ ١٩، ٢٣)، و«روضة الطالبين» (٥/ ٢٦٦، ٢٦٩)، و«النجم الوهاج» (٧/ ٤٥٠، ٤٥٥)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٤٤٠، ٤٤٢)، و«تحفة المحتاج» (٩/ ٢٦٦، ٢٧٣)، و«الديباج» (٣/ ٣٨٢، ٣٨٥).
[ ١٦ / ٥٧٥ ]
فإنْ رجَعَ عن جَعْلِ أمرِها في يَدها فلَها أنْ تَرجعَ عليهِ بالعِوضِ الَّذي بَذلَتْه في مُقابَلةِ ذلكَ، عَبدًا كانَ أو غيرَه؛ لأنه لم يُسلِّمْ لها ما يُقابِلُه.
ولو قالَ الزَّوجُ لزَوجتِه: «إذا جاءَ رأسُ الشَّهرِ فأمرُكِ بيَدكِ» ملَكَ إبطالَ هذهِ الصِّفةِ؛ لأنه وَكالةٌ وهي جائِزةٌ، وليسَتْ مِنْ تَعليقِ الطَّلاقِ في شيءٍ، إلَّا أنْ يَنويَ به الطَّلاقَ.
قالَ الإمامُ أحمَدُ: ولو جعَلَتْ لهُ ألفَ دِرهمٍ على أنْ يخيِّرَها فخيَّرَها فاختارَتِ الزَّوجَ لا يَردُّ الزَّوجُ شيئًا مِنْ الألفِ؛ لأنه فعَلَ ما جاعَلَتْه عليهِ فاستقرَّتْ لهُ.
وإنْ قالَتْ: «طلِّقْني بدينارٍ» فطلَّقَها ثمَّ ارتدَّتْ عن الإسلامِ لَزمَها الدِّينارُ بالطَّلاقِ، ووقَعَ الطَّلاقُ بائِنًا؛ لأنه على عِوضٍ، ولا تؤثِّرُ الرِّدةُ فيهِ؛ لتأخُّرِها عنهُ، فإنْ طلَّقَها بعدَ ردَّتِها وقبْلَ دُخولِه بها بانَتْ بالرِّدةِ ولم يَقعِ الطَّلاقُ؛ لأنَّ البائنَ لا يَلحقُها طلاقٌ، وإنْ كانَ طلَّقَها بعْدَ ردَّتِها وبعدَ الدُّخولِ بها وُقفَ الأمرُ على انقضاءِ العدَّةِ، فإنْ أقامَتْ على ردَّتِها حتَّى انقضَتْ عدَّتُها تبيَّنَّا عدمَ وُقوعِ الطَّلاقِ، لأنها لم تَكنْ بزَوجةً حينَ طلَّقَها، وإنْ أسلَمَتْ في العدَّةِ وقَعَ الطَّلاقُ؛ لأنا تبيَّنا أنها كانَتْ زَوجةً حِينَه (^١).
_________________
(١) «كشاف القناع» (٥/ ٢٤٧، ٢٤٨)، و«الفروع» (٥/ ٢٧١)، و«منار السبيل» (٣/ ٧٣) وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀ في «الكافي» (٣/ ١٤٦، ١٤٧): ويَصحُّ الخُلعُ منجَّزًا بلفظِ المعاوَضةِ؛ لِما فيهِ مِنْ المُعاوَضةِ، ومعلَّقًا على شرطٍ؛ لِما فيه مِنْ الطَّلاقِ، فأمَّا المنجَّزُ بلفظِ المعاوَضةِ فهو أنْ يُوقِعَ الفُرقةَ بعوضٍ فيقولَ: «خلعتُكِ بألفٍ، أو طلَّقتُكِ بألفٍ، =
[ ١٦ / ٥٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أو أنتِ طالقٌ بألفٍ» فتقولَ: «قبلْتُ»، كما يقولُ: «بعتُكِ هذا الثَّوبَ بألفٍ» فتقولُ: «قبلْتُ»، هذا قولُ القاضِي، وقياسُ قولِ أحمدَ أنه يقعُ الطَّلاقُ رجعيًّا ولا شيءَ له؛ لأنه أوقَعَ الطَّلاقَ الَّذي يَملكُه ولم يُعلقْه بشرطٍ وجعَلَ عليها عِوضًا لم تَبذلُه ولم ترْضَ به فلم يَلزمْها، فأمَّا المعاوَضةُ الصحيحةُ فمِثلُ أنْ تقولَ المَرأةُ: «اخلَعنِي بألفٍ، أو طلِّقْني بألفٍ، أو على ألفٍ، أو وعليَّ ألفٌ» فيقولَ: «طلَّقتُكِ»، كما تقولُ: «بِعْني هذا الثَّوبَ بألفٍ» فيقولَ: «بعتُكِ»، ولا يحتاجُ إلى ذكرِ إعادةِ الألفِ في الجوابِ؛ لأنَّ الإطلاقَ يرجعُ إليه كما يرجعُ في البيعِ، ولا يَصحُّ الجوابُ في هذا إلَّا على الفَورِ، ويجوزُ للرَّجلِ الرُّجوعُ في الإيجابِ قبلَ القَبولِ، وللمرأةِ الرُّجوعُ في السُّؤالِ قبلَ الجوابِ، كما يَجوزُ في البيعِ، وأمَّا المعلَّقُ فيجوزُ أنْ يعلِّقَ الطلاقَ على دفعِ مالٍ أو ضمانِه فيقولَ: «إنْ أعطيتِني ألفًا، أو إذا أعطَيتِني ألفًا، أو متى أعطَيتِني ألفًا، أو متى ضَمنْتِ لي ألفًا فأنتِ طالقٌ» فمَتى ضمنَتْها له أو أعطَتْه ألفًا طَلُقَتْ، سَواءٌ كانَ على الفورِ أو التَّراخي؛ لأنه تعليقٌ للطَّلاقِ على شرطٍ، فوقعَ بوُجودِ الشَّرطِ كما لو عَرِيَ عن ذكرِ العوضِ، ويكفِي في العَطيةِ أنْ يُحضرَ المالَ ويأذنَ في قبضِه، أخَذَ أو لم يأخُذْ؛ لأنَّ اسمَ العطيَّةِ يقَعُ عليه، يقالُ: «أعطَيتُه فلم يأخُذْ»، فإنْ أعطَتْه بعضَ الألفِ لم تَطلُقْ؛ لأنه لم يُوجدِ الشَّرطُ، وإنْ قالَتْ: «طلِّقْني بألفٍ» فقالَ: «أنتِ طالقٌ بألفٍ إنْ شئْتِ» لم تَطلُقْ حتَّى تشاءَ؛ لأنه علَّقَ على المَشيئةِ فلم يقعْ إلَّا بها، وسواءٌ شاءَتْ على الفَورِ أو التَّراخي، نصَّ عليه؛ لأنه جعَلَ المشيئةَ شَرطًا، فأشبَهَ تعليقَه على دُخولِ الدَّارِ. فصلٌ: فإذا قالَ: «أنتِ طالقٌ وعَليكِ ألفٌ» طَلُقَتْ رَجعيةً ولا شيءَ له؛ لأنه لم يَجعلِ الألفَ عِوضًا للطَّلقةِ ولا شَرطًا فيها، إنَّما عطَفَه على الطَّلاقِ الَّذي يَملكُ إيقاعَه، فوقَعَ ما يَملكُه دُونَ ما لا يَملكُه، وإنْ قالَ: «أنتِ طالقٌ على ألفٍ، أو على أنَّ عَليكِ ألفًا»؛ فعنْ أحمدَ فيها مثلُ ذلكَ؛ لأنَّ «على» ليسَتْ حرْفَ شَرطٍ ولا مُقابلَه، لهذا لا يصحُّ أنْ تقولَ: «بعتُكَ ثَوبي على ألفٍ»، وقالَ القاضِي: لا يَقعُ الطَّلاقُ بها حتَّى تَقبلَ ذلكَ؛
[ ١٦ / ٥٧٧ ]