ذَكَرَ العُلماءُ أنَّ هناكَ نوعًا مِنْ النِّساءِ إذا أَوقعَ الرَّجلُ عليهنَّ الطلاقَّ فإنَّ هذا الطَّلاقَ لا يُوصَفُ بأنهُ سُنِّيٌّ ولا بأنَّه بِدعيٌّ، وإنَّما هوَ مباحٌ، وبيانُهُ فيما يلي:
_________________
(١) رواه الشافعي في «مسنده» ص (١٩٣).
(٢) رواه مسلم (١٧١٨).
(٣) «بداية المجتهد» (٢/ ٤٨، ٤٩).
[ ١٧ / ٨١ ]
أ - طلاقُ الصَّغيرةِ.
ب - طلاقُ غيرِ المدخولِ بها.
ت - طلاقُ الآيِسةِ.
ث - طلاقُ الحاملِ.
وقد نصَّ فقهاءُ المَذاهبِ الأربعةِ على الصَّحيحِ عندَهُم أنَّ الصَّغيرةَ والآيِسةَ وغيْرَ المدخُولِ بها وكذَا الحامِلُ على الصَّحيحِ ليسَ الطلاقُ في حقِّهنَّ سُنيًّا ولا بِدعيًّا، وكذا المختَلِعةُ عِنْدَ الشَّافعيةِ.
قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأَجمعَ العلماءُ أنَّ طلاقَ السنَّةُ إنَّما هوَ في المَدخولِ بها، وأمَّا غيرُ المَدخُولِ بها فليسَ في طلاقِها سنَّةٌ ولا بدعةٌ، وإنَّ أمْرَ اللهِ ﷿ ومُرادَ رسولِهِ ﷺ في الطَّلاقِ للعدَّةِ هوَ طلاقُ المَدخولِ بها مِنْ النِّساءِ، فأمَّا غيرُ المَدخولِ بها فلا عِدَّةَ عليهنَّ، ولا سنَّةَ ولا بِدعةَ في طلاقِهنَّ، قالَ اللهُ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ الآية، ويطلِّقُ غيْرَ المَدخولِ بها زوجُها في كلِّ وقتٍ متَى شاءَ (^١).
وقالَ أيضًا: وأمَّا الحامِلُ فلا خِلافَ بيْنَ العُلماءِ أنَّ طلاقَها لِلسنَّةِ مِنْ أوَّلِ الحمْلِ إلى آخرِهِ؛ لأنَّ عدَّتَها أنْ تضَعَ ما في بطْنِها، وكذلكَ ثبَتَ عنِ
_________________
(١) «التمهيد» (١٥/ ٧٢، ٧٣).
[ ١٧ / ٨٢ ]
النَّبيِّ ﷺ في حديثِ ابنِ عُمرَ أنَّهُ أمَرَه أنْ يُطلِّقَها طاهِرًا أو حامِلًا، ولم يَخصَّ أوَّلَ الحمْلِ مِنْ آخرِه (^١).
وقالَ القاضِي عبدُ الوهابِ ﵀: اليائِسةُ والصَّغيرةُ المدخولُ بهمَا يُطلِّقُهما أيَّ وقتٍ شاءَ، وقالَ زفرُ: إذا دخَلَ بهما فلا يُطلِّقهما حتَّى يفصِلَ بيْنَ الجِماعِ والطَّلاقِ بشَهرٍ، فدليلُنا قولُهُ تعالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، وقولُهُ ﷺ في حديثِ ابنِ عُمرَ: «لِيُطلِّقْها طاهِرًا مِنْ غَيرِ جِماعٍ، أو حامِلًا قد استَبانَ حَمْلُها»، فأباحَ طلاقَ الحامِلِ لِظُهورِ الحمْلِ، وذلكَ يَقتَضي أنَّهُ إذا جامَعَها وحمْلُها ظاهِرٌ فلهُ أنْ يُطلِّقَها عَقيبَ الجِماعِ واحدةً، لا يفصلُ بيْنَ الحامِلِ والحائِلِ في ذلكَ، ونَقيسُ عَليها فنَقولُ: لأنَّها ممَّن تَعتدُّ عَقيبَ الجماعِ وتُعرفُ عدَّتُها، فجازَ طلاقُها في تلكَ الحالِ كالحائِلِ، ولأنَّهُ فصْلٌ لا يُستفادُ بهِ السَّلامةُ مِنْ طلاقٍ في طُهرٍ جُومِعَ فيهِ، أو لا يُستفادُ منهُ معرفةُ جنْسِ العدَّةِ، فلَم يحتَجْ إليهِ، أصلُه ما زادَ على الشَّهرِ (^٢).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وأمَّا في الحامِلِ إذا استَبانَ حمْلُها فالأَحسَنُ أنْ يُطلِّقَها واحِدةً رجعيَّةً وإنْ كانَ قدْ جامَعَها وطلَّقَها عَقِيبَ الجِماعِ؛ لأنَّ الكراهَةَ في ذواتِ القُرْءِ لاحتِمالِ النَّدامةِ، لا لاحتِمالِ الحبَلِ، فمتَى طلَّقَها معَ علْمِه بالحبَلِ فالظَّاهرُ أنهُ لا يَندمُ، وكذلكَ في ذواتِ الشَّهرِ
_________________
(١) «التمهيد» (١٥/ ٨٠).
(٢) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٤١٣، ٤١٤) رقم (١٢٣٣).
[ ١٧ / ٨٣ ]
مِنَ الآيِسةِ والصَّغيرةِ الأَحسنُ أنْ يُطلِّقَها واحِدةً رجعيَّةً وإنْ كانَ عَقيبَ طُهرٍ جامَعَها فيهِ، وهذا قولُ أصحابِنا الثلاثةِ، وقالَ زفرُ: يفصلُ بينَ طلاقِ الآيسةِ والصَّغيرةِ وبيْنَ جِماعِهما بشَهرٍ.
وجهُ قولِهِ: أنَّ الشَّهرَ في حقِّ الآيسةِ والصَّغيرةِ أُقيمَ مَقامَ الحيضةِ فيمَن تَحيضُ، ثمَّ يفصلُ في طَلاقِ السنَّةِ بيْنَ الوَطءِ وبيْنَ الطَّلاقِ بحَيضةٍ فيمَن تَحيضُ، فكذَا يفصلُ بينَهُما فيمَن لا تَحيضُ بشَهرٍ كما يفصلُ بينَ التَّطليقتَينِ.
ولنا: أنَّ كراهَةَ الطَّلاقِ في الطُّهرِ الَّذي وُجِدَ الجِماعُ فيهِ في ذواتِ الأقْراءِ؛ لاحتِمالِ أنْ تَحبلَ بالجِماعِ فيندمَ، وهذا المَعنَى لا يُوجدُ في الآيسةِ والصَّغيرةِ وإنْ وُجدَ الجِماعُ، ولأنَّ الإِياسَ والصِّغَرَ في الدَّلالةِ على براءَةِ الرَّحمِ فوقَ الحيضةِ في ذواتِ الأقْراءِ، فلمَّا جازَ الإيقاعُ ثمَّةَ عَقيبَ الحَيضةِ فلَأَنْ يجوزَ هُنا عَقيبَ الجِماعِ أَولى (^١).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: وأمَّا الَّتي لا سُنَّةَ في طلاقِها ولا بدعةَ فخَمْسٌ: الصَّغيرةُ والمُؤَيَّسَةُ والحامِلُ وغيرُ المدخولِ بها والمُختَلِعةُ.
أمَّا الصَّغيرةُ والمُؤَيَّسَةُ؛ فلاعتِدادِهِما بالشُّهورِ الَّتي لا تَختَلفُ بحَيضٍ ولا طُهرٍ.
وأمَّا غيرُ المدخولِ بهَا؛ فلِأنَّهُ لا عِدَّةَ عليها فيؤثِّر فيها حَيضٌ أو طُهرٌ.
_________________
(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ٨٨، ٨٩)، و«الجوهرة النيرة» (٤/ ٣٩٠، ٣٩٧).
[ ١٧ / ٨٤ ]
وأمَّا المُختلِعَةُ؛ فلِأَنَّ خَوفَهما مِنْ أنْ لا يُقيمَا حدودَ اللهِ يَقتضِي تَعجيلَ الطَّلاقِ مِنْ غَيرِ اعتِبارِ سنَّةٍ ولا بدعَةٍ (^١).
وقالَ العَمْرانِيُّ ﵀: فإنْ كانَتْ صَغيرةً أو آيِسةً وأرادَ أنْ يُطلِّقَها .. فالمُستحَبُّ أنْ يُطلِّقَها في كلِّ شهرٍ طَلقةً؛ لأنَّ كلَّ شهرٍ بدلٌ عن قُرءٍ في حقِّها.
وإنْ كانَتْ حامِلًا .. فقدْ قالَ بعضُ أصحابِنا: يُطلِّقُها كلَّ شهرٍ طلقةً.
وقالَ أبو عَليِّ السّنجيُّ: يُطلِّقُها على الحمْلِ واحدةً، فإذا طَهرَتْ مِنْ النِّفاسِ .. طلَّقَها ثانيةً، ثمَّ إذا طهُرَتْ مِنْ الحَيضِ بعدَ النِّفاسِ .. طلَّقَها الثالِثةَ.
وأرادَ أبو عليٍّ: إذا استَرجَعَها قبْلَ وضْعِ الحمْلِ (^٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: أَجمعَ العلماءُ أنَّ طلاقَ السنَّةِ إنَّما هوَ للمَدخولِ بها، أمَّا غيرُ المَدخولِ بها فليسَ لِطلاقِها سنَّةٌ ولا بدعَةٌ، إلَّا في عَددِ الطَّلاقِ على اختِلافٍ بينَهُم فيهِ؛ وذلكَ لأنَّ الطَّلاقَ في حقِّ المَدخولِ بها إذا كانَتْ مِنْ ذَواتِ الأَقراءِ إنَّما كانَ لهُ سنَّةٌ وبدعةٌ؛ لأنَّ العدَّةَ تَطولُ عليهَا بالطَّلاقِ في الحَيضِ، وتَرتابُ بالطَّلاقِ في الطُّهرِ الَّذي جامَعَها فيهِ، ويَنتَفي عنها الأمْرانِ بالطَّلاقِ في الطُّهرِ الَّذي لم يُجامِعْها فيهِ،
_________________
(١) «الحاوي الكبير» (١٠/ ١١٥).
(٢) «البيان» (١٠/ ٨٠)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٤٩٨).
[ ١٧ / ٨٥ ]
أمَّا غيرُ المَدخولِ بها فلا عدَّةَ عليهَا تَنفي تَطويلَها أو الارتيابَ فيهَا، وكذلكَ ذواتُ الأشهُرِ كالصَّغيرةِ الَّتي لم تَحِضْ والآيِساتِ مِنْ المَحيضِ لا سنَّةَ لِطلاقِهنَّ ولا بدعةَ؛ لأنَّ العدَّةَ لا تَطولُ بطلاقِها في حالٍ، ولا تَحمِلُ فتَرتابُ، وكذلكَ الحامِلُ الَّتي استَبانَ حمْلُها، فهؤلاءِ كلُّهنَّ ليسَ لِطلاقِهنَّ سنَّةٌ ولا بدعَةٌ مِنْ جهةِ الوقتِ في قَولِ أصحابِنا، وهوَ مذهَبُ الشَّافعيِّ وكثيرٍ مِنْ أهلِ العِلمِ (^١).
_________________
(١) «المغني» (٧/ ٢٨٥، ٢٨٦)، و«المبدع» (٧/ ٢٦٣).
[ ١٧ / ٨٦ ]