الطَّلاقُ البدعِيُّ لهُ صُورتانِ:
الصُّورةُ الأُولَى: أنْ يُطلِّقَها وهيَ حائِضٌ أو نُفَساءُ.
الصُّورَةُ الثَّانيةُ: أنْ يُطلِّقَها في طُهرٍ جامَعَها فيهِ.
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ طلاقَ المَرأةِ المَدخولِ بها في الحَيضِ أو في النِّفاسِ أو في الطُّهرِ الَّذي جامَعَها فيهِ قبْلَ أنْ يَتبيَّنَ حَملُها حَرامٌ، ويُسمَّى طلاقَ البدعَةِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ [الطلاق: ١]. أمَرَ اللَّهُ ﷾ الرِّجالَ إذا أرادُوا تَطليقَ نسائِهم أنْ يُطلِّقُوهنَّ طاهِراتٍ مِنْ غَيرِ جِماعٍ، وأنْ يُطلِّقوهنَّ في حالِ استقبالِ عدَّتِهنَّ، ولا يُتَصوَّرُ ذلكَ إلَّا بعْدَ الطُّهرِ مِنْ الدَّمِ، سواءٌ في الحَيضِ أو في النِّفاسِ، ومَن خالفَ ذلكَ فليسَ بمُتَّقٍ للَّهِ (^١).
وعَن نافِعٍ عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ ﵄ أنَّهُ طلَّقَ امرأتَهُ وهيَ حائِضٌ على عهْدِ رَسولِ اللهِ ﷺ فسألَ عُمرُ بنُ الخَطَّابِ رَسولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذلكَ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «مُرْهُ فلْيُراجِعْها ثمَّ لِيُمْسِكْها حتَّى تَطهُرَ ثمَّ تَحيضَ ثمَّ تَطهُرَ، ثمَّ إنْ شاءَ أمْسَكَ بعْدُ وإنْ شاءَ طلَّقَ قبْلَ أنْ يَمَسَّ، فتلكَ العدَّةُ الَّتي أمَرَ اللهُ أنْ تُطلَّقَ لها النِّساءُ» (^٢).
_________________
(١) «أحكام القرآن» لابن العربي (٤/ ٢٤٩)، و«مطالب أولي النهى» (٥/ ٣٣١).
(٢) رواه البخاري (٤٩٥٣)، ومسلم (١٤٧١).
[ ١٧ / ٤٨ ]
وفي روايةِ سالِمٌ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ ﵄ أخبَرَه أنَّهُ طلَّقَ امرأتَهُ وهيَ حائِضٌ، فذَكرَ عمَرُ لرَسولِ اللهِ ﷺ فتَغيَّظَ فيهِ رَسولُ اللهِ ﷺ ثمَّ قالَ: «لِيُراجِعْها ثمَّ يُمسِكْها حتَّى تَطهُرَ ثمَّ تَحيضَ فتَطهُرَ، فإنْ بدَا لهُ أنْ يُطلِّقَها فلْيُطلِّقْها طاهِرًا قبْلَ أنْ يمَسَّهَا، فتلكَ العدَّةُ كما أمَرَه اللهُ» (^١).
وإنَّما تَغيَّظَ عليهِ ﷺ مِنْ فِعلِ مُحرَّمٍ (^٢).
وقدْ نقَلَ عَددٌ كَبيرٌ مِنَ العُلماءِ الإجماعَ على حُرمةِ الطَّلاقِ في الحَيضِ أو في الطُّهرِ الَّذي جامَعَها فيهِ.
قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: طَلاقُ البِدعةِ في حَيضٍ أو في طُهرٍ مُجامَعٍ فيهِ، فهو مَحظورٌ مُحرَّمٌ بوِفاقٍ (^٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: لا خِلافَ بيْنَ أحَدٍ مِنْ أهلِ العِلمِ قاطِبةً -وفي جُملتِهم جَميعُ المُخالِفينَ لنا في ذلكَ- في أنَّ الطَّلاقَ في الحَيضِ أو في طُهرٍ جامَعَها فيهِ بِدعةٌ نهَى عنها رَسولُ اللهِ ﷺ (^٤).
وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: وأمَّا المَحظورُ فالطَّلاقُ في الحَيضِ أو في طُهرٍ جامَعَها فيهِ، أجمَعَ العُلماءُ في جَميعِ الأمصارِ وكُلِّ الأعصارِ على
_________________
(١) رواه البخاري (٤٦٢٥)، ومسلم (١٤٧١).
(٢) «طرح التثريب» (٧/ ٨٢).
(٣) «الحاوي الكبير» (١٠/ ١١٥).
(٤) «المحلى» (١٠/ ١٦٤).
[ ١٧ / ٤٩ ]
تَحريمِهِ، ويُسمَّى طَلاقَ البدعةِ؛ لأنَّ المُطلِّقَ خالَفَ السُّنةَ وترَكَ أمْرَ اللهِ تعالَى ورَسولِه (^١).
وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبَيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ الطَّلاقَ في الحَيضِ لمَدخولٍ بها والطُّهرِ المُجامَعِ فيهِ مُحرَّمٌ، إلَّا أنَّه يقَعُ (^٢).
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ عَلى أنَّ الطَّلاقَ في الحَيضِ مَكروهٌ لِمَنْ أوقَعَه، وأنَّ مَنْ فعَلَه لَم يُطلِّقْ للعدَّةِ الَّتي أمَرَ اللهُ تعالَى، والدَّليلُ على ذلكَ مِنْ أخبارِ الآحادِ العُدولِ تَغيُّظُ رَسولِ اللهِ ﷺ على ابنِ عُمرَ حِينَ فعَلَ ذلكَ (^٣).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: وحصَلَ الإجمَاعُ عَلى أنَّ الطَّلاقَ في الحَيضِ مَمنُوعٌ، وفي الطُّهرِ مأذُونٌ فيهِ (^٤).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: أجمَعَتِ الأمَّةُ على تَحريمِ طلاقِ الحائِضِ الحائِلِ بغَيرِ رِضاها، فلَو طَلَّقَها أَثِمَ ووقَعَ طلاقُهُ، ويُؤمَرُ بالرَّجعَةِ؛ لحَديثِ ابنِ عُمرَ (^٥).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيمِيةَ ﵀: الطَّلاقُ في الحَيضِ مُحرَّمٌ
_________________
(١) «المغني» (٧/ ٢٧٧).
(٢) «الإفصاح» (٢/ ١٦٧)، و«جواهر العقود» (٢/ ١٠٣).
(٣) «الاستذكار» (٦/ ١٤٦).
(٤) «تفسير القرطبي» (١٨/ ١٥٣).
(٥) «شرح صحيح مسلم» (١٠/ ٦٠).
[ ١٧ / ٥٠ ]
بالكتابِ والسُّنةِ والإجماعِ، فإنَّهُ لا يُعلَمُ في تَحريمِه نِزاعٌ، وهوَ طلاقُ بِدعةٍ (^١).
وقالَ أيضًا: فإنْ طَلَّقَها وهيَ حائِضٌ أو وطَأَها وطلَّقَها بعْدَ الوَطءِ قبْلَ أنْ يَتبيَّنَ حَمْلُها فهذا طلاقٌ مُحرَّمٌ بالكتابِ والسُّنةِ وإجماعِ المُسلِمينَ، وتَنازَعَ العُلماءُ هَلْ يَلزمُ أولا يَلزمُ؟ على قَولينِ: والأظهَرُ أنَّه لا يَلزمُ (^٢).
وقالَ الكمالُ ابنُ الهُمامِ ﵀: وإذَا طلَّقَ الرَّجلُ امرَأتَه في حالِ الحَيضِ وقَعَ الطَّلاقُ … ثمَّ بهذا الإيقاعِ عاصٍ بإجمَاعِ الفُقهاءِ (^٣).
وعامَّةُ العُلماءِ على أنَّ حُكمَ النُّفساءِ حُكمُ الحائِضِ في هذا، وأنَّهُ مُحرَّمٌ بِدعيٌّ.
قالَ الإمامُ ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ ﵀: لا خِلافَ بيْنَ الأُمَّةِ في أنَّ حُكمَ النُّفساءِ في هذا حُكمُ الحائِضِ (^٤).
وقالَ الإمامانِ ابنُ حَجَرٍ والرَّملِيُّ: ويَحرُمُ البِدعيُّ، وهوَ طَلاقُها في حَيضٍ أو نِفاسٍ، مَمسُوسةً -أي: مَوطُوءَةٍ- وقَد عَلِمَ ذلكَ إجماعًا (^٥).
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٧٥، ٧٦).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٧٢).
(٣) «شرح فتح القدير» (٣/ ٤٨٠).
(٤) «عارضة الأحوذي» (٥/ ٣٦).
(٥) «تحفة المحتاج» (٩/ ٤٦٢، ٤٦٣)، و«نهاية المحتاج» (٧/ ٣)
[ ١٧ / ٥١ ]