اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعةِ على أنَّ اللَّفظَ الصَّريحَ -وهو اللَّفظُ الَّذي لا يُستعمَلُ إلَّا في حَلِّ قَيدِ النِّكاحِ- لا يَحتاجُ لوُقوعِه نيَّةً، فيَقعُ بهِ الطَّلاقُ مِنْ غَيرِ نيَّةٍ؛ إذ النِّيةُ عمَلُها في تَعيينِ المُبهَمِ، ولا إبهامَ فيهَ، وقالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، شرَعَ الطَّلاقَ مِنْ غيرِ شرطِ النِّيةِ، وقالَ ﷾: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ مُطلقًا، وقالَ ﷾: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، حكَمَ ﷾ بزَوالِ الحِلِّ مُطلقًا عَنْ شَرطِ النِّيةِ.
ولأنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ ﵄ لمَّا طلَّقَ امرَأتُه في حالِ الحَيضِ أمَرَهُ رَسولُ اللهُ ﷺ أنْ يُراجِعَها ولَم يَسألْه هل نَوَى الطَّلاقَ أم لم يَنوِ، ولو كانَتِ النِّيةُ شرَطًا لَسألَهُ، ولا مُراجَعةَ إلَّا بعْدَ وُقوعِ الطَّلاقِ، فدَلَّ على وُقوعِ الطَّلاقِ مِنْ غَيرِ نيَّةٍ.
ولأنَّ ما يُعتبَرُ لهُ القَولُ يُكتفَى فيه بهِ مِنْ غَيرِ نيَّةِ إذا كانَ صَريحًا فيهِ كالبيعِ.
_________________
(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٤٢٥، ٤٢٦) رقم (١٢٤١).
[ ١٧ / ٤٣٥ ]
ولأنَّ سائرَ الصَّرائحِ لا تَفتقِرُ إلى نيَّةٍ، فكذا صَريحُ الطَّلاقِ.
ولأنَّ الفُرقةَ تقَعُ بالفَسخِ تارَةً وبالطَّلاقِ أُخرَى، فلمَّا لَم يَفتقِرِ الفَسخُ إلى النِّيةِ لم يَفتقِرِ الطَّلاقُ إليها.
ولأنَّه لمَّا لَم يَفتقِرْ صَريحُ العِتقِ إلى النِّيةِ لم يَفتقِرْ صَريحُ الطَّلاق إلى النِّيةِ.
ولأنهُ قَدْ افتَرقَ في الطَّلاقِ حُكمُ الصَّريحِ والكِنايةِ، فلوِ افتَقرَ الصَّريحُ إلى النِّيةِ لَصارَ جَميعُه كِنايةً، وإذا كانَ كذلكَ فقَدْ وقَعَ الطَّلاقُ معَ عَدمِ النِّيةِ ظاهِرًا وباطِنًا.
وعلى هذا لو قالَ لها: «أنتِ طالِقٌ» ثمَّ قالَ: «أردْتُ أنَّها طالِقٌ مِنْ وَثاقٍ» لم يُصدَّقْ في القَضاءِ؛ لأنَّ ظاهِرَ هذا الكَلامِ الطَّلاقُ عَنْ قَيدِ النِّكاحِ، فلا يُصدِّقُه القاضِي في صَرفِ الكلامِ عَنْ ظاهِرِه، وكذا لا يسَعُ للمَرأةِ أنْ تُصدِّقَه؛ لأنَّه خِلافُ الظَّاهِرِ، ويُصدَّقُ فيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ تعالَى؛ لأنهُ نَوَى ما يَحتَمِلُه كَلامُه في الجُملةِ، واللهُ تعالَى مُطَّلعٌ على قَلبِه.
وإنْ تَلفَّظَ بهِ وقالَ: «سبَقَ لسانِي ولم أُرِدْه» لَم يُقبَلْ منهُ في القَضاءِ؛ لأنهُ يَدَّعِي خِلافَ الظَّاهِرِ، ويُديَّنُ فيما بيْنَه وبيْنَ اللهِ تعالَى؛ لأنهُ يَحتمِلُ ما يدَّعيهِ (^١).
_________________
(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٠١)، و«شرح السنة» للبغوي (٩/ ٢١٢)، و«المهذب» (٢/ ٨١)، و«الحاوي الكبير» (١٠/ ١٥٠)، و«البيان» (١٠/ ٨٨، ٩٦)، و«المغني» (٧/ ٢٩٤).
[ ١٧ / ٤٣٦ ]
وقد حكَى غَيرُ واحِدٍ مِنَ العُلماءِ الاتِّفاقَ على وُقوعِ الطَّلاقِ بغَيرِ نيَّةٍ.
قالَ الإمامُ القرافِيُّ ﵀: أجمَعُوا على أنَّ صَريحَ الطَّلاقِ لا يَفتقِرُ إلى نيَّةٍ (^١).
وقالَ الإمامُ بَدرُ الدِّينِ العينيُّ ﵀: ولا يَفتقِرُ إلى النِّيةِ؛ لأنهُ صَريحٌ فيهِ لغَلبةِ الاستِعمالِ على الطَّلاقِ … وهذا بإجماعِ الفُقهاءِ.
وقالَ داودُ: يَفتقِرُ الصَّريحُ إلى النِّيةِ؛ لاحتِمالِ غَيرِ الطَّلاقِ.
قلتُ: هذا الاحتِمالُ مَرجُوحٌ، فلا يُعتبَرُ نفْيُ الاستِعمالِ في الطَّلاقِ والنَّية في تَعيينِ المُبهَمِ ولا إبهامَ فيهِ (^٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ الهُمامِ ﵀: وأمَّا كَونُه لا يَفتقِرُ إلى النِّيةِ فنُقِلَ فيهِ إجماعُ الفُقهاءِ، إلَّا داودَ فإنهُ لا يَمنَعُ أنْ يُرادَ بهِ الطَّلاقُ مِنْ غَيرِ قَيدِ النِّكاحِ، قُلنا: هذا احتِمالٌ يَعزُبُ إخطارُه عِنْدَ خِطابِ المَرأةِ بهِ عَنْ النَّفسِ فلا عِبرةَ بهِ، فصارَ اللَّفظُ بمَنزلةِ المَعنَى، وحَديثُ ابنِ عُمَرَ حيثُ أمَرَه بالمُراجَعةِ ولَم يَسألْه أَنَوى أم لا؟ يَدلُّ على ذلكَ، فإنَّ ترْكَ الاستِفصالِ في وَقائعِ الأحوالِ كالعُمومِ في المَقالِ، ولا يَخفَى أنَّ قَرائِنَ إرادةِ الإيقاعِ قائمةٌ فيما فعَلَ ابنُ عمَرَ مِنَ الاعتِزالِ والتَّركِ لها حتَّى فُهمَ ذلكَ منهُ، ودَلالةُ إطلاقِ قَولِه تعالَى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ ونَحوِه على اعتِبارِ عَدمِ النِّيةِ أبعَدُ، ثمَّ قَولُنا: «لا يَتوقَّفُ
_________________
(١) «الذخيرة» (٤/ ٥٨).
(٢) «البناية شرح الهداية» (٥/ ٣٠٦).
[ ١٧ / ٤٣٧ ]
على النِّيةِ» مَعناهُ إذا لم يَنوِ شيئًا أصلًا يَقعُ، لا أنهُ يقَعُ وإنْ نَوَى شيئًا آخَرَ؛ لِمَا ذكرَ أنهُ إذا نَوَى الطَّلاقَ عَنْ وَثاقٍ صُدِّقَ دِيانةً لا قضاءً، وكذا عَنِ العَملِ في رِوايةٍ كما سَيذكرُ، ولا بُدَّ مِنَ القَصدِ بالخِطابِ بلَفظِ الطَّلاقِ عالِمًا بمَعناهُ (^١).
وقالَ الإمامُ ابنُ نُجيمٍ ﵀: عَدمُ تَوقُّفِه على النِّيةِ، ونقلَ فيهِ إجماع الفُقهاءِ (^٢).
وقالَ صَدرُ الشَّريعةِ ﵀: صَريحُ الطَّلاقِ لا يَحتاجُ إلى نيَّةِ الطَّلاقِ بإجماعِ العُلماءِ إلَّا داودَ (^٣).
وقالَ الخَطيبُ الشّربينيُّ ﵀: الطَّلاقُ ضَربانِ فقطْ: صَريحٌ: وهوَ ما لا يَحتمِلُ ظاهِرُه غيرَ الطَّلاقِ، فلا يَحتاجُ إلى نيَّةٍ لإيقاعِ الطَّلاقِ، فلو قالَ: «لم أنوِ بهِ الطَّلاقَ» لم يُقبَلْ، وحَكَى الخطَّابيُّ فيهِ الإجماعَ (^٤).
وقالَ الإمامُ الخَطَّابيُّ ﵀: اتَّفقَ عامَّةُ أهلِ العِلمِ على أنَّ صَريحَ لَفظِ الطَّلاقِ إذا جَرَى على لِسانِ البالِغِ العاقِلِ فإنهُ مُؤاخَذٌ بهِ، ولا يَنفعُهُ أنْ يَقولَ: كُنْتُ لاعِبًا أو هازِلًا أو لم أنوِ بهِ طلاقًا أو ما أشبَهَ ذلكَ مِنَ الأمورِ.
_________________
(١) «شرح فتح القدير» (٤/ ٤).
(٢) «البحر الرائق» (٣/ ٢٧٦).
(٣) «مختصر الوقاية» (١/ ٣٨٧).
(٤) «الإقناع» (٢/ ٤٣٧)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٤٥٥).
[ ١٧ / ٤٣٨ ]
واحتَجَّ بَعضُ العُلماءِ في ذلكَ بقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١]، وقالَ: لو أطلَقَ للنَّاسِ ذلكَ لَتَعطَّلتِ الأحكامُ ولم يَشأْ مُطلِّقٌ أو ناكِحٌ أو مُعتِقٌ أنْ يَقولَ: «كُنْتُ في قَولي هازِلًا»، فيكونُ في ذلكَ إبطالُ أحكامِ اللهِ ﷾، وذلكَ غَيرُ جائزٍ، فكُلُّ مَنْ تَكلَّمَ بشيءٍ ممَّا جاءَ ذِكْرُه في هذا الحَديثِ لَزمَه حُكمُه، ولَم يُقبَلْ منهُ أنْ يَدَّعيَ خِلافَه، وذلكَ تأكيدٌ لأمرِ الفُروجِ واحتِياطٌ لهٌ، واللهُ أعلَمُ (^١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قَدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وإذا أتَى بصَريحِ الطَّلاقِ لَزمَه، نَواهُ أو لم يَنوِهِ).
قد ذَكَرْنا أنَّ صَريحَ الطَّلاقِ لا يَحتاجُ إلى نيَّةٍ، بلْ يَقعُ مِنْ غَيرِ قصدٍ، ولا خِلافَ في ذلكَ، ولأنَّ ما يُعتبَرُ لهُ القولُ يكتَفى فيهِ بهِ مِنْ غيرِ نيَّةٍ إذا كانَ صَريحًا فيهِ كالبَيعِ، وسَواءٌ قصَدَ المَزحَ أو الجِدَّ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «ثلاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ وهَزلُهنَّ جِدٌّ: النِّكاحُ والطَّلاقُ والرَّجعةُ» رَواهُ أبو داودَ والتِّرمذيُّ وقالَ: حَديثٌ حسَنٌ.
قالَ ابنُ المُنذِرِ: أجمَعَ كلُّ مَنْ أحفَظُ عنهُ مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ جِدَّ الطَّلاقِ وهَزْلَه سواءٌ، رُويَ هذا عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ وابنِ مَسعُودٍ، ونحوُه عَنْ عَطاءٍ وعُبيدةَ، وبهِ قالَ الشَّافعيُّ وأبو عُبيدٍ، قالَ أبو عُبيدٍ: وهوَ قولُ سَفيانَ وأهلِ العِراقِ، فأمَّا لفظُ الفِراقِ والسَّراحِ فيَنبنِي على الخِلافِ فيهِ،
_________________
(١) «معالم السنن» (٣/ ٢٤٣).
[ ١٧ / ٤٣٩ ]
فمَن جعَلَه صَريحًا أوقَعَ بهِ الطَّلاقَ مِنْ غَيرِ نيَّةٍ، ومَن لَم يَجعَلْه صَريحًا لَم يُوقِعْ بهِ الطَّلاقَ حتَّى يَنويَهُ، ويكونُ بمَنزلةِ الكِناياتِ الخفيَّةِ (^١).
وقالَ الإمامُ الماوَرديٌّ ﵀: اعلَمْ أنهُ لا يَخلُو حالُ مَنْ تَلفَّظَ بصَريحِ الطَّلاقِ مِنْ أربعةِ أقسامٍ:
أحدُها: أنْ يَقصِدَ اللَّفظَ ويَنويَ الفُرقةَ، فيَقعُ بهِ الطَّلاقُ إجماعًا إذا كانَ المُتلفِّظُ مِنْ أهلِ الطَّلاقِ.
والقِسمُ الثَّاني: أنْ يَقصِدَ اللَّفظَ ولا يَنوِي الفُرقةَ، فيَقعُ بهِ الطَّلاقُ؛ لأنَّ الصَّريحَ لا يَفتقِرُ إلى نيَّةٍ، وهوَ قولُ جُمهورِ الفُقهاءِ، وقالَ داودُ: لا يَقعُ بهِ الطَّلاقُ إلَّا مع النِّيةِّ استِدلالًا بقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «وإنَّما لكلِّ امرِئٍ ما نَوَى»، وهذا خَطأٌ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «ثلاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ وهَزلُهنَّ جِدٌّ: النِّكاحُ والطَّلاقُ والعِتاقُ»، ولأنَّ الفُرقةَ تقَعُ بالفَسخِ تارةً وبالطَّلاقِ أُخرَى، فلمَّا لم يَفتقِرِ الفسخُ إلى النِّيةِ لَم يَفتقرِ الطَّلاقُ إليها، ولأنه لمَّا لَم يَفتقِرْ صَريحُ العِتقِ إلى النِّيةِ لَم يَفتقِرْ صَريحُ الطَّلاقِ إلى النِّيةِ، ولأنه قدِ افتَرقَ في الطَّلاقِ حُكمُ الصَّريحِ والكِنايةِ، فلوِ افتَقرَ الصَّريحُ إلى النِّيةِ لَصارَ جَميعُه كِنايةً، وإذا كانَ كذلكَ فقَدْ وَقعَ الطَّلاقُ معَ عدمِ النِّيةِ ظاهِرًا وباطِنًا … (^٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ مُفلِحٍ ﵀: فمَتى أتَى بصَريحِ الطَّلاقِ وقَعَ، نَواهُ أو
_________________
(١) «المغني» (٧/ ٣٠٣)، ويُنظر: «منار السبيل» (٣/ ٩٤).
(٢) «الحاوي الكبير» (١٠/ ١٥٣، ١٥٤).
[ ١٧ / ٤٤٠ ]
لم يَنوِه، بغَيرِ خِلافٍ، ذكَرَه في «الشَّرحِ»؛ لأنَّ سائِرَ الصَّرائحِ لا تَفتقِرُ إلى نيَّةٍ، فكذا صَريحُ الطَّلاقِ، سواءٌ كانَ ذلكَ جادًّا أو هازِلًا، حكاهُ ابنُ المُنذرِ إجماع مَنْ يَحفظُ عنهُ (^١).