اختَلفَ الفُقهاءُ في عدَّةِ المُختلِعةِ، هل هي كعدَّةِ المطلَّقةِ ثلاثةُ قَروءٍ؟ أم عدَّتُها حَيضةٌ واحِدةٌ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالكيَّةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ عدَّةَ المُختلِعةِ كعدَّةِ المطلَّقةِ؛ فإنْ كانَتْ ممَّن تَحيضُ فعدَّتُها ثلاثةُ قُروءٍ، وإنْ كانَتْ مِنْ اليائِساتِ فثلاثةُ أشهُرٍ، وكذا كلُّ فُرقةٍ بينَ زوجَينِ فعدَّتُها عدَّةُ الطَّلاقِ، سواءٌ كانَتْ بخُلعٍ أو لِعانٍ أو رَضاعٍ أو فَسخٍ بعَيبٍ أو إعسارٍ أو إعتاقٍ أو اختِلافِ دِينٍ أو غيرِه في قَولِ أكثَرِ أهلِ العِلمِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ولأنها فُرقةٌ بعدَ الدُّخولِ في الحَياةِ فكانَتْ ثلاثةَ قُروءٍ كغيرِ الخُلعِ (^٢).
_________________
(١) «المغني» (٧/ ٢٥٢).
(٢) «شرح فتح القدير» (٤/ ٣٠٧)، و«الموطأ» (٢/ ٥٦٥)، و«التمهيد» (٢٣/ ٣٧٣، ٣٧٧)، و«الاستذكار» (٦/ ٧٣، ٧٥)، و«تفسير القرطبي» (٣/ ١٤٤، ١٤٥)، و«شرح الزرقاني» (٣/ ٢٤٠)، و«اختلاف العلماء» (١/ ١٥٨)، و«النجم الوهاج» (٨/ ١٢٥).
[ ١٦ / ٥٨٠ ]
قالَ الإمامُ التِّرمذيُّ ﵀: واختَلفَ أهلُ العلمِ في عدَّةِ المُختلِعةِ؛ فقالَ أكثَرُ أهلِ العلمِ مِنْ أصحابِ النَّبيِّ ﷺ وغيرِهم: إنَّ عدَّةَ المُختلِعةِ عدَّةُ المُطلَّقةِ ثلاثُ حِيَضٍ، وهو قولُ سُفيانَ الثَّوريِّ وأهلِ الكُوفةِ، وبهِ يقولُ أحمَدُ وإسحاقُ، قالَ بعضُ أهلِ العلمِ مِنْ أصحابِ النَّبيِّ ﷺ وغيرِهم: إنَّ عدَّةَ المُختلِعةِ حَيضةٌ، قالَ إسحاقُ: وإنْ ذهَبَ ذاهِبٌ إلى هذا فهو مذهَبٌ قَويٌّ (^١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأكثَرُ أهلِ العِلمِ يقولونَ: عدَّةُ المُختلِعةِ عدَّةُ المُطلَّقةِ، منهُم سَعيدُ بنُ المُسيبِ وسالِمُ بنُ عبدِ اللهِ وعُروةُ وسُليمانُ بنُ يَسارٍ وعُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ والحسَنُ والشَّعبيُّ والنَّخَعيُّ والزُّهريُّ وقَتادةُ وخلاسُ بنُ عَمرٍو وأبو عِياضٍ ومالِكٌ واللَّيثُ والأوزاعيُّ والشَّافعيُّ (^٢).
وذهَبَ الإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ -وهو مَرويٌّ عَنْ عُثمانَ بنِ عفانَ وابنِ عُمرَ وابنِ عبَّاسٍ وأبانَ بنِ عُثمانَ- وإسحاقُ وابنُ المُنذرِ وابنُ تَيميةَ وابنُ القيِّمِ إلى أنَّ عِدَّةَ المُختلِعةِ حَيضةٌ؛ لِمَا رَوى ابنُ عبَّاسٍ ﵄ «أنَّ امرأةَ
_________________
(١) «سنن الترمذي» (٣/ ٤٩١).
(٢) «المغني» (٨/ ٧٩).
[ ١٦ / ٥٨١ ]
ثابِتِ بن قَيسٍ اختلَعَتْ منه فجعَلَ النَّبيُّ ﷺ عِدَّتَها حَيضةً» (^١).
وعَن محمَّدِ بنِ عَبدِ الرَّحمنِ أنَّ الرُّبيِّعَ بنتَ مُعَوِّذِ بنِ عَفراءَ أخبَرَتْه «أنَّ ثابتَ بنِ قَيسِ بنِ شمَّاسٍ ضرَبَ امرَأتَه فكسَرَ يدَها وهي جميلةُ بنتِ عبدِ اللهِ بنِ أبيٍّ، فأتَى أخوها يَشتكيهِ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ، فأرسَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ إلى ثابتٍ فقالَ له: خُذْ الَّذي لها عليكَ وخَلِّ سَبيلَها، قالَ: نعم، فأمَرَها رسولُ اللهِ ﷺ أنْ تترَبَّصَ حيضةً واحِدةً فتَلحقَ بأهلِها» (^٢).
وعن سُليمانَ بنِ يَسارٍ عنِ الرُّبيِّعِ بنتِ مُعوِّذِ بنِ عَفراءَ «أنها اختلَعَتْ على عهدِ النَّبيِّ ﷺ فأمَرَهَا النَّبيُّ ﷺ أو أُمِرَتْ- أنْ تَعتدَّ بحَيضةٍ» (^٣).
وعن عُبادةَ بنِ الوَليدِ بنِ عُبادةَ بنِ الصَّامتِ عنْ رُبيِّعَ بنتِ مُعوِّذٍ قالَ: قُلتُ لها: حَدِّثِيني حَديثَكِ، قالَتْ: «اختلَعْتُ مِنْ زَوجي ثمَّ جِئتُ عُثمانَ فَسألتُه: ماذا عليَّ مِنْ العِدَّةِ؟ فقالَ: لا عدَّةَ عليكِ إلَّا أنْ تكُوني حديثةَ عَهدٍ بهِ فتَمكُثي حتَّى تَحيضي حَيضةً، قالَ: وأنا مُتَّبعٌ في ذلكَ قضاءَ رَسولِ اللهِ
_________________
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٢٢٩)، والترمذي (١١٨٥).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه النسائي (٣٤٩٧).
(٣) رواه الترمذي (١١٨٥) وقالَ: وفي البابِ عنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ أبو عِيسى: حَديثُ الرُّبيِّعِ الصَّحيحُ أنها أُمرَتْ أنْ تَعتدَّ بحيضةٍ.
[ ١٦ / ٥٨٢ ]
ﷺ في مَريمَ المَغالِيَّةِ، كانَتْ تَحتَ ثابتِ بنِ قَيسِ بنِ شمَّاسٍ فاختَلعَتْ منه» (^١).
وعن مالِكٍ عن نافِعٍ عنِ ابنِ عُمرَ قالَ: «عِدَّةُ المُختلِعةِ حَيضةٌ» (^٢).
قالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: وقدِ اختَلفَ النَّاسُ في عِدَّةِ المُختلِعةِ؛ فذهَبَ إسحاقُ وأحمدُ في أصَحِّ الرِّوايتَينِ عنه دَليلًا أنها تَعتدُّ بحَيضةٍ واحِدةٍ، وهو مَذهبُ عُثمانَ بنِ عفَّانَ وعبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ، وقد حكَى إجماعَ الصَّحابةِ ولا يُعلمُ لهُما مُخالِفٌ، وقد دلَّتْ عليهِ سنَّةُ رَسولِ اللهِ ﷺ الصَّحيحةُ دَلالةً صَريحةً، وعُذرُ مَنْ خالَفَها أنها لم تَبلُغْه أو لم تَصحَّ عندَه أو ظَنَّ الإجماعَ على خِلافِ مُوجبِها، وهذا القَولُ هو الرَّاجحُ في الأثَرِ والنَّظرِ، أمَّا رُجحانُه أثَرًا فإنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يأمُرِ المختلِعةَ قَطُّ أنْ تَعتدَّ بثلاثِ حِيَضٍ، بل قد رَوى أهلُ السُّننِ عنهُ مِنْ حديثِ الرُّبيِّعِ بنتِ مُعوِّذٍ «أنَّ ثابتَ بنَ قَيسٍ ضرَبَ امرأتَه فكسَرَ يَدَها وهي جَميلةُ بنتُ عبدِ اللهِ ابنِ أُبيٍّ، فأتى أخوها يَشتكي إلى رَسولِ اللهِ ﷺ، فأرسَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ إلى ثابِتٍ فقالَ: خُذِ الَّذي لها عليكَ وخَلِّ سَبيلَها، قالَ: نعَمْ، فأمَرَها رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ تَتربَّصَ حَيضةً واحِدةً وتَلحقَ بأهلِها»،
_________________
(١) حَسَنٌ صَحِيحٌ: رواه النسائي (٣٤٩٨).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٢٣٠).
[ ١٦ / ٥٨٣ ]
وذكَرَ أبو داوُدَ والنَّسائيُّ مِنْ حَديثِ ابن عبَّاسٍ «أنَّ امرأةَ ثابتِ بنِ قَيسٍ اختَلعَتْ مِنْ زَوجِها فأمَرَها النَّبيُّ ﷺ أو أُمرَتْ أنْ تَعتدَّ بحَيضةٍ»، قالَ التِّرمذيُّ: الصَّحيحُ أنها أُمرَتْ أنْ تَعتدَّ بحَيضةٍ، وهذهِ الأحادِيثُ لها طُرقٌ يُصدِّقُ بعضُها بَعضًا، وأُعِلَّ الحَديثُ بعلَّتَينِ: إحداهُما: إرسالُه، والثَّانيةُ: أنَّ الصَّحيحَ فيهِ «أُمرَتْ» بحَذفِ الفاعِلِ، والعلَّتانِ غيرُ مؤثِّرتَينِ، فإنه قد رُويَ مِنْ وُجوهٍ متَّصِلةٍ، ولا تَعارضَ بيْنَ «أُمرَتْ» و«أمَرَها رَسولُ اللهِ ﷺ»؛ إذْ مِنْ المُحالِ أنْ يكونَ الآمِرُ لها بذلكَ غيرَ رَسولِ اللهِ ﷺ في حَياتِه، وإذا كانَ الحَديثُ قد رُويَ بلَفظٍ مُحتمَلٍ ولَفظٍ صَريحٍ يُفسِّرُ المُحتمَلَ ويبيِّنُه، فكيفَ يُجعلُ المُحتمَلُ معارِضًا للمُفسِّرِ بل مُقدَّمًا عليه؟! ثمَّ يَكفي في ذلكَ فَتاوَى أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ، قالَ أبو جَعفرٍ النحَّاسُ في كِتابِ النَّاسخِ والمَنسوخِ: هو إجماعٌ مِنْ الصَّحابةِ.
وأمَّا اقتِضاءُ النَّظرِ لهُ: فإنَّ المُختلِعةَ لم تبْقَ لزَوجِها عليها عدَّةٌ، وقَد ملكَتْ نفْسَها وصارَتْ أحَقَّ ببُضعِها، فلها أنْ تتزوَّجَ بعْدَ بَراءةِ رَحمِها، فصارَتِ العدَّةُ في حقِّها بمُجرَّدِ بَراءةِ الرَّحمِ، وقَد رَأيْنا الشَّريعةَ جاءَتْ في هذا النَّوعِ بحَيضةٍ واحِدةٍ كما جاءَتْ بذلكَ في المَسبيَّةِ والمَملوكةِ بعَقدِ مُعاوَضةٍ أو تَبرعٍ والمُهاجِرةِ مِنْ دارِ الحَربِ، ولا رَيبَ أنها جاءَتْ بثَلاثةِ أقراءٍ في الرَّجعيةِ.
[ ١٦ / ٥٨٤ ]
والمُختلِعةُ فَرعٌ مُتردِّدٌ بيْنَ هذَينِ الأصلَينِ، فيَنبغي إلحاقُها بأشبَهِهما بها، فنَظرْنا فإذا هي بذَواتِ الحَيضةِ أشبَهُ.