اختَلفَ الفُقهاءُ في الرَّجلِ إذا طلَّقَ زَوجتَه وهيَ حائِضٌ أو وهيَ نُفساءُ أو في طُهرٍ جامَعَها فيهِ، هَلْ يقَعُ الطَّلاقُ أم لا؟ بعْدَ إجماعِهِم على أنَّه حرَامٌ.
فذهَبَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ وغَيرُهم -بلْ حُكِيَ فيهِ الإجماعُ- إلَى أنَّ الرَّجلَ إذا طلَّقَ امرأتَهُ في الحَيضِ أو النِّفاسِ أو في الطُّهرِ الَّذي جامَعَها فيهِ حَرُمَ عليهِ ووقَعَ الطَّلاقُ، واستَدلُّوا عَلى ذلكَ بِما يَلي:
١ - عَنْ نافِعٍ عَنْ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ ﵄ أنَّهُ طلَّقَ امرأتَهُ وهِيَ حائِضٌ على عهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فسَألَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ رَسولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذلكَ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «مُرْهُ فلْيُراجِعْها ثمَّ لِيُمْسِكْها حتَّى تَطهُرَ ثمَّ تَحيضَ ثمَّ تَطهُرَ، ثمَّ إنْ شاءَ أمسَكَ بعْدُ وإنْ شاءَ طلَّقَ قبْلَ أنْ يَمَسَّ، فتلكَ العدَّةُ الَّتي أمَرَ اللهُ أنْ تُطلَّقَ لها النِّساءُ» (^٢).
_________________
(١) «تحفة المحتاج» (٩/ ٤٦٣، ٤٦٤)، ويُنظَر: «شرح مختصر خليل» (٤/ ٢٩)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٤٢)، و«تحبير المختصر» (٣/ ١٣٣)، و«جامع الأمهات» ص (٢٩٢)، و«النجم الوهاج» (٧/ ٥٥٠)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٤٩٨).
(٢) رواه البخاري (٤٩٥٣)، ومسلم (١٤٧١).
[ ١٧ / ٥٩ ]
وجهُ الدَّلالةِ مِنَ الحَديثِ: أمَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ ابنَ عُمرَ بمُراجَعةِ امرأتِهِ إذْ طَلَّقَها حائِضًا، والمُراجَعةُ لا تكونُ إلَّا بعْدَ لُزومِ الطَّلاقِ، ولَو لَم يكنِ الطَّلاقُ في الحَيضِ واقِعًا ولا لازِمًا ما قالَ لهُ: «رَاجِعْها»؛ لأنَّ مَنْ لَم يُطلِّقْ ولَم يقَعْ عليها طَلاقٌ لا يُقالُ فيهِ: «رَاجِعْها»؛ لأنَّهُ مُحالٌ أنْ يُقالَ لرَجلٍ امرَأتُه في عِصمتِه لَم يُفارِقْها: «رَاجِعْها»، ألَا تَرَى إلى قَولِ اللهِ ﷿ في المُطلِّقاتِ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ يَعني في العدَّةِ، وهَذا لا يَستَقيمُ أنْ يُقالَ مِثلُه في الزَّوجاتِ غَيرِ المُطلَّقاتِ (^١).
ولأنَّه لو لَم يكنِ الطَّلاقُ واقِعًا لَمَا احتاجَ إلى الرَّجعَةِ وكانَتْ لا تَصِحُّ رَجعَتُه؛ لأنَّه لا يَجوزُ أنْ يُقالَ: «راجَعَ امرأتَهُ» ولَم يُطلِّقْها؛ إذْ كانَتِ الرَّجعةُ لا تكونُ إلَّا بعْدَ الطَّلاقِ (^٢).
٢ - وقَد عَنْوَنَ الإمامُ البُخارِيُّ في صَحيحِه (بَاب إذا طُلِّقَتِ الحائِضُ يُعتدُّ بذلكَ الطَّلاقِ)
٤٩٥٤: حدَّثَنا سُليمانُ بنُ حَربٍ حدَّثَنا شُعبةُ عَنْ أنسِ بنِ سيرينَ قالَ: سَمعْتُ ابنَ عُمرَ قالَ: «طَلَّقَ ابنُ عُمَرَ امرأتَهُ وهيَ حائِضٌ، فذَكَرَ عُمرُ للنَّبيِّ ﷺ فقالَ: لِيُراجِعْها، قُلتُ: تُحتسَبُ؟ قالَ: فَمَهْ».
وعنْ قتادةَ عَنْ يُونسَ بنِ جُبيرٍ عنِ ابنِ عُمرَ قالَ: «مُرْهُ فلْيُراجِعْها قُلتُ: تُحتسَبُ؟ قالَ: أَرأيتَ إنْ عَجَزَ وَاستَحمَقَ».
_________________
(١) «التمهيد» (١٥/ ٥٨، ٥٩)، و«شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٧/ ٣٨٤).
(٢) «أحكام القرآن» (٢/ ٨٦، ٨٧).
[ ١٧ / ٦٠ ]
وقالَ أبو مَعْمرٍ حدَّثَنا عبدُ الوارِثِ حدَّثَنا أيُّوبُ عنْ سَعيدِ بنِ جُبيرٍ عنِ ابنِ عُمرَ قالَ: «حُسِبَتْ علَيَّ بتَطليقَةٍ» (^١).
٣ - وفي لَفظٍ لمُسلمٍ: عَنْ أنسِ بنِ سيرينَ قالَ: سألتُ ابنَ عُمرَ عنِ امرأتِهِ الَّتي طلَّقَ، فقالَ: طَلَّقتُها وهيَ حائضٌ، فذُكِرَ ذلكَ لعُمرَ فذكَرَه للنَّبيِّ ﷺ فقالَ: «مُرْهُ فلْيُراجِعْها، فإذا طَهُرَتْ فلْيُطلِّقْها لِطُهرِها، قالَ: فراجَعْتُها ثُمَّ طلَّقْتُها لطُهرِها، قُلتُ: فاعْتَدَدْتَ بتلكَ التَّطليقَةِ الَّتي طلَّقْتَ وهيَ حائضٌ؟ قالَ: ما لِي لا أَعتدُّ بها وإنْ كُنْتُ عَجَزتُ واستَحمَقْتُ» (^٢).
وجهُ الدَّلالةِ مِنْ هذا أنَّ ابنَ عُمرَ صاحِبَ القصَّةِ لمَّا سُئلَ عنِ الطَّلاقِ في الحَيضِ وهَل النَّبيُّ ﷺ حَسَبَها عليكَ تَطليقَةً قالَ: «نعَمْ»، فدَلَّ ذلكَ على وُقوعِ الطَّلاقِ في الحَيضِ معَ حُرمَتِه.
٤ - ولأنَّ كلَّ حالٍ تَصحُّ الزَّوجيَّةُ فيها يَصحُّ إيقاعُ الطَّلاقِ فيها كالطُّهرِ، ولأنَّهُ إزالةُ مِلكٍ مَبنيٍّ على التَّغليظِ والسِّرايةِ، فليسَ يَختصُّ بزمانٍ دُونَ زَمانٍ كالعتقِ (^٣).
قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: الطَّلاقُ يقَعُ في الحَيضِ عِنْدَ جَماعَةِ العُلماءِ، وإنْ كانَ عِنْدَهُمْ مَكروهًا غيْرَ سُنَّةٍ، ولا يُخالِفُ الجَماعةَ في ذلكَ
_________________
(١) رواه البخاري (٤٩٥٤).
(٢) رواه مسلم (١٤٧١).
(٣) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ٣٩٩).
[ ١٧ / ٦١ ]
إلَّا طائِفةٌ مِنْ أهلِ البدَعِ لا يُعتدُّ بخِلافِها، فقَالُوا: «لا يقَعُ الطَّلاقُ في الحَيضِ ولا في طُهرٍ قد جامَعَ فيهِ»، وهَذا قَولُ أهلِ الظَّاهرِ، وهوَ شُذوذٌ لَم يُعرِّجْ عليهِ العُلماءُ؛ لأنَّ ابنَ عُمرَ الَّذي عرضَتْ لهُ القِصةُ احتَسبَ بتلكَ التَّطليقةِ وأفتَى بذلكَ.
وفي أمْرِ رَسولِ اللهِ ﷺ ابنَ عُمرَ بمُراجَعتِها دَليلٌ بيِّنٌ على أنَّ الطَّلاقَ في الحَيضِ لازِمٌ واقِعٌ؛ لأنَّ المُراجَعةَ لا تكونُ إلَّا بعْدَ صحَّةِ الطَّلاقِ ولُزومِه؛ لأنَّه مَنْ لَم يُطلِّقْ لا يُقالُ لهُ: «راجِعْ»؛ لأنَّه مُحالٌ أنْ يُقالَ لرَجلٍ زَوجَتُه في عِصمتِه لَم يُفارِقْها: «راجِعْها»، بلْ كانَ يُقالُ لهُ: «طَلاقُكَ لَم يَعملْ شَيئًا»، أَلَا تَرَى قولَ اللهِ تعالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، يَعني في العدَّةِ، وهذا لا يَستقِيمُ أنْ يُقالَ مِثلُه في الزَّوجاتِ غَيرِ المُطلَّقاتِ.
قالَ المُهلَّبُ: وقولُه: «أَرأيتَ إنْ عَجزَ واستَحمَقَ»، يَعني: أَرأيتَ إنْ عَجزَ في المُراجعَةِ الَّتي أُمِرَ بها عَنْ إيقاعِ الطَّلاقِ، «واستَحمَقَ» أي: فقَدَ عقْلَه فلم تمكنْ مِنهُ الرَّجعَة، أَتبقَى مُعلَّقةً لا ذاتَ زَوجٍ ولا مُطلَّقةً؟! وقَد نهَى اللهُ عَنْ ترْكِ المرأةِ بهذهِ الحالِ، فلا بُدَّ أنْ يَحتَسبَ بتلكَ التَّطليقةِ الَّتي أَوقَعَها على غَيرِ وَجهِها، كما أنَّه لَو عجَزَ عَنْ فرْضٍ آخَرَ للهِ تعالَى فلَم يُقِمْهُ واستَحمَقَ فلمْ يَأتِ بهِ أَكانَ يُعذَرُ بذلكَ وسقَطَ عَنهُ؟! وهذا إنكارٌ على مَنْ شَكَّ أنَّهُ لَم يَعتَدَّ بتلكَ التَّطليقَةِ، وقَد رَوَى قتادَةُ عَنْ يُونسَ بنِ جُبيرٍ: قُلتُ
[ ١٧ / ٦٢ ]
لابنِ عُمرَ: أَجعَلَ ذلكَ طلاقًا؟ قالَ: «إنْ كانَ ابنُ عمُرَ عجَزَ واستَحمَقَ فما يَمنَعُه أنْ يكونَ طَلاقًا؟»، وقولُه: «فَمَهْ؟» استِفهامٌ، كأنَّهُ قالَ: فما يكونُ إنْ لَم يَحتَسبْ بتلكَ التَّطليقةِ؟ (^١).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: ودَليلُنا ما رَواهُ الشَّافعيُّ عَنْ مالكٍ عَنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمرَ: «أنَّهُ طلَّقَ امرأتَهُ وهيَ حائِضٌ في عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ، فسَألَ عُمرُ بنُ الخَطَّابِ رَسولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذلكَ فقالَ: «مُرْهُ فلْيُراجِعْها ثمَّ يُمسِكْها حتَّى تَطهُرَ ثمَّ تَحيضَ ثمَّ تَطهُرَ، ثمَّ إنْ شاءَ أَمسكَ بعْدُ وإنْ شاءَ طلَّقَ قبْلَ أنْ يَمَسَّ، فتلكَ العدَّةُ الَّتي أمَرَ اللهُ تعالَى أنْ يُطلَّقَ لها النِّساءُ» (^٢)، فمَوضِعُ الدَّليلِ منهُ أنَّ أمْرَهُ بالرَّجعَةِ مُوجِبٌ لِوُقوعِ الطَّلاقِ؛ لأنَّ الرَّجعةَ لا تكونُ إلَّا بعْدَ الطَّلاقِ.
فإنْ قِيلَ: أمْرُهُ بالرَّجعةِ إنَّما هو أمْرٌ برَدِّها إليهِ.
قُلنا: هذا تأويلٌ فاسِدٌ مِنْ وُجوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الرَّجعةَ بعْدَ ذكْرِ الطَّلاقِ تَنصرِفُ إلى رَجعةِ الطَّلاقِ.
والثَّاني: أنَّه ما ذكَرَ إخراجَها فيُؤمَرُ برَدِّها، وإنَّما ذكَرَ الطَّلاقَ فكانَ مُنصرِفًا إلى رَجعتِها.
والثَّالثُ: أنَّ المُسلِمينَ جعَلُوا طَلاقَ ابنِ عُمرَ هذا أصلًا في طلاقِ
_________________
(١) «شرح صحيح البخاري» (٧/ ٣٨٤، ٣٨٥)، ويُنظَر: «فتح الباري» (٩/ ٣٥١، ٣٥٣).
(٢) حديثٌ صَحِيحٌ: وقد تقدم.
[ ١٧ / ٦٣ ]
الرَّجعةِ وحُكمِ العِدَّةِ ووُقُوعِ الطَّلاقِ في الحَيضِ، ولَم يَتأوَّلُوا هذا التَّأويلَ، فبطَلَ بالإجماعِ.
ورَوى الحسَنُ عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ عُمرَ قالَ: «طلَّقْتُ امرَأتِي وهِي حائِضٌ طلقَةً وأرَدتُ أنْ أُتبِعَها طَلقتَينِ، فسَألْتُ النَّبيَّ ﷺ عَنْ ذلكَ فقالَ: راجِعْها، قُلتُ: أَرأيتَ لَو طَلَّقتُها ثلاثًا؟ قالَ: كُنْتَ قَدْ أَبَنْتَ زَوجتَكَ وعَصَيتَ رَبَّكَ» (^١)، وهذا نَصٌّ في وُقوعِ الطَّلاقِ في الحَيضِ لا يَتوجَّهُ عليه ذلكَ التَّأويلُ المَعلُولُ.
ومِنَ القِياسِ أنَّه طلاقُ مُكلَّفٍ صادَفَ مِلكًا، فوجَبَ أنْ يَنعقِدَ كالطَّاهِرِ، ولأنَّ رفْعَ الطَّلاقِ تَخفيفٌ ووُقوعَهُ تَغليظٌ؛ لأنَّ طَلاقَ المجنُونِ لا يقَعُ تَخفيفًا، وطَلاق السَّكرانِ يقَعُ تَغليظًا؛ لأنَّ المجنُونَ ليسَ بعاصٍ، والسَّكران عاصٍ، فكانَ المُطلِّقُ في الحَيضِ أَولَى بوُقوعِ الطَّلاقِ تَغليظًا مِنْ رَفْعِه عنهُ تَخفيفًا، ولأنَّ النَّهيَ إذا كانَ لمَعنًى ولا يَعودُ إلى المَنهيِّ عنهُ لَم يكنِ النَّهيُ مُوجِبًا لفَسادِ ما نُهِيَ عنهُ، كالنَّهيِ عنِ البَيعِ عندَ نِداءِ الجمُعَةِ لا يُوجِبُ فَسادَ البَيعِ (^٢).
وقَد نقَلَ عَددٌ كَبيرٌ مِنَ العُلماءِ الإجماعَ على حُرمةِ الطَّلاقِ في الحَيضِ أو في الطُّهرِ الَّذي جامَعَها فيهِ.
_________________
(١) منكر: رواه الدارقطني (٣٩٧٤)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٤٧١٦).
(٢) «الحاوي الكبير» (١٠/ ١١٥، ١١٦).
[ ١٧ / ٦٤ ]
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: طلَّقَ ابنُ عُمرَ امرأتَهُ حائِضًا فاحتَسَبَ بالتَّطليقةِ.
وممَّنْ مَذهبُه أنَّ الحائِضَ يقَعُ بهَا الطَّلاقُ الحسَنُ البَصريُّ وعَطاءُ بنُ أبي رَباحٍ، وبهِ قالَ مالكٌ والثَّوريُّ وأصحابُ الرَّأيِ والأوزاعِيُّ واللَّيثُ بنُ سَعدٍ والشَّافعيُّ وأبو ثَورٍ وكلُّ مَنْ نَحفظُ عنهُ مِنْ أهلِ العلمِ، إلَّا ناسًا مِنْ أهلِ البدَعِ لا يُقتَدَى بهمْ (^١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: أجمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى تَحرِيمِ طَلاقِ الحائِضِ الحائِلِ بغَيرِ رِضاهَا، فلَو طلَّقَها أَثِمَ ووَقَعَ طَلاقُه، ويُؤمَرُ بالرَّجعَةِ؛ لحَديثِ ابنِ عُمرَ المَذكورِ في البابِ، وشَذَّ بعْضُ أهلِ الظَّاهِرِ فقالَ: «لا يقَعُ طَلاقُه؛ لأنَّه غَيرُ مأذُونٍ لهُ فيهِ، فأَشبهَ طلاقَ الأجنبيَّةِ»، والصَّوابُ الأوَّلُ، وبهِ قالَ العُلماءُ كافَّةً، ودَليلُهم أمْرُه بمُراجَعَتِها، ولَو لَم يقَعْ لم تكنْ رَجعةٌ.
فإنْ قِيلَ: المُرادُ بالرَّجعةِ الرَّجعةُ اللُّغويَّةِ، وهيَ الرَّدُّ إلى حالِها الأوَّلِ، لا أنَّهُ تُحسبُ عليهِ طَلقةٌ.
قُلنا: هذا غَلطٌ لِوجهَينِ: أحَدُهما: أنَّ حمْلَ اللَّفظِ على الحَقيقةِ الشَّرعيَّةِ يُقدَّمُ على حمْلِه على الحَقيقةِ اللُّغويَّةِ كما تَقرَّرَ في أصُولِ الفِقهِ، الثَّاني: أنَّ ابنَ عُمرَ صرَّحَ في رِواياتِ مُسلِمٍ وغَيرِه بأنَّه حَسَبَها عليهِ طَلقةً، واللهُ أعلمُ (^٢).
_________________
(١) «الإشراف» (٥/ ١٨٧).
(٢) «شرح صحيح مسلم» (١٠٦٠).
[ ١٧ / ٦٥ ]
وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبَيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ الطَّلاقَ في الحَيضِ لِمَدخولٍ بها والطُّهرِ المُجامَعِ فيهِ مُحرَّمٌ، إلَّا أنَّهُ يقَعُ (^١).
وقالَ الإمامُ أبو بَكرٍ الجَصَّاصُ ﵀: دَلالةُ الآيةِ والسُّنَّةِ والاتِّفاقِ يُوجِبُ إيقاعَ الطَّلاقِ في الحَيضِ وإنْ كانَ مَعصيةً (^٢).
وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: الطَّلاقُ في الحَيضِ لازِمٌ لِمَنْ أَوقعَه، وإنْ كانَ فاعِلُه قَدْ فعَلَ ما كُرِهَ لهُ؛ إذْ ترَكَ وجْهَ الطَّلاقِ وسُنَّته، والدَّليلُ على أنَّ الطَّلاقَ لازِمٌ في الحَيضِ أمْرُ رَسولِ اللهِ ﷺ ابنَ عُمرَ بمُراجَعةِ امرأتِه إذْ طلَّقَها حائِضًا، والمُراجَعةُ لا تكونُ إلَّا بعْدَ لُزومِ الطَّلاقِ، ولو لم يكنِ الطَّلاقُ في الحَيضِ واقِعًا ولا لازِمًا ما قالَ لهُ: «راجِعْها»؛ لأنَّ مَنْ لَم يُطلِّقْ ولَم يقَعْ عَليها طَلاقٌ لا يُقالُ فيهِ راجِعْها؛ لأنَّهُ مُحالٌ أنْ يُقالَ لرَجلٍ امرأتُه في عِصمتِه لَم يُفارِقْها: «راجِعْها»، ألَا تَرَى إلى قَولِ اللهِ ﷿ في المُطلَّقاتِ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾، ولم يَقُلْ هذا في الزَّوجاتِ اللَّاتي لَم يَلحقْهُنَّ الطَّلاقُ، وعلى هذا جَماعةُ فُقهاءِ الأمْصارِ وجُمهورُ عُلماءِ المُسلمِينَ، وإنْ كانَ الطَّلاقُ عِنْدَ جَميعِهم في الحَيضِ بدعَةً غيْرَ سُنَّةٍ؛ فهوَ لازِمٌ عِنْدَ جَميعِهم، ولا مُخالِفَ في ذلكَ إلَّا أهلُ البدَعِ والضَّلالِ والجَهلِ، فإنَّهم يَقولُونَ: «إنَّ الطَّلاقَ لغَيرِ السُّنةِ غَيرُ واقِعٍ ولا لازِمٍ»، ورُويَ مِثلُ ذلكَ
_________________
(١) «الإفصاح» (٢/ ١٦٧)، و«جواهر العقود» (٢/ ١٠٣).
(٢) «أحكام القرآن» (٢/ ٨٦).
[ ١٧ / ٦٦ ]
عَنْ بعْضِ التَّابعِينَ، وهو شُذوذٌ لم يُعرِّجْ عليهِ أهلُ العِلمِ مِنْ أهْلِ الفِقهِ والأثَرِ في شَيءٍ مِنْ أمْصارِ المُسلمِينَ لِمَا ذكَرْنا.
ولأنَّ ابنَ عُمرَ الَّذي عرَضَتْ لهُ القَضيَّةُ احتَسَبَ بذلكَ الطَّلاقِ وأفْتَى بذلكَ، وهوَ مِمَّنْ لا يُدفَعُ عِلمُه بقِصَّةِ نفْسِهِ.
ومِن جِهَةِ النَّظرِ قَدْ عَلِمْنا أنَّ الطَّلاقَ ليسَ مِنَ الأعْمالِ الَّتي يُتقرَّبُ بها إلى اللهِ ﷿ فلا تقَعُ إلَّا على حسَبِ سُنَّتِها، وإنَّما هو زَوالُ عِصمةٍ فيها حقٌّ لِآدميٍّ، فكيفَما أَوقعَه وقَعَ، فإنْ أَوقَعَه لِسُنَّةٍ هُدِيَ ولم يَأثَمْ، وإنْ أَوقعَه على غَيرِ ذلكَ أَثِمَ ولَزمَه ذلكَ، ومُحالٌ أنْ يَلزَمَ المُطيعَ ولا يَلزمَ العاصِي، ولَو لَزمَ المُطيعَ المُوقِعَ لهُ إلَّا على سُنَّتِه ولَم يَلزمِ العاصِي لَكانَ العاصِي أخَفَّ حالًا مِنَ المُطيعِ، وقدِ احتَجَّ قَومٌ مِنْ أهْلِ العِلمِ بأنَّ الطَّلاقَ في الحَيضِ لازِمٌ؛ لقَولِ اللهِ ﷿: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾، يُريدُ أنَّه عصَى ربَّهُ وفارَقَ امرأتَهُ، وحَسْبُكَ بابنِ عُمرَ؛ فقَدْ أَنكرَ على مَنْ ظَنَّ أنَّهُ لا يُحتَسبُ بالطَّلاقِ في الحَيضِ (^١).
وقالَ الإمامُ بَدرُ الدِّينِ العينِيُّ ﵀: إذا طُلِّقَتِ المرأةُ وهيَ حائِضٌ يُعتبَرُ ذلكَ الطَّلاقُ، وعليهِ أجمَعَ أئمَّةُ الفَتوى مِنَ التَّابعِينَ وغَيرِهم، وقالَتِ الظَّاهريَّةُ والخوارجُ والرَّافِضةُ: «لا يقَعُ»، وحُكيَ عنِ ابنِ عُليَّةَ أيضًا (^٢).
_________________
(١) «التمهيد» (١٥/ ٥٨، ٥٩)، و«الاستذكار» (٦/ ١٤٦).
(٢) «عمدة القاري» (٢٠/ ٢٢٧).
[ ١٧ / ٦٧ ]
وقالَ الإمامُ ابنُ قَدامةُ ﵀: فإنْ طلَّقَ للبِدعةِ -وهوَ أنْ يُطلِّقَها حائِضًا أو في طُهرٍ أصابَها فيهِ- أَثِمَ ووقَعَ طلاقُه في قَولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، قالَ ابنُ المُنذِرِ وابنُ عَبدِ البَرِّ: لَم يُخالِفْ في ذلكَ إلَّا أهلُ البدعِ والضَّلالِ، وحكاهُ أبو نَصرٍ عنِ ابنِ عُليَّةَ وهشامِ بنِ الحَكمِ والشَّيعةِ، قالُوا: لا يَقعُ طلاقُه؛ لأنَّ اللهَ تعالَى أمَرَ بهِ في قُبُلِ العدَّةِ، فإذا طلَّقَ في غَيرِه لَم يقَعْ، كالوكيلِ إذا أَوقعَه في زَمنٍ أمَرَهُ مُوكِّلُه بإيقاعِهِ في غَيرِه.
ولنا: حَديثُ ابنِ عُمَرَ أنَّهُ طلَّقَ امرأتَهُ وهيَ حائِضٌ، فأمَرَه النَّبيُّ ﷺ أنْ يُراجِعَها، وفي روايةِ الدَّارقُطنيِّ قالَ: «فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ أَفَرأيتَ لَو أنِّي طَلَّقتُها ثلاثًا أَكانَ يَحلُّ لِي أنْ أُراجِعَها؟ قالَ: لا، كانَتْ تَبِينُ مِنْكَ وتكونُ مَعصيةً»، وقالَ نافِعٌ: «وكانَ عَبدُ اللهِ طلَّقَها تَطليقةً فحُسبَتْ مِنْ طلاقِه وراجَعَها كما أمَرَه رَسولُ اللهِ ﷺ»، ومِن روايةِ يُونسَ بنِ جُبيرٍ عنِ ابنِ عُمرَ قالَ: «قُلتُ لابنِ عُمرَ: أَفتُعتَدُّ عليهِ، أو تُحتَسبُ عليهِ؟ قالَ: نَعمْ، أَرأيتَ إنْ عَجَزَ واستَحمَقَ»، وكُلُّها أحاديثُ صِحاحٌ، ولأنَّه طلاقٌ مِنْ مُكلَّفٍ في مَحلِّ الطلاقِ فوقَعَ كطَلاقِ الحامِلِ، ولأنَّهُ ليسَ بقُربةٍ فيُعتبَرُ لِوُقوعِه مُوافَقةُ السُّنةِ، بلْ هيَ إزالةُ عِصمةٍ وقَطْعُ مِلكٍ، فإيقاعُه في زَمنِ البدعَةِ أَولَى؛ تَغليظًا عليهِ وعُقوبَةً لهُ، أمَّا غَيرُ الزَّوجِ فلا يَملكُ الطَّلاقَ، والزَّوجُ يَملكُهِ بمِلكِه مَحلَّهُ (^١).
وعامَّةُ العُلماءِ على أنَّ حُكمَ النُّفساءِ حُكمُ الحائِضِ في هذا.
_________________
(١) «المغني» (٧/ ٢٧٩).
[ ١٧ / ٦٨ ]
قالَ الإمامُ ابنُ العَربيِّ المالكيُّ ﵀: لا خِلافَ بيْنَ الأُمَّةِ في أنَّ حُكمَ النُّفساءِ في هذا حُكمُ الحائِضِ (^١).
وقالَ الإمامانِ ابنُ حَجَرٍ والرَّمليُّ: ويَحرُمُ البدعيُّ، وهوَ طلاقُها في حَيضٍ أو نِفاسٍ، مَمسوسَةً -أي: مَوطوءَةً- وقد عَلِمَ ذلكَ إجماعًا (^٢).
وذهَبَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ وابنُ القَيِّمِ والظَّاهريَّةُ وابنُ عُليَّةَ وغَيرُهُم إلى أنَّ الطَّلاقَ في الحَيضِ مُحرَّمٌ، لكنَّهُ لا يقَعُ.
قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: وحُكِيَ عنِ ابنِ عُليَّةِ والسَّبعَةِ (^٣) وبَعضِ أهلِ الظَّاهرِ أنه غَيرُ واقعٍ (^٤).
وقدِ استَدلَّ هَؤلاءِ العُلماءُ بما يلِي:
١ - بقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، فاقتَضَى ذلكَ الفرْقَ بيْنَ المأمُورِ بهِ والمَنهيِّ عنهُ في الوُقوعِ كما اقتَضَى الفرْقَ بيْنَهما في التَّحريمِ.
٢ - عَنْ نافِعٍ مَولَى ابنِ عُمرَ عنِ ابنِ عُمرَ ﵄: «أنَّهُ قالَ في الرَّجُلِ يُطلِّقُ امرأتَهُ وهيَ حائِضٌ، قالَ ابنُ عُمرَ: لا يُعتَدُّ لذلكَ» (^٥).
_________________
(١) «عارضة الأحوذي» (٥/ ٣٦).
(٢) «تحفة المحتاج» (٩/ ٤٦٢، ٤٦٣)، و«نهاية المحتاج» (٧/ ٣)
(٣) أظُنُّ -واللهُ أعلَمُ- أنَّ هَذا تَصحيفٌ، والصَّوابُ (الشِّيعَةُ)، وليسَ السَّبعَةُ.
(٤) «الحاوي الكبير» (١٠/ ١١٥، ١١٦).
(٥) رواه ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ١٦٣)، وصحَّحَ إسنادَه ابنُ القيِّمِ في حاشِيتِه على «سُنن أبي داودَ» (٦/ ١٧١)، والحافظُ ابنُ حَجَرٍ في «تلخيص الحبير» (٣/ ٢٠٦).
[ ١٧ / ٦٩ ]
٣ - عَنْ خلاسِ بنِ عَمرٍو «أنَّهُ قالَ في الرَّجلِ يُطلِّقُ امرأتَهُ وهيَ حائِضٌ قالَ: لا يُعتَدُّ بها» (^١).
٤ - وما رَواهُ سَعيدُ بنُ مَنصورٍ في سُنَنهِ قالَ: حَدَّثنا حُديْجُ بنُ مُعاويةَ حدَّثَنا أبو إسحاقَ عنْ عَبدِ اللهِ بنِ مالكٍ عنِ ابنِ عُمرَ أنَّهُ طلَّقَ امرأتَهُ وهيَ حائِضٌ، فانطَلَقَ عُمرُ إلى رسُولِ اللهِ ﷺ فقالَ: إنَّ عَبدَ اللهِ طلَّقَ امرأتَهُ وهيَ حائِضٌ، فقالَ رسُولُ اللهِ ﷺ: ليسَ ذلكَ بشَيءٍ» (^٢).
٥ - وروَى أبو داودُ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ أخبَرَني أبو الزُّبيرِ أنَّهُ سَمعَ عبْدَ الرَّحمنِ بنَ أيمَنَ مَولَى عُروةَ يَسألُ ابنَ عُمرَ وأبو الزَّبيرِ يَسمعُ قالَ: كيفَ ترَى في رَجلٍ طلَّقَ امرأتَهُ حائضًا؟ قالَ: طلَّقَ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ امرأتَهُ وهيَ حائضٌ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ، فسألَ عمَرُ رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: إنَّ عبْدَ اللهِ بنَ عمَرَ طلَّقَ امرأتَهُ وهيَ حائضٌ، قالَ عَبدُ اللهِ: فرَدَّها علَيَّ ولم يَرَها شَيئًا وقالَ: إذا طهُرَتْ فلْيُطلِّقْ أو ليُمْسِكْ، قالَ ابنُ عُمَرَ: وقَرأَ النَّبيُّ ﷺ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ﴾» (^٣).
_________________
(١) رواه ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ١٦٣)، وصحَّحَه الإمامُ ابنُ القيِّمِ في «الصَّواعقِ المُرسَلة» (٢/ ٦٢٩).
(٢) رواه سعيد بن منصور في «سننه» (١٥٥٢).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه عبد الرزاق في «مصنفه» (١٠٩٦٠)، وأبو داود (٢١٨٥).
[ ١٧ / ٧٠ ]
وهذا مِمَّا قُرِئَ ثمَّ رُفِعَتْ لَفْظَةُ ﴿فِي قُبُلِ﴾ وأنزَلَ اللهُ تعالَى ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾، وهذا إسنادٌ في غايَةِ الصِّحةِ لا يَحتمِلُ التَّوجيهاتِ، وهذا نَصٌّ في أنَّه لا يَقعُ، ولو وقَعَ لرَآهُ شَيئًا.
٦ - ولأنَّ النِّكاحَ قَدْ يَحرُمُ في وَقتٍ -وهوَ في العِدَّةِ والإحرامِ- كما يَحرُمُ الطَّلاقِ في وقتٍ -وهو الحَيضُ والطُّهرُ المُجامَعُ فيهِ-، ثمَّ كانَ عقْدُ النِّكاحِ في وَقتِ تَحريمِه باطِلًا، فوجَبَ أنْ يَكونَ الطَّلاقُ بمَثابةِ إذا وقَعَ في وقْتِ تَحريمِه.
٧ - ولأنَّهُ لَو وَكَّلَ وكيلًا في طلاقِ زَوجتِه في الطُّهرِ وطلَّقَها في الحَيضِ لَم تَطلُقُ ولم يقَعْ؛ لأنَّهُ غَيرُ مأذُونٍ لهُ فِيهِ، فكيفَ كانَ إذْنُ المخلوقُ مُعتبَرًا في صحَّةِ إيقاعِ الطَّلاقِ دُونَ إذْنِ الشَّارِعِ؟! ومِنَ المَعلومِ أنَّ المُكلَّفَ إنَّما يَتصرَّفُ بالإذْنِ، فلمَّا لَم يَأذنْ بهِ اللهُ ورَسولُه لا يكونُ مَحلًّا للتَّصرُّفِ أَلْبتةَ.
٨ - وأيضًا فالشَّارِعُ قَدْ حَجَرَ على الزَّوجِ أنْ يُطلِّقَ في حالِ الحَيضِ أو بعْدَ الوطءِ في الطُّهرِ، فلَو صَحَّ طلاقُهُ لَم يَكُنْ لِحَجْرِ الشَّارعِ مَعنًى، وكانَ حجْرُ القاضِي على مَنْ منَعَه التَّصرُّفَ أقْوَى مِنْ حجْرِ الشَّارِعِ حِيثُ يَبطُلُ التَّصرُّفُ بحَجْرِه.
قالُوا: وبهذا أَبْطلْنَا البَيعَ وقْتَ النِّداءِ يَومَ الجمُعَةِ؛ لأنَّه بيْعٌ حجَرَ الشَّارِعُ على بائِعِه هذا الوَقتَ، فلا يَجوزُ تَنفيذُه وتَصحيحُه.
٩ - ولأنَّهُ طَلاقٌ مُحرَّمٌ مَنهيٌّ عَنهُ، فالنَّهيُ يَقتَضي فسادَ المَنهيِّ عَنهُ،
[ ١٧ / ٧١ ]
فلو صَحَّحناهُ لَكانَ لا فرْقَ بيْنَ المَنهيِّ عنهُ والمَأذونِ فيهِ مِنْ جِهةِ الصِّحةِ والفَسادِ.
١٠ - ولأنَّ الشَّارعَ إنَّما نَهَى عنهُ وحرَّمَه لأنَّهُ يُبغِضُه ولا يُحبُّ وُقوعَهُ، بلْ وُقوعُه مَكروهٌ إليهِ، فحَرَّمَه لِئلَّا يقَعَ ما يُبغِضُه ويَكرهُه، وفي تَصحيحِه وتَنفيذِهِ ضِدُّ هذا المَقصودِ.
١١ - وإذا كانَ النِّكاحُ المَنهيُّ عنهُ لا يَصحُّ لأجْلِ النَّهيِ، فما الفرْقُ بيْنَه وبيْنَ الطَّلاقِ؟ وكيفَ أَبطلْتُم ما نهَى اللهُ عنهُ مِنَ النِّكاحِ وصَحَّحْتمُ ما حرَّمَهُ ونهَى عنهُ مِنَ الطَّلاقِ؟ والنَّهيُ يَقتضِي البُطلانَ في المَوضعَينِ.
١٢ - ويَكفِينا مِنْ هذا حُكمُ رَسولِ اللهِ ﷺ العامُّ الَّذي لا تَخصيصَ فيهِ بِرَدِّ ما خالَفَ أمْرُه وإبطالِهِ وإلغاءِهِ، كما في الصَّحيحِ عنهُ مِنْ حَديثِ عائِشةَ ﵂: «كلُّ عمَلٍ ليسَ عَليهِ أمْرُنا فهُوَ رَدٌّ»، وفي رِوايةٍ: «مَنْ عَمِلَ عَملًا ليسَ عليهِ أمْرُنا فهوَ رَدٌّ»، وهذا صَريحٌ أنَّ هذا الطَّلاقَ المُحرَّمَ الَّذي ليسَ عليهِ أمْرُه ﷺ مَردُودٌ باطِلٌ، فكيفَ يُقالُ: «إنَّهُ صَحيحٌ لازِمٌ نافِذٌ»؟ فأينَ هذا مِنَ الحُكمِ بِرَدِّه؟!
١٣ - ولأنَّهُ طَلاقٌ لَم يَشرَعْه اللهُ أبدًا، وكانَ مَردُودًا باطِلًا كطَلاقِ الأجنبيَّةِ، ولا يَنفَعُكم الفَرقُ بأنَّ الأجنبيَّةَ ليسَتْ مَحلًّا للطَّلاقِ بخِلافِ الزَّوجةِ؛ فإنَّ هذهِ الزَّوجةَ ليسَتْ مَحلًّا لِلطَّلاقِ المُحرَّمِ، ولا هوَ ممَّا ملَّكَهُ الشَّارِعُ إيَّاهُ.
[ ١٧ / ٧٢ ]
١٤ - وأيضًا فإنَّ اللهَ سُبحانَهُ إنَّما أمَرَ بالتَّسريحِ بإحسانٍ، ولا أَشَرَّ مِنَ التَّسريحِ الَّذي حرَّمَه اللهُ ورَسولُه، ومُوجَبُ عَقدِ النِّكاحِ أحَدُ أمرَينِ: إمَّا إمساكٌ بمَعرُوفٍ أو تَسريحٌ بإحسانٍ، والتَّسريحُ المُحرَّمُ أمْرٌ ثالثٌ غَيرُهما، فلا عِبرةَ بهِ أَلبتَّةَ.
١٥ - وقد قالَ اللهُ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، وصحَّ عَنِ النَّبيِّ ﷺ المُبيِّنِ عَنِ اللهِ مُرادَهُ مِنْ كلامِه أنَّ الطَّلاقَ المَشروعَ المأذُونَ فيهِ هوَ الطَّلاقُ في زمَنِ الطُّهرِ الَّذي لَم يُجامَعْ فيهِ، أو بعْدَ استِبانةِ الحمْلِ، وما عَداهُما فليسَ بطَلاقٍ للعدَّةِ في حَقِّ المَدخُولِ بها فلا يكونُ طلاقًا، فكيفَ تَحرُمُ المرأةُ بهِ؟
١٦ - قالُوا: وقَد قالَ تعالَى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٦٩]، ومَعلومٌ أنَّه إنَّما أرادَ الطَّلاقَ المأذُونَ فيهِ، وهوَ الطَّلاقُ للعدَّةِ، فدَلَّ على أنَّ ما عَداهُ ليسَ مِنَ الطَّلاقِ، فإنَّه حصَرَ الطَّلاقَ المَشروعَ المأذُونَ فيهِ الَّذي يَملِكُ بهِ الرَّجعةَ في مرَّتَينِ، فلا يَكونُ ما عَداهُ طَلاقًا، قالُوا: ولِهذا كانَ الصَّحابَةُ ﵃ يَقولونَ إنَّهم لا طاقَةَ لهُمْ بالفَتوَى في الطَّلاقِ المُحرَّمِ، كما رَوى ابنُ وَهبٍ عَنْ جَريرِ بنِ حازِمٍ عَنِ الأعمَشِ أنَّ ابنَ مَسعودٍ ﵁ قالَ: «مَنْ طلَّقَ كما أمَرَهُ اللهُ فقَد بيَّنَ اللهُ لهُ، ومَن خالَفَ فإنَّا لا نُطيقُ خِلافَه»، ولو وقَعَ طَلاقُ المُخالِفِ لَم يَكنِ الإفتاءُ بهِ غيْرَ مُطاقٍ لَهُم، ولَم يَكنْ للتَّفريقِ مَعنًى إذا كانَ النَّوعانِ واقعَينِ نافِذَينِ.
[ ١٧ / ٧٣ ]
١٧ - ولأنَّ هذا ضِدُّ الورَعِ، إذْ تُبيحُونَ فرْجَها لأجنَبيٍّ بِلا بَيانٍ، وإنَّما الورَعُ أنْ لا تُحرَّمَ على المُسلِمِ امرَأتُه الَّتي نَحنُ على يَقينٍ مِنْ أنَّ اللهَ ﷿ أباحَها لهُ وحرَّمَها على مَنْ سِواهُ إلَّا بيَقينٍ، وأمَّا بالظُّنونِ والمُحتَملاتِ فلا.
١٨ - وأمَّا استِدلالُكُم بحَديثِ ابنِ عُمَرَ فالجَوابُ عنهُ كما يلي:
أمَّا قَولُه ﷺ: «مُرْهُ فلْيُراجِعْها» فالمُراجعةُ قَدْ وقَعَتْ في كَلامِ اللهِ ورَسولِه على ثَلاثةِ مَعانٍ: تُستَعمَلُ في العَقدِ المُبتَدَأِ، وتُستَعمَلُ في إمسَاكِ المُطلَّقةِ، وتُستَعملُ في إمساكِ مَنْ لَم يقَعْ بها طَلاقٌ.
أحَدُها: ابتِداءُ النِّكاحِ، كقَولِه تعالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، ولا خِلافَ بيْنَ أحَدٍ مِنْ أهلِ العلمِ بالقُرآنِ أنَّ المُطلِّقَ هاهُنا هوَ الزَّوجُ الثَّاني، وأنَّ التَّراجُعَ بيْنَها وبيْنَ الزَّوجِ الأوَّلِ، وذلكَ نِكاحٌ مُبتدَأٌ.
والثَّاني: في رَجعةِ المُطلَّقةِ، قالَ تعالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾، فهذا رَجعةُ المُطلَّقةِ.
والثَّالثُ: الرَّدُّ الحِسيُّ إلى الحالةِ الَّتي كانَ عليهَا أوَّلا، «فرَدَّها عليَّ»، كقَولِه لأبِي النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ لمَّا نَحَلَ ابنَهُ غُلامًا خصَّهُ بهِ دُونَ ولَدِه: «رَدَّهُ»، فهذا رَدُّ ما لَم تَصحَّ فيهِ الهِبَةُ الجائِزةُ الَّتي سمَّاها رَسولُ اللهِ ﷺ جَورًا وأخبَرَ أنَّها لا تَصلُحُ وأنَّها خِلافُ العَدلِ.
ومِن هَذا قَولُه لِمَنْ فرَّقَ بيْنَ جاريَةٍ وولَدِها في البَيعِ، فنَهاهُ عَنْ ذلكَ ورَدَّ
[ ١٧ / ٧٤ ]
البَيعَ، وليسَ هَذا الرَّدُّ مُستلزِمًا لِصحَّةِ البَيعِ؛ فإنَّه بيْعٌ باطِلٌ، بَلْ هوَ رَدُّ شَيئَينِ إلى حالَةِ اجتِماعِهِما كما كانَا، وهكذا الأمْرُ بمُراجَعةِ ابنِ عُمَرَ امرَأتَه، ارتِجاعٌ ورَدٌّ إلى حالَةِ الاجتِماعِ كما كانَا قبْلَ الطَّلاقِ، وليسَ في ذلكَ ما يَقتَضِي وُقوعَ الطَّلاقِ في الحَيضِ أَلبتَّةَ.
وأيضًا: فلو كانَ الطَّلاقُ قَدْ وقَعَ كانَ ارتِجاعُها ليُطلِّقَها في الطُّهرِ الأوَّلِ أو الثَّاني زيادَةً وضَررًا عَليها وزِيادَةً في الطَّلاقِ المَكروهِ، فليسَ في ذلكَ مَصلحةٌ لا لهُ ولا لها، بلْ فيهِ إنْ كانَ الطَّلاقُ قَدْ وقَعَ بارتِجاعِه ليُطلِّقَ مَرَّةً ثانيةً زيادَةُ ضَررٍ، وهوَ لَم يَمنَعْه عنِ الطَّلاقِ، بل أباحَهُ لهُ في استِقبالِ الطُّهرِ معَ كَونِه مُريدًا لهُ، فعُلِمَ أنَّه إنَّما أمَرَه أنْ يُمسِكَها وأنْ يُؤخِّرَ الطَّلاقَ إلى الوقْتِ الَّذِي يُباحِ فيهِ، كما يُؤمَرُ مَنْ فعَلَ شَيئًا قبْلَ وقْتِه أنْ يَرُدَّ ما فعَلَ ويَفعلَه إنْ شاءَ في وقْتِه؛ لقَولِه ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَملًا ليسَ عليهِ أمرُنَا فهوَ رَدٌّ»، والطَّلاقُ المُحرَّمُ ليسَ عليهِ أمْرُ اللهِ ورَسولِه فهوَ مَردودٌ، وأمَرَهُ بتأخيرِ الطَّلاقِ إلى الطُّهرِ الثَّاني ليَتمكَّنَ مِنَ الوَطءِ في الطُّهرِ الأوَّلِ، فإنَّه لو طلَّقَها فيهِ لَم يَجُزْ أنْ يُطلِّقَها إلَّا قبْلَ الوَطءِ، فلم يَكُنْ في أمْرِه بإمساكِها إليهِ إلَّا بزيادَةِ ضَررٍ عَليها إذا طلَّقَها في الطُّهرِ الأوَّلِ.
وأمَّا قَولُه: «أَرأيتَ إنْ عجَزَ واستَحمَقَ» فيَا سُبحانَ اللهِ؛ أينَ البَيانُ في هذا اللَّفظِ بأنَّ تلكَ الطَّلقَةَ حسَبَها عَليهِ رَسولُ اللهِ ﷺ؟! والأحكامُ لا تُؤخَذُ بمِثلِ هذا، ولَو كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ قد حسَبَها
[ ١٧ / ٧٥ ]
عليهِ واعتَدَّ عليهِ بها لَم يَعدلْ عَنِ الجَوابِ بفِعلِه وشَرْعِه إلى «أرَأيتَ»، وكانَ ابنُ عُمَرَ أكرَهُ ما إليهِ «أَرأَيتَ»، فكيفَ يَعدلُ للسَّائلِ عَنْ صَريحِ السُّنَّةِ إلى لَفظةِ «أَرأيتَ» الدَّالَّةِ على نَوعٍ مِنَ الرَّأيِ سَبَبُه عَجزُ المُطلِّقِ وحُمْقُه عن إيقاعِ الطَّلاقِ على الوَجهِ الَّذي أَذِنَ اللهُ لهُ فيهِ، والأَظهرُ فيما هذهِ صِفتُه أنَّه لا يُعتَّدُ بهِ وأنَّه ساقِطٌ مِنْ فِعلِ فاعِلِه؛ لأنَّه ليسَ في دِينِ اللهِ تعالَى حُكمٌ نافِذٌ سبَبُه العَجزُ والحُمْقُ عنِ امتِثالِ الأمْرِ، إلَّا أنْ يكونَ فِعلًا لا يُمكِنُ رَدُّه، بخِلافِ العُقودِ المُحرَّمةِ الَّتي مَنْ عقَدَها على الوَجهِ المُحرَّمِ فقَدْ عَجَزَ واستَحمَقَ، وحِينَئذٍ فيُقالَ: هذا أدَلُّ على الرَّدِّ منهُ على الصِّحةِ واللُّزومِ؛ فإنَّه عَقْدُ عاجِزٍ أحمَقَ على خِلافِ أمْرِ اللهِ ورَسولِه، فيكونُ مَردودًا باطِلًا، فهذا الرَّأيُ والقِياسُ أدَلُّ على بُطلانِ طَلاقِ مَنْ عجَزَ واستَحمَقَ منهُ على صِحَّتِه واعتِبارِه.
وأمَّا قَولُه: «فحُسِبَتْ مِنْ طلاقِها» ففِعْلٌ مَبنيٌّ لِمَا لم يُسمَّ فاعِلُه، فإذا سُمِّيَ فاعِلُه ظهَرَ وتبَيَّنَ هل في حُسبَانِه حُجَّةٌ أو لا، وليسَ في حُسبانِ الفاعِلِ المَجهولِ دَليلٌ أَلبتَّةَ، وسواءٌ كانَ القائِلُ «فحُسِبَتْ» ابنُ عُمرَ أو نافِعًا أو مَنْ دُونَه، وليسَ فيهِ بيَانُ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ هوَ الَّذي حسَبَها حتَّى تَلزمَ الحُجَّةُ بهِ وتَحرُمَ مُخالَفَتُه، فقَد تَبيَّنَ أنَّ سائِرَ الأحاديثِ لا تُخالِفُ حديثَ أبِي الزُّبيرِ، وأنَّهُ صَريحٌ في أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لَم يَرَها شَيئًا، وسائِرُ الأحادِيثِ مُجمَلَةٌ لا بَيانَ فيها.
[ ١٧ / ٧٦ ]
وأمَّا دَعوَى الإجماعِ فهيَ باطِلةٌ؛ لِوُجودِ المُخالِفينَ، والإجماعُ الَّذي تَقومُ بهِ الحُجَّةُ وتَنقطِعُ معهُ المَعذِرةُ وتَحرُمُ معهُ المُخالَفةُ فهوَ الإجماعُ القَطعيُّ المَعلُومُ.
وأمَّا دَعْواكُم أنَّ الطَّلاقَ المُحرَّمَ داخِلٌ تحتَ نُصوصِ الطَّلاقِ وشُمولِها للنَّوعَينِ كما في قَولِه تعالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ وهذا يَعمُّ كلَّ طَلاقٍ، وكذلكَ قَولُه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ولَم يُفرِّقْ، وكذلكَ قَولُه تعالَى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ وقَولُه: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ﴾.
فنَسأَلكُم: ما تَقولُونَ فيمَنِ ادَّعَى دُخولَ أنواعِ البَيعِ المُحرَّمِ والنِّكاحِ المُحرَّمِ تحْتَ نُصوصِ البَيعِ والنِّكاحِ وقالَ: شُمولُ الاسمِ للصَّحيحِ مِنْ ذلكَ والفاسِدِ سَواءٌ، بلْ وكذلكَ سائِرُ العُقودِ المُحرَّمةِ إذا ادَّعَى دُخولَها تحْتَ ألفاظِ العُقودِ الشَّرعيَّةِ، وكذلكَ العِباداتُ المُحرَّمةُ المَنهيُّ عنها إذا ادَّعَى دُخولَها تحْتَ الألفاظِ الشَّرعيَّةِ وحكَمَ لها بالصِّحَّةِ لشُمولِ الاسمِ لها؛ هَلْ تَكونُ دَعواهُ صَحيحةً أو باطِلةً؟ فإنْ قُلتُم: «صَحيحةٌ» -ولا سَبيلَ لَكمُ إلى ذلكَ- كانَ قَولًا مَعلومَ الفَسادِ بالضَّرورةِ مِنَ الدِّينِ، وإنْ قُلتُم: «دعواهُ باطِلةٌ» تَركْتُم قَولَكُم ورَجعْتُم إلى ما قُلناهُ، وإنْ قُلتُمْ: «تُقبَلُ في مَوضعٍ وتُرَدُّ في مَوضعٍ» قيلَ لكُم: ففَرِّقُوا بفُرقانٍ صَحيحٍ مُطَّرَدٍ مُنعكِسٍ معكُم بهِ بُرهانٌ مِنَ اللهِ بيْنَ ما يَدخُلُ مِنَ العُقودِ المُحرَّمةِ تحْتَ
[ ١٧ / ٧٧ ]
ألفاظِ النُّصوصِ فيَثبُتُ لهُ حُكمُ الصِّحةِ، وبيْنَ ما لا يَدخلُ تَحتَها فيَثبُتُ لهُ حُكمُ البُطلانِ.
قالُوا: وأمَّا استِدلالُكم بحَديثِ ابنِ عُمَرَ فهوَ إلى أنْ يَكونَ حُجَّةً عَليكُم أَقربُ مِنه إلى أنْ يَكونُ حُجَّةً لَكم مِنْ وُجوهٍ:
أحَدُها: صَريحُ قَولِه: «فرَدَّهَا عَليَّ ولَم يَرَها شَيئًا»، وقَد تَقدَّمَ بيانُ صِحَّتِه، قالُوا: فهَذا الصَّريحُ الصَّحيحُ ليسَ بأيْدِيكُم ما يُقاوِمُه في المَوضِعَينِ، بَلْ جَميعُ تلكَ الألفاظِ إمَّا صَحيحَةٌ غَيرُ صَريحةٍ وإمَّا صَريحةٌ غَيرُ صَحيحةٍ كما ستَقِفونَ عليهِ.
الثَّاني: أنَّه قَدْ صَحَّ عَنِ ابنِ عُمرَ ﵁ بإسنادٍ كالشَّمسِ مِنْ رِوايةِ عُبَيدِ اللهِ عَنْ نافِعٍ عنهُ «في الرَّجلِ يُطلِّقُ امرأتَهُ وهيَ حائِضٌ، قالَ: لا يُعتَدُّ بذلكَ»، وقَد تَقدَّمَ.
الثَّالِثُ: أنَّه لو كانَ صَريحًا في الاعتِدادِ بهِ لَمَا عَدَلَ بهِ إلى مُجرَّدِ الرَّأيِ وقَولِه للسَّائِل: «أَرَأيتَ».
الرَّابعُ: أنَّ الألفاظَ قَدِ اضطَربَتْ عنِ ابنِ عُمرَ في ذلكَ اضطِرابًا شَديدًا، وكُلَّها صَحيحةٌ عنهُ، وهذا يَدلُّ على أنَّه لَم يَكنْ عندَه نَصٌّ صَريحٌ عَنْ رَسولِ اللهِ ﷺ في وُقوعِ تلكَ الطَّلقةِ والاعتِدادِ بها، وإذا تَعارضَتْ تلكَ الألفاظُ نظَرْنا إلى مَذهبِ ابنِ عُمرَ وفَتواهُ، فوَجَدْناه صَريحًا في عَدمِ الوُقوعِ، ووَجْدَنا أحَدَ ألفاظِ حَديثِه صَريحًا في ذلكَ، فقَدِ اجتَمعَ صَريحُ
[ ١٧ / ٧٨ ]
رِوايتِه وفَتواهُ على عَدمِ الاعتِدادِ، وخالَفَ في ذلكَ ألفاظًا مُجمَلةً مُضطَربةً كما تَقدَّمَ بيانُه.
وأمَّا قَولُ ابنِ عُمرَ ﵁: «ومَالي لا أَعتدُّ بها» وقَولُه: «أَرأيتَ إنْ عجَزَ واستَحمَقَ» فغايةُ هذا أنْ يكونَ رِوايةً صَريحةً عنهُ بالوُقوعِ، ويكونَ عَنهُ رِوايتانِ.
وقَولُكم: «كيفَ يُفتِي بالوُقوعِ وهوَ يَعلمُ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَدْ رَدَّها عليهِ ولَم يَعتَّدَ عليهِ بها؟» فليسَ هذا بأوَّلِ حَديثٍ خالَفَه راوِيهِ، ولهُ بغَيرِه مِنَ الأحاديثِ الَّتي خالَفَها راويهَا أُسوةٌ حسَنةٌ في تَقديمِ رِوايةِ الصَّحابِي ومَن بَعدَهُ على رَأيهِ.
وأمَّا قَولُكم: «إنَّ النِّكاحَ نِعمةٌ، فلا يكونُ سَبَبُه إلَّا طاعةً، بخِلافِ الطَّلاقِ؛ فإنَّه مِنْ بابِ إزالةِ النِّعَمِ، فيَجوزُ أنْ يكونَ سَببُه مَعصيةً»، فيُقالُ: قَدْ يَكونُ الطَّلاقُ مِنْ أكبَرِ النِّعمِ الَّتي يَفكُّ بها المُطلِّقُ الغلَّ مِنْ عُنقِه والقَيدَ مِنْ رَجْلِه، فليسَ كلُّ طلاقٍ نِقمةً، بل مِنْ تَمامِ نِعمةِ اللهِ على عِبادِه أنْ مَكَّنَهم مِنَ المُفارَقةِ بالطَّلاقِ إذا أرادَ أحَدُهم استِبدالَ زَوجٍ مَكانَ زَوجٍ والتَّخلُّصَ مِمَّنْ لا يُحبُّها ولا يُلائِمُها، فلَمْ يُرَ للمُتحابّينَ مِثلُ النِّكاحِ، ولا للمُتباغِضَينِ مِثلُ الطَّلاقِ، ثمَّ كيفَ يَكونُ نِقمةً واللهُ تعالَى يَقولُ: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، ويَقولُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]؟!
[ ١٧ / ٧٩ ]
وأمَّا قَولُكُم: «إنَّ الفُروجَ يُحتَاطُ لها» فنَعَمْ، وهَكذا قُلنا سَواءً، فإنَّا احتَطْنا وأبقَيْنا الزَّوجَينِ على يَقينِ النِّكاحِ حتَّى يأتِيَ ما يُزيلُهُ بيَقينٍ، فإذا أخطَأْنا فخَطَؤُنا في جِهَةٍ واحدَةٍ، وإنْ أصَبْنا فصَوابُنا في جِهتَينِ: جِهةُ الزَّوجِ الأوَّلِ وجِهةُ الثَّاني، وأنْتُم تَرتكِبُونَ أمرَينِ: تَحريمُ الفَرْجِ على مَنْ كانَ حَلالًا لهُ بيَقينٍ، وإحلالُه لغَيرِه، فإنْ كانَ خَطأً فهوَ خَطأٌ مِنْ جِهتَينِ، فتَبيَّنَ أنَّا أَولَى بالاحتياطِ مِنكُم، وقَد قالَ الإمامُ أحمَدُ في رِوايةِ أبِي طالِبٍ في طَلاقِ السَّكرانِ نَظيرَ هذا الاحتِياطِ سَواءً، فقالَ: الَّذي لا يأمُرُ بالطَّلاقِ إنَّما أتَى خصلَةً واحِدةً، والَّذي يَأمرُ بالطَّلاقِ أتَى خصلتَينِ: حرَّمَها عليهِ وأحَلَّها لغَيرِه، فهَذا خَيرٌ مِنْ هَذا (^١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا المَوضِعُ الثَّالِثُ في حُكمِ مَنْ طلَّقَ في وقْتِ الحَيضِ: فإنَّ النَّاسَ اختَلفُوا مِنْ ذلكَ في مَواضِعَ مِنها:
أنَّ الجُمهورَ قالُوا: يَمضِي طَلاقُه، وقالَتْ فِرقَةٌ: لا يَنفُذُ ولا يقَعُ …
فإنَّ الجُمهورَ إنَّما صارُوا إلى أنَّ الطَّلاقَ إنْ وقَعَ في الحَيضِ اعتُدَّ بهِ وكانَ طَلاقًا؛ لقَولِه ﷺ في حَديثِ ابنِ عُمرَ: «مُرْهُ فلْيُراجِعْها»، قالُوا: والرَّجعَةُ لا تَكونُ إلَّا بعْدَ طَلاقٍ.
_________________
(١) يُنظَر: «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٩٨، ١٠١)، و«جامع المسائل» (١/ ٣٣٨، ٣٤٠)، و«زاد المعاد» (٥/ ٢٢٣، ٢٤٠)، و«حاشية ابن القيم على سنن أبي داود» (٦/ ١٦٥، ١٧٨)، و«الصواعق المرسَلة» (٢/ ٦٢٨، ٦٣١)، و«الحاوي الكبير» (١٠/ ١١٥، ١١٦)، و«المحلى» (١٠/ ١٦٣، ١٦٦).
[ ١٧ / ٨٠ ]
ورَوى الشَّافِعيُّ عَنْ مُسلِمِ بنِ خَالدٍ عنِ ابنِ جُرَيجٍ «أنَّهم أَرسلُوا إلى نافِعٍ يَسألُونَه: هَلْ حُسِبَتْ تَطليقةُ ابنِ عُمرَ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ؟ قالَ: نَعَمْ» (^١). ورَوَى أنَّه الَّذي كانَ يُفتِي بهِ ابنُ عُمَرَ.
وأمَّا مَنْ لَم يَرَ هذا الطَّلاقَ واقِعًا فإنَّهُ اعتَمَدَ عُمومَ قَولِه ﷺ: «كُلُّ فِعلٍ أو عَملٍ ليسَ عليهِ أمْرُنا فهوَ رَدٌ» (^٢)، وقالُوا: أمْرُ رَسولِ اللهِ ﷺ برَدِّه يُشعِرُ بعِدمِ نُفوذِه ووُقوعِه.
وبالجُملةِ فسَببُ الاختِلافِ: هل الشُّروطُ الَّتي اشتَرَطَها الشَّرعُ في الطَّلاقِ السُّنِّيِّ هيَ شُروطُ صِحَّةٍ وإجزَاءٍ؟ أم شُروطُ كمالٍ وتَمامٍ؟
فمَن قالَ: «شُروطُ إجزاءٍ» قالَ: لا يقَعُ الطَّلاقُ الَّذي عُدِمَ هذهِ الصِّفةَ.
ومَن قالَ: «شُروطُ كمالٍ وتمامٍ» قالَ: يقَعُ، ويُندَبُ إلى أنْ يقَعَ كامِلًا، ولذلكَ مَنْ قالَ بوُقوعِ الطَّلاقِ وجَبْرِه على الرَّجعَةِ فقَدْ تَناقضَ، فتَدبَّرْ ذلكَ (^٣).