اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَصيِّ إذا تنازَعَ مع الصَّبيِّ بعدَ بُلوغِه ورُشدِه، فقالَ الصَّبيُّ: «ادفَعْ إلَيَّ مالي الذي عندَك». وقالَ الوَصيُّ: «قد دفَعتُه إليك بعدَ بُلوغِك ورُشدِك». هل يُقبلُ قَولُ الوَصيِّ بيَمينِه أو لا يُقبلُ قَولُه إلا ببَيِّنةٍ تَشهدُ له؟
فذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ إلى أنَّ الوَصيَّ إذا تنازَعَ مع الصَّبيِّ بعدَ بُلوغِه ورُشدِه فقالَ الصَّبيُّ: «ادفَعْ إلَيَّ مالي الذي عندَك». وقالَ الوَصيُّ: «قد دفَعتُه إليكَ بعدَ بُلوغِك ورُشدِك»، لا يُقبلُ قَولُ الوَصيِّ إلا ببَيِّنةٍ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦] أيْ: لئلَّا تَغرَموا على المَشهورِ.
ولأنَّه لا يَعسُرُ إِقامةُ البَيِّنةِ عليه، وظاهِرُه عندَ المالِكيةِ: ولو كانَت المُنازَعةُ بعدَ طُولِ مُدةٍ.
وأمَّا لو ادَّعى أنَّه دفَعَ إليه المالَ قبلَ البُلوغِ فلا يُصدَّقُ ولو وافَقَه الصَّغيرُ (^١).
_________________
(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٥٣٨، ٥٣٩)، و«شرح مختصر خليل» (٨/ ١٩٥)، و«تحبير المختصر» (٥/ ٥٨٩)، و«حاشية الصاوي» (١١/ ٥٣)، و«المهذب» (١/ ٤٦٤)، و«روضة الطالبين» (٤/ ٥٧١)، و«النجم الوهاج» (٦/ ٣٣٧)، و«مغني المحتاج» (٤/ ١٢٩).
[ ٢٤ / ٤٥٢ ]
وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ وعبدُ المَلكِ من المالِكيةِ إلى أنَّ القَولَ قَولُ الوَصيِّ أنَّه قد دفَعَ المالَ إليه يُصدَّقُ بيَمينِه، وأمَّا قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦] فليس في الأمرِ بالإِشهادِ دَليلٌ على أنَّه غيرُ أَمينٍ ولا مُصدَّقٍ فيه؛ لأنَّ الإِشهادَ مَندوبٌ إليه في الأَماناتِ كهو في المَضموناتِ، ألَا تَرى أنَّه يَصحُّ الإِشهادُ على رَدِّ الأَماناتِ من الوَدائعِ كما يَصحُّ في أَداءِ المَضموناتِ من الدُّيونِ، فإذًا ليسَ في الأمرِ بالإِشهادِ دِلالةٌ على أنَّه غيرُ مُصدَّقٍ فيه إذا لم يُشهِدْ.
قالَ الجَصاصُ: فإنْ قيلَ: إذا كانَ مُصدَّقًا في الرَّدِّ فما مَعنى الإِشهادِ مع قَبولِ قَولِه بغيرِ بَيِّنةٍ؟
قيلَ: له فيه ما قدَّمنا ذِكرَه من ظُهورِ أَمانتِه والاحتياطِ له في زَوالِ التُّهمةِ عنه في ألَّا يُدعَى عليه بعدَما قد ظهَرَ رَدُّه، وفيه الاحتياطُ لليَتيمِ في ألَّا يَدَّعيَ ما يُظهِرُ كَذِبَه فيه، وفيه أيضًا سُقوطُ اليَمينِ عن الوَصيِّ إذا كانَت له بَيِّنةٌ في دَفعِه إليه، ولو لم يُشهِدْ وادَّعى اليَتيمُ أنَّه لم يَدفَعْه كانَ القَولُ قَولَ الوَصيِّ مع يَمينِه، وإذا أشهَدَ فلا يَمينَ عليه، فهذه المَعاني كلُّها مُضمَّنةٌ بالإِشهادِ، وإنْ كانَ أَمانةً في يَدِه، ويَدلُّ على أنَّه مُصدَّقٌ فيه بغيرِ إِشهادٍ اتِّفاقُ الجَميعِ على أنَّه مَأمورٌ بحِفظِه وإِمساكِه على وَجهِ الأَمانةِ حتى يُوصلَه إلى اليَتيمِ في وَقتِ استِحقاقِه، فهو بمَنزِلةِ الوَدائعِ والمُضارباتِ وما جَرى مَجراها من
[ ٢٤ / ٤٥٣ ]
الأَماناتِ، فوجَبَ أنْ يَكونَ مُصدَّقًا على الرَّدِّ كما يُصدَّقُ على رَدِّ الوَديعةِ، والدَّليلُ على أنَّه أَمانةٌ أنَّ اليَتيمَ لو صدَّقَه على الهَلاكِ لم يَضمَنْه، كما أنَّ المُودِعَ إذا صدَّقَ المُودَعَ في هَلاكِ الوَديعةِ لم يَضمَنْه.
وأمَّا قَولُ الشافِعيِّ: إنَّه لمَّا لم يَأتمِنْهم الأَيتامُ لم يُصدَّقوا» فقَولٌ ظاهِرُ الاختِلالِ بَعيدٌ من مَعاني الفِقهِ مُنتقَضٌ فاسِدٌ؛ لأنَّه لو كانَ ما ذكَرَه عِلةً لنَفيِ التَّصديقِ لوجَبَ ألَّا يُصدَّقَ القاضي إذا قالَ لليَتيمِ: «قد دفَعتُه إليك»؛ لأنَّه لم يَأتمِنْه، وكذلك يَلزمُه أنْ يَقولَ في الأَبِ إذا قالَ بعدَ بُلوغِ الصَّغيرِ: «قد دفَعتُ إليك مالَك» ألَّا يُصدِّقَه؛ لأنَّه لم يَأتمِنْه، ويَلزمُه أيضًا أنْ يُوجبَ عليهم الضَّمانَ إذا تَصادَقوا بعدَ البُلوغِ أنَّه قد هلَكَ؛ لأنَّه أمسَكَ مالَه من غيرِ ائتِمانٍ له عليه، وأمَّا تَشبيهُه إياه بالوَكيلِ بدَفعِ المالِ إلى غيرِه فتَشبيهٌ بَعيدٌ، ومع ذلك فلا فَرقَ بينَهما من الوَجهِ الذي صدَّقنا فيه الوَصيَّ؛ لأنَّ الوَكيلَ مُصدَّقٌ أيضًا في بَراءةِ نَفسِه وغيرُ مُصدَّقٍ في إِيجابِ الضَّمانِ ودَفعِه إلى غيرِه، وإنَّما لم يُقبَلْ قَولُه على المَأمورِ بالدَّفعِ إليه، فأمَّا في بَراءةِ نَفسِه فهو مُصدَّقٌ كما صدَّقنا الوَصيَّ على الرَّدِّ بعدَ البُلوغِ، وأيضًا؛ فإنَّ الوَصيَّ في مَعنى من يَتصرَّفُ على اليَتيمِ بإِذنِه، ألَا تَرى أنَّه يَجوزُ تَصرفُه عليه في البَيعِ والشِّراءِ كجَوازِ تَصرفِ أَبيه؟ فإذا كانَ إِمساكُ الوَصيِّ المالَ بائتِمانِ الأَبِ له عليه، وكانَ إِذنُ الأَبِ جائِزًا على الصَّغيرِ صارَ كأنَّه مُمسِكٌ له بعدَ البُلوغِ بإِذنِه، فلا فَرقَ بينَه وبينَ المُودَعِ (^١).
_________________
(١) «أحكام القرآن» (٢/ ٣٦٥، ٣٦٦)، و«مجمع الأنهر» (٢/ ٨٢٧)، و«تحبير المختصر» (٥/ ٥٨٩).
[ ٢٤ / ٤٥٤ ]
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنِ اختَلَفا في دَفعِ المالِ إليه بعدَ بُلوغِه فالقَولُ قَولُ الوَصيِّ؛ لأنَّه أَمينٌ في ذلك فقُبلَ قَولُه فيه كالنَّفقةِ وكالمُودَعِ (^١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختلَفوا فيما إذا ادَّعى الوَصيُّ دَفعَ المالِ إلى اليَتيمِ بعدَ بُلوغِه؟
فقالَ أَبو حَنيفةَ وأَحمدُ: القَولُ قَولُ الوَصيِّ مع يَمينِه، وكذلك الحُكمُ في الأَبِ والحاكِمِ والشَّريكِ والمُضارِبِ.
وقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ: لا يُقبلُ قَولُ الوَصيِّ إلا ببَيِّنةٍ، واستَثنَى الشافِعيُّ الشَّريكَ والمُضارِبَ، فذكَرَ فيهما قولَينِ (^٢).