الأَسبابُ: جَمعُ «سَبَب»، وهو لُغةً: ما يُتوصَّلُ به إلى غيرِه، واصطِلاحًا: ما يَلزمُ من وُجودِه الوُجودُ، ومن عَدمِه العَدمُ لذاتِه.
وأَسبابُ الإِرثِ -وهو انتِقالُ مالِ المَيتِ إلى حَيٍّ بعدَه- ثَلاثةٌ بإِجماعِ أهلِ العِلمِ: النَّسبُ (أو الرَّحمُ) والنِّكاحُ والوَلاءُ.
قالَ الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: أجمَعَ المُسلِمونَ على أنَّ الأَسبابَ المُتوارَثَ بها ثَلاثةٌ: رَحِمٌ، أي: نَسبٌ ونِكاحٌ ووَلاءٌ (^١).
وقد تَجتمِعُ الأَشياءُ الثَّلاثةُ فيَكونُ الرَّجلُ زَوجًا لمَرأةٍ ومَولاها وابنَ عَمِّها، وقد يَجتمِعُ منها شَيئانِ لا أكثَرُ، مِثلَ أنْ يَكونَ زَوجَها ومَولاها، أو زَوجَها وابنَ عَمِّها، فيَرثُ بوَجهَينِ ويَكونُ له جَميعُ المالِ إذا انفرَدَ، نِصفُه بالزَّوجيةِ ونِصفُه بالنَّسبِ أو للوَلاءِ، ومِثلَ أنْ تَكونَ المَرأةُ ابنةَ الرَّجلِ ومَولاتَه، فيَكونُ لها أيضًا جَميعُ المالِ، إذا انفَرَدت: ونِصفُه بالوَلاءِ وكذلك ما أشبَهَه.
ثم رابِعٌ مُختلَفٌ فيه وهو الإِسلامُ، أي: جِهتُه (وهو بَيتُ مالِ المُسلِمينَ) على اختِلافٍ فيه عندَ عَدمِ وُجودِ وارِثٍ، فلا إِرثَ بغيرِ هذه الأربَعةِ بالإِجماعِ.
وبَيانُها فيما يَلي:
أولًا: النَّسبُ: (وهو الرَّحمُ والقَرابةُ): وهو: القَرابةُ؛ وهي البُنوةُ والأُبوةُ
_________________
(١) «الإفصاح» (٢/ ٨٥).
[ ٢٤ / ٤٧١ ]
والإِدلاءُ بأَحدِهما وهو الاتِّصالُ بينَ إِنسانَينِ بإِشراكٍ في وِلادةٍ قَريبةٍ أو بَعيدةٍ فيَرثُ بها، لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] ولقَولِه تَعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [لقمان: ٦]. ولأنَّ المَيتَ لمَّا استَغنَى عن مالِه ولم يَستحِقَّه أحدٌ يَبقَى عاطِلًا سائِبًا، والقَريبُ أَولى الناسِ به، فيَستحِقُّه بالقَرابةِ صِلةً، كما يَستحِقُّ النَّفقةَ حالَ حَياةِ مُورِّثِه صِلةً (^١).
ثانيًا: النِّكاحُ الصَّحيحُ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ النِّكاحَ الصَّحيحَ -وإنْ لم يَحصُلْ به دُخولٌ- سَببٌ من أَسبابِ الإِرثِ فيَرثُ كلٌّ من الزَّوجَينِ الآخَرَ لقَولِه تَعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢].
والزَّوجيةُ أصلُ القَرابةِ وأَساسُها؛ لأنَّ القَراباتِ تفَرَّعت وتشَعَّبت منها، فالتحَقَت قَرابةُ السَّببِ بقَرابةِ النَّسبِ في حَقِّ استِحقاقِ الإِرثِ.
ولا تَوارُثَ بنِكاحٍ فاسِدٍ ولا باطِلٍ إِجماعًا.
_________________
(١) «الاختيار» (٥/ ١٠٥)، و«التاج والإكليل» (٥/ ٤٩٠)، و«مسائل أَبي الوليد ابن رشد» (١/ ٤٤٩، ٤٥٠)، و«أسهل المدارك شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك» (٣/ ٢٨٨)، و«البيان» (٩/ ١١)، و«النجم الوهاج» (٦/ ١١٦، ١١٧)، و«كنز الراغبين» (٣/ ٣٣٤، ٣٣٥)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٩٠)، و«تحفة المحتاج» (٨/ ١٥)، و«كشاف القناع» (٤/ ٤٩١)، و«شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٥٣٠)، و«منار السبيل» (٢/ ٣٩٩).
[ ٢٤ / ٤٧٢ ]
قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ الزَّوجَ يَرثُ من زَوجتِه -إذا لم تَتركْ وَلدًا أو وَلدَ ابنٍ ذَكرًا كانَ أو أُنثى- النِّصفَ.
وأَجمَعوا على أنَّ له الرُّبعَ إذا ترَكَت وَلدًا أو وَلدَ وَلدٍ ولا يَنقُصُ منه شَيءٌ.
وأَجمَعوا على أنَّ المَرأةَ تَرثُ من زَوجِها الرُّبعَ إذا هو لم يَتركْ وَلدًا ولا وَلدَ ابنٍ.
وأَجمَعوا على أنَّها تَرثُ الثُّمنَ إذا كانَ له وَلدٌ أو وَلدُ ابنٍ.
وأَجمَعوا على أنَّ حُكمَ الأربَعِ من الزَّوجاتِ حُكمُ الواحِدةِ في كلِّ ما ذكَرناه (^١).
وقالَ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقَوا على أنَّ الزَّوجَ يَرثُ من زَوجتِه -التي لم تَبِنْ منه بطَلاقٍ ولا غيرِه ولا ظاهَرَ منها فماتَت قبلَ أنْ تَكفُرَ- النِّصفَ إنْ لم يَكنْ لها وَلدٌ خرَجَ بنَفسِه من بَطنِها من ذلك الزَّوجِ أو من غيرِه ذكَرًا أو أُنثى، فإنَّ الزَّوجَ يَرثُ الرُّبعَ ما لم تَعُلِ الفَريضةُ في كِلا الوَجهَينِ واختلَفوا إذا عالَت أيُحَطُّ شَيءٌ أم لا.
واتَّفَقوا على أنَّه إذا كانَ لها وَلدُ وَلدٍ ذَكرٌ أو أُنثى فللزَّوجِ الرُّبعُ (^٢).
وقالَ أيضًا: واتَّفَقوا على أنَّ الزَّوجةَ التي لم تُطلَّقْ حتى ماتَ زَوجُها ولا انفسَخَ نِكاحُه منها وكانا حُرَّينِ وكانَ دِينُه دِينَها تَرِثُه ويَرثُها.
واتَّفَقوا على أنَّ المُطلَّقةَ ثَلاثًا على حُكمِ السُّنةِ والتي انقَضَت عِدتُها
_________________
(١) «الإجماع» (٢٨٩، ٢٩٣).
(٢) «مراتب الإجماع» ص (١٠٠).
[ ٢٤ / ٤٧٣ ]
من الطَّلاقِ الرَّجعيِّ ومن الخُلعِ ومن الفَسخِ لا تَرثُه ولا يَرثُها إذا وقَعَ كلُّ ما ذَكَرنا من الطَّلاقِ والخُلعِ والفَسخِ في صِحتِها باختِيارِهما (^١).
ثالِثًا: الوَلاءُ: وهي عُصوبةٌ سَببُها نِعمةُ المُعتَقِ مُباشَرةً أو سِرايةً أو شَرعًا، كعِتقِ أَصلِه وفَرعِه، فيَرثُ به المُعتَقُ في تَعصيبٍ فقط لقَولِه ﷺ: «الوَلاءُ لُحمةٌ كلُحمةِ النَّسبِ» (^٢)، شَبَّه الوَلاءَ بالنَّسبِ، والنَّسبُ يُورَثُ به فكذا الوَلاءُ، فيَرثُ المُعتَقُ العَتيقَ للخَبَرِ السابِقِ ولا عَكسَ.
قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ الرَّجلَ إذا أعتَقَ عن الرَّجلِ عَبدًا بغيرِ أمرِه فالوَلاءُ للمُعتِقِ (^٣).
وقالَ الإِمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ مَنْ أعتَقَ عبدَه أو أَمتَه كما قدَّمنا عِتقًا صَحيحًا غيرَ سائِبةٍ ولم يَكنْ للمُعتَقِ أَبٌ أعتَقَه غيرُ الذي أعتَقَه هو أنَّ وَلاءَه له (^٤).
_________________
(١) «مراتب الإجماع» ص (١٠٩، ١١٠)، ويُنظَر: «الاختيار» (٥/ ١٠٥)، و«التاج والإكليل» (٥/ ٤٩٠)، و«مسائل أَبي الوليد ابن رشد» (١/ ٤٤٩، ٤٥٠)، و«أسهل المدارك شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك» (٣/ ٢٨٨)، و«البيان» (٩/ ١١)، و«النجم الوهاج» (٦/ ١١٦، ١١٧)، و«كنز الراغبين» (٣/ ٣٣٤، ٣٣٥)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٩٠)، و«تحفة المحتاج» (٨/ ١٥)، و«كشاف القناع» (٤/ ٤٩١)، و«شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٥٣٠)، و«منار السبيل» (٢/ ٣٩٩).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الشافعي (١/ ٣٣٨)، والدارمي (٣١٥٩)، وابن حبان في «صحيحه» (١١/ ٣٢٦)، والحاكم في «المستدرك» (٧٩٩٠).
(٣) «الإجماع» (٣٧٥).
(٤) «مراتب الإجماع» ص (١٦٢).
[ ٢٤ / ٤٧٤ ]
وقالَ أيضًا: واتَّفَقوا على أنَّ مَنْ أعتَقَ عَبدًا عِتقًا صَحيحًا من رَجلٍ وامرأةٍ فقد استحَقَّ الوَلاءَ واستحَقَّ بسَببِه.
واتَّفَقوا على أنَّ الوَلاءَ لا يُستحَقُّ بغيرِ العِتقِ أو الإِسلامِ على اليَدَينِ أو المُوالاةِ، والعِتقُ مُتَّفقٌ عليه أنَّه يُستحَقُّ به الوَلاءُ على ما قدَّمنا، والإسلامُ والمُوالاةُ مُختلَفٌ فيهما، أيُستحَقُّ بهما وَلاءٌ أم لا؟ (^١).
وقالَ: واتَّفَقوا في مَيتٍ لا عَصبةَ له، ولا ذا رَحمٍ أَصلًا، لا مِنْ الرِّجالِ ولا من النِّساءِ ولا زَوجَ إنْ كانَت امرأةً ولا زَوجةَ إنْ كانَ رَجلًا وله مَولًى ذَكرٌ من فَوقِ من عَتَقه أو ابنُ مَولًى أعتَقَ أَبا هذا المَيتِ قبلَ وِلادةِ هذا المَيتِ أنَّ ميراثَه لذوي المُعتِقِ أو لوَلدِه أو لمَن تناسَلَ من ذُكورِ وَلدِه أو لعَصبتِه كما قدَّمنا (^٢).
وقالَ الإِمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وَلاءُ العِتاقةِ فلا خِلافَ في ثُبوتِه شَرعًا، عَرَفنا ذلك بالسُّنةِ وإِجماعِ الأُمةِ والمَعقولِ.
أمَّا السُّنةُ؛ فقَولُ النَّبيِّ ﷺ: «الوَلاءُ لمَن أعتَقَ»، وهذا نَصٌّ، ورُويَ أنَّ رَجلًا اشتَرَى عَبدًا فأعتَقَه فجاءَ به إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي اشتَرَيت هذا فأعتَقتُه، فقالَ: «هو أَخوك ومَولاك، فإنْ شكَرَك فهو خَيرٌ له وشَرٌّ لك، وإنْ كفَرَك فهو خَيرٌ لكَ وشَرٌّ له، وإنْ ماتَ ولم يَتركْ وارِثًا كُنْتَ أنتَ عَصَبتَه» والاستِدلالُ به من وَجهَينِ:
_________________
(١) «مراتب الإجماع» ص (١٠٨).
(٢) «مراتب الإجماع» ص (١٠٧).
[ ٢٤ / ٤٧٥ ]
أَحدُهما: أنَّه جعَلَه عَصبةً إذا لم يَتركْ وارِثًا آخَرَ.
والثاني: أنَّه جعَلَ المُعتَقَ مَولَى المُعتِقِ بقَولِه: هو أَخوكَ ومَولاك، ولا يَكونُ مَولاه إلا أنْ يَكونَ وَلاؤُه له …
وقَولُه: «إنْ شكَرَك فهو خَيرٌ له»؛ لأنَّ المُعتَقَ لمَّا أنعَمَ اللهُ عليه بالإِعتاقِ فقد وجَبَ عليه الشُّكرُ فإذا شكَرَه فقد أدَّى ما وجَبَ عليه فكانَ خَيرًا له.
قَولُه: «وشَرٌّ لك»؛ لأنَّه قد وصَلَ إليه شَيءٌ من العِوضِ فأوجَبَ ذلك نُقصانًا في الثَّوابِ؛ لأنَّه يَصيرُ كأنَّه أعتَقَه على عِوضٍ فكانَ ثَوابُه أقَلَّ ممَّن أعتَقَ ولم يَصِلْ إليه على إِعتاقِه عِوضٌ دُنيويٌّ أَصلًا ورأسًا.
وقَولُه: «وإنْ كفَرَك فهو خَيرٌ لك»؛ لأنَّ إِعتاقَه إذا خَلا عن عِوضٍ دُنيويٍّ يَتكامَلُ ثَوابُه في الآخِرةِ.
وقَولُه: «وشَرٌّ له»؛ لأنَّ شُكرَ النِّعمةِ واجِبٌ عَقلًا وشَرعًا فإذا لم يَشكُرْه فقد ترَكَ الواجِبَ فكانَ شَرًّا له.
ورُويَ أنَّ مُعتقَ بِنتِ حَمزةَ ﵁ ماتَ وترَكَ بِنتًا فجعَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ نِصفَ مالِه لابنتِه والنِّصفَ لابنةِ حَمزةَ.
ورُويَ عن عُمرَ ﵁ وعلِيٍّ وعبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ وأُبيِّ بنِ كَعبٍ وزَيدِ بنِ ثابِتٍ وأَبي مَسعودٍ الأَنصاريِّ وأُسامةَ بن زَيدٍ ﵃ أنَّهم قالوا: الوَلاءُ للكِبَرِ، فاتِّفاقُ هؤلاء النُّجباءِ من الصَّحابةِ ﵃ على لَفظٍ واحِدٍ بدَليلِ سَماعِهم ذلك عن رَسولِ اللهِ مع ما أنَّ هذا حُكمٌ لا يُدرَكُ بالقياسِ
[ ٢٤ / ٤٧٦ ]
فالظاهِرُ قَولُ السَّماعِ وسيَأتي تَفسيرُ هذا الحَديثِ في أَثناءِ المَسائلِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
وأمَّا الإِجماعُ؛ فإنَّ الأُمةَ أجمَعَت على ثُبوتِ هذا الوَلاءِ.
وأمَّا المَعقولُ فمِن وُجوهٍ:
أَحدُها: أنَّ الإِعتاقَ إِنعامٌ، فالمُعتِقُ أنعَمَ على المُعتَقِ بإِيصالِه إلى شَرفِ الحُريةِ، ولهذا سمَّى المَولَى الأسفَلَ مَولَى النِّعمةِ في عُرفِ الشَّرعِ، وكذا سمَّاه اللهُ تَعالى إِنعامًا، فقالَ ﷿ في زَيدٍ مَولَى رَسولِ اللهِ ﷺ: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، قيلَ في التَّفسيرِ: أنعَمَ اللهُ عليه بالإِسلامِ، وأنعَمتَ عليه بالإِعتاقِ، فجعَلَ كَسبَه عندَ استِغنائِه عنه لمَولاه شُكرًا لإِنعامِه السابِقِ، ولهذا لا يَرثُ المُعتَقُ من المُعتِقِ.
والثاني: أنَّ المُعتَقَ في نُصرةِ المُعتِقِ حالَ حَياتِه، ولهذا كانَ عَقلُه عليه، وعليه أنْ يَنصُرَه بدَفعِ الظُّلمِ عنه وبكَفِّه عن الظُّلمِ على غيرِه، فإذا جَنى فقد قصَّرَ في أحدِ نَوعَيِ النُّصرةِ وهو كَفُّه عن الظُّلمِ على غيرِه فجعَلَ عَقلَه عليه ضَمانًا للتَّقصيرِ، فإذا ماتَ جُعلَ وَلاؤُه لمُعتِقِه جَزاءً للنُّصرةِ السابِقةِ.
والثالِثُ: أنَّ الإِعتاقَ كالإِيلادِ من حيثُ المَعنى؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما إِحياءُ مَعنًى؛ فإنَّ المُعتِقَ سَببٌ لحَياةِ المُعتَقِ باكتِسابِ سَببِ الأَهليةِ والمالِكيةِ والوِلايةِ التي يَمتازُ بها الآدَميُّ عن البَهائمِ كما أنَّ الأَبَ سَببُ حَياةِ الوَلدِ باكتِسابِ سَببِ وُجودِه عادةً وهو الإِيلادُ ثم الإِيلادُ سَببٌ لثُبوتِ
[ ٢٤ / ٤٧٧ ]
النَّسبِ، فالإِعتاقُ يَكونُ سَببًا لثُبوتِ الوَلاءِ كالإِيلادِ، وهذا مَعنى قَولِ النَّبيِّ ﷺ الوَلاءُ لُحمةٌ كلُحمةِ النَّسبِ واللهُ ﷿ أعلَمُ (^١).
وكذا الكاتِبُ إذا ماتَ فوَلاؤُه لسيِّدِه، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ووَلاءُ المُكاتَبِ والمُدبَّرِ لسيِّدِهما إذا أُعتِقا، هذا قَولُ عامَّةِ الفُقهاءِ (^٢).
وقالَ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ وَلاءَ المُكاتَبِ إذا عُتِقَ بالأَداءِ ليسَ لسيِّدِه الذي كاتَبَه كما ذَكَرنا في سائِرِ المُعتَقينَ (^٣).
رابِعًا: بَيتُ مالِ المُسلِمينَ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ المُسلمَ إذا ماتَ وليسَ له جِهةٌ تَرثُه تُصرفُ تَركتُه أو باقيها لبَيتِ المالِ إِرثًا للمُسلِمينَ عُصوبةً إذا لم يَكنْ له وارِثٌ بالأَسبابِ الثَّلاثةِ المُتقدِّمةِ أو كانَ ولم يَستغرِقْ؛ لقَولِه ﷺ: «أنا وارِثُ مَنْ لا وارِثَ له أعقِلُ له وأرِثُه» (^٤)، وهو ﷺ لا يَرثُ لنَفسِه شَيئًا، وإنَّما
_________________
(١) «بدائع الصنائع» (٤/ ١٥٩، ١٦٠).
(٢) «المغني» (٦/ ٢٨٤).
(٣) «مراتب الإجماع» ص (١٦٥)، ويُنظَر: «الاختيار» (٥/ ١٠٥)، و«التاج والإكليل» (٥/ ٤٩٠)، و«مسائل أَبي الوليد ابن رشد» (١/ ٤٤٩، ٤٥٠)، و«أسهل المدارك شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك» (٣/ ٢٨٨)، و«البيان» (٩/ ١١)، و«النجم الوهاج» (٦/ ١١٦، ١١٧)، و«كنز الراغبين» (٣/ ٣٣٤، ٣٣٥)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٩٠)، و«تحفة المحتاج» (٨/ ١٥)، و«كشاف القناع» (٤/ ٤٩١)، و«شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٥٣٠)، و«منار السبيل» (٢/ ٣٩٩).
(٤) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أَبو داود (٢٨٩٩)، وابن ماجه (٢٧٣٨)، وابن حبان (١٣/ ٣٩٧).
[ ٢٤ / ٤٧٨ ]
يُصرفُ ذلك في مَصالحِ المُسلِمينَ؛ لأنَّهم يَعقِلونَ عن المَيتِ كالعَصبةِ من القَرابةِ، فيَضعُ الإِمامُ تَركتَه أو باقيَها في بَيتِ المالِ أو يَخصُّ منها مَنْ يَشاءُ.
وعن عَوسَجةَ عن ابنِ عَباسٍ «أنَّ رَجلًا ماتَ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ولم يَدَعْ وارِثًا إلا عَبدًا هو أعتَقَه فأَعطاه النَّبيُّ ﷺ مِيراثَه» (^١).
قالَ الإِمامُ التِّرمذيُّ ﵀: والعَملُ عندَ أهلِ العِلمِ في هذا البابِ: إذا ماتَ الرَّجلُ ولم يَتركْ عَصبةً فمِيراثُه يُجعلُ في بَيتِ مالِ المُسلِمينَ (^٢).
فعلى هذا يُدفعُ جَميعُ المالِ إلى بَيتِ مالِ المُسلِمينَ إذا لم يَكنْ وارِثٌ.
واختَلفَ الفُقهاءُ في الفاضِلِ بعدَ فُروضِ ذَوي السِّهامِ هل يَكونُ لبَيتِ المالِ إذا لم تَكُنْ عَصبةٌ؟ أو يُردُّ على ذَوي السِّهامِ بقَدرِ سِهامِهم؟ بعدَ اتِّفاقِ الجَميعِ على أنَّه لا يُردُّ على أحدِ الزَّوجَينِ شَيءٌ؛ لأنَّ فَرضَهما بالسَّببِ لا بالنَّسبِ فهو ضَعيفٌ؛ لأنَّهما استحَقَّاه بعدَ انقِطاعِ السَّببِ الذي يَستحِقانِ به فلا يُزادانِ على فَرضِهما بخِلافِ مَنْ يَرثُ بالنَّسبِ؛ لأنَّ النَّسبَ باقٍ بعدَ المَوتِ فقَويَ حالُهم في الاستِحقاقِ فكانوا أَولى بالفاضِلِ.
أو نَقولُ: إنَّ الزَّوجَينِ يَستحِقانِ بسَببٍ واحِدٍ وهو النِّكاحُ، فإذا استحَقَّا به لم يَكنْ لهما سَببٌ غيرُ ذلك يَستحِقانِ به وأهلُ النَّسبِ يَستحِقُّونَ بالنَّسبِ وهو البُنوةُ في البِنتِ والأُخوَّةُ في الأُختِ، والباقي بالرَّحمِ.
_________________
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أَبو داود (٢٩٠٥)، والترمذي (٢١٠٦)، وابن ماجه (٢٧٤١)، وأَحمد (١/ ٣٥٨).
(٢) «سنن الترمذي» (٤/ ٤٢٣).
[ ٢٤ / ٤٧٩ ]
وأمَّا غيرُ الزَّوجَينِ من أهلِ السِّهامِ فاختلَفوا فيهم.
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّ ما بَقيَ بعدَ الفُروضِ يُدفعُ إلى بَيتِ المالِ ولا يُردُّ لذَوي الفُروضِ ما فضَلَ عنهم.
قالَ الخَرشيُّ: ولا يُردُّ ما فضَلَ عن أَصحابِ الفُروضِ إليهم عندَ مالِكٍ وزَيدٍ وأهلِ المَدينةِ والشافِعيِّ وجُمهورِ قُضاةِ الصَّحابةِ، وقالَ علِيٌّ: يُردُّ على كلِّ واحِدٍ بقَدرِ ما ورِثَ سِوى الزَّوجِ والزَّوجةِ، فلا يُردُّ عليهما إِجماعًا، ولا يُدفعُ ما فضَلَ عن أَصحابِ الفُروضِ لذَوي الأَرحامِ على المَشهورِ لكنَّ الشَّيخَ أَبا بَكرٍ الطُّرطُوشيَّ قيَّدَ هذا بما إذا كانَ الإِمامُ عَدلًا، وإلا يُردَّ على ذَوي السِّهامِ ويُدفَعْ لذَوي الأَرحامِ (^١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الفاضِلَ عن فَرضِ ذَوي السِّهامِ إذا لم يَكنْ هناك عَصبةٌ مَردودٌ عليهم بقَدرِ سِهامِهم إلا على الزَّوجَينِ لقَولِ اللهِ ﵎: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، وهو المِيراثُ، فيَكونُ أَولى من بَيتِ المالِ ومِن الزَّوجَينِ إلا فيما ثبَتَ لهما بالنَّصِّ، وكانَ يَنبَغي أنْ يَكونَ ذلك لجَميعِ ذَوي الأَرحامِ لاستِوائِهم في هذا
_________________
(١) «شرح مختصر خليل» (٨/ ٢٠٧، ٢٠٨)، و«التاج والإكليل» (٥/ ٤٨٩)، و«تحبير المختصر» (٥/ ٤٩٩، ٦٠٠)، و«مسائل أَبي الوليد ابن رشد» (١/ ٤٤٩، ٤٥٠)، و«أسهل المدارك شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك» (٣/ ٢٨٨)، و«البيان» (٩/ ١١)، و«النجم الوهاج» (٦/ ١١٨)، و«كنز الراغبين» (٣/ ٣٣٥، ٣٣٦)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٩، ١٠)، و«تحفة المحتاج» (٨/ ١٧).
[ ٢٤ / ٤٨٠ ]
الاسمِ، إلا أنَّ أَصحابَ الفَرائضِ قُدِّموا على غيرِهم من ذَوي الأَرحامِ لقُوةِ قَرابتِهم، ألَا تَرى أنَّهم يُقدَّمونَ في الإِرثِ فكانوا أحَقَّ به؟
ومن حيثُ السُّنةُ قَولُه ﷺ: «مَنْ ترَكَ مالًا فللوارِثِ» (^١)، ولأنَّ القَرابةَ عِلةٌ لاستِحقاقِ الكلِّ؛ لأنَّ المَيتَ قد استَغنَى عن المالِ، فلو لم يَنتقِلْ إلى أحدٍ يَبقى سائِبةً، والقَريبُ أَولى الناسِ به فيَستحِقُّه بالقَرابةِ صِلةً، إلا أنَّها تقاعَدَت عن استِحقاقِ الكلِّ عندَ الاجتِماعِ للمُزاحمةِ بالإِجماعِ فبَقيَت مُفيدةً له عندَ الانفِرادِ، فوجَبَ أنْ يَستحقَّ صاحِبُ السَّهمِ بقَدرِ سَهمِه حالةَ المُزاحَمةِ، ويَستحِقَّ الفاضِلَ عن سَهمِه حالةَ الانفِرادِ.
وما رُويَ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ دخَلَ على سَعدٍ يَعودُه فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ لي مالًا ولا يَرثُني إلا ابنَتي» الحَديثَ، ولم يُنكِرْ عليه رَسولُ اللهِ ﷺ حَصرَ المِيراثِ على ابنتِه، ولولا أنَّ الحُكمَ كذلك لأنكَرَ عليه ولم يُقرَّه على الخَطإِ لا سيَّما في مَوضعِ الحاجةِ إلى البَيانِ.
وكذا رُويَ أنَّ امرأةً أتَتْ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَت: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي تصَدَّقت على أُمِّي بجاريةٍ فماتَت أُمِّي، وبَقيَت الجاريةُ، فقالَ: «وجَبَ أجرُك، ورجَعَت إليكِ في المِيراثِ» فجعَلَ الجاريةَ راجِعةً إليها بحُكمِ المِيراثِ، وهذا هو الرَّدُّ، ولأنَّ أَصحابَ الفَرائضِ ساوَوُا الناسَ كلَّهم وترَجَّحوا بالقَرابةِ فيَترجَّحونَ بذلك من المُسلِمينَ.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٣٩٨)، ومسلم (١٦١٩).
[ ٢٤ / ٤٨١ ]
أمَّا الزَّوجانِ فقَرابَتُهما قاصِرةٌ فلا يَستحِقانِ إلا سَهمَهما إِظهارًا لقُصورِ مَرتبتِهما، ولأنَّ الزَّوجيةَ تَزولُ بالمَوتِ فيَنتَفي السَّببُ، وقَضيتُه عَدمُ الإِرثِ أصلًا، إلا أنا أَعطَيناهما فَرضَهما بصَريحِ الكِتابِ فلا يُزادُ عليه.
أو نَقولُ: إنَّ الزَّوجَينِ يَستحِقانِ بسَببٍ واحِدٍ وهو النِّكاحُ، فإذا استحَقَّا به لم يَكنْ لهما سَببٌ غيرُ ذلك يَستحِقانِ به، وأهلُ النَّسبِ يَستحِقونَ بالنَّسبِ، وهو البُنوةُ في البِنتِ والأُخوَّةُ في الأُختِ، والباقي بالرَّحِمِ (^١).
قالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واختَلفَ العُلماءُ في رَدِّ ما بَقيَ من مالِ الوَرثةِ على ذَوي الفَرائضِ إذا بَقيَت من المالِ فَضلةٌ لم تَستَوفِها الفَرائضُ ولم يَكنْ هناك من يُعصِّبُ، فكانَ زَيدٌ لا يَقولُ بالرَّدِّ ويَجعلُ الفاضِلَ في بَيتِ المالِ وبه قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ.
وقالَ جُلُّ الصَّحابةِ بالرَّدِّ على ذَوي الفُروضِ ما عدا الزَّوجَ والزَّوجةَ وإنْ كانوا اختلَفوا في كَيفيةِ ذلك، وبه قالَ فُقهاءُ العِراقِ من الكُوفيِّينَ والبَصريِّينَ.
وأجمَعَ هؤلاء الفُقهاءُ على أنَّ الرَّدَّ يَكونُ لهم بقَدرِ سِهامِهم.
فمَن كانَ له نِصفٌ أخَذَ النِّصفَ ممَّا بَقيَ. وهكَذا في جُزءٍ جُزءٍ.
_________________
(١) «الاختيار» (٥/ ١٢٠)، و«تبيين الحقائق» (٦/ ٢٤٦، ٢٤٧)، و«الجوهرة النيرة» (٦/ ٤٤٨)، و«المغني» (٦/ ١٨٥)، و«كشاف القناع» (٤/ ٥٢٢، ٥٢٣)، و«المبدع» (٦/ ١١٤)، و«منار السبيل» (٣/ ٤٣٤).
[ ٢٤ / ٤٨٢ ]
وعُمدتُهم أنَّ قَرابةَ الدِّينِ والنَّسبِ أَولى من قَرابةِ الدِّينِ فقط، أي أنَّ هؤلاء اجتمَعَ لهم سَببانِ وللمُسلِمينَ سَببٌ واحِدٌ (^١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأمَّا الزَّوجانِ فلا يُردُّ عليهما باتِّفاقٍ من أهلِ العِلمِ (^٢).