اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعةِ على أنَّ الإِنسانَ إذا فُقدَ وانقَطعَ خبَرُه لغَيبةٍ ظاهِرُها السَّلامةُ كسَفرِ التِّجارةِ والسِّياحةِ وطَلبِ العِلمِ ونحوِ ذلك أو وقَعَ أَسيرًا عندَ مَنْ لا يَقتُلُ الأَسيرَ، فإنَّه لا يُحكَمُ بمَوتِه، ويُنتَظرُ ولا يُوزَّعُ مِيراثُه في هذه الحالةِ.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا في مُدةِ الانتِظارِ التي لا يُوزَّعُ المِيراثُ قبلَها.
فذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ وابنُ الماجِشونَ مِنْ المالِكيةِ إلى أنَّه يُنتَظرُ تَتمةَ تِسعينَ سنةً مِنْ يومِ وُلدَ؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّه لا يَعيشُ أكثرَ مِنْ هذا.
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُنتَظرُ به حتى تَمضِيَ عليه مُدةٌ يُعلَمُ
_________________
(١) «المغني» (٦/ ٢٥٦، ٢٥٧)، و«الكافي» (٢/ ٥٤٨)، و«المبدع» (٦/ ٢٢٧)، و«الإنصاف» (١١/ ٣٤٥، ٣٤٦)، و«كشاف القناع» (٤/ ٥٦٩، ٥٧١)، و«مطالب أولي النهى» (٤/ ٦٤٢، ٦٤٤)، و«منار السبيل» (٢/ ٤٥٧، ٤٦٢).
[ ٢٤ / ٦٢٤ ]
قطعًا أنَّه لا يَجوزُ أن يَعيشَ بعدَها، فيُحكَمُ حينَئذٍ بمَوتِه، مِنْ غيرِ أنْ يَتقدَّرَ ذلك بزَمانٍ مَحصورٍ، وذلك مَردودٌ إلى اجتِهادِ الحاكمِ؛ لأنَّ الأصلَ حَياتُه.
وفي رِوايةٍ عندَهم جَميعًا: يُوقَفُ تَمامَ مائةٍ وعِشرينَ سنةً معَ سَنةِ يومَ فُقدَ؛ لأنَّه أَكثَرُ ما يَبلُغُه أهلُ هذا الزَّمانِ مِنْ العُمرِ.
ولكلِّ مَذهبٍ تَفصيلٌ في هذا، بَيانُه فيما يَلي:
قالَ الحَنفيةُ: المَفقودُ مُتردِّدُ الحالِ بينَ الحَياةِ والمَوتِ كالجَنينِ في البَطنِ، ثم الأصلُ فيه أنَّ المَفقودَ يُجعَلُ حيًّا في مالِه مَيتًا في مالِ غيرِه حتى لا يُورَّثَ عنه مالُه ولا يُقسَمَ بينَ وَرثتِه ما لَم يُعلَمْ مَوتُه، ولا يُعطَى له مِيراثُ أَحدٍ مِنْ قَرابتِه إذا ماتَ قبلَ أنْ يَتبَينَ حالُه، ولكنْ يُوقَفُ نَصيبُ المَفقودِ كما يُوقَفُ نَصيبُ الحَملِ؛ لأنَّ حَياتَه كانَت مَعلومةً وما عُلمَ ثُبوتُه فالأصلُ بَقاؤُه إلا أنَّ الحُكمَ بحَياتِه باعتِبارِ استِصحابِ الحالِ فهو حُجةٌ في إِبقاءِ ما كانَ على ما كانَ، وليسَ بحُجةٍ في إِثباتِ ما لَم يَكنْ ثابتًا؛ لأنَّ ثُبوتَه لانعِدامِ الدَّليلِ المُزيلِ لا لوُجودِ الدَّليلِ المَنفيِّ فنَقولُ في مالِ نَفسِه: يُجعَلُ حيًّا لإِبقاءِ ما كانَ على ما كانَ، وفي مالِ غيرِه: لا تَثبُتُ حَياتُه؛ لأنَّ الحاجةَ إلى استِحقاقِ المِيراثِ لدَفعِ استِصحابِ الحالِ لا يَكفِي لذلك.
ثم اختَلفَت الرِّواياتُ أنَّه متى يُحكَمُ بمَوتِه فعلى ظاهرِ الرِّوايةِ قالَ: إذا لَم يَبقَ أَحدٌ مِنْ أَقرانِه.
وفي رِوايةِ الحَسنِ عن أَبي حَنيفةَ: إذا مَضى مِنْ مَولدِه مِائةٌ وعِشرونَ سنةً.
وفي رِوايةٍ أُخرَى: مِائةُ سَنةٍ.
[ ٢٤ / ٦٢٥ ]
ثم إذا وقَفَ نَصيبُه مِنْ مِيراثِ غيرِه فإنْ ظهَرَ حيًّا أخَذَ ذلك، وإنْ لَم يَظهَرْ حالُه حتى حُكمَ بمَوتِه لَم يَستحِقَّ شيئًا ممَّا وُقفَ له، بمَنزِلةِ الحَملِ إذا انفَصلَ حيًّا استَحقَّ المَيراثَ وإنِ انفَصلَ مَيتًا لَم يَستحِقَّ شيئًا، فإذا مضَت مُدةٌ يُعلَمُ أنَّه لا يَعيشُ إلى تلك المُدةِ فإنَّه يُحكَمُ بمَوتِه ويُقسَمُ مِيراثُه بيَن وَرثتِه، وإنَّما يُعتبَرُ مِنْ وَرثتِه مَنْ يَكونُ باقيًا في هذه الحالةِ، ولَا يَرثُه أحدٌ ممَّن ماتَ قبلَ هذا شيئًا؛ لأنَّه إنَّما يُحكَمُ بمَوتِه في هذه الحالةِ، وشُروطُ التَّوريثِ بَقاءُ الوارثِ حيًّا بعدَ مَوتِ المُورِّث؛ فلهذا لا يَرثُه إلا مَنْ كانَ باقيًا مِنْ وَرثتِه حينَ حُكمَ بمَوتِه (^١).
وقالَ المالِكيةُ: يُوقَفُ مالُ المَفقودِ الذي لَم يُعلَمْ له مَوضعٌ ولا حَياةٌ للحُكمِ مِنْ الحاكمِ بالفِعلِ بمَوتِه بعدَ زَمنِ التَّعميرِ، وهو الزَّمنُ الذي لا يَعيشُ إلى مِثلِه غالبًا، وهل هو سَبعونَ سنةً من يَومِ وِلادتِه أو خَمسٌ وسَبعونَ أو ثَمانونَ أو مِائةٌ وقِيل: مائةٌ وعِشرونَ؟
على اختِلافٍ، ويُقدَّرُ حينَئذٍ مَيتًا ولا بدَّ مِنْ حُكمِ الحاكمِ، ولا يَكفِي مُضيُّ مُدةِ التَّعميرِ مِنْ غيرِ حُكمٍ؛ للخِلافِ فيها، حتى إنَّ مَنْ ماتَ مِنْ وَرثةِ المَفقودِ بعدَ مُضيِّها وقبلَ الحُكمِ فلا شيءَ له مِنْ مالِ المَفقودِ ما لَم يَثبُتْ مَوتُه ببَينةٍ أو يَمضِي له مِنْ الزَّمانِ مائةٌ وعِشرونَ سَنةً مِنْ وَلادتِه وإلا وُرثَ مالُه ولا يُحتاجُ لحُكمِ حاكمٍ.
_________________
(١) «المبسوط» (٣٠/ ٥٤، ٥٥)، و«فتاوى السغدي» (٢/ ٨٥٥).
[ ٢٤ / ٦٢٦ ]
وإنْ ماتَ مَنْ يَرثُ منه المَفقودُ قُدِّرَ المَفقودُ حيًّا بالنِّسبةِ لإِرثِ بَقيةِ الوَرثةِ فتُمنعُ الأُختُ مِنْ الإِرثِ وتُنقَصُ الأمُّ.
قُدِّرَ أيضًا مَيتًا فلا تُمنَعُ الأُختُ وتُزادُ الأمُّ ويُنقَصُ الزَّوجُ للعَولِ وأُعطيَ الوارثُ غيرَ المَفقودِ أقلَّ نَصيبِه.
ووُقفَ المَشكوكُ فيه وهو نَصيبُ المَفقودِ وما اختُلفَ فيه حالِه-أي بحَياةِ المَفقودِ ومَوتِه- مِنْ نَصيبِ غيرِه فإنْ ثبَتَت حَياتُه أو مَوتُه ببَينةٍ فالأمرُ واضحٌ وإنْ لَم يَثبُتْ ذلك فإنْ مَضتْ مُدةُ التَّعميرِ وحكَمَ الحاكمُ بمَوتِه فحُكمُه كالمَجهولِ، فلا إِرثَ له مِنْ مورِّثه وتَرثُه أَحياءُ وَرثتِه غيرَ المَفقودِ (^١).
وقالَ الشافِعيةُ: مَنْ أُسرَ أو فُقدَ وانقَطعَ خبَرُه تُركَ مالُه حتى تَقومَ بَينةٌ بمَوتِه أو تَمضيَ مُدةٌ يَغلِبُ على الظنِّ أنَّه لا يَعيشُ فوقَها ولا تُقدَّرُ على الصَّحيحِ، وقيلَ: مُقدَّرةٌ بسَبعينَ سَنةً، وقيلَ: بثَمانينَ، وقيلَ: بتِسعينَ، وقيلَ: بمائةٍ وعِشرينَ؛ لأنَّها العُمرُ الطَّبيعِيُّ عندَ الأَطباءِ، فإذا مضَت المُدةُ المَذكورةُ فَيجتهِدُ القاضِي ويَحكمُ بمَوتهِ؛ لأنَّ الأصلَ بَقاءُ الحَياةِ فلا يُورَّثُ إلا بيَقينٍ، أمَّا عندَ البَينةِ فظاهرٌ، وأما عندَ مُضيِّ المُدةِ معَ الحُكمِ فلتَنزيلِه مَنزِلةَ قِيامِ البَينةِ، ثم يُعطِي مالَه مَنْ يَرثُه وقتَ إِقامةِ البَينةِ أو الحُكمِ بمَوتِه، فمَن ماتَ قبلَ ذلك ولو بلَحظةٍ لَم يَرثْ منه شيئًا؛ لجَوازِ مَوتِه فيها.
_________________
(١) «المدونة الكبرى» (٥/ ٤٥٢)، و«التاج والإكليل» (٥/ ٥١٠)، و«شرح مختصر خليل» (٨/ ٢٢٤)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٥٩٠، ٥٩١)، و«تحبير المختصر» (٥/ ٦٢٧، ٦٢٨).
[ ٢٤ / ٦٢٧ ]
ولو ماتَ مَنْ يَرثُه المَفقودُ قبلَ ثُبوتِ وفاتِه حَقيقَةً أو حُكمًا وقَفْنا كلَّ التَّركةِ إنْ لَم يَكنْ له وارِثٌ غيرَ المَفقودِ، وإلّا وقَفْنا حصَّتَه فقَط حتى يَتبيَّنَ أنَّه كانَ عندَ المَوتِ حيًّا أو مَيتًا، وعمِلْنا في الحاضِرينَ بالأَسوأِ.
فمَن يَسقطُ بالمَفقودِ لَا يُعطَى شيئًا حتى يَتبيَّنَ حالُه، ومَن يَنقُصُ منهم حقُّه بحَياتِه أو مَوتِه يُقدَّرُ في حقِّه ذلك، ومَن لَا يَختلِفُ نَصيبُه بهما أُعطيَه، فهذه ثَلاثةُ أَحوالٍ:
فَالأَوَّلُ: كزَوجٍ مَفقودٍ وأُختَينِ لأبٍ وعمٍّ حاضِرينَ إنْ كانَ الزَّوجُ حيًّا فللأُختَينِ أَربَعةٌ مِنْ سَبعةٍ، وسقَطَ العمُّ، وإنْ كانَ الزَّوجُ مَيتًا فلهما سَهمانِ مِنْ ثَلاثةٍ والباقِي للعمِّ فيُقدَّرُ في حقِّهم حَياتُه.
وَالثَّانِي: كجدٍّ وأخٍ لأَبوَينِ وأخٍ لأبٍ مَفقودٍ، فيُقدَّرُ في حقِّ الجدِّ حَياتُه فيَأخذُ الثُّلثَ، وفي حقِّ الأخِ لِأَبوَينِ مَوتُه فيَأخذُ النِّصفَ، ويَبقَى السُّدسُ إنْ تَبيَّنَ مَوتُه فللجدِّ، أو حَياتُه فللأخِ الشَّقيقِ.
وَالثَّالِث: كابنٍ مَفقودٍ وبِنتٍ وزَوجٍ حاضِرَينِ، للزَّوجِ الرُّبعُ بكلِّ حالٍ.
ولَو تلِفَ المَوقوفُ للغائبِ ثم حضَرَ أُخذَ ما دُفعَ للحاضِرينَ، وقُسمَ ما بينَ الكلِّ على حَسبِ إِرثِهم (^١).
_________________
(١) «الحاوي الكبير» (٨/ ٨٨، ٩٠)، و«كنز الراغبين» (٣/ ٣٦٨، ٣٦٩)، و«النجم الوهاج» (٦/ ١٧٨، ١٨٠)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٤٥، ٤٦).
[ ٢٤ / ٦٢٨ ]
وقالَ الحَنابِلةُ: مَنْ انقَطعَ خبَرُه لغَيبةٍ ظاهِرُها السَّلامةُ، كأَسرٍ وتِجارةٍ وسِياحةٍ وطَلبِ عِلمْ، انتُظِرَ به تَتمةَ تِسعينَ سَنةً منذُ وُلدَ؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّه لا يَعيشُ أَكثَرَ مِنْ هذا.
وعنه يُنتَظرُ به حتى يُتيَقنُ مَوتُه أو تَمضِي عليه مُدةٌ لا يَعيشُ في مثلِها، وذلك مَردودٌ إلى اجتِهادِ الحاكمِ.
فإن فُقدَ ابنُ تِسعينَ اجتَهدَ الحاكِمُ في تَقديرِ مُدةِ انتِظارِه.
فإنْ لَم يُعلَمْ خبَرُه بعدَ التِّسعينَ قُسمَ مالُه بينَ وَرثتِه ويُزكَّى مالُه لِما مَضى قبلَ قَسمِه؛ لأنَّ الزَّكاةَ حقٌّ واجبٌ في المالِ، فيَلزَمُ أَداؤُها.
ولا يَرثُ المَفقودَ إلا الأَحياءُ مِنْ وَرثتِه وقتَ قَسمِ مالِه وهو عندَ تَتمةِ المُدةِ مِنْ التِّسعينَ؛ لأنَّ مِنْ شُروطِ الإِرثِ: تَحقُّقُ حَياةِ الوارثِ عندَ مَوتِ المَوروثِ، وهذا الوقتُ بمَنزِلةِ وقتِ مَوتِه.
ولا يَرثُ مِنْ المَفقودِ مَنْ ماتَ مِنْ وَرثتِه قبلَ الوقتِ الذي يُقسَمُ مالُه فيه؛ لأنَّه بمَنزِلةِ مَنْ ماتَ في حَياتِه؛ لأنَّها الأصلُ.
فإن قدِمَ المَفقودُ بعدَ قَسمِ المالِ أخَذَ ما وَجدَه مِنْ المالِ بعَينِه بيدِ الوارثِ أو غيرِه؛ لأنَّه قد تَبيَّنَ عَدمُ انتِقالِ مِلكِه عنه ورجَعَ على مَنْ أخَذَ الباقِي بعدَ المَوجودِ بمثلِ مِثلِيٍّ وقِيمةِ مُتقوِّمٍ؛ لتَعذُّرِ ردِّه بعَينِه.
وإنْ ماتَ مَورُوثُه -أيْ مَنْ يَرثُه المَفقودُ في مُدةِ التَّربصِ، وهي المُدةُ التي قُلنا يُنتَظرُ به فيها- أخَذَ كلُّ وارثٍ غيرَ المَفقودِ مِنْ تَركةِ المُتوفَّى اليَقينَ، وهو ما لا يُمكِنُ أنْ ينقصَ عنه مِنْ حَياةِ المَفقودِ أو مَوتِه، ووُقفَ
[ ٢٤ / ٦٢٩ ]
الباقِي حتى يُتيقَّنَ أمرُه أو تَمضِي مُدةُ الانتِظارِ؛ لأنَّه مالٌ لا يُعلَمُ الآنَ مُستَحقُّه، أَشبهَ الذي يُنْقَصُ نَصيبُه بالحَملِ (^١).