اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو غرِقَ جَماعةٌ أو سقَطَ عليهم حائطٌ أو قُتِلوا في مَعركةٍ ولم يُعلَمْ من ماتَ منهم أولًا، هل يَرثُ كلُّ واحدٍ صاحبَه مِنْ تِلادِ مالِه -أي: أصلِ مالِه- أمْ لا يَتوارَثونَ مِنْ بعضٍ ويَكونُ مالُ كلِّ واحدٍ منهم للأَحياءِ مِنْ وَرثتِه ولا يَرثُ بعضُهم مِنْ بعضٍ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّ الغَرقَى والهَدمَى إذا لَم يُعلَمْ أيُّهم ماتَ أولًا، فمالُ كلِّ واحدٍ للأَحياءِ مِنْ وَرثتِه، وهكذا الحُكمُ في كُلِّ جَماعةٍ ماتُوا ولا يُدرَى أيُّهم ماتَ أولًا كالقَتلَى والحَرقَى ونحوِهم، وهو قولُ عامَّةِ الصَّحابةِ والعُلماءِ.
مِثالُه: أَخوانِ غرِقا ولكلِّ واحدٍ تِسعونَ دِينارًا وخلَّفَ بِنتًا وأمًّا وعمًّا، فتُقسَمُ تَركةُ كلِّ واحدٍ بينَ الأَحياءِ مِنْ وَرثتِه -البِنتِ والأمِّ والعمِّ- على سِتةٍ، ولا يَرثُ أحدُهما مِنْ الآخرِ؛ لأنَّه احتَملَ مَوتُهما معًا، واحتَملَ تَقدُّمُ
[ ٢٤ / ٦٠٨ ]
أَحدِهما، واحتَملَ تَأخُّرُه، فوقَعَ الشكُّ في استِحقاقِه المِيراثَ، واستِحقاقُ الأَحياءِ مُتيقَّنٌ فلا يُعارضُه الشكُّ، ولأنَّ أَحدَهما إنْ جُعلَ حيًّا حتى ورِثَ مِنْ الآخرِ كيف يُجعَلُ ميتًا حتى يَرثُه الآخرُ؟
ومِثالُه أيضًا: لو ماتَ رَجلٌ وزَوجتُه وثَلاثُ بَنينَ له منها تحتَ هَدمٍ وجُهلَ مَوتُ السابقِ منهم وترَكَ الأبُ زَوجةً أُخرَى وترَكَت الزَّوجةُ ابنًا لها من غيرِ زَوجِها الميتِ فللزَّوجةِ الرُّبعُ، وما بقِيَ للعاصِبِ، ومالُ الزَّوجةِ لابنِها الحيِّ، وسُدسُ مالِ البَنينَ لأخِيهم لأمِّهم وباقِيه للعاصِبِ.
والدَّليلُ عليه أيضًا ما رَوى سَعيدٌ: حدثَّنا إِسماعيلُ بنُ عَياشٍ عن يَحيَى بنِ سَعيدٍ «أنَّ قَتلَى اليَمامةِ وقَتلَى صِفينَ والحَرةِ لَم يُورِّثوا بعضَهم مِنْ بعضٍ وورَّثوا عَصبتَهم الأَحياءَ».
وقالَ: حدَّثَنا عبدُ العَزيزِ بنُ مُحمدٍ عن جَعفرِ بنِ مُحمدٍ عن أبِيه أنَّ أمَّ كُلثومٍ بنتَ عليٍّ تُوفِّيت هي وابنُها زَيدُ بنُ عَمرَ، فالتَقَت الصِّيحَتانِ في الطَّريقِ فلَم يُدرَ أيُّهما ماتَ قبلَ صاحبِه، فلَم تَرثْه ولَم يَرثْها، وأنَّ أهلَ صِفينَ وأهلَ الحَرةِ لَم يُتوارَثوا؛ ولأنَّ شَرطَ التَّوريثِ حَياةُ الوارثِ بعدَ مَوتِ المَوروثِ وهو غيرُ مَعلومٍ، ولا يَثبتُ التَّوريثُ معَ الشكِّ في شَرطِه، ولأنَّه لَم تُعلَمْ حَياتُه حينَ مَوتِ مَوروثِه فلَم يَرثْه كالحَملِ إذا وضعَتْه مَيتًا؛ ولأنَّ الأصلَ عدمُ التَّوريثِ فلا نُثبِتُه بالشكِّ، ولأنَّ تَوريثَ كلِّ واحدٍ منهما خَطأٌ يَقينًا؛ لأنَّه لا يَخلو مِنْ أنْ يَكونَ مُوتُهما معًا أو سبَقَ أَحدُهما به، وتَوريثُ السابقِ بالمَوتِ والمَيتِ معَه خَطأٌ يَقينًا مُخالِفٌ للإِجماعِ فكيف يُعمَلُ به؟
[ ٢٤ / ٦٠٩ ]
قالَ الإمامُ السَّرخسيُّ ﵀: اتَّفقَ أَبو بكرٍ الصِّديقُ وعُمرُ بنُ الخَطابِ وزَيدُ بنُ ثابتٍ ﵃ في الغَرقَى والحَرقَى إذا لَم يُعلَمْ أيُّهم ماتَ أولًا أنَّه لا يَرثُ بعضُهم من بعضٍ، وإنَّما يُجعلُ مِيراثُ كلِّ واحدٍ منهم لوَرثتِه الأَحياءِ به قَضى زَيدٌ في قَتلَى اليَمامةِ حينَ بعَثَه أَبو بكرٍ لقِسمَةِ مِيراثِهم، وبه قَضى زَيدٌ في الذين هلَكوا في طاعونِ عِمْواسَ حينَ بعَثَه عُمرُ ﵁ لقِسمةِ مِيراثِهم، وبه قَضي زَيدٌ في قَتلَى الحَرةِ، وهكذا نُقلَ عن عليٍّ ﵁ أنَّه قَضى به في قَتلَى الجَملِ وصِفينَ، وهو قولُ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ، وبه أخَذَ جُمهورُ الفُقهاءِ.
وقد رُويَ عن عليٍّ وعبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵁ في رِوايةٍ أُخرَى أنَّ بعضَهم يَرثُ مِنْ بعضٍ إلا فيما ورِثَ كلُّ واحدٍ منهم مِنْ صاحبِه ولَم يَأخذْ بهذه الرِّوايةِ أحدٌ مِنْ الفُقهاءِ.
وَجهُ هذه الرِّوايةِ أنَّ سَببَ استِحقاقِ كلِّ واحدٍ منهم مِيراثَ صاحبِه مَعلومٌ وسَببُ الحِرمانِ مَشكوكٌ فيه؛ لأنَّ سَببَ الاستِحقاقِ حياتُه بعدَ مَوتِ صاحبِه وقد عرَفْنا حياتَه بيَقينٍ فيَجبُ التَّمسكُ به حتى يأتِيَ بيَقينٍ آخرَ، وسَببُ الحِرمانِ مَوتُه قبلَ مَوتِه، وذلك مَشكوكٌ فيه فلا يَثبُتُ الحِرمانُ بالشكِّ إلا فيما ورِثَ كلُّ واحد منهما من صاحبِه لأجلِ الضَّرورةِ؛ لأنَّا حينَ أَعطَينا أحدَهما مِيراثَ صاحبِه فقد حكَمْنا بحياتِه فيما ورِثَ مِنْ صاحبِه ومِن ضَرورتِه الحُكمُ بمَوتِ صاحبِه قبلَه ولكنَّ الثابتَ بالضَّرورةِ لا يَعدو مَوضعَ الضَّرورةِ، وإنَّما تَحقَّقت هذه الضَّرورةُ فيما ورِثَ كلُّ واحدٍ منهما مِنْ صاحبِه، ففيما سِوى
[ ٢٤ / ٦١٠ ]
ذلك يُتمَسكُّ بالأصلِ؛ فإنَّ هذا أصلٌ كَثيرٌ في الفِقهِ، أنَّ اليَقينَ لا يُزالُ بالشكِّ؛ كمَن تَيقَّنَ الطَّهارةَ وشكَّ في الحَدثِ أو عَكسِ ذلك.
فأما وَجهُ القولِ الآخرِ أنَّ سَببَ استِحقاقِ كلِّ واحدٍ منهما مِيراثَ صاحبِه غيرُ مَعلومٍ يَقينًا، والاستِحقاقُ يَنبَني على السَّببِ، فما لَم يَتيَقنِ السَّببَ لا يَثبُتُ الاستِحقاقُ؛ لأنَّ في الفِقهِ أَصلٌ كَثيرٌ، أنَّ الاستِحقاقَ بالشكِّ لا يَثبُتُ، وبيانُه أنَّ سَببَ الاستِحقاقِ بَقاؤُه حيًّا بعدَ مَوتِ مُورِّثِه، ولا يُعلمُ هذا يَقينًا وإنَّما نَعرفُه بطَريقِ الظاهرِ واستِصحابِ الحالِ؛ لأنَّ ما عُرفَ ثُبوتُه فالظاهرُ بَقاؤُه، ولكنَّ هذا البَقاءَ لانعِدامِ دَليلِ المُزيلِ لا لوُجودِ المُبقِي؛ فإنَّما يُعتبَرُ في بَقاءِ ما كانَ على ما كانَ لا في استِحقاقِ ما لَم يَكنْ، كحَياةِ المَفقودِ يُجعَلُ ثابتًا في نَفيِ التَّوريثِ عنه، ولا يُجعلُ ثابتًا في استِحقاقِ المِيراثِ عن مُورِّثِه، وبهذا الطَّريقِ لا يَرثُ كلُّ واحدٍ منهما من صاحبِه ما يَرثُه عنه فكذلك سائرُ الأَموالِ، وهذا لأنَّ الإِرثَ يَثبُتُ بِسببٍ لا يَحتَملُ التَّحرِّي، فإذا تَعذَّرَ إِثباتُه في البعضِ يَتعذَّرُ إِثباتُه في الكلِّ، ولا وَجهَ لاعتِبارِ الأَحوالِ هنا؛ لأنَّ ذلك إنَّما يَكونُ عندَ التَّيقنِ بسَببِ الاستِحقاقِ وسَببِ الحِرمانِ والتَّرددِ فيما بينَ الأَشخاصِ كطَلاقِ المُتهَّمِ في إِحدَى نِسائِه إذا لَم يَدخُلْ بهنَّ؛ فإنَّ سَببَ الإِرثِ لبعضِهنَّ مَعلومٌ وهو النِّكاحُ، وسَببَ الحِرمانِ لبعضِهنَّ مَعلومٌ وهو عَدمُ النِّكاحِ، فتُعتبَرُ الأَحوالُ للتَّرددِّ بينَهنَّ بعدَ التَّيقنِ بأصلِ السَّببِ ولا تَيقُّنَ هنا بسَببِ الاستِحقاقِ، فلا مَعنى لاعتِبارِ الأَحوالِ، يُوضِّحُه أن المَقضيَّ له والمَقضيَّ عليه هنا مَجهولٌ، واعتِبارُ الأَحوالِ إنَّما
[ ٢٤ / ٦١١ ]
يَكونُ إذا كانَت الجَهالةُ في إِحدَى الجانِبينِ، أمَّا في جانِبِ المَقضيِّ له أو في جانِبِ المَقضيِّ عليه، فأمَّا عندَ وُقوعِ الجَهالةِ فيهما لا يَجوزُ القَضاءُ أصلًا ثم يُجعلُ كأنَّهما ماتا جَميعًا؛ لأنَّ إِسنادَ مَوتِ كلِّ واحدٍ منهما إلى الوَقتِ الذي يُمكنُ إِضافةُ مَوتِ الآخرِ إليه، ولا وَجهَ لإِثباتِ تاريخٍ بينَ المُورِّثينَ من غيرِ دَليلٍ، وكذلك إذا عُلمَ أنَّ أَحدَهما ماتَ أولًا ولا يُدرَى أيُّهما لتَحقُّقِ التَّعارُضِ بينَهما فيُجعَلُ كأنَّهما ماتا معًا (^١).
وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه إذا ماتَ مُتوارِثانِ بغَرقٍ أو هَدمٍ بأنِ انهَدمَ عليهما بَيتٌ ونحوُه أو غيرُ ذلك كطاعونٍ وجُهلَ أولُهما مَوتًا أو عُلمَ أولُهما مَوتًا ثم نُسيَ أو جهِلُوا عينَه بأنْ عُلمَ السَّبقُ وجُهلَ السابقُ، أو جُهلَ الحالُ ولَم يَختلِفوا في السابقِ بأنْ لَم يَدَّعِ وَرثةُ كلٍّ سَبقَ مَوتِ الآخَرِ، ورِثَ كلُّ واحدٍ مِنْ المَوتى صاحبَه، هذا قولُ عُمرَ وعليٍّ، قالَ الشَّعبيُّ: وقَعَ الطاعونُ بالشامِ عامَ عِمْواسَ فجعَلَ أَهلُ البَيتِ يَموتونَ عن آخرِهم، فكُتبَ في ذلك إلى عُمرَ، فأمَرَ عُمرُ: أنْ ورِّثوا بعضَهم مِنْ بعضٍ. قالَ أَحمدُ: أَذهبُ إلى قولِ عُمرَ.
_________________
(١) «المبسوط» (٣٠/ ٢٧، ٢٩)، ويُنظَر: «مختصر اختلاف العلماء» (٤/ ٤٥٤، ٤٥٥)، و«شرح مختصر الطحاوي» للجصاص (٤/ ٧٩)، و«الاختيار» (٥/ ١٣٥، ١٣٦)، و«عيون المسائل» للقاضي عبد الوهاب المالكي ص (٦٢٨، ٦٢٩)، و«التلقين» (٢/ ٥٥٩)، و«التاج والإكليل» (٥/ ٥١٠)، و«شرح مختصر خليل» (٨/ ٢٢٣)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٥٨٩)، و«تحبير المختصر» (٥/ ٦٢٦، ٦٢٧)، و«الحاوي الكبير» (٨/ ٨٧، ٨٨).
[ ٢٤ / ٦١٢ ]
ورُويَ عن إِياسٍ المُزنِيِّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئلَ عن قومٍ وقَعَ عليهم بَيتٌ؟ فقالَ: «يَرثُ بعضُهم بعضًا».
فيَرثُ كلُّ واحدٍ مِنْ تِلادِ مالِه -والتِّلادُ بكَسرِ التاءِ: القَديمُ ضدُّ الطارِئِ وهو الحادثُ- أيِ الذي ماتَ وهو يَملِكُه دونَ ما ورِثَه مِنْ المَيتِ معَه؛ لئلَّا يَدخُلَه الدَّورُ فيُقدَّرُ أحدُهما ماتَ أولًا، فيُورَّثُ الآخرُ منه، ثم يُقسَمُ ما ورِثَه منه على الأَحياءِ من وَرثتِه، ثم يُصنَعُ بالثانِي كذلك، فإذا غرِقَ أَخوانِ ولَم يُعلَمِ الحالُ أَحدُهما مَولَى زَيدٍ، والآخرُ مَولَى عَمرٍو، صارَ مالُ كلِّ واحدٍ منهما لمَولَى الآخَرِ.
وإن جُهلَ السابقُ منهما واختَلفَ وَرثتُهما فيه بأنِ ادَّعى كلٌّ تَأخُّرَ مَوتِ مُورِّثِه ولا بَينةَ لأَحدِهما أو كانَت لهما بَينَتانِ وتَعارضَت البَينَتانِ تَحالَفا، أي حلَفَ كلٌّ منهما على ما أنكَرَ مِنْ دَعوَى صاحبِه؛ لعُمومِ حَديثِ «البَينةُ على المُدعِي واليَمينُ على مَنْ أنكَرَ» ولَم يَتوارَثا؛ لعَدمِ وُجودِ شَرطِه، وهو تَحقُّقُ حَياةِ الوارثِ بعدَ مَوتِ المُورِّثِ، وإنَّما خُولفَ فيما سبَقَ لِما تقَدمَ.
كما إذا ماتَت امرَأةٌ وابنُها فقالَ زَوجُها: ماتَت فورِثْناها، ثم ماتَ ابنِي فورِثْتُه وقالَ أَخوها: بل ماتَ ابنُها فورِثَتْه أي ورِثَتْ منه ثم ماتَتْ بعدَه فورِثْنَاها أي ورِثَها أَخوها المُدعِي وزَوجُها، حلَفَ كلُّ واحدٍ منهما على إِبطالِ دَعوَى صاحبِه؛ لأنَّه يُنكِرُها، وكانَ مِيراثُ الابنِ لأبِيه عَملًا باليَقينِ، وكانَ مِيراثُ المَرأةِ لأخِيها وزَوجِها نِصفَينِ، للزَّوجِ نِصفُه فَرضًا، والباقِي لأخِيها تَعصيبًا وإنْ لَم يَقعْ تَداعٍ.
[ ٢٤ / ٦١٣ ]
ولو عيَّنَ الوَرثةُ مَوتَ أَحدِهما بأنْ قالوا: ماتَ فُلانٌ يومَ كذا مِنْ شَهرِ كذا عندَ الزَّوالِ وشَكُّوا: هل ماتَ الآخرُ قبلَه أو بعدَه؟ ورِثَ مَنْ شُكَّ في مَوتِه مِنْ المَيتِ الآخرِ الذي عيَّنوا مَوتَه؛ لأنَّ الأَصلَ بَقاءُ حَياتِه (^١).
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا غرِقَ المُتوارِثانِ أو ماتا تحتَ هَدمٍ فجُهلَ أولُهما مَوتًا ورِثَ بعضُهم مِنْ بعضٍ.
وجُملةُ ذلك: أنَّ المُتوارِثينِ إذا ماتا فجُهلَ أولُهما مَوتًا، فإنَّ أحمدَ قالَ: أَذهبُ إلى قولِ عُمرَ وعليٍّ وشُريحٍ وإِبراهيمَ والشَّعبي، يَرثُ بعضُهم مِنْ بعضٍ، يَعني مِنْ تِلادِ مالِه دونَ طارِفِه وهو ما ورِثَه مِنْ مَيتٍ معَه.
وهذا قولُ مَنْ ذكَرَه الإمامُ أحمدُ وهو قولُ إِياسِ بنِ عبدِ اللهِ المُزنِيِّ وعَطاءٍ والحَسنِ وحُميدٍ الأَعرجِ وعبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ وابنِ أَبي لَيلَى والحَسنِ ابنِ صالحٍ وشُريكٍ ويَحيَى بنِ آدمَ وإِسحاقَ، وحُكيَ ذلك عن ابنِ مَسعودٍ.
قالَ الشَّعبيُّ: وقَعَ الطاعونُ بالشامِ عامَ عِمْواسَ فجعَلَ أهلُ البَيتِ يَموتونَ مِنْ آخرِهم فكُتبَ في ذلك إلى عُمرَ، فكتَبَ عُمرَ: «أنْ ورِّثوا بعضَهم مِنْ بعضٍ» (^٢).
_________________
(١) «المغني» (٦/ ٢٥٦، ٢٥٧)، و«الكافي» (٢/ ٥٤٨)، و«المبدع» (٦/ ٢٢٧)، و«الإنصاف» (١١/ ٣٤٥، ٣٤٦)، و«كشاف القناع» (٤/ ٥٦٩، ٥٧١)، و«مطالب أولي النهى» (٤/ ٦٤٢، ٦٤٤)، و«منار السبيل» (٢/ ٤٥٧، ٤٦٢).
(٢) حَدِيثٌ ضعيفٌ: رواه سعيد بن منصور في «سننه» (١/ ٣٥)، رقم (٢٣٢)، وفي إِسنادِه الشَّعبيُّ مُرسلٌ عن عُمرَ.
[ ٢٤ / ٦١٤ ]
ورُويَ عن أَبي بكرٍ الصِّديقِ وزَيدٍ وابنِ عَباسٍ ومُعاذٍ والحَسنِ بنِ عليٍّ أنَّهم لَم يُورِّثوا بعضَهم مِنْ بعضٍ، وجعَلوا ما لكُلِّ واحدٍ للأَحياءِ مِنْ وَرثتِه، وبه قالَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ وأَبو الزِّنادِ والزُّهريُّ والأَوزاعيُّ ومالكٌ والشافِعيُّ وأَبو حَنيفةَ وأَصحابُه، ويُروَى ذلك عن عُمرَ والحَسنِ البَصريِ وراشدِ بنِ سَعدٍ وحَكيمِ بنِ عُميرٍ وعبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ.
ورُويَ عن أحمدَ ما يَدلُّ عليه؛ فإنَّه قالَ في امرَأةٍ وابنِها ماتا فقالَ زَوجُها: ماتَت فورِثْناها ثم ماتَ ابْني فورِثْتُه، وقالَ أَخوها: ماتَ ابنُها فورِثَتْه ثم ماتَت فورِثْناها: حلَفَ كلُّ واحدٍ منهما على إِبطالِ دَعوَى صاحبِه، وكانَ مِيراثُ الابنِ لأبِيه ومِيراثُ المَرأةِ لأخِيها وزَوجِها نِصفَينِ.
فجُعلَ مِيراثُ كلِّ واحدٍ منهما للأَحياءِ مِنْ وَرثتِه، فيَحتَملُ أنْ يُجعلَ هذا رِوايةً عن أحمدَ في جَميعِ مَسائلِ البابِ، ويَحتَملُ أنْ يَكونَ هذا قولَه فيما إذا ادَّعى وارثُ كلِّ مَيتٍ أنَّ مَوروثَه كانَ آخرَهما مَوتًا، ويَرثُ كلُّ واحدٍ منهما مِنْ الآخرِ إذا اتَّفقَ وَراثُهم على الجَهلِ بكَيفيةِ مَوتِهم؛ لأنَّ معَ التَّداعِي تَتوجهُ اليَّمينُ فيَحلِفُ على المُدعَّى عليه، فيَحلِفُ على إِبطالِ دَعوَى صاحبِه ويَتوفَّرُ المِيراثُ له كما في سائرِ الحُقوقِ، بخِلافِ ما إذا اتَّفَقوا على الجَهلِ، فلا تَتوجهُ يَمينٌ؛ لأنَّ اليَمينَ لا يُشرَعُ في مَوضعٍ اتَّفَقوا على الجَهلِ به.
واحتَجَّ مَنْ قالَ بعَدمِ تَوريثِ بعضِهم مِنْ بعضٍ بما رَوى سَعيدٌ: حدَّثَنا إِسماعيلُ بنُ عَياشٍ عن يَحيَى بنِ سَعيدٍ «أنَّ قَتلَى اليَمامةِ وقَتلَى صِفينَ والحَرةِ لَم يُورِّثوا بعضَهم مِنْ بعضٍ وورَّثوا عَصبتَهم الأَحياءَ».
[ ٢٤ / ٦١٥ ]
وقالَ: حدَّثَنا عبدُ العَزيزِ بنُ مُحمدٍ عن جَعفرِ بنِ مُحمدٍ عن أبِيه أنَّ أمَّ كُلثومٍ بنتَ عليٍّ تُوفِّيت هي وابنُها زَيدُ بنُ عُمرَ فالتَقَت الصَّيحَتانِ في الطَّريقِ فلَم يُدرَ أيُّهما ماتَ قبلَ صاحبِه فلَمْ تَرثْه ولَم يَرثْها»، وأنَّ أهلَ صِفينَ وأهلَ الحَرةِ لَم يَتوارَثوا، ولأنَّ شَرطَ التَّوريثِ حَياةُ الوارثِ بعدَ مَوتِ المَوروثِ وهو غيرُ مَعلومٍ، ولا يَثبتُ التَّوريثُ معَ الشكِّ في شَرطِه، ولأنَّه لَم تُعلَمْ حياتُه حينَ مَوتِ مَوروثِه فلَم يَرثْه، كالحَملِ إذا وضعَتْه مَيتًا؛ ولأنَّ الأصلَ عَدمُ التَّوريثِ فلا نُثبِتُه بالشكِّ، ولأنَّ تَوريثَ كلِّ واحدٍ منهما خَطأٌ يَقينًا؛ لأنَّه لا يَخلو مِنْ أنْ يَكونَ مَوتُهما معًا أو سبَقَ أحدُهما به، وتَوريثُ السابقِ بالمَوتِ والمَيتِ معَه خَطأٌ يَقينًا مُخالِفٌ للإِجماعِ، فكيف يُعملُ به؟
فإنْ قيلَ: ففي قَطعِ التَّوريثِ قَطعُ تَوريثِ المَسبوقِ بالمَوتِ وهو خَطأٌ أيضًا، قُلنا: هذا غيرُ مَتيقَّنٍ؛ لأنَّه يَحتَملُ مَوتَهما جَميعًا، فلا يَكونُ فيهما مَسبوقٌ، وقد احتَجَّ بعضُ أَصحابِنا بما رَوى إِياسُ بنُ عبدِ اللهِ المُزنِيِّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئلَ عن قومٍ وقَعَ عليهم بَيتٌ فقالَ: «يَرثُ بعضُهم بعضًا» (^١) والصَّحيحُ: أنَّ هذا إنَّما هو عن إِياسٍ نفسِه، وأنَّه هو المَسؤولُ وليسَ بروايةٍ عن النَّبيِّ ﷺ، هكذا رَواه سَعيدٌ في سُننِه وحَكاهُ الإمامُ أحمدُ عنه.
_________________
(١) صَحِيحٌ مَوقوفًا: رواه عبد الرزاق في «المصنف» (١٩١٥٩)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٣١٩٩٤).
[ ٢٤ / ٦١٦ ]
وقالَ أَبو ثَورٍ وشُريحٌ وطائِفةٌ مِنْ البَصرِيينَ: يُعطَى كلُّ وارثٍ اليَقينَ ويُوقفُ المَشكوكُ فيه حتى يَتبيَّنَ الأمرُ أو يَصطَلِحوا.
وقالَ الخَبريُّ: هذا هو الحُكمُ فيما إذا عُلمَ مَوتُ أحدِهما قبلَ صاحبِه. ولَم يَذكُرْ فيه خِلافًا.
ومِن مِسائلِ ذلك: أَخوانِ غرِقا أحدُهما مَولَى زَيدٍ والآخَرُ مَولَى عَمرٍو، مَنْ ورَّثَ كلَّ واحدٍ منهما مِنْ صاحبِه جعَلَ مِيراثَ كلِّ واحدٍ منهما لمَولَى أخِيه ومَن لَم يُورِّثْ أحدَهما مِنْ صاحبِه جعَلَ مِيراثَ كلِّ واحدٍ منهما لمَولَاه.
ومَن قالَ بالوَقفِ وقَفَ مالَهما، فإنِ ادَّعى كلُّ واحدٍ مِنْ المَولَيينِ أنَّ مَولَاه آخرُهما مَوتًا، حلَفَ كلُّ واحدٍ منهما على إِبطالِ دَعوَى صاحبِه وأخَذَ مالَ مَولاهُ على مَسأَلةِ الخِرقيِّ.
وإنْ كانَت لهما أُختٌ فلها الثُّلثانِ مِنْ مالِ كلِّ واحدٍ منهما على القولِ الأولِ، والنِّصفُ على القولِ الثانِي.
وإنْ خلَّفَ كلُّ واحدٍ منهما بِنتًا وزَوجةً فمَن لَم يُورِّثْ بعضَهم مِنْ بعضٍ صحَّحَها مِنْ ثَمانيةٍ لامرَأتِه الثُّمنُ ولابنَتِه النِّصفُ والباقِي لمَولاهُ، ومَن ورَّثَهم جعَلَ الباقِي لأخِيه ثم قسَمَه بينَ وَرثةِ أخِيه على ثَمانيةٍ ثم ضرَبَها في الثَّمانيةِ الأُولَى فصَحَّت مِنْ أَربعةٍ لامرَأتِه ثَمانيةٌ، ولابنَتِه اثنانِ وثَلاثونَ، ولامرَأةِ أخِيه ثُمنُ الباقِي ثَلاثةٌ، ولابنَتِه اثنَا عَشرَ، ولمَولاهُ الباقِي تِسعةٌ.
[ ٢٤ / ٦١٧ ]
أخٌ وأُختٌ غرِقا ولهما أمٌّ وعمٌّ وزَوجانِ، فمَن ورَّثَ كلَّ واحدٍ مِنْ صاحبِه جعَلَ مِيراثَ الأخِ بينَ امرَأتِه وأمِّه وأُختِه على ثَلاثةَ عَشرَ، فما أَصابَ الأُختَ منها فهو بينَ زَوجِها وأمِّها وعمِّها على سِتةٍ، فصَحَّت المَسأَلتانِ مِنْ ثَلاثةَ عَشرَ، لامرَأةِ الأخِ ثَلاثةٌ، ولزَوجِ الأُختِ ثَلاثةٌ، وللأمِّ أربَعةٌ بمِيراثِها مِنْ الأخِ واثنَانِ بمِيراثِها مِنْ الأُختِ، وللعمِّ سَهمٌ، ومِيراثُ الأُختِ بينَ زَوجِها وأمِّها وأخِيها على سِتةٍ، لأخِيها سَهمٌ بينَ أمِّه وامرَأتِه، وعمِّه على اثنَي عَشرَ، تَضرِبُها في الأُولى تَكنْ مِنْ اثنَينِ وسَبعينَ، والضَّررُ في هذا القولِ على مَنْ يَرثُ مِنْ أحدِ المَيتَينِ دونَ الآخرِ، ويَنتفِعُ به مَنْ يَرثُ منهما.
ثَلاثةُ إِخوةٍ مِنْ أَبوَينِ غرِقوا ولهم أمٌّ أو عَصبةٌ فقُدرَ مَوتُ أَحدِهم أولًا فلأمِّه السُّدسُ والباقِي لأَخوَيه فتَصحُّ مِنْ اثنَي عَشرَ، لكلِّ واحدٍ مِنْ أَخوَيه خَمسةٌ بينَ أمِّه وعَصبتِه على ثَلاثةٍ، فتَضرِبُها في الأُولَى تَكنْ سِتةً وثَلاثينَ، للأمِّ مِنْ مِيراثِ الأولِ السُّدسُ سِتةٌ، وممَّا ورِثَه كلُّ واحدٍ مِنْ الأَخوَينِ خَمسةٌ، فصارَ لها سِتةَ عَشرَ، والباقِي للعَصبةِ، ولها مِنْ مِيراثِ كلِّ واحدٍ مِنْ الأَبوَينِ مثلُ ذلك (^١).