اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ غابَ غَيبةً ظاهِرُها الهَلاكُ كمَن فُقدَ مِنْ بينِ أَهلِه، ومَن غرِقَ مَركبُه فسلِمَ قومٌ دونَ قومٍ، أو في مَفازةٍ مُهلِكةٍ، أو فُقدَ بينَ الصَّفينِ في حالِ التِحامِ القِتالِ، هل يُنتَظرُ به مُدةٌ لا يَعيشُ فيها غالبًا ثم يُقسَمُ مالُه أمْ يُنتَظرُ به أربَعةٌ أَعوامٍ أم عامٌ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّه لا فَرقَ بينَ مَنْ يُفقدُ في غَيبةٍ ظاهِرُها الهَلاكُ أو لا؛ فالحُكمُ واحدٌ على التَّفصيلِ السابقِ في الحالةِ الأُولَى (^٢).
وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ مَنْ انقَطعَ خبَرُه لغَيبةٍ ظاهِرُها الهَلاكُ
كمَن غرِقَ مَركبُه فسلِمَ قومٌ دونَ قومٍ، أو فُقدَ مِنْ بينِ أَهلِه، كمَن يَخرُجُ إلى الصَّلاةِ فلا يَعودُ أو يَخرُجُ إلى حاجةٍ قَريبةٍ فلا يَعودُ، أو فُقدَ في مَفازةٍ
_________________
(١) المغني» (٦/ ٢٦٣، ٢٦٤)، و«الكافي» (٢/ ٥٦٦)، و«الفروع» (٥/ ٢٥)، و«المبدع» (٦/ ٢١٥)، و«الإنصاف» (٧/ ٣٣٥)، و«كشاف القناع» (٤/ ٥٥٩، ٥٦٠)، و«منار السبيل» (٢/ ٤٤٩، ٤٥١).
(٢) «المبسوط» (٣٠/ ٥٤، ٥٥)، و«فتاوى السغدي» (٢/ ٨٥٥)، و«الحاوي الكبير» (٨/ ٨٨، ٩٠)، و«كنز الراغبين» (٣/ ٣٦٨، ٣٦٩)، و«النجم الوهاج» (٦/ ١٧٨، ١٨٠)، و«مغني المحتاج» (٤/ ٤٥، ٤٦).
[ ٢٤ / ٦٣٠ ]
مُهلِكةٍ، كمَفازةِ الحِجازِ أو فُقدَ بينَ الصَّفينِ حالَ التِحامِ القِتالِ، انتُظرَ تَمامَ أَربعِ سِنينَ منذُ فُقدَ؛ لأنَّها مُدةٌ يَتكرَّرُ فيها تَردُّدُ المُسافِرينَ والتُّجارِ، فانقِطاعُ خبَرِه عن أَهلِه معَ غَيبتِه على هذا الوَجهِ يُغلِّبُ ظنَّ الهَلاكِ؛ إذ لَو كانَ باقيًا لَم يَنقطِعْ خبَرُه إلى هذه الغايةِ؛ فلذلك حُكمَ بمَوتِه في الظاهرِ.
وعنه: يُنتَظرُ به أَربعُ سِنينَ وزِيادةً أَربعةُ أَشهرٍ وعَشرٌ.
فإنْ لَم يُعلَمْ خبَرُه بعدَ الأَربعِ سِنينَ قُسمَ مالُه بينَ وَرثتِه ويُزكَّى مالُه لِما مضى قبلَ قَسمِه؛ لأنَّ الزَّكاةَ حقٌ واجبٌ في المالِ، فيَلزَمُ أَداؤُها.
ولا يَرثُ المَفقودَ إلا الأَحياءُ مِنْ وَرثتِه وقتَ قَسمِ مالِه بعدَ الأَربعِ سِنينَ؛ لأنَّ مِنْ شُروطِ الإِرثِ تَحقُّقُ حَياةِ الوارثِ عندَ مَوتِ المَوروثِ، وهذا الوقتُ بمَنزِلةِ وقتِ مَوتِه. واعتَدَّت امرَأتُه عِدةَ الوَفاةِ وحلَّتْ للأَزواجِ لاتِّفاقِ الصَّحابةِ على ذلك.
ولا يَرثُ مِنْ المَفقودِ مَنْ ماتَ مِنْ وَرثتِه قبلَ الوقتِ الذي يُقسَمُ مالَه فيه؛ لأنَّه بمَنزِلةِ مَنْ ماتَ في حَياتِه؛ لأنَّها الأصلُ.
فإن قدِمَ المَفقودُ بعدَ قَسمِ المالِ أخَذَ ما وجَدَه مِنْ المالِ بعَينِه بيدِ الوارثِ أو غيرِه؛ لأنَّه قد تَبيَّنَ عَدمُ انتِقالِ مِلكِه عنه ورجَعَ على مَنْ أخَذَ الباقِي بعدَ المَوجودِ بمِثلِ مِثلِيٍّ وقَيمةِ مُتقوِّمٍ؛ لتَعذُّرِ ردِّه بعَينِه.
وإن ماتَ مَوروثُه أيْ: مَنْ يَرثُه المَفقودُ في مُدةِ التَّربصِ وهي المُدةُ التي قُلنا، يُنتَظرُ به فيها أخَذَ كلُّ وارثٍ غيرَ المَفقودِ مِنْ تَركةِ المُتوفَّى اليَقينَ
[ ٢٤ / ٦٣١ ]
وهو ما لا يُمكنُ أنْ يُنقَصَ عنه مِنْ حَياة المَفقودِ أو مَوتِه، ووُقفَ الباقِي حتى يَتيَقنَ أمرُه أو تَمضِيَ مَدةُ الانتِظارِ؛ لأنَّه مالٌ لا يُعلَمُ الآنَ مُستَحقُّه أَشبهَ الذي يُنْقَصُ نَصيبُه بالحَملِ (^١).
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: فَصلٌ في مِيراثِ المَفقودِ وهو نَوعانِ:
أحدُهما: الغالبُ مِنْ حالِه الهَلاكُ، وهو مَنْ يُفقَدُ في مَهلَكةٍ كالذي يُفقدُ بينَ الصَّفينِ وقد هلَكَ جَماعةٌ، أو في مَركبٍ انكَسرَ فغرِقَ بعضُ أَهلِه، أو في مَفازَةٍ يَهلَكُ فيها الناسُ، أو يُفقَدُ مِنْ بينِ أَهلِه، أو يَخرُجُ لصَلاةِ العِشاءِ أو غيرِها مِنْ الصَّلواتِ أو لحاجةٍ قَريبةٍ فلا يَرجِعُ ولا يُعلَمُ خبَرُه، فهذا يُنتَظرُ به أَربعُ سِنينَ، فإنْ لَم يَظهَرْ له خبَرٌ قُسمَ مالُه واعتَدَّت امرَأتُه عِدةَ الوَفاةِ وحلَّتْ للأَزواجِ، نصَّ عليه الإمامُ أحمدُ، وهذا اختِيارُ أَبي بكرٍ، وذكَرَ القاضِي أنَّه لا يُقسَمُ مالُه حتى تَمضِيَ عِدةُ الوفاةِ بعدَ الأَربعِ سِنينَ؛ لأنَّه الوقتُ الذي يُباحُ لامرَأتِه التَّزوجُ فيه، والأولُ أَصحُّ؛ لأنَّ العِدةَ إنَّما تَكونُ بعدَ الوَفاةِ فإذا حُكمَ بوَفاتِه فلا وَجهَ للوُقوفِ عن قَسمِ مالِه.
وإن ماتَ للمَفقودِ مَنْ يَرثُه قبلَ الحُكمِ بوَفاتِه وُقفَ للمَفقودِ نَصيبُه مِنْ مِيراثِه وما يُشكُّ في مُستَحقِّه وقُسمَ باقِيه، فإنْ بانَ حيًّا أخَذَه ورُدَّ الفَضلُ إلى أَهلِه، وإنْ عُلمَ أنَّه ماتَ بعدَ مَوتِ مَوروثِه دُفعَ نَصيبُه معَ مالِه إلى وَرثتِه،
_________________
(١) «المغني» (٦/ ٢٦٣، ٢٦٤)، و«الكافي» (٢/ ٥٦٦)، و«الفروع» (٥/ ٢٥)، و«المبدع» (٦/ ٢١٥)، و«الإنصاف» (٧/ ٣٣٥)، و«كشاف القناع» (٤/ ٥٥٩، ٥٦٠)، و«منار السبيل» (٢/ ٤٤٩، ٤٥١).
[ ٢٤ / ٦٣٢ ]
وإنْ عُلمَ أنَّه كانَ مَيتًا حينَ مَوتِ مَوروثِه رُدَّ المَوقوفُ إلى وَرثةِ الأَولِ، وإنْ مضَت المُدةُ ولَم يُعلَمْ خبَرُه رُدَّ أيضًا إلى وَرثةِ الأَولِ؛ لأنَّه مَشكوكٌ في حَياتِه حينَ مَوتِ مَوروثِه، فلا نُورِّثُه معَ الشكِّ كالجَنينِ الذي يَسقُطُ مَيتًا.
وكذلك إنْ علِمْنا أنَّه ماتَ ولَم يُدرَ متى ماتَ ولَم يُفرِّقْ سائرُ أهلِ العلمِ بينَ هذه الصُّورةِ وبينَ سائر صُورِ الفُقدانِ فيما علِمْنا إلا أنَّ مالكًا والشافِعيَّ ﵄ في القَديمِ وافَقا في الزَّوجةِ أنَّها تَتزوجُ خاصَّةً، والأَظهرُ مِنْ مَذهبِه مثلُ قولِ الباقِينَ، فأمَّا مالُه فاتَّفَقوا على أنَّه لا يُقسَمُ حتى تَمضِيَ مُدةٌ لا يَعيشُ في مثلِها على ما سنَذكرُه في الصُّورةِ الأُخرَى إنْ شاءَ اللهُ تَعالى؛ لأنَّه مَفقودٌ لا يَتحقَّقُ مَوتُه فأشبَه التاجِرَ والسائِحَ.
ولنا: اتِّفاقُ الصَّحابةِ ﵃ على تَزويجِ امرَأتِه على ما ذكَرْناه في العِدَدِ، وإذا ثبَتَ ذلك في النِّكاحِ معَ الاحتِياطِ للأَبضاعِ ففي المالِ أَولَى.
ولأنَّ الظاهرَ هَلاكُه فأَشبهَ ما لَو مضَت مُدةٌ لا يَعيشُ في مثلِها.
النوعُ الثانِي: مَنْ ليسَ الغالبُ هَلاكُه كالمُسافرِ لتِجارةٍ أو طَلبِ عِلمٍ أو سِياحةٍ ونحوِ ذلك ولَم يُعلَمْ خبَرُه، ففيه رِوايتانِ:
إِحداهُما: لا يُقسَمُ مالُه ولا تَتزَوجُ امرَأتُه حتى يُتيَقنَ مَوتُه أو يَمضي عليه مُدةٌ لا يَعيشُ في مثلِها، وذلك مَردودٌ إلى اجتِهادِ الحاكمِ، وهذا قولُ الشافِعيِّ ﵁ ومَحمدِ بنِ الحَسنِ، وهو المَشهورُ عن مالكٍ وأَبي حَنيفةَ وأَبي يُوسفَ؛ لأنَّ الأَصلَ حَياتُه، والتَّقديرُ لا يُصارُ إليه إلا بتَوقيفٍ، ولا تَوقيفَ هاهنا فوجَبَ التَّوقفُ عنه.
[ ٢٤ / ٦٣٣ ]
والرِّوايةُ الثانِيةُ: أنَّه يُنتَظرُ به تَمامُ تِسعينَ سَنةً معَ سَنةِ يومَ فُقدَ، وهذا قولُ عبدِ الملكِ بنِ الماجِشونَ؛ لأنَّ الغالبَ أنَّه لا يَعيشُ أَكثرَ مِنْ هذا.
وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الحَكمِ: يُنتَظرُ به إلى تَمامِ سَبعينَ سَنةً معَ سَنةِ يومِ فَقدِه ولعلَّه يحتَجُّ بقولِ النَّبيِّ ﷺ: «أَعمارُ أُمَّتي ما بينَ السَّبعينِ والسِّتينَ» (^١) أو كما قالَ، ولأنَّ الغالبَ أنَّه لا يَعيشُ أَكثرَ مِنْ هذا فأَشبَه التِّسعِينَ.
وقالَ الحَسنُ بنُ زِيادٍ: يُنتَظرُ به تَمامُ مائةٍ وعِشرينَ سَنةً، قالَ: ولو فُقدَ وهو ابنُ سِتينَ سنةً وله مالٌ لَم يُقسَمْ مالُه حتى يَمضِيَ عليه سِتونَ سَنةً أُخرَى، فيَكونَ له معَ سَنةِ يومَ فُقدَ مائةٌ وعِشرونَ سنةً، فيُقسَمُ مالُه حينَئذٍ بينَ وَرثتِه إنْ كانوا أَحياءً، وإنْ ماتَ بعضُ وَرثتِه قبلَ مُضيِّ مائةٍ وعِشرينَ وخلَّفَ وَرثةً لَم يَكنْ لهم شيءٌ مِنْ مالِ المَفقودِ، وكانَ مالُه للأَحياءِ مِنْ وَرثتِه ويُوقَفُ للمَفقودِ حِصتُه من مالِ مَورُوثِه الذي ماتَ في مُدةِ الانتِظارِ، فإنْ مضَت المُدةُ ولَم يُعلَمْ خبَرُ المَفقودِ رُدَّ المَوقوفُ إلى وَرثةِ مَوروثِ المَفقودِ ولَم يَكنْ لوَرثةِ المَفقودِ، قالَ اللُّؤلؤِيُّ: وهذا قولُ أَبي يُوسفَ.
وحَكى الخَبريُّ عن اللُّؤلؤِيِّ أنَّه قالَ: إنَّ المَوقوفَ للمَفقودِ، وإنْ لَم يُعلَمْ خبَرُه يَكونُ لوَرثتِه.
_________________
(١) حَسَنٌ صحيحٌ: رواه الترمذي (٣٥٥٠)، وابن ماجه (٤٢٣٦)، وابن حبان في «صحيحه» (٢٩٨٠).
[ ٢٤ / ٦٣٤ ]
قالَ: وهو الصَّحيحُ عندِي، والذي ذكَرْناه هو الذي حَكاهُ ابنُ اللَّبانِ عن اللُّؤلؤِيِّ فقالَ: لو ماتَت امرَأةُ المَفقودِ قبلَ تَمامِ مائةٍ وعِشرينَ سَنةً بيومٍ أو بعدَ فَقدِه بيومٍ وتمَّت مائةٌ وعِشرونَ سَنةً لَم تُورَّثْ منه شيئًا ولَم نُورِّثْه منها لأنَّنا لا نَعلَمُ أيَّهما ماتَ أولًا، وهذا قِياسُ قولِ مَنْ قالَ في الغَرقَى: إنَّه لا يُورَّثُ أحدُهم من صاحبِه ويَرثُ كلَّ واحدٍ الأَحياءُ مِنْ وَرثتِه.
قالَ القاضِي: هذا قِياسُ قولِ أحمدَ، واتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه لا يَرثُ المَفقودَ إلا الأَحياءُ مِنْ وَرثتِه يومَ قُسمَ مالُه لا مَنْ ماتَ قبلَ ذلك ولَو بيومٍ.
واختلَفوا فيمن ماتَ وفي وَرثتِه مَفقودٌ؛ فمَذهبُ أحمدَ وأَكثرِ الفُقهاءِ على أنَّه يُعطَى كلُّ وارثٍ مِنْ وَرثتِه اليَقينَ ويُوقَفُ الباقِي حتى يَتبَينَ أمرُه أو تَمضِيَ مُدةُ الانتِظارِ فتَعملُ المَسأَلةُ على أنَّه حيٌّ ثم على أنَّه مَيتٌ، وتَضرِبُ إِحداهُما في الأُخرَى إنْ تَبايَنَتا أو في وَفقِهما إنِ اتَّفقَتا، وتَجتَزئُ إِحداهُما إنْ تَماثَلتا أو بأَكثرِهما إن تَناسَبَتا وتُعطِي كلَّ واحدٍ أقلَّ النَّصيبَينِ، ومَن لا يَرثُ إلا مِنْ أَحدِهما لا تُعطِيه شيئًا، وتَقفُ الباقِي، ولهم أنْ يَصطَلحوا على ما زادَ على نَصيبِ المَفقودِ واختارَه ابنُ اللَّبانِ؛ لأنَّه لا يَخرُجُ عنهم وأنكَرَ ذلك الونِّيُ وقالَ: لا فائِدةَ في أنْ يُنقَصَ بعضُ الوَرثةِ عما يَستحِقُّه في مَسأَلةِ الحَياةِ وهي مُنتَفيةٌ، ثم يُقالُ له: لك أنْ تُصالِحَ على بعضِه، بلْ إنْ جازَ ذلك فالأَولَى أن نَقسِمَ المَسأَلةَ على تَقديرِ الحَياةِ ونَقفَ نَصيبَ المَفقودِ لا غيرَ، والأولُ أَصحُّ إنْ شاءَ اللهُ؛ فإنَّ الزائدَ عن نَصيبِ المَفقودِ مِنْ المَوقوفِ مَشكوكٌ في مُستَحقِّه ويَقينُ الحَياةِ مُعارضٌ بظُهورِ المَوتِ، فيَنبغِي أن
[ ٢٤ / ٦٣٥ ]
يُوقفَ كالزائدِ عن اليَقينِ في مَسائلِ الحَملِ والاستِهلالِ، ويَجوزُ للوَرثةِ المَوجودِينَ الصُّلحُ عليه؛ لأنَّه حقُّهم لا يَخرجُ عنُهم، وإِباحةُ الصُّلحِ عليه لا تَمنعُ وُجوبَ وَقفِه كما تقَدمَ في نَظائرِه، ووُجوبُ وَقفِه لا يَمنعُ الصُّلحَ عليه لذلك، ولأنَّ تَجويزَ أَخذِ الإِنسانِ حقَّ غيرِه برِضاهُ وصُلحَه لا يَلزَمُ منه جَوازُ أَخذِه بغيرِ إذنِه، وظاهرُ قولِ الونِّيِّ هذا أنْ تُقسَمَ المَسأَلةُ على أنَّه حيٌّ ويُقفَ نَصيبُه لا غيرَ.
وقالَ بعضُ أَصحابِ الشافِعيِّ ﵁: يُقسَمُ المالُ على المَوجودِينَ؛ لأنَّهم مُتحقَقونَ، والمَفقودُ مَشكوكٌ فيه فلا يُورَّثُ معَ الشكِّ.
وقالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ: القولُ قولُ مَنْ المالُ في يدِه؛ فلو ماتَ رَجلٌ وخلَّفَ ابنَتَيه وابنَ ابنٍ أَبوه مَفقودٌ، والمالُ في يدِ الابنَتينِ فاختَصَموا إلى القاضِي، فإنَّه لا يَنبَغي للقاضِي أنْ يُحوِّلَ المالَ عن مَوضعِه، ولا يَقفُ منه شيئًا سَواءٌ اعتَرَفت الابنَتانِ بفَقدِه أو ادَّعتا مَوتَه.
وإن كانَ المالُ في يدِ ابنِ المَفقودِ لَم يُعطَ الابنَتانِ إلا النِّصفَ أقلَّ ما يَكونُ لهما، وإنْ كانَ المالُ في يدِ أَجنبيٍّ فأقَرَّ بأنَّ الابنَ مَفقودٌ وُقفَ له النِّصفِ في يدِيه، وإنْ قالَ الأَجنبيُّ: «قد ماتَ المَفقودُ» لزِمَه دَفعُ الثُّلثينِ إلى البِنتَينِ ويُوقفُ الثُّلثُ إلا أنْ يُقرَّ ابنُ الابنِ بمَوتِ أبِيه فيُدفعُ إليه الباقِي، والجُمهورُ على القولِ الأولِ (^١).
_________________
(١) «المغني» (٦/ ٢٦٣، ٢٦٤).
[ ٢٤ / ٦٣٦ ]
وأما المالِكيةُ قد قسَّموا المَفقودَ إلى خَمسةِ أَقسامٍ، وجعَلوا لكلِّ واحدٍ منهم حُكمًا:
القِسمُ الأولُ: المَفقودُ في أَرضِ الإِسلامِ.
القِسمُ الثانِي: المَفقودُ في دارِ الحَربِ.
فهذا القِسمُ والذي قبلَه يُضرَبُ له مُدةُ التَّعميرِ وهي على الخِلافِ المُتقدِّمِ عندَهم كما في الحالةِ الأُولَى، ثم بعدَ ذلك يُقسَمُ مالُه بعدَ حُكمِ الحاكمِ
القِسمُ الثالِثُ: المَفقودُ في مُعترَكٍ بينَ المُسلِمينَ بعضِهم بعضًا.
وهذا القِسمُ وهو مَنْ فُقدَ في مَعركةِ المُسلِمينَ، فإنْ لَم يُوجَدْ بعدَ انقِضاءِ المَعركةِ فيُحكَمُ بمَوتِه، ويُقسَمُ مالُه بعدَ انفِصالِ الصَّفينِ.
القِسمُ الرابِعُ: المَفقودُ بينَ صَفيِ المُسلِمينَ والكُفارِ.
ومَن فُقدَ بعدَ مَعركةٍ بينَ المُسلِمينَ والكُفارِ فيُتْرَكُ مالُه سَنةً بعدَ انفِصالِ الصَّفينِ، ثم تُوزَّعُ تَركتُه.
القِسمُ الخامِسُ: المَفقودُ زَمنَ الطاعونِ والوَباءِ.
المَفقود زَمنَ الطاعونِ والوَباءِ بعدَ ذَهابِه ووُرِّثَ مالُه لغَلبةِ الظنِّ بمَوتِه، ولا يُضرَبُ له أَجلُ المَفقودِ (^١).
_________________
(١) «التاج والإكليل» (٣/ ١٨٦، ١٩٤)، و«مواهب الجليل» (٥/ ٣٩٩، ٤٠٦)، و«شرح مختصر خليل» (٤/ ١٤٨، ١٥٢)، و«الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٣/ ٤٢٩، ٤٣٦)، و«حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٦/ ٧٢، ٨١)، و(١١/ ٢١٣).
[ ٢٤ / ٦٣٧ ]